لـيبيا الصعود الى الهاوية

تُعدُّ الثورة الليبية من أكثر ثورات المنطقة ترفاً، فهي لم تتفجر ضد جوع أو بطالة أو تحسين المستوى التعليمي أو الخدمات الطبية، بل تفجرت من أجل الحرية وبناء نظام ديمقراطي تعددي، والمفارقة هي نقطة التقاء رياح الربيع العربي مع حجم التعليم العالي بين أوساط الليبين في لحظة تاريخية أدت إلى انهيار نظام العقيد معمر القذافي.

والمفارقة أيضاً، أن مدينة بنغازي التي شهدت الشرارة الأولى لانطلاقة ثورة 17 فبراير، هي ذاتها التي تشهد شرارة الثورة الجديدة على عقم قيادات ثورة فبراير.

فبعد أشهر من نجاح الثورة ومقتل وأسر قيادات النظام السابق وبمقدمتهم القذافي ذاته وابنه سيف الإسلام الذي يُعدّ الرجل الثاني في النظام، وجد الليبيون أنفسهم أمام حالة من الفوضى الأمنية وغياب الخدمات، وشحّة الموارد المالية بسبب تلكأ القيادة الجديدة في دفع المرتبات الشهرية، كما وجدوا أولادهم يلهون على الأرصفة بعد أن أغلقت المدارس أبوابها، باختصار وجد الليبيون أنفسهم أمام حقيقة جديدة مفجعة هي غياب «الدولة»، وهذا لا يعني أن القذافي كان يدير دولة، إذ أنّه أورث الليبيين ليبيا من دون قاعدة، لكنّه بأبسط الأحوال كان قد صنع مؤسسة حتى ولو كانت قبليّة.

رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل الذي رفع بالأمس على أكتاف الناس ابتهاجاً بنجاح الثورة، هرب من غضبهم اليوم ومن باب المجلس الخلفي بعد أن حطموا مكتبه وسيارته الخاