• لم يكن يوم الاثنين الذي صادف (10كانون الأول) يوما عاديا في حياة الشعراء العرب الذين لبوا دعوة بغداد ليقدموا قصائدهم مغلّفة بالود والانتماء لهذه المدينة العربية الباسلة التي قاومت الاحتلالات والإرهابات والسخافات؛ وبقيت طائر عنقاء لا تصلح هذه الصفة إلا لها.. ولوحدها (وهذه تزكية شعرية وليست تزكية سياسية لكي لا يتهمني احد بأنني من الاقلام التي اشتراها الفساد العام). 

• شعراء من مصر والمغرب وسوريا وعمان والسودان والسعودية ومن لندن واستراليا والامارات وبلدان اخرى عربية وأجنبية؛ وفي لقاء حميم شهده المسرح الوطني بجمهور نوعي (وكان من الممكن ان يصار الى المعتاد: حشر الموظفين للادعاء بان الجمهور قد ملأ القاعة) لكنهم محبو الشعر هذه المرة.. تناثروا على المقاعد الزرقاء واستمعوا بشغف وتفاعل لما انشد على أسماعهم؛ ومن المؤلم حقا ان الشعراء العرب قرأوا قصائدهم لبغداد خصيصا؛ وكان هناك شعراء(عراقيون) في الوقت نفسه يدعون لمقاطعة قصائدهم ومقاطعة الملتقى؟!!

•  مفاجأة الافتتاح كان الشاعر السعودي الذي قرأ واحدة من أجمل القصائد التي كتبت لبغداد في الفترة الأخيرة؛ وكنت أتمنى على بعض شعرائنا (التقليديين) لو انهم عاينوا تجربتهم بما استمعوا اليه من صور وتراكيب وتجديد لغوي واستثمار للمفردات المستجدة على اللغة؛ فالشعر تراكم معرفي قبل ان يكون تراكما (اثريا) تحكمه التفاعيل؛ خصوصا وان بعض الشعراء قد حفظنا حتى درجات صوتهم ولا أقول ملامحهم فقط!!

..واذكر هنا ان الشاعر الرائد للقصيدة العربية الحديثة بلند الحيدري؛ قد نشر مرة بيانا شعريا صادرا عن قناعته؛ معلنا فيه عن تقاعده من الشعر؛ ويومها صار بيانه مادة دسمة للصحافة التي وجدت فيه ما يستحق المناقشة: هل يمكن ان يتقاعد الشاعر؟

بلند اجاب في بيانه بـ(نعم) على الشاعر ان يتقاعد حين لا يجد ما يقوله.

• أعود للملتقى الذي وقّع على مقاطعته ثمانون شاعرا اغلبهم من خارج المنطقة الجغرافية لمكان إقامته؛ وهي آخر مستجدات الربيع الثقافي العراقي؛ لأن لا احد قد فعلها قبلنا؛ أن يقول –مثلا– شاعر ما يسكن الجبايش: أنا سأقاطع المؤتمر المقام في موزمبيق –مثلا مثلا – والسبب هو عدم دعوتي له؟!! .. طيب ؛ اذا انت لم تدع له أصلا فأين هي حكمة مقاطعتك له؟!!

اذا فعلها ادباء بغداد..أدباء المحافظات..ممكن؛ ويستحق ان يناقش موقفهم الذي أجده حقا طبيعيا لهم (جا هي غير ديمقراطية لو ولية غمان) لكن ان يوقع على بيان المقاطعة وعدم الحضور واحد في كندا أو استراليا و(الملتقى في المسرح الوطني) وسط بغداد ؛ أجد في الأمر سريالية غريبة حتى على دالي. 

• الملتقى سيختتم أعماله اليوم؛ وقد أسعدنا الضيوف العرب بحضورهم  الباهر؛ وبعد ان نودعهم ..اتمنى على المقاطعين الجلوس الى طاولة حوار مفتوحة مع جهة التنظيم ووضع النقاط على الحروف؛ فهم اولا وأخيرا ليسوا ضد العراق ولا ضد حضوره العربي في الملتقيات او حضور العرب في ملتقياته ؛ ولا بد ان يكون لديهم ما يستحق الأخذ به؛ مثلما لا بد وان تكون لدى المنظمين أسباب يجب الاستماع إليها. 

•  ولنتذكر جميعا: إنها بغداد التي لم يرتبط اسمها حتى باسم الوالي العباسي الذي بناها.

التعليقات معطلة