د. سلام سميسم 
تغييب مفهوم إدارة الموارد البشرية
يغيب عن أذهان الكثيرين ان الموارد البشرية هي اصلا أهم وأول الموارد الاقتصادية، ففي الحساب الاقتصادي تعد الموارد الاقتصادية متنوعة من مالية ومعدنية وكثير ممن هم لايعرفون ان الموارد البشرية هي مورد اقتصادي كسائر الموارد و تنتظر الاستخدام  الأكفأ، ومن ثم فلها إدارتها ولها جوانب العرض والطلب و أهم مافي الملف ان رشادة استخدام هذه الموارد ينعكس على التنمية الاقتصادية مباشرة وعلى مفاصل حياة المجتمع بصورة مباشرة .فهذه الموارد هي العقول التي ستدير دفة الاقتصاد وبالتالي هي التي ستحرك وتدير الموارد الاقتصادية الأخرى، ومن ثم هي التي ستنجز عملية التنمية وتحركها سعيا الى الهدف المرجو.
ويؤثر ملف الموارد البشرية بصورة مباشرة على الاقتصاد بمعاييره الكلية، ولذا فان العمل على هذا الملف هو اهم استثمار ، وهذه نقطة قد تغيب عن بال الكثيرين الا ان العمل في مضمار الموارد البشرية وادارتها انما هو عملية استثمارية ، وهو استثمار طويل الأجل وتراكم رأسمالي محسوب ضمن الثروة القومية لذلك البلد، وهنا تتمثل خطورة هذا الملف اذ ان إدارة مفاصل هذا النوع الحساس من الاستثمار ستولد الالية العملية لادارة الثروة القومية لذلك البلد وهنا يتبين هل ان هذه الادارة للعملية الاقتصادية تجري بصورة سليمة وعقلانية وواقعية ام انها هدر وتخريب اقتصادي ؟؟!!! دون ام يغيب عن الأذهان ان التخريب في بنى الاستثمار البشري سيقود الى نتائج إنسانية تؤثر على تركيب ذلك المجتمع واواصره ومستقبله وعلى تكوينه الطبقي ومن ثم على عملية توليد وصناعة القيم الإنسانية بأنواعها وهو امر سيؤدي بالضرورة الى التأثير على المنظومة القيمية الكلية لذلك المجتمع وهنا يبرز البعد الإنساني الحقيقي لعملية التنمية الاقتصادية.
ولذا أدركت البلدان أهمية هذا الملف وخطورته، وإذا كان الفكر الاقتصادي بتشعيباته الإيديولوجية قد أوغل في الشرح في هذا المضمار إلا ان الاستثمار في هذا الحقل أصبح الآن  علما وتخصصا إنسانيا قائما بذاته إضافة الى ما يجب توكيده من عدم خلوه من كونه فنا وفنا راقيا ودقيقا لارتباطه باغلى الموارد وأثمنها وهو الإنسان.
وفي تسارع الثورة المعلوماتية  وحمى المنافسة الاقتصادية بدأت النظريات الإدارية والمناهج الاقتصادية تتبارى في إتباع السبل الكفيلة باستثمار أكفأ لهذا المورد ومن خلال الطرق المثلى التي تطور الأداء وتحقق الامثلية OPTIMAIZAITION في إدارة العملية الاقتصادية برمتها.
في كل هذا الخضم بدأت تظهر مع الزمن العلوم الجديدة من تمازج المعارف بدأ تطوير العناصر البشرية و تنميتها وتحوير النظريات الإنتاجية إلى النهج الذي يخلق أكفأ وانجع السبل الاستثمارية ، وهنا  بدأت النظريات الإدارية تنحو منحى التطبيق الميداني لاستكشاف إدارة الأماكن الوظيفية الملائمة، وحل العقدة الأزلية بين عنصري التخصص العلمي والخبرة الوظيفية ، دون ان ننسى ضوابط حقوق الإنسان في مبادئ العدالة الاقتصادية وحق الحصول على  فرص العمل والتنافس الوظيفي المشروع ، وفي كل هذا الخضم بدأنا نرى ونسمع كيف تلجأ الدول الى استجلاب العناصر التي تحتاجها في تحقيق و خلق ميزة اقتصادية نسبية لهذا البلد او ذاك، والامر الان لم يعد محصورا بحدود الدول ومحدداتها السياسية لان الامر بات الان في مصاف نطاق جديد من النفوذ والتغلغل الاقتصادي وهنا هو مجال الشركات العملاقة عابرة القارات التي باتت تسيطر على مفاصل الاقتصاد العالمي فإنها أيضا أفرزت للاستثمار البشري الركن الأول والأساس في عملية الاقتصاد جميعا.
