جونزالو فينيا 
فريد قهرماني الذي نشأ في طهران، يتذكر عندما طلبت منه والدته أن يكون حذرا أثناء حديثه على الهاتف لأن «الشرطة السرية تتسمع دائما». بعد اختفاء كثير من أفراد عائلته، هرب والد قهرماني، وهو أكاديمي من أقلية عرقية، مع عائلته إلى كندا عندما كان الصبي في التاسعة من العمر.لكن مخاوف طفولته من مخابرات آية الله الخميني لا تزال حية في ذهنه. وهذا هو السبب في أن هذا الرجل، صاحب مشاريع التكنولوجيا الذي يتخذ فانكوفر مقرا له، تعهد بمبلغ مليون دولار لمساعدة جماعات الحملات المناهضة لما يراه تعديا متزايدا على الخصوصية والحريات المدنية في البلد الذي تبناه وفي الديمقراطيات الكبيرة الأخرى. يقول قهرماني: «يمكنك أن تسمعهم على الطرف الآخر من الخط – كانت رغبتهم في الاستماع إلى طفل كوميدية للغاية، ولكن كان لا يزال يتعين عليك أن تكون حذرا فيما تقوله. كان عليك أن تتوقع أفكارك قبل أن تنطق بها. أنا لا أقول إننا ما نزال نعاني حتى الآن، ولكن قلقي الكبير هو أننا نسير دون إدراك إلى مثل هذا النوع من البيئة».
وحتى الآن أدخلت كل من كندا وأستراليا وفرنسا ونيوزيلندا وغيرها صلاحيات لإعطاء الأجهزة الأمنية والشرطة سلطات مراقبة بعيدة المدى. لكن لا يوجد بلد يذهب شوطا طويلا بقدر المدى الذي ذهبت إليه المملكة المتحدة في وضع القوانين التي تعطي الجهات الحكومية القدرة والحق في جمع المعلومات. إضافة إلى الأشكال التقليدية للمراقبة المستهدفة، سيكون لدى الأجهزة الأمنية قريبا صلاحيات جديدة لاستخراج معلومات حول الأفراد عن طريق البيانات التي تولدها الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.
مشروع قانون سلطات التحقيق في المملكة المتحدة – الذي من المقرر استكمال مراحله النهائية من التدقيق البرلماني في الخريف – يضفي صفة رسمية على الصلاحيات الحالية التي تتمتع بها الأجهزة الأمنية لاختراق الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، ويتصيد مجموعات البيانات الضخمة. كما يوفر صلاحيات جديدة لإجبار شركات الإنترنت، دون أمر قضائي، على تسليم تفاصيل عن كل موقع يزوره الأفراد وعن كل التطبيقات التي يستخدمونها، وحفظ هذه المعلومات لمدة تصل إلى 12 شهرا. ويجب على الشركات أيضا إنشاء نظم، بحيث يمكن الوصول إلى المعلومات عند الطلب عبر قاعدة بيانات موحدة يمكن البحث فيها.
وهذا يعطي الوكالات الحكومية صلاحيات تتجاوز الصلاحيات الموجودة في الولايات المتحدة ومعظم الديمقراطيات الغربية الأخرى. وإذا ما أصبح هذا قانونا، فإن المملكة المتحدة ستكون وحدها مع روسيا، باعتبار أنهما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان تجبران الشركات على تعقب تواريخ تصفح العملاء للمواقع.
دعاة الخصوصية، وشركات التكنولوجيا، والسياسيون، أثاروا مخاوف من أنه إذا أقدم بلد مثل بريطانيا مشهور بضوابطه الديمقراطية التي تمنع تركيز السلطة في يد الجهاز التنفيذي باتخاذ مثل هذا الإجراء، فإن بلدانا أخرى سوف تحذو حذوها.
