عندما نفت الحكومة المحلية لإقليم كردستان التصريحات او التسريبات الإيرانية بوجود اسرائيلي للتجسس على ايران من داخل اقليم كردستان العراق, كان النفي مشوبا بالريبة لسببين هما :
1- تجاهر البيان الكردي بابتعادهم عن الصراع العربي الاسرائيلي وعدم التدخل في هذا الصراع لعدم وجود مصلحة كردية في ذلك ؟ والذي ادلى بهذا التصريح نسي انه يختصر المشاعر الكردية المسلمة والمسيحية في اقليم كردستان وفي غيره بشخص وطموحات بعض القيادات الكردية العلمانية ومنها شخصية السيد مسعود البرزاني الذي يعتبر التصريح ناطقا باسمه, والسيد مسعود البرزاني يجد نفسه في خضم سلفي كردي يتعاطى ازدواجية مبطنة تارة مع تنظيم القاعدة وتارة مع انظمة التبعية العربية بشخص المملكة العربية السعودية , ومن هنا فقيادة بعض الاحزاب الكردية العلمانية المشتركة في السلطة في العراق تعيش حالة من فقدان التوازن تجاه ارساء علاقات عمل واضحة مع اطراف احزاب السلطة في العراق الفدرالي.
فهم يميلون في الظاهر لإظهار تعاون مشوب بالحذر مع التيار الصدري والمجلس الاعلى ولو تكتيكيا بحجة خوفهم من التيار السلفي الوهابي الذي تدعمه السعودية وتحذرهم منه امريكا.
وفي الوقت نفسه هم يسربون لبعض وجوه التيار السلفي لاسيما في دهوك تعاطفهم معه لخلفيتهم السنية التي تعتمد على ثقافة التكايا المنتشرة في اقليم كردستان ومازال البعض منها يحظى بالدعم المالي السعودي والخليجي.
وبالوقت ذاته يرسمون هذه الخلفية المذهبية مع الاتراك للتقليل من اهمية علاقتهم مع ايران التي يمثلها باندفاعة قوية وهي ايضا تكتيكية طرف كردي آخر من احزاب السلطة في العراق الفدرالي الذي اخذ فيه الجانب الكردي حصة كبيرة في الصياغات الدستورية لصالحه تحت مناخ احتلالي امريكي ضاغط باستشارات ” نوح فيلدمان ” مستشار بول بريمر الحاكم المدني سيئ الصيت في بداية الاحتلال “2003 -2004 ”
ومن معالم تلك الحصة الكبيرة من الامتيازات هو ابقاء اقليم كردستان العراق دستوريا على ما هو عليه من ايام المظلة الامريكية للحماية, وهو خطأ فادح يتحمل مسؤوليته كل من حضر او شارك ولو بصورة ظاهرية في كتابة الدستور , وكل منهم له نواياه الخاصة التي بسببها يدفع العراقيون اليوم عدم تمكن الحكم من ادارة قوية متماسكة, مثلما يشهد العراق اليوم فشل احزاب السلطة في ارساء اسس عمل سياسي ناجح.
ان التجاهر لبعض الاحزاب الكردية بعدم وجود مصلحة لها في الصراع العربي الاسرائيلي هو احراج لبعض الأطراف مثل المجلس الاعلى الاسلامي الذي بنى تحالفه مع قيادة الحزبين الكرديين بناء على موقف السيد محسن الحكيم من الاكراد وكذلك موقف السيد الحكيم رحمه الله من القضية الفلسطينية.
ولكل من الموقفين ابعاده وحساباته التي تغيرت خريطتها السياسية مثلما تغير اسم المجلس بوقت متأخر.
ثم ان هذا التجاهر يستبطن حتما وبصورة منطقية على قاعدة ” التلازم ” التي يعرفها علماء المنطق والاصول وفقهاء اللغة ان العلاقة مع الكيان الصهيوني الاسرائيلي هي من المرجحات والخيارات المتوقعة لاصحاب هذا التصريح او البيان , هذا اذا استرجعنا زيارة اسرائيل عام 1965 من قبل القيادة الكردية في ذلك الوقت, وبعض من شارك فيها مازال نائبا عن الاكراد في البرلمان العراقي.
