فورَ إنهيار نظام العقيد معمر القذافي، تناسلت الميليشيات في الشوارع الليبية. بنغازي، بؤرة الثورة ضدَّ القذافي، كانت من أكثر المحافظات الليبية أرضاً خصبة للميلشيات. كانت المشاهد التي تنقلها الفضائيات، العربيّة والأجنبيّة، تنبأ بوقوع ليبيا الجديدة في براثن التعّصب الإسلاموي الذي لا يقبل بالتعدّدية والذي يحارب الحقوق والحريّات المدنيّة. كل الكُتَّاب أرعبتهم تلك الحقيقة، وأنا منهم، كتبت حينها، في المستقبل العراقي، أن ليبيا مقبلة على عاصفة مدمرة، كان هذا الواقع حينها. وكانت الصور التي تبثُّ من وكالة الصحافة الفرنسية “أ.ف.ب” تعزّز هذا الرأي، وما يعزّزه أكثر المنظمات الحقوقية التي حذَّرت من عمليات إجرامية تقوم بها الميليشيات، ناهيك عن الصحافة العالمية التي لم تتوان للحظات عن وصف السياسيين الليبيين بالضعفاء، لاسيما رئيس المجلس الانتقالي الليبي، مصطفى عبد الجليل، وكل هذا كان أمراً صحيحاً، والمعطيات على أرض الواقع تعطي دليلاً على أن المعجزة وحدها من تستطيع بناء ليبيا الجديدة.

لكن المشهد يأخذ منحى آخر بعد الفيلم، سيء الصيت، الذي أساء للرسول محمّد، مظاهرات في ليبيا، كما في جميع البلدان العربيّة، تندّد بالفيلم. لافتات سود ترفع شعار “إلا رسول الله”، فجأة، يقتل السفير الأميركي في ليبيا، والرجل، كما يرى الليبيون، له فضل كبير عليهم، خاصّة وأنّه ساعد في الإطاحة بأقسى حكم دكتاتوري. هذا الجرم، على ما تفيد بهِ التقارير الصحفيّة، من عمل الميليشيات، وليس من عمل المتظاهرين؛ الحكومة الليبية سارعت إلى التنديد بمقتل السفير، وشرَّعت أبواب التحقيق للتقصي عن الجاني، الأمر هنا عادي، حكومة تحمي الدبلوماسيين لديها. لكن غير العادي هو الشعب الليبي الذي اثبت مدنيَّة، ونبذ العنف، فسارع أيضاً الى التنديد بمقتل السفير وبالفيلم المسيء للرسول.

الليبيون أيقنوا أنهم لن يجنوا من العنف سوى الويلات، كما أن الميليشيات لن تجلب لهم سوى الموت. الحكومة تصرَّفت بذكاء، استغلت عدم رضا الشعب على الميليشيات فاتخذت قراراً بحلِّها. وبأيام قليلة استطاعت الحكومة أن تحل ثلاث ميليشيات، تعدُّ الأكبر في بنغازي، كما قامت بتغييرات داخل ألوية الجيش لاشتباهها بارتباط قادة من هذه الالوية بالميليشيات، هذه الخطوات، بيَّنت، على الأقل لشركات النفط، التي سحبت بعثاتها خشيّة على حياتهم، بأنَّها قادرة على إدارة ليبيا الجديدة، وبأنها ستؤمن ليبيا من أيِّ مخاطر تحدِّق بها.

هذه الاجراءات، تساعد فعلاً على بناء بلدٍ معافى، على الرغم من المشكلات الكثيرة التي تحتاج إلى وقت كبير لايجاد حلول ناجعة لها. والمهم في كل هذا، أن الليبيين القبليين، أثبتوا موقفاً مدنياً لم تشهده شعوباً سبقتهم الى المدنيّة بعقود!.

التعليقات معطلة