في كتابه الممتع (أسس الصحة النفسية) يشير الدكتور عبد العزيز القوصي، الى جملة أسباب تدعو الأسرة الى (تدليل) هذا الابن عن غيره، كأن يكون ولدا بين عدة بنات، أو بنتاً بين عدة أولاد، أو لأنه وحيد أو معوق أو مريض.. الخ ، والدلال كما هو معروف اسلوب سلبي في التربية، لان الابن يتولد لديه شعور حاد بالنرجسية وحب الذات والأفضلية على الآخرين، وانه يأخذ ولا يعطي، وهكذا يحدث الانفصال بينه وبين محيطه الأسري وبيئته الاجتماعية، وتزداد مخاطر هذا الانفصال في المراحل المقبلة من العمر، فقد يعتمد إذا ما فقد المصدر – موت الوالدين مثلا – الى القوة والعنف وسوء التصرف لكي يديم وضعه الاستثنائي !
ويبدو ان (محاذير) الدلال لا تقتصر على عالم الأطفال والطفولة، فالزوج الذي يحظى بدلال زوجه الفرط، يمكن ان يقود الرجل الى النتائج ذاتها، ولعل اول اعوجاج يظهر عليه هو مكافأة زوجته بالزواج عليها، أما إذا حصل العكس وكانت الزوجة هي المدللة، فإنها تري زوجها نجوم الظهر !
في حياتنا العامة والسياسية منها على وجه الخصوص يمكن ان نتلمس ظاهرة (المدللين الكبار) بصورة أوضح وأوسع من ظاهرة المدللين الصغار ففي النظام السابق مثلا نجد الموظف (س) يتمتع على حساب غيره بأنواع التمييز والتفضيل على زملائه فالإيفاد الى خارج العراق من نصيبه وكذلك الترقية الوظيفية والاجازات المفتوحة والحضور الى الدائرة ومغادرتها متى يريد ويكون مكتبه قبل غيره فخم التأثيث ومزودا بأكثر من هاتف الى جانب أجهزة التبريد والتدفئة الحديثة ووحدة من يتمتع بخدمة سيارة النقل الحكومية ووحدة من يستطيع استخدام مركبة الدائرة لإيصال زوجته الى مقر عملها والأولاد الى مدارسهم و.. كل هذا وغيره كثير لان الموظف (س) هو واحد من اثنين أما لأنه من المحسوبين على (العائلة) الحاكمة او لأنه عضو متنفذ في حزب البعث بغض النظر عن الكفاءة او الشهادة او الدرجة الوظيفية او سنوات الخدمة !
لا اعرف عدد هؤلاء المدللين الكبار ولكن دعونا (نفترض) إنهم (40) ألفاً في ظل نظام يحكمه حزب واحد من دون وجود رسمي لأية أحزاب أخرى تمثل المعارضة وهذه هي السمة الطبيعية للدكتاتورية حيث حصرت الامتيازات جميعها بيد أربعين ألف شخص من أصل ثلاثين مليون عراقي لا يحظون إلا بالفتات والهوامش الصغيرة !
على ان قضية المدللين الكبار فيما يبدو هي ظاهرة ملازمة للأنظمة منذ قيام الدولة العراقية ولكنها في مرحلة تدفع الى الواجهة نمطا معينا من المدللين على وفق هوية النظام فهم إقطاعيون أو عسكريون او حزبيون والغريب ان هذه الظاهرة لم تتراجع حتى في ظل (النظام الديمقراطي) بعد 2003 والأغرب إنها انتعشت وتضخمت وتفاقمت في اجواء الديمقراطية بحيث استطيع الافتراض جازما ان الأربعين ألف مدلل أصبحوا أكثر من (400) الف مدلل لان أحزاب السلطة والمحسوبين عليهم لديهم آلاف المدللين ولان أحزاب المعارضة والمحسوبين عليها لديهم الاف المدللين ولان الانتهازيين وراكبي الموجة لديهم آلاف المدللين . وقبل ذلك لان الثلاثين مليون عراقي ممن نكل بهم (قادة الضرورة) على مر العصور وممن يعيشون على الفتات والهوامش الصغيرة مسكونون بالخوف والصمت !!