تكاثرت عندنا هذه الأيام مطابخ الطعام ، وقلت عندنا بل ندرت مطابخ الكلام ، ففي أغلب الفضائيات هناك زاوية للمطبخ ، ومطبخ ” تمر ولبن ” في الفضائية العراقية ربما أكثر موضوعية من كثير من برامج المناسبات والبرامج الثقافية . 

وفضائية ” فتافيت ” الخاصة بالطبخ مثالا على ذلك حتى أنها تزعم بتقديم ” 365″ نوعا من أصناف الطبخ وأنواعه ، وتحظى بالمشاهدة والمتابعة طيلة ساعات النهار ، فماذا يعني ذلك ؟ 

هل يعني أننا نهتم بمطابخ الطعام أكثر من مطابخ الكلام ، وهل مازال عندنا من يعتقد بوجود مطابخ للكلام وقد تركنا العربية الفصحى الى الحد الذي سمعنا بعضهم من ينادي بالكتابة بالعامية ؟ ولهذا نرى اليوم حتى إعلاناتنا أصبحت تكتب بالعامية كموضة من موضات العصر المصاب بالمنخفض الثقافي . 

دخل أعرابي على مجلس أحد أمراء العرب ، وكان يتحدث الى قومه ، فلما انتهى من كلامه ألتفت الى الإعرابي وقال له : ما تعدون الفهاهة عندكم يا أخا العرب ؟ فرد عليه قائلا : ما كنت فيه أيها الأمير . 

والفهاهة اليوم تجتاح كلامنا ، حتى أصبحت مجالسنا وندواتنا ومؤتمراتنا مستباحة بالفهاهة . 

والفهاهة : تعني العجز عن التعبير المناسب ، وعدم القدرة على إيصال الفكرة الى المتلقي والسامع ، مع ضياع جمالية اللغة . 

 ومطابخ الكلام كانت في مجالس العرب ، مثلما كانت في أشعارهم التي احتفظت بالمعلقات ، ثم تعززت وأخذت صورة الثبات والديمومة بالعطاء من خلال القرآن الكريم قال تعالى :” أنا أنزلناه قرأنا عربيا لعلكم تعقلون ” – يوسف – 2- وقال تعالى :” ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله أن الله عزيز حكيم ” لقمان – 27- 

وكان رسول الله “ص” أبلغ من تحدث بلغة الضاد ، وقد عبر عن ذلك الإمام علي بن أبي طالب عندما قال :” نحن أفصح ، وأنصح ، وأصبح ” وقال : ” تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه ” 

يقول علامة اللغة الأصمعي : دخل علي بدويا فقلت له : أتعرف الشعر ؟ فقال : كيف لا وأنا أمه وأبوه . يقول الأصمعي : فسألته أن يأتي ببيت من الشعر ينتهي بحرف علة ؟ فأنشدني ، فطلبت منه أن يأتي ببيت من الشعر ينتهي بالا سماء الخمسة : فأنشدني . يقول الأصمعي قلت لزوجتي تطبخ لنا دجاجة ، فلما حان الغداء ، قلت له يا أخا العرب : أقسم ، فقال تريد قسمة الشفع أم الوتر ؟ يقول الأصمعي قلت له أريد قسمة الشفع ، فقال كم عندك من العيال ؟ فقلت : ولدان وبنتان وزوجي ؟ فقال : الولدان والجناحان ، والبنتان والرجلان والرأس للرأس ، والذنب للمرأة ؟ يقول الأصمعي : قلت له أريد قسمة الوتر ، فقال : الولدان وجناح ، والبنتان ورجل ، الزوج وزوجه والرأس . فيقول الأصمعي فغلبني الرجل مرتين : مرة في الشعر ، ومرة في الأكل . 

وكانت العرب تعيب الإكثار من الأكل وتعده نهما قال الشاعر : 

قوم أذا سمعوا ببكة أكلة 

              حجوا لها قبل الحجيج بعام  

وقد مدح الإمام علي بن أبي طالب صديقا له فقال : ” كان لي صديق يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارج من سلطان بطنه ” لآن من يخرج من سلطان البطن : يكون كريما وشجاعا ووفيا ، ومن لا يخرج من سلطان البطن : يكون بخيلا وجبانا ولئيما جافيا . 