2- ان الذي قام بالتسريبات التي انزعج منها السيد مسعود البرزاني هم “الايرانيون” باعتراف التصريح الكردي الذي ظهر للاعلام بصورة شجب والمطالبة باثبات الادلة، والايرانيون لهم قنصلية في اربيل وعلاقة بعض الاكراد بهم تفوق علاقة بعض احزاب السلطة في العراق , وتهريب النفط والكاز عبر منفذ حاج عمران يعرفه اصحاب “التريلات والتانكرات العراقية من مناطق الفرات والجنوب” وهو يصل الى افغانستان, والامريكيون والايرانيون وبعض الاحزاب الكردية بشخص قياداتها تعرف ذلك, ويبدو ان الحكومة العراقية الفدرالية معذورة بعدم علمها لعدم وجود تمثيل او وجود في اقليم كردستان العراق وهي من بدع الفدرالية على طريقة بعض الاحزاب الكردية, مع سكوت وصمت احزاب السلطة في العراق , مما يجعل الادانة مشتركة.
والايرانيون من خلال قنصليتهم وللحساسية الشديدة والعداء المستحكم بينهم وبين الاسرائيليين فهم ادرى واقدر على تقصي الوجود الاسرائيلي وتأثيراته لاسيما من خلال شركات الادوية ومن خلال مجلة ” اسرائيل كرد ” التي يديرها المدعو “داود سامينوف” التركي الكردي, والامريكيون الذين القت السلطات الايرانية القبض عليهم متسللين الى الاراضي الايرانية عبر كردستان العراق يمتلكون كثيرا من المعلومات عن التحرك الاسرائيلي في كردستان العراق لا يستطيع السيد مسعود البرزاني ولا حكومة اقليم كردستان العراق نفيه.
ثم ان مطالبة حكومة اقليم كردستان العراق وزارة الخارجية العراقية بالقيام بشجب التصريحات الايرانية, يضع علامة استفهام مرة اخرى على طبيعة العلاقة الملتبسة مابين الاقليم والحكومة الفدرالية, فعندما تقع حكومة اقليم كردستان في مازق تتذكر الحكومة العراقية, ولكنها لاتتذكرها في مطار اربيل والسليمانية اللذين اصبحا خارج سيطرة وعلم الحكومة العراقية التي لا تدري ولاتعرف من يدخل ومن يخرج منهما وما قضية الطائرة القطرية التي حملت السيد طارق الهاشمي وهربته الى قطر بعلم السيد مسعود البرزاني الا واحدة من الامثلة التي تجعل السيد مسعود البرزاني ومن معه ينطبق عليهم المثل المشهور : “يكاد المريب يقول خذوني”.
ونحن اليوم مع تصاعد الاحداث وانكشاف المواقف لم نعد في مرحلة ” الريبة ” مما يجري, وانما اصبحنا في مرحلة التشخيص النهائي الذي لايترك المجال للتوقعات والتخمينات والاحتمالات , وانما يعطي لمن يعمل في السياسة ويمتلك قواعد التحليل والاستنتاج المؤكد والقاطع: ان من اعلنوا مشروع الاستفتاء على الانفصال , هم منفصلون بكل ماعندهم وما لهم , ولكنهم يتحينون فرص المناخ الدولي وبعضهم ظن ان الوضع السوري المضطرب وزيادة التوتر على النووي الايراني مع اسرائيل وامريكا يفسح لهم فرصة المناورة بالاستقلال, ولكن ظهور محور “بريكس” والحضور الروسي والصيني بقوة , وتماسك الشعب السوري مع السلطة والجيش السوري, وفشل المخطط التركي المتعاون مع اسرائيل والسعودية وقطر, كل ذلك اسقط احلام الانفصاليين الاكراد الذين وجدوا انفسهم محشورين في لعبة الكبار وهي ليست لصالحهم.