نوزاد حسن
هذا الاسبوع كان سجناً بكل معنى الكلمة. اما السجان فقد كان الملل او الضجر، فطوال الايام الماضية كنت اغطس ببئر مظلمة. كنت وحيدا ولا اشعر برغبة في الكتابة ولا القراءة ولا الاكل. لعبت موجة الحر وعطلة الاثنين والثلاثاء دورا بهلوانيا في جعلي احس بالفراغ الذي لا يملأه شيء.
لأول مرة اكتشف ان السياسة تؤرق وتخنق الى هذا الحد. تذكرت كل ما قرأته من مؤامرات في مسرحيات شكسبير, هاملت المسكين البريء كيف سقط بسبب المنصب او الكرسي. عطيل الذي خدعه ياغو الداهية, ماكبث وخيالات الدم. كان العالم بعيدا جدا عني، وكان الصراع السياسي, وآخر قنبلة فساد تفجرت في مجلس النواب, تأتيني من عالم آخر بصوت خافت. وكنت افكر كبطل كافكا الذي تحول الى حشرة. ما معنى هذه الاصوات المتصارعة من حولي؟ 
لقد تحولت الى شخص آخر, وانقطعت جذور ذكرياتي عني إلى درجة شعرت بأني لا املك اية تجربة. ولماذا لا استطيع ان احس بقوة الكلام السياسي الذي اسمعه؟ الاصلاح, التغيير الوزاري, ضد الاصلاح, الكتلة العابرة للطائفية, البرلمان, وكلمات أخرى تأتي من مكان ما لا أعرف أين يقع. لكني في الحقيقة توصلت إلى قناعة شخصية بأني مصاب بداء يمكن لي ان اسميه بـ”كسل غدة السياسة لدي”. ويبدو ان هذه الغدة تفرز عصارة اسميها «عصارة نسيان الواقع» وحجبه كي أستطيع رؤية الاشياء على غير ما تقع. تعمل «الغدة السياسية» على اعادة النشاط للقلب, وتحميه من التأثر بمشاهد الموت او الدمار، فمهما حصل من احداث, ومواقف, وساعات دامية تقوم تلك الغدة بترتيب الوضع, واعادة منسوب ماء السعادة الى حافة الشاطئ. لذا فان السياسيين يشعرون دائما انهم ممتلئون بأمواج من فرح لا نشعر بها نحن. انهم يرون ابعد منا, وباستطاعتهم ان يكونوا متماسكين حتى لو سقط المئات في انفجار واحد.
ان قلوبنا الضعيفة تنهار عند رؤية مشهد لموت ابرياء. غدتنا السياسية معطلة ولا تفرز ما يعيد الينا التوازن الذي هو عنوان الرجولة. اني ضعيف جداً ولا املك السيطرة على نفسي حين اشاهد او اصادف حادثا ارهابيا.
اعترف لكم ايها السياسيون اني اتعاطف مع الضحايا وابالغ كثيرا في تعاطفي، وهذه صفة قبيحة لأنها ليست صفة سياسية. الصفة السياسية الحقيقية هي تأجيل الانفعال والبحث عن الاسباب، واتهام هذا الطرف او ذاك. ولأنكم اكثر ثقة وسموا فبإمكانكم ان تكذبوا حتى ما تراه العين. ان عيونكم ترى الاشياء العامة ولا ترى التفاصيل الخاصة. من السماء يكون منظر الارض عاما ومتشابها. الفراغات الترابية, والبيوت, والاشجار, كل شيء عام وغير محدد. ما الذي يحدد الاشياء, ويعطيها وجودها؟ انه الانسان الذي يجلس تحت سقف بيت او تحت ظل شجرة او يحفر ارضا لزراعتها. من فوق, ومن نافذة طائرة تسبح مع الغيوم لن نرى شيئا من ذلك. يكون المشهد منفصلا عنا, ولا يعنينا, لكن ذلك الجسد بكل آلامه ومخاوفه واحلامه وضعفه هو ما يجعل الاشياء حية وحقيقية. الانسان المنسي الغائب عن الصورة الذي صار الانتحار حلا وحيدا يلجأ اليه في محنته.

التعليقات معطلة