وكانت العرب تحترم الكلام وتعتز وتفتخر بمن يجيده ، ولذلك أحترم كلام القرآن حتى الذين لم يؤمنوا به ، فالوليد بن المغيرة الذي كان من دهاة العرب ومتكلميهم والعارفين بفنون الشعر والأدب عندما طلب من رسول الله أن يسمعه القرآن : أقشعر جلده ووقف شعر رأسه وصمت وذهب الى بيته حتى قال عنه المشركون أنه صبا لدين محمد . 

وكان عبد الله بن عباس عندما يمشي في طرقات المدينة يضع قطنا على أذنيه حتى لا يسمع ما يجري من أحاديث بين الناس في بيوتهم، وكان يسترجع القصيدة التي يسمعها من أخر بيت الى أول بيت من الشعر ، ولذلك قيل عنه : أنه حبر الأمة ، وهو من قال : ما أسفت على كلام أنقطع كما أسفت على انقطاع خطبة الشقشقية للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام . 

وذات يوم كان الخليفة عمر بن الخطاب “رض” يمشي في أزقة المدينة ليلا ، فسمع امرأة تردد البيت الشعري :- 

تطاول هذا الليل وأمتد جانبه 

              وأرقني إلا خليل أداعبه 

فوالله لولا الله أني أراقبه 

           لحرك من هذا السرير جوانبه 

فسأل عن حال المرأة فقيل له أن زوجها مع الجند الإسلامي في الفتوحات ، فأرسل على أبنته حفصة ، وسألها كم تصبر المرأة على فراق زوجها ، فقالت أربعة أشهر ، فأصدر أمرا أن لا يتخلف الجند عن زوجاتهم أكثر من أربعة أشهر . 

وكانت زوجة أحد المسلمين تتردد على زيارة أحدى زوجات رسول الله “ص” وكانت ثيابها رثة ، فطلب رسول الله من زوجه أن تسألها عن سبب رثة ثيابها ، فأخبرتها بأن زوجها قد هجرها ، فبعث عليه رسول الله وطلب منه مراجعة زوجه ، وفي المرة التالية قدمت تلك المرأة وهي نظيفة حسنة الثياب ، فسألتها زوج رسول الله عن سبب تغير حالها ؟ فقالت : ” أصابنا ما أصاب الناس ”  هذه هي بلاغة الكلام التي كان عليها العرب والمسلمون والتي جعلتهم يعبروا عن أدق وأخص الحالات بمرونة واقتدار لغوي دون الوقوع في الإسفاف اللغوي الذي يقع في فاحشة الكلام كما يحدث عندنا اليوم نتيجة الفقر اللغوي والمنخفض الثقافي الذي نعاني منه ، وهو مما يجعل تعبير الناس عن مشاعرهم لا يمتلك ثراءً لغويا يمكنهم من تفادي الكلمات والألفاظ التي تخدش المخاطب فتؤدي الى الشجار وإثارة البغضاء وسوء الظن بين المواطنين ، وهذا مما يؤدي الى التفكك ألاجتماعي ، والاحتكاكات التي تجري في اجتماعات مجلس النواب واجتماعات الحكومة ومؤسسات الدولة ناتجة عن محدودية الأساليب اللغوية المستعملة في المخاطبة والحديث أو التعبير عن المشاعر في المواقف المحرجة ، ولذلك قال تعالى :” وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك أن أنكر الأصوات لصوت الحمير – لقمان – 19- من هنا علينا ألاهتمام بمطابخ الكلام فهي التي تنمي شخصية الفرد والجماعة ، وتجعل من التواصل يجري بمستويات حضارية تختصر الجهد والوقت في بناء العلاقات مثلما تجعل المتلقي أكثر أستجابة حتى في المواقف التي تمتلك خصوصية العلاقة بين الرجل والمرأة ، قالت أحدى النساء العربيات العاقلات المتمكنات من اللغة شعرا :- 

لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه 

            وأنت لأخرى صاحب وخليل 

وقالت الأخرى :- 

 فغض الطرف أنك من نمير 

              فلا كعبا بلغت ولا نمير 

هذه هي اللغة في زادها ، وهذا هو الكلام المنظم الذي يستفاد منه في التعبير عن المشاعر والخصوصيات حتى في أحرج المواقف أن هندسة الكلمات يقف وراؤها ثراء لغوي ومائدة ثقافية لا نجدها ألا في لغة فصحى تتوازن فيها الألفاظ وتتماثل فيها الدلالات مع نسق العقل وتهذيب النفس ، وذلك هو مطبخ الكلام . 

التعليقات معطلة