عبدالرضا صالح محمد / العراق
أعراس عكاظ العربي الثقافي
في حلته الجديدة أطل علينا عكاظ برونقه الجميل بين إخوته وأحباءه العرب ، وازدهرت ساحاته بالرايات والأعلام والبنود والأضواء المبهجة والهوادج الملونة ، وأقبلت وفوده من جميع إرجاء الوطن العربي إلى ارض الكنانة ، منبع الحضارات ، بلاد النيل . وراح أهلها مستبشرين لاستقبال الضيوف وهم ينشدون : أدخلوها بسلام آمنين .
في مثل هذه الأيام تجمع العرب في سوق عكاظ لتأدية شعائر الحج ، رفعوا الرايات ونصبوا القباب واكتظ السوق بالوفود للبيع والشراء من كل نوع من التمر والزبيب والححبوب والخيول والسيوف والعطور والنسيج ، وحضر الشعراء من كل أرجاء الجزيرة ليتناشدوا ويتباروا بالقصائد ألعصام ، وضربت قبة حمراء للنابغة الذبياني وجلس لشعراء العرب على كرسي وسط القبة ، وعلى باب القبة تقف تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد (الخنساء ) لتنشد قصيدتها الرائية أمامه في رثاء أخيها صخر
ألا يا عَينِ فانهمري بغُدْرِ
وفِيضي فَيْضَة ً من غيرِ نَزْرِ
ولاَ تعدِي عزاءً بعدَ صخرٍ
فقد غُلبَ العزاءُ وعيلَ صَبري
لمرزئة ٍ كانَّ الجوفَ منهَا
بُعَيْدَ النّوْمِ يُشْعَرُ حَرّ جمرِ
على صَخْرٍ وأيّ فتًى كصَخْرٍ
لعانٍ عائلٍ غلقٍ بوترِ
فيعجب بشعرها ويقول : ( أذهبِ فأنت اشعر من كل ذات ثديين ، ولولا هذا الأعمى ويعني ( الأعشى ) لفضلتك على شعراء هذا الموسم .فيغضب الشاعر حسان بن ثابت ويقول ( أنا أشعر منك ومنها ) فيلتفت النابغة الذبياني إلى الخنساء ويقول : ( يا خناس خاطبيه ) فتلتفت الخنساء إليه وتسأله : ما أجود بيت في قصيدتك ؟ فيقول : هذا البيت :
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فقالت : ضعفت اختيارك في سبع مواضع ، قال : وكيف ؟ قالت : قلت ( لنا الجفنات ) والجفنات ما دون العشرة ، ولو قلت الجفان لكان أكثر . وقلت ( الغرّ ) والغرة بياض في الجبهة ، ولو قلت البيض لكان أكثر اتساعا . وقلت ( يلمعن ) واللمع شيء يأتي بعد الشيء ، ولو قلت يشرقن لكان أكثر لأن الإشراق أدوم من اللمعان ، وقلت ( بالضحى ) ولو قلت : بالدجى لكان أكثر طرّاقا . وقلت : ( أسياف ) والأسياف ما دون العشرة . ولو قلت : سيوف كان أكثر . وقلت : ( يقطرن ) . ولو قلت يسلن كان أكثر . وقلت : ( دما ) والدماء أكثر من الدم . فسكت حسان ولم يحر جوابا … يلحق