الانسان يساوي حريته المسؤولة الناضجة الواعية …وستشترط في حقل السياسة مستوى من العيش ..فالديمقراطية لا تناسب المدقعين والجياع ..كما تحتاج الى قدر من العدالة في المجتمع ..والى تحسس الاخر واحترام خياراته وخصوصياته..فشروط الديمقراطية غير سهلة ..ولأنها كذلك فقد كان من المفكرين والفلاسفة من تشدد في قبولها ..وكان الفيلسوف الانكليزي هوبز يحذر مواطنيه من مخاطر الديمقراطية،ولا يتردد في دعم الحكام الاقوياء ..ظنا منه ان ترك الانسان لطبعه يؤدي الى الفوضى والخراب والانتحار …ولا بد من توفر اسباب ومقومات الديمقراطية لكي تتجسد في الواقع …بمعنى انها ليست مسلمة او قرص دواء يبدأ مفعوله بعد ابتلاعه ..أنها ليست بداهة وبلا شروط ولا تحتاج للنقاش والتداول والاخذ والرد ..فالدواء السحري مرفق بالإرشادات والتعليمات ايضا، وقد رأينا نتائجها في العراق عندما قفزت على مراحل تكونها ..وعلى شروط حياتها،مع كارثة تبنيها من عقول غير ديمقراطية، بل ومن عقول مغلقة تناسلت داخلها الاوثان والجهالات …وبما يشجعنا للاعتقاد ان الربيع العربي وثوراته على الاوثان البشرية لن يمضي بلا متاعب ولا منغصات ..ولن يكون فصلا لطفح الازهار وعبق العطور ..ولسبب بسيط ..ان الثورات انفجارات،وفلتان أعصاب ونضوب طاقة التحمل ..وان خالطها الوعي المنهجي ..والقصدية الناضجة للتغيير وباستثناء العقول اليقظة والممنهجة فان هناك الدهماء والبسطاء والغوغاء الذين سيطالبون بثمن تظاهرهم وتضحياتهم لا بإجراءات ومعالجات عامة ..فهؤلاء سيطلبونها شخصية ..سينتظرونها مواقع ومناصب ..وبما يعني استحداث ملايين المناصب لهم ولورثتهم ..وقد رأينا في العراق من افتعل الدور وزور التاريخ وطالب بالثمن ..فما الذي سيطالب به المتظاهر في ليبيا وسوريا ومصر واليمن ؟ قد الف العرب بان النضال يطالب بثمن شخصي، بمكافأة شخصية ..وخصوصا بمنصب ..وعلينا ان نتوقع ايضا التقاتل على الكيكة في البلدان التي يشملها الربيع ..ولكن بوقت وجيز ولا يشبه نظيره الاسطوري في العراق …فالديمقراطية هناك سرعان ما ترمم نفسها وتستكمل شروطها وتختزل المراحل وتدخل في كامل الربيع ..اذ دائما ما يحرص المرء على ما كد وتعب في خلقه وانتاجه ..وانها شعوب تصنع ربيعها بنفسها ولا تستلمه من محتل ..وان استسهال الحريات الدمقراطية قد يعني استسهال امور كثيرة ..تفضي الى ان تكون الديمقراطية مقتل الشعوب ومصدر لأوبئة اجتماعية وأخلاقية .
نراهن ايضا ..ستحدث متاعب في ربيع العرب ولكنها لن تطول ..وسيتفرج عليها العراقي ويراها ديمقراطية تجمع وتوحد وتبتكر المختلف لإثراء ألوان الربيع. …سنرى …