ترد الحكومة بأنه في الوقت الذي يصبح فيه العالم رقميا بشكل متزايد، فإنها تحتاج إلى صلاحيات لمواكبة التغيرات التكنولوجية. التراجع عن هذ القانون سيقيد أيدي السلطات، كما تقول، ويجعل مهمة الحماية ضد الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الإنترنت أكثر صعوبة. وتعتبر الهجمات التي حدثت في فرنسا وبلجيكا وألمانيا في الأشهر الأخيرة تذكرة حية بالأمور التي على المحك.
ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، وعد العام الماضي بتشغيل 1900 موظف إضافي في جهاز الاستخبارات المحلية MI5، وفي الاستخبارات الخارجية MI6، إضافة إلى تخصيص مبلغ 1.5 مليار جنيه استرليني سنويا، تمويلا جديدا بحلول عام 2020 لمواجهة التهديد الإرهابي وهجمات الإنترنت.
التحدي الذي يواجه المجتمع، بحسب كاترين وين، وهي مختصة في حماية البيانات في مكتب المحاماة «بينسنت ميسونز»، هو الحصول على التوازن الصحيح بين الأمن والخصوصية.
وتقول: «المستوى الأمثل من المراقبة يعتبر مجهولا كبيرا. التهديدات تتغير طوال الوقت، والتكنولوجيا تتغير معها. ولكن من السهل جدا تجاوز الخط وأن يصبح الأمر تدخليا للغاية».
وعلى الرغم من أن على الوزراء الموافقة على المراقبة، وأن القضاء يشرف على قرارات استخدام هذه الصلاحيات لضمان تنفيذها بشكل صحيح – ما يسمى بـ «القفل المزدوج» لمنع التجاوزات – فإن معظم المطالبات ستخضع لأوامر قضائية تمنع شركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا من كشف أنها تسلم معلومات للسلطات.
ويقول المدافعون عن الخصوصية إن مشروع القانون المذكور وضع خطة واضحة لصلاحيات المراقبة الجماعية التي ستكون تحت تصرف الأجهزة الأمنية، وهم يريدون تعديله، بحيث تكون المراقبة على أساس الاشتباه بدلا من أن تكون نتاجا للمعالجة المتطورة للبيانات. وهم يجادلون بأن الصلاحيات واسعة جدا، وأن اللغة في مشروع القانون عامة، لدرجة أنه ليس فقط الأجهزة الأمنية، ولكن أيضا الهيئات الحكومية، بدءا من هيئة الإيرادات والجمارك إلى وكالة المعايير الغذائية، سوف تكون قادرة على تحليل سجلات الملايين من الناس، حتى إن لم يكونوا موضع اشتباه في النشاط الإجرامي.
وتعترض صناعة التكنولوجيا أيضا على أجزاء من مشروع القانون، خصوصا حول تشفير البيانات. من جانبها، الحكومة تتمسك بخطتها لإجبار شركات التكنولوجيا على توفير ما يسمى الأبواب الخلفية، أو مفكك للشفرة، للسماح بفك تشفير الرسائل في حالات طوارئ وطنية غير محددة.
في عام 2014 اتهم روبرت هانيجان، المدير الذي تم تعيينه أخيرا في وكالة الاستخبارات الحكومية GCHQ، بعض شركات التكنولوجيا الأمريكية بأنها أصبحت «الشبكات المفضلة للقيادة والسيطرة» بالنسبة للإرهابيين، ودعاهم إلى تطوير علاقات أوثق مع مجتمع المخابرات.
لكن المشككون يقولون إن كميات هائلة من البيانات تعتبر عديمة القيمة لأنها تأخذ الكثير من الوقت والمال من أجل معالجتها. غير أن الزيادة في القدرة الحاسوبية والتكنولوجيا المخصصة لرسم الخرائط تعني أنها مفيدة بطرق لم يكن من الممكن تصورها حتى قبل بضع سنوات.