وبالتالي بتنا نرى محاور الصراع تنزل إلى مستوى العناصر البشرية التي بات الحصول على المتخصص والمتوائم مع أساليب الإنتاج المواكبة لقوانين التنافس الاقتصادي الذي بلغ اشده بعد استفحال المشكلة الاقتصادية التي تتلخص اصلا في مفهوم مفردة الندرة للموارد الاقتصادية في مواجهة للحاجة الإنسانية المتزايدة والمتجددة.
فمنذ  سقوط النظام السياسي الحاكم في العراق في نيسان 2003 فإننا لم نستطع أن نضع أسسا علمية وواقعية  لاستراتيجيات العدالة  الانتقالية بشكل عام والعدالة الاقتصادية بشكل الخاص ،والسبب في ذلك يرجع إلى عدم وجود التشريعات التي تستهدف قوانين العمل والتكافؤ في فرص العمل دون أن يكون هناك تمييز على أساس النوع أو العرق أو الطائفة ، كما أن المحاصصة السياسية التي امتدت إلى اغلب مفاصل الدولة أسهمت في ضياع فرص العمل لكيثر من العراقيين بسبب انتماءاتهم السياسية والعرقية إضافة إلى عدم حصول الفرد العراقي على حصة عادلة من نصيبه في الدخل القومي والنقص الحاصل في ملف الخدمات التي تعد جزء من الدخل القومي. جميع تلك العوامل أثرت على غياب رؤية واضحة لما يفترض أن يكون عليه الواقع الاقتصادي في العراق وبالتالي كل ذلك أثر سلبا على  وضع الخطط والاستراتيجيات للتحول الاقتصادي “.  اذ أن غياب الفلسفة العامة لإدارة الدولة والفلسفة الاقتصادية أثر على وضع الخطط الستراتيجية لملف الاقتصاد برمته في العراق فما بالكم بالجانب البشري،
ولهذا الرأي  إبعاد كثيرة، وأود الإشارة هنا إلى أن الدستور العراقي أشار إلى الستراتيجية الاقتصادية في عدد من مواده، ولكن للأسف الشديد فأن التوجهات والايديلوجيات لبعض الجهات السياسية جعلت من هذه الإستراتيجية ستراتيجية معطلة كونها لا تتسق وتوجهات تلك الأحزاب ، كما أن الكتل السياسية التي تصدت للحكم في العراق لم يكن لديها فلسفة ورؤية اقتصادية واضحة المعالم وكانت تفتقر إلى برامج اقتصادية حقيقية خاصة بها ، وهذا ما انعكس سلبا على العدالة الاقتصادية في العراق، وخير دليل على ذلك هو الخلل الواضح في إقرار الموازنة العامة للبلاد وتوزيع الميزانيات على الوزارات ومؤسسات الدولة ، وما يشهده العراق الآن من اضطراب في العملية السياسية سوف يؤثر بشكل كبير على إقرار الموازنة العامة، الأمر الذي سيعطل تنفيذ المشاريع أو جذب الاستثمارات إلى البلاد ،وهذا يؤشر استخفافا واضحا بمفهوم العدالة بشكلها العام والعدالة الاقتصادية على وجه الخصوص.  تتداخل آليات العدالة الانتقالية فيما بينها وعلى وجه الخصوص ما يتعلق  بعدالة إصلاح الضرر التي تعالج عمليات الفساد والإصلاح المؤسسي وتعويض الضحايا ،وهي  تتداخل بشكل كبير مع العدالة الاقتصادية ،  
 ولكن هل لدينا في العراق رؤية واضحة للإصلاح المؤسسي وبضمنه المؤسسة الاقتصادية ؟ لقد اكتفت الحكومة العراقية بتشكيل بعض الهيئات والمؤسسات التي تعنى بمعالجة جانب الفساد المالي والإداري ولم تضع الخطط الكفيلة بمكافحة الفساد المالي والإداري، ولم نشهد أية خطوات حقيقية بشان تطوير المؤسسات، كما أن سوء تأويل القوانين والجهل في التعامل معها أدى إلى خلل كبير في عملية الإصلاح المؤسسي ، إضافة إلى تولي بعض المسؤولين لمناصب إدارية في هذه المؤسسات وهم لا يملكون الكفاءة اللازمة لشغل هذه المناصب، وهو ما أثر بشكل كبير على استشراء ظاهرة الفساد في عموم مؤسسات الدولة ، وأصبح الفساد ينخر في مفاصل الدولة العراقية ، لذا أعتقد بأنه من الضروري التصدي الحقيقي لهذا الملف الخطير اذا ما أردنا إصلاحا مؤسسيا حقيقيا في البلد.
وهذا ولدا اختلال كثيرة التي صارت وأصبحت عبئا يواجه العراق والعراقيين إضافة الى التحدي الأول والأخطر وهو بناء الدولة التي يراد لها ان تؤمن وتعزز سبل الديمقراطية والتعددية والتي لايمكن لها ان تكون وفق هذه المعايير مالم تكون قد ارتكزت على حقوق الإنسان وعدالة الفرص أمام كل إنسان ينتمي لهذا البلد. هنا يبرز مفهوم العدالة الاقتصادية وأحقية المواطنة والحصول على العمل ، ولعله من نافلة القول نورد ان غياب المفهوم الصحيح لمعنى الاستثمار البشري وإبعاده واقتران ذلك مع مفاهيم وضوابط وقواعد حقوق الإنسان صار ضرورة وليس ترفا حياتيا يدار وفق اساليب المحسوبية والمنسوبية و” خاطرانيات  الادارات العليا ” هنا وهناك، والا فاننا والحال هذه من غياب وتغييب بت ترى ضياعا وهدرا في العناصر البشرية وتخصصاتها وتنوعاتها، والهجرة احدى ابرز جوانبها ، والبطالة المقنعة وجه بشع آخر، وتهميش الكفاءات لهذا السبب او ذاك كارثة يعيشها العراق منذ …… والى ماشاء الله، فان تهمش لانك من طائفة لاتتماثل وطائفة المسؤول او عرق مغاير او جنس مغاير كلها عناصر باتت تهدد عملية الاستثمار البشري في الاقتصاد العراقي من قريب ومن بعيد وفي كل المفاصل، ولذا فانك وبالمقابل تسمع بمناصب كثيرة ودرجات لانهائية في سلم وظيفي يمثل قمة الكوميديا المأساوية في كل هذا ترى مزيدا من الهدر والضياع وبالتالي مزيدا من الاضطهاد والتهميش وكذلك مزيدا من الترهل والترهل والترهل حتى باتت المرافق الانتاجية دورا للرعاية الاجتماعية ومقاهي لشرب الشاي والقهوة وتبادل الاحاديث لقضاء الوقت الوظيفي في استنزاف متعمد للوقت وهدر لامكانات العقل العراقي واهانة له وبأبشع الصور.
هنا اولا يجب ان ندرك اهمية التصور الاساس في بناء مفهوم للعدالة الاقتصادية ومدى ترابطها مع معايير ومستندات حقوق الانسان، وعليه يجب ان نبدأ اولا في:
كيف يمكن ان نضع تصورا لإستراتيجية للعدالة الاقتصادية في العراق ؟
أولا: يتعين على الحكومة وضع برامج اقتصادية يتم من خلالها توزيع عادل ومنصف  لموارد الدخل القومي، ولابد من  تفعيل دور القطاعين العام والخاص في عملية البناء الاقتصادي لأنهما سيسهمان في تطوير القطاع الاقتصادي في العراق.
وثانيا:  على البرلمان أن يشرع حزمة من القوانين التي  تحمي الاقتصاد العراقي  بما فيها القوانين التي تتصدى لقضايا الفساد المالي والإداري والاقتصادي والقانوني. ومن الضروري سن مجموعة من القوانين التي تحمي الاستثمار والانتاج،
وثالثا: يجب النظر بتوزيع الأجور والرواتب بشكل عادل ومن دون أي تمييز،
ورابعا: اعتماد مبدأي الكفاءة والخبرة في تولي المناصب الإدارية.
وخامسا: يجب أيضا الفصل بين المعايير التي تحمي القطاع العام والمعايير التي تحمي القطاع الخاص،
 وسادسا: تفعيل دور المحاكم التي تكفل حقوق العمل والاعتماد على معايير حقوق الإنسان في تلك القوانين، كما أن على الحكومة ان تكون مؤمنة انها  ملزمة وبموجب العقد الاجتماعي بحماية حقوق الأفراد والنهوض بواقعهم الاجتماعي والاقتصادي. وان هذا الالزام الأخلاقي هو الذي دفع ابناء هذا المجتمع لانتخابهم وإعطائهم الشرعية القانونية والسياسية في ادارة امور البلاد، في وقت قطعت كل الافراد على نفسها عهدا ومن خلال دستور جمهورية العراق الجديد بحتمية الاستناد والاقرار والسير وفق ضوابط حقوق الانسان ومعاييرها ، هنا ندق جرس التنبيه ان ادارة ملفات الاقتصاد دون استناد على مفاهيم عصرية وحديثة وعلمية لقضية الاستثمار البشري هي الأساس الصحيح لعملية بناء الاقتصاد والنهوض به، وهي لاتقل خطورة عن قانون النفط والغاز وإقرار قانون الاستثمار او استقرار الدينار العراقي او اقرار معدلات الفائدة المصرفية ا واو او. فهل ستصل الرسالة بصورة صحيحة الى القيادات الإدارية في مرافق وزوايا العراق ام لا؟؟؟؟؟؟؟؟ سؤال وتحد تظل النفوس والهة في انتظار القرار السليم والنهج الأسلم .

التعليقات معطلة