علي حسن الفواز
لماذا تكتسب معركة حلب بعداً ستراتيجيا في سياق الحرب على سوريا؟ ولماذا كثرت التدخلات الدولية لتعطيل حسم هذه المعركة؟ ولماذا راهن الإرهابيون على رمزية هذه المدينة رغم أعداد قتلاهم الكبيرة؟.
كلها أسئلة تدخل في سياق مواجهة الارهاب التكفيري، وطبيعة المرحلة التي ستتشكل بعده، ولعل معطيات المعارك الأخيرة في حلب ودخول الطيران الروسي في تغيير معادلة الواقع تؤكد أن معركة حلب هي الرهان الأخير للجماعات الارهابية، لما تمثله هذه المدينة من رمزية تاريخية، ومن بعد مهم في الجانب التسويقي، وفي سياق فرضيات الحلول المفترضة.
معركة حلب لم تعد حرب مناوراتٍ، ولا حتى حرب (الاقتراب غير المباشر) كما يسميها الخبير العسكري ليدل هارت، بل هي جزء من حرب النهايات، تلك التي تدخل في سياق تغيير الموازين، وحسم المعطيات السوقية على الأرض، وهو ما بات واضحا من خلال زخم القوة النارية المستخدمة، وحجم التدخلات الاقليمية والدولية فيها، فضلا عن حجم الجماعات الارهابية من الأصول غير السورية الوافدة الى جبهات حلب الجنوبية والغربية الساخنة.
حرب المواقع في حلب تكشف عن رهانات لوجستية، وعن محاولات لايجاد ثغرات في الحرب المفتوحة، وبقطع النظر عن توصيف معاركها فإن خصوصيتها تكمن في التأثير على الخارطة العسكرية وعلى معنويات القوات النظامية وحلفائها، لا سيما في تجمع المواقع العسكرية في كليتي التسليح والمدفعية، ومعمل السمنت والراموسة، وهذه المعارك الخالية من (الحس الثوري) تحولت الى حرب عصابات، والى إرهاب منظم. ورغم الخسائر الفادحة في الارواح والمُعدات، إلّا أنّ الاصرار على فرض سلطة الواقع عبر تهويل الحرب يعني السعي لفرض ضغط على مجريات التفاوض السياسي، وعلى حجم التدخل الدولي والاقليمي، هو ما يضع النظام السوري أمام حسابات داخلية واقليمية، في مواجهة هذا التصعيد المدعوم خليجيا ودوليا!!.
حرب الانتحاريين
الاسلوب الانتحاري منطق غير عسكري، وسلوك ينم على الكراهية واللامهنية، فضلا عن ما يحمله من نزعات تدميرية تغذيها ايديولوجيات عصابية وتكفيرية، وهذا ما تؤكده هويات الجماعات الارهابية التي تشارك في هذه المعارك من شيشان وطاجيك واوروبيين وصينيين وافغان وعرب، وطبيعة التدخلات الخارجية التي تيسر دخول الارهابيين، وتعزز من امداداتهم العسكرية والتموينية، لا سيما في المناطق المحاذية للحدود التركية، والتي باتت هي الطريق اللوجستي الذي يغذي حرب الجماعات في حلب.
وبحسب ما أورده الباحث العسكري تشارلز ليستر الخبير في (معهد الشرق الأوسط) فإن (المهاجمين لم يقوموا بتحويل القوات من إدلب إلى جبهات حلب، بل قاموا بتحويل قوات جديدة وافدة من الخارج إلى حلب مباشرةً، ما مجموعه 4200 مقاتل، وأن الفصائل قد تلقت تطمينات تركية وقطرية ومن غرفة «الموم» – النظير التركي لغرفة «الموك» الأردنية بأن الإمدادات ستتواصل).
إنّ ما حدث خلال الأيام الماضية بعد دخول (قوات سوريا الديمقراطية) الى مدينة (منبج) سيجعل من معركة حلب هي الرهان الأخير، وأن ما تشهده جبهاتها من تصعيد واسع يؤكد هذه الحقيقة، فضلا عن طبيعة الأدوار التي باتت مكشوفة للولايات المتحدة ولروسيا وتركيا ولدول الخليج، والذي يكشف عن الآثار المستقبلية لهذه المعركة، وعلى أي مسار تفاوضي، وعلى خيارات الجميع المتورطين فيها، ولعل أول المتغيرات يرتبط بالمواقف التركية، والتي بدت أكثر قلقا بعد سيطرة (الكرد) على مدينة منبج، والشروع بمرحلة السيطرة على مدينة (الباب) الواقعة على الحدود التركية وبدعمٍ أميركي واسع، وهو ما يعني تهديدا مباشرا بمشروع (الأقلمة) الكردية التي ترفضها تركيا أصلاً.
أوهام الدولة الداعشية
من أخطر تداعيات هذه المعطيات العسكرية هو سقوط وهم الدولة الداعشية، وفقدانها القدرة على مواجهة تحديات الواقع الجديد ومتغيراته، بعد أن تم تقويض المشروع القديم الذي حاولت فرضه، وبداية تخلي الحلفاء التقليديين عن الأوهام التي رافقته، والشروع نحو نوعٍ من الواقعية التي ستفرض منطقها وخطابها على البعض من أصحاب رهان الحسم العسكري، وهذا بطبيعة الحال يفترض وجود معطيات سياسية وأمنية ومواقف جديدة ترضخ للحلِّ السياسي الواقعي، وليس الحل الوهمي القائم على لعبة المزايدات والمناورات واصطياد الفرض، والذي سيجعل من الدول الحاضنة لما يسمى بجماعات (المعارضة) أكثر رضوخا لمتغيرات ذلك الواقع، ولمواقف الدول التي أصيبت بخيبة من تلك المتغيرات، خاصة وأن الثقل الروسي قد فرض واقعا دوليا قويا من الصعب تجاوزه. إنّ وهم الدولة الداعشية في سوريا والعراق بات أمراً تطرحه الدول الكبرى ذاتها، وأنَّ فقدان «داعش» وجبهة النصرة للمزيد من الأرض، والمزيد من مقاتليها هو إعلان عن سيناريو الحروب الأخيرة، إن كان في الموصل، أو في حلب، فهذه المعارك هي كشوفات لما سيجري، ولما ستكون عليه خارطة المنطقة، وحتى سياسة الأقلمة التي تناور بها الولايات المتحدة وبعض دول الإقليم ستكون غير واقعية مع طبيعة المتغيرات، وطبيعة القوى التي ستدير تلك الأقاليم، وما ستشكله من أخطار على دول الاقليم الشرق أوسطي ذاته، وعلى مصالح الدول الكبرى.