ويقول ريك فيرغسون، نائب رئيس البحث الأمني لدى «تريند مايكرو»، وهي شركة لأمن البرمجيات: «القدرة الزائدة على الحد من الوصول إلى عدد كبير من الناس فوق الحد يعتبر الآن أمرا شديد السهولة. سنكون في عالم تهدف فيه الخوارزمية إلى الوصول إلى نتيجة وليس إنسانا. نحن نتحرك نحو عالم نستطيع فيه في نهاية المطاف توقع الجريمة وملاحقة مرتكبيها قبل حدوثها».
«أداة للقمع»
تم الكشف عن مدى رصد البيانات الكبيرة من قبل الأجهزة الأمنية قبل ثلاث سنوات من طريق إدوارد سنودِن، اختصاصي الكمبيوتر الأمريكي والموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية. فقد قدم تفاصيل عن برامج المراقبة الجماعية السرية الأمريكية، وبصورة رئيسة من قبل وكالة الأمن القومي. وتبين بعد فترة وجيزة أن بريطانيا وكثيرا من البلدان الغربية الأخرى لديها برامج مماثلة قائمة.في الشهر الماضي أطلقت جماعة ضغط تسمى «الخصوصية الدولية» قضية قانونية ضد أجهزة الأمن البريطانية، متهمة إياها بدفع الاستخدام «النشط والتوسعي» لسلطاتها من أجل الوصول إلى مجموعات البيانات الضخمة، وتتبع كل شيء من معلومات السفر إلى سجلات الهاتف لتوليد أدلة في التحقيقات. هذه القضية التي من المقرر أن يحين تقديم حكم قضائي فيها في الخريف، أوضحت كيف أن وكالة الاستخبارات الحكومية، وجهاز MI5، كانا يستخدمان الصلاحيات بموجب المادة 94 من قانون الاتصالات لعام 1984 لإلزام شركات الاتصالات «القيام أو عدم القيام بعمل معين» يصب في مصلحة الأمن القومي. وعلمت المحكمة أن هناك حاليا 24 أمرا قُدمت إلى شركات الاتصالات، 15 منها تتطلب منها تسليم بيانات كبيرة الحجم تكون تحت الطلب. في أحد الأمثلة، اضطرت شركة O2 إلى تقديم معلومات إلى الأجهزة الأمنية في السر، ولم تخبر حتى مجلس إدارة الشركة.
وقال المحامي توماس دي لا مير، الذي يمثل مجموعة الضغط إن هناك خطرا من أن هذه «المراقبة المستمرة من الناحية العملية» يمكن أن تصبح أقوى أداة من أدوات القمع».
وجادل خلال جلسة استماع بأن هذه الأشكال غير المستهدفة من المراقبة قلبت التحقيقات رأسا على عقب. ففي حين كانت الاستفسارات الفردية المبنية على الشك تؤدي في الماضي إلى الأدلة، يجادل المدافعون بأن ما يفعل ذلك الآن هو المعالجة الخوارزمية للبيانات التي يمكن أن توفر تلك الخيوط والتي تعتبر بمثابة المراقبة الجماعية.
التصدي للإرهاب
تقول الحكومة إن الصلاحيات على النحو المنصوص عليه في مشروع القانون ضرورية لتوفير الأمن. وجادل فريقها القانوني في قضية منظمة «الخصوصية الدولية» بأن استخدام البيانات الشخصية بحجم كبير «أداة أساسية» من دون استخدامها ستكون المخابرات «بشكل ملحوظ أقل فاعلية في حماية المملكة المتحدة» ضد الإرهاب والتهديدات التي مصدرها الفضاء الإلكتروني والتجسس.
وتقول الشرطة إن الحاجة إلى المخابرات الآن أكبر من أي وقت مضى، وإن البيئة التكنولوجية التي يعمل فيها المجرمون والإرهابيون تغيرت بشكل كبير.
