إدوارد لوس
حتى الآونة الأخيرة، معظم العالم كان يتوق لأن تُصبح الولايات المتحدة بلدا طبيعيا. لقد شهِدَت ما يكفي من أجندة الحرية الخاصة بجورج دبليو بوش على نحو يجعلها تتخلى عن الاستثنائية الأمريكية إلى الأبد. وينبغي للناس أن يكونوا حذرين فيما يتمنونه. دونالد ترامب قد يكون المرشح للرئاسة الأمريكية الأكثر عُرضة للزلات – والنزعة العدائية – في التاريخ. لكنه أيضا أول من سخر من الاعتقاد بأن مهمة أمريكا ينبغي أن تكون دعم القيم العالمية. ليس من الواضح ما إذا كان يعتقد حتى أن مثل هذه القيم موجودة. من ناحية أخرى، هيلاري كلينتون هي مشجّعة هذه القيم بلا حرج. قالت في حزيران (يونيو): «اعتقد من كل قلبي أن أمريكا هي بلاد استثنائية. فما زلنا، بكلمات لنكولن، أفضل آخر أمل للأرض».
الواقعيون في الولايات المتحدة الذين يعانون منذ فترة طويلة – أولئك الذين يجادلون بأن أمريكا ينبغي فقط أن تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية – يجب أن يتساءلوا عمّا فعلوه ليستحقوا مثل هذا البطل. ترامب يتعهد بتجنّب التعقيدات الخارجية، مثل الحروب الاستباقية في العراق. هذا هو ما يُريد الواقعيون سماعه. كذلك الأمر بالنسبة لرأي ترامب أن حلفاء أمريكا ينبغي أن يدفعوا أكثر مقابل الدفاع عنهم، أو أن الصين يحق لها احتلال الجزر المرجانية في بحر مُسمّى على اسمها. لماذا ينبغي دائما أن تلعب أمريكا دور الحكم؟ لكن ترامب يُفسد الأمور حتما من خلال إضافة اللمعان الخاص به – الوعد بهجوم نووي على داعش، مثلا، أو ادّعاء أن الرئيس باراك أوباما هو الذي أسس الجماعة الإرهابية. مفتاح الواقعية الناجحة هو المكر التكتيكي والمعرفة العميقة للعالم. ترامب يُجسّد العكس. مع أصدقاء مثل ترامب، لا يحتاج الواقعيون إلى أعداء.
هناك أيضا احتمال أن يخسر لمصلحة هيلاري في تشرين الثاني (نوفمبر). هزيمة ترامب ربما تأتي على الرغم من غرائزه المتعلقة بالسياسة الخارجية، وليس بسببها. على مدى أعوام، قال الشعب الأمريكي إنه سئم المغامرات العسكرية، ويعتقد أن أعضاء حلف الناتو ينبغي أن يتحمّلوا مزيدا من العبء، وأن دور أمريكا العالمي ينبغي أن يكون أكثر تواضعا. بناء الأمة لم يعُد فائزا في الانتخابات، هذا إذا كان كذلك على الإطلاق. شعار ترامب «أمريكا أولا» قد تكون له سوابق مؤسفة (اختاره المتعاطفون مع الفاشية في أوائل الأربعينيات)، لكن كثيرا من الأمريكيين سعداء بمعناه الحالي. إذا خسر، سيكون ذلك بسبب مزاجه غير الرئاسي بشكل واضح والميل لإهانة كل مجموعة تقريبا في أمريكا. لسوء حظ الواقعيين أن سفينتهم ربما تغرق معه، ما يعني أن سفن الاستثنائية الأمريكية ستُبحر مرة أخرى في عهد هيلاري في كانون الثاني (يناير) المُقبل. أين كانت خلال أعوام أوباما؟ السياسة الخارجية التي اتّبعها أوباما لم تكُن استثنائية ولا واقعية لكنها مزيج من الاثنين. بعد بضعة أسابيع من توليه المنصب، سألتُ ما إذا كان قد اشترك في مدرسة الاستثنائية الأمريكية. أجاب أوباما أنه كان استثنائيا أمريكيا بالطريقة نفسها التي «اشترك بها البريطانيون في الاستثنائية البريطانية، واليونانيون في الاستثنائية اليونانية». عقيدته، بعبارة أخرى، كانت شخصية بشكل مُعلن. ونظرا لمدى القسوة في تشكيك نقاد أوباما بوطنيته، جوابه اليوم قد يكون أقل غموضا. من الصعب أن نتصوّر أن هيلاري تقول ذلك. الاستثنائي الحقيقي لا يترك أي مجال للشك. إنه يعتقد أن الولايات المتحدة فخورة بنفسها وترى أكثر من الأمم الأخرى، كما قالت ذات مرة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية السابقة.
ماذا يعني هذا لإدارة هيلاري؟ أحداث غير متوقعة من شأنها رسم الكثير من رئاستها، كما هي الحال دائما. نضال رونالد ريجان مع «إمبراطورية الشر» للاتحاد السوفياتي كان موضع نقاش بسب صعود ميخائيل جورباتشوف. بوش الابن تولى المنصب واعدا بسياسة خارجية متواضعة. تمحوّر بسرعة نحو أفغانستان والعراق. وغادر المنصب مع آلاف الجنود الأمريكيين في كل بلد. في الوقت نفسه، تعهّد بيل كلينتون بدعم حقوق الإنسان ومواجهة «جزّاري بكين». لكن لأسفه الدائم، غض الطرف عن الإبادة الجماعية عام 1994 في رواندا. هذا كان إلى حد كبير بسبب ما تعلّمه من حدث آخر – كارثة «بلاك هوك» في الصومال. كما أدخل الصين أيضا إلى منظمة التجارة العالمية. لكن في كل حالة، فلسفة الرئيس شكّلت الطريقة التي يستجيب بها إلى الأحداث. يفترض كثيرون أن هيلاري ببساطة ستلتقط عصا المايسترو من أوباما، بما أنها كانت أول وزيرة خارجية في عهده. لكن خدمة رئيس تختلف تماما عن كونك رئيسا. في كل مسألة عسكرية نشأت في فترة ولاية أوباما الأولى، كانت هيلاري تتبنى الرأي المُتشدد. في بعض الأحيان كانت على الجانب المنتصر، كما حدث في التدخل في ليبيا. كذلك طريقة خطابها في الحملة تختلف اختلافا بينا عن طريقة أوباما. في 2008 تعهد أوباما بإحياء السلطة الأخلاقية لأمريكا في عالم كان يترنح من حروب بوش التي دخلها باختياره. وهي تتعهد بالانخراط في عالم خطر بكل الأدوات الموجودة تحت تصرفها. وهذا نوع مختلف من الاستجابة. ذات مرة لخص أوباما نهجه في السياسة الخارجية بأنه يقوم على «عدم الدخول في تصرفات سخيفة وحمقاء». وفي لحظة نقدية نادرة قالت هيلاري إن مبدأ أوباما لا يرقى إلى كونه مبدأ تنظيميا. وكانت على حق بطبيعة الحال. لكن في هذه الأوقات الخطرة، الغريزة التي تدفع المرء لكيلا يتصرف بطريقة مؤذية ربما تستحق من التقدير أكثر مما تلقاه.

التعليقات معطلة