إنها مفارقة بحق، دول الخليج العربي تسحب سفرائها من دمشق وتطرد سفراء سوريا من أراضيها، في حين أن الولايات المتحدة ودول أوربا تستدعي سفرائها من دمشق، دون أن تلجأ إلى طرد سفراء سوريا من أراضيها.
أنا لا أدافع هنا عن نظام ما أو موقف ما، الدفاع الأخلاقي دائماً يصبّ في مصلحة الشعوب وتطلعاتها، لكن من المهم جداً أن يجد المتابع مقاربات بين المعاقَب والمعاقِب. الهدف المعلن لموقف دول الخليج هو وقف إراقة الدماء في سوريا، وموقف الولايات المتحدة والغرب مرتبط، كالعادة، بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وموقف الحكومة السورية مرتبط بالأمن الوطني والسيادة وهيبة الدولة.
شعارات هنا وشعارات هناك، لكنها مكتوبة بدم المواطن السوري، مثلما كتبت من قبل بدم المواطن الليبي، والمقاربات تفضح النوايا، فالمواطن السوري قد يكون بلا حرية، وبلا خيارات سورية، قد يكون جائعاً، وقد يكون مضطهداً، لكنه مواطن، وفي الدول المعاقبة، دول الخليج، قد يكون محروماً من كل ذلك، لكنه، وهذا الأهم، ليس مواطناً، إنه البدون في الكويت، والوافد في قطر والبحرين والسعودية، والأدهى من ذلك، أن المرأة في هذه البلدان ليست مواطناً وليست وافداً أو بدون، إنها كائن بلا حقوق، ولولا التنظيم الاجتماعي لحجبت عنها الجنسية أصلاً.
الأمر مدعاة للخجل، بالأحرى، مدعاة إلى الحزن. الحزن على الفشل الذي تعيشه بلدان المنطقة، وتهافتها على إسقاط بعضها البعض، مع علمها إنها جميعاً ساقطة لا محالة، والمسألة ليست سوى دور تمليه ظروف لا علاقة لها بالأنظمة، قدر علاقتها بالظرف الإقليمي، والتوافقات الدولية حول توزيع أماكن النفوذ.
في اليمن كانت ثمة خطوة في الاتجاه الصحيح، حيث تمكّنت المبادرة الخليجية المدعومة دوليّاً من حقن دماء اليمنيين، ولو بحدود دنيا، كما أنها حافظت على وحدة اليمن، إذ خفتت إلى حد كبير، الأصوات المطالبة بانفصال الجنوب، لكن هذه الخطوة ارتدَّت إلى الخلف حين تعلق الأمر بسوريا، إنها تصفية حسابات بين الأنظمة، دون حساب للشعوب، بمعنى آخر، ركنت ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان على رفوف الدبلوماسية، وارتفعت لعلعة الرصاص السياسي من أجل هدف واحد، إسقاط النظام، لكن ماذا بعد ذلك؟.
على الشعب السوري أن يتماهى مع الضحايا الأبرياء. فعرب الخليج أنهوا مهمتهم بنجاح،
وعلى الشعب أن يختار شكل خراب البلد، وفق التأجيج الطائفي؟ أم المناطقي؟ أم تناحر أحزاب بدأت تتناسل في تركيا وقطر وأمريكا، استعداداً للانقضاض على كعكة السلطة،
إنها الأوهام التعويضية التي تسيطر على جميع المعارضات العربية في الخارج، هي بدلاً عن ضائع هو سنوات (النضال) في المقاهي. وإذا كانت ليبيا بتجانسها الديني والمذهبي والاجتماعي تحتاج إلى سنوات كي تنتج نظاماً سياسياً مستقراً، فإن سوريا بتنوعها الديني والمذهبي والاجتماعي ستحتاج إلى عقود من أجل إنتاج نظام سياسي مستقر، هذا إذا افترضنا أن البعض يقود الأزمة السورية قسراً نحو السيناريو الليبي، أليس اللهاث خلف تدويل الأزمة هو الصفحة الأولى من ذات السيناريو؟.
التغيير في سوريا مقبل، وهو ضرورة تمليها تطلعات الشعب السوري، لكنه يجب أن يسير وفق السيناريو اليمني حفاظاً على دماء الشعب السوري الذي لا يحتمل تنوع نسيجه الاجتماعي أن يرفع أحد أعضاء برلمانه الآذان وسط جلسة ساخنة، كما حصل في أول جلسة للبرلمان المصري..