نيل باسو، المفوض المساعد في شرطة لندن، قال في حزيران (يونيو): «لا نزال بحاجة إلى معرفة من هم الأشخاص الذين يتصل بهم المجرمون، وكيف يفعلون ذلك، وأين يكونون عندما يفعلون ذلك، وما الأجهزة التي يستخدمونها، وما إذا كان بإمكانهم الوصول إلى المواقع الجنائية».
وكشف أيضا عن أن السلطات تريد هذه الصلاحيات ليس فقط لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، ولكن من أجل مزيد من المراقبة العادية.
وسأل باسو: «إذا كان لدينا احتيال على مستوى منخفض وإعداد أشخاص لتصرفات معينة من النوع الذي كان بإمكاننا أن نمنعها، كيف يمكنني شرح ذلك للجمهور وأن أقول فقط إنني غير قادر على التصرف، وأنه ليست لدي الصلاحيات لفعل ذلك؟». ظاهريا، يبدو أن الجمهور غير مبال. في نيسان (أبريل) الماضي أظهر مسح لمكتب مفوضية المعلومات، وهي هيئة رقابية مستقلة، أن أقل من ربع من شملهم المسح أعربوا عن قلقهم إزاء إمكانية حصول الأجهزة الأمنية على البيانات الخاصة بهم وكانوا ثلاث مرات أكثر عرضة للقلق بشأن وصول المجرمين إليها. ويعتقد نشطاء ومحامون أن المستوى المنخفض من القلق له علاقة أكبر بالافتقار إلى الوعي والرقابة العامة المحدودة، ويجادلون بأن مشروع القانون تم إرساله بسرعة إلى البرلمان ولم يحظ بالاهتمام الكافي. وبالكاد أظهر حزب العمال المعارض بعض المقاومة، وصوت له في مطلع حزيران (يونيو) وسط، ما قال بعضهم، مخاوف من الظهور بمظهر الضعف فيما يتعلق بالإرهاب. وتلاحظ كيت ماكميلان، وهي محامية تعمل في مجال الخصوصية لدى «كولير بريستو»، بعض التنازلات المهمة منذ أن وصل مشروع القانون إلى البرلمان، خصوصا فكرة أنه لا يمكن للأنشطة الخاصة بالنقابات التجارية الخضوع لسلطات التحقيق «لكن يتعين على المرء التساؤل عما إذا تم تقديم ما يكفي لحماية الجمهور».وتشكك في أن آخرين في أوروبا سيحذون حذو بريطانيا، لا سيما ألمانيا، التي كانت تناصر حقوق الخصوصية للأفراد من خلال قانون حماية بيانات الاتحاد الأوروبي الجديد الذي يعرف بـ «جي دي بي آر». وقد نشر المدعي العام في محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي رأيا مفاده أن أية قوانين تتعلق بالاحتفاظ بالبيانات ينبغي أن تحترم الخصوصية الشخصية ويمكن تبريرها فقط عند الضرورة في محاربة الجرائم الخطيرة.تضيف ماكميلان: «هناك رأي قوي (في المجتمع القانوني) يرى أن هذا التطور ربما يعمل على عرقلة مشروع قانون الملكية الفكرية في المملكة المتحدة». ولا يزال قهرماني، المهاجر الإيراني، متشككا إزاء مطالب الرقابة التي قدمتها ليس فقط الحكومة البريطانية بل أيضا التي قدمتها الدول الأخرى. يقول: «كانت كل من كندا وفرنسا تجمع كميات كبيرة من البيانات على مدى أكثر من أربع سنوات، ومع ذلك لا تزال تحدث الهجمات الإرهابية. في حالة الهجمات التي وقعت في باريس، تواصل الإرهابيون من خلال رسائل نصية قصيرة غير مشفرة. في الولايات المتحدة كانت تستخدم برامج تجميع البيانات المجمعة التابعة لوكالة الأمن القومي منذ فترة أطول حتى من ذلك. الحقيقة هي أنه لم يثبت في الواقع قط أن بإمكان تلك البيانات المجمعة بشكل ضخم إيقاف الإرهاب».

التعليقات معطلة