أمر مؤسف حقا، ومحزن في الوقت نفسه، إنني لم أحظ بتاريخ عريق مع الزميل أحمد عبد الحسين، ولا تربطني به صداقة وطيدة، ربما لفارق في العمر أو طبع ميال إلى العزلة يحكم سلوكي، إنما هي معرفة طارئة، وحديثة النشأة قد لا تتعدى عام 2006 ، لا ينقصها بالتأكيد قدر عظيم من الأحترام المتبادل، ولكنني بطريقة ما كنت قريبا منه إقترابا لا يخلو من هوس، فقد أدمنت على قراءته، واصبحت واحدا من مريديه واتباعه من حيث لا يدري وذلك منذ أول مقالة وقفت عليها، حتى إنني اتصلت بغير واحد من اصدقائي كتاب المقالات، وطلبت منهم متابعة هذه القامة الكبيرة ثم اقترحت عليهم بلا حياء، الانسحاب من الساحة إذ لم يبق لنا فيها مكان فطالما حضر الماء بطل التيمم وكما هو متوقع، لم يستجب أحد لمقترحي، لأن لقمة العيش كافرة!

أعترف، إن ما يتسم به هذا القلم من شجاعة قد أذهلني خاصة وإنه لامس عقدة متأصلة من عقدي الشخصية، فأنا منذ قرابة خمسين سنة مسكون بالخوف من الشرطي والمسؤول وحديثي النعمة، وأكثر خوفا من الشرطي حين يصبح مسؤولا، ومن المسؤول حين يتحول إلى شرطي، ولو ـ لا سمح الله ـ تعرضت يوما إلى (التلويح) بالتعذيب، فسأعترف على شيخ عشيرتنا، وتفجيرات المركز التجاري في نيويورك، وعلى أي متسكع في الشارع لا أعرفه، وسيكون من دواعي سعادتي، لو طلبوا مني إتهام زوجتي بالأرهاب.

أحمد عبد الحسين من طينة أخرى، قلم يجيد المواجهة، وإذا أضطر مكرها إلى الإعتراف، لن يعترف على غير نفسه، إنه الصورة المثالية التي افتقر إليها، وأشعر بالحرج من نفسي أمامها، غير إن إنبهاري به، لا يقتصر على صفة الشجاعة التي يتحلى بها فقط، بل هناك ما هو أعمق، فهذا الرجل على المستوى الفني، مجموعة قدرات يندر اجتماعها في شخص واحد، إنه لغة عالية توفرت لها عناصر السمو والتشويق والسلاسة، وذهن متوقد يحسن الأستنباط والابتكار، وعقل جدلي متنور، يرفض القبول بالمسلمات، ولا يتوانى عن مناقشتها ودحضها أحيانا ولو وردت في ألف نسخة مما نسخه الأقدمون والمحدثون، ولا يجد ضيرا في الوقوف وحده ولا حرجا إذا أقتنع برأي وإن إصطفت ضده آراء الجن والأنس، هل سواه كان سيفطن إلى (حنون) الذي ما زاد في الإسلام خردلة، فيذهب إلى إن قائل هذا البيت المشهور والمؤمنين به، إنما انتقصوا من حنون وحقروا شأنه، ليس لضعف فيه أو علة، بل لكونه خالفهم الرأي، أو خرج عن طاعتهم، وهل غير أحمد عبد الحسين كان قادرا على اشعال معارك أدبية وسياسية وثقافية، قد لا يجد له فيها نصيرا، ولكنه لم يتردد عن قول ما يرى ويقتنع ويؤمن، وهو في ذلك كله غير متزمت ولا نرجسي، إنما محاور يستند إلى قوة الحجة وعمق التحليل وبلاغة الأسلوب، اعوانا له في طريقه الموحشة!!

أعترف للمرة الثانية بما هو أخطر، فقد كنت أحسد الرجل، وأغار من مقالاته وسعة إطلاعه وطراوة لغته ، ومن علاقاته الواسعة والطيبة مع المحيط الثقافي ، ولكنني لا أتمنى له الموت كما يفعل الخصوم، بل طول العمر والعافية التي أرجوها لنجوم الإبداع، ولم أتمن له الفشل كما يفعل السياسيون، بل مزيدا من التألق الذي أنشده لرموزنا الثقافية، وبعد ذلك ، رب سائل يسأل: لماذا تكتب عن أحمد عبد الحسين؟ ولماذا أخترت هذا الوقت بالذات؟ فأقول: الرجل يستحق منا التكريم والثناء والكتابة، في كل وقت وزمان ومكان ولو كره الكارهون!! هل بلغت .. اللهم فأشهد.

التعليقات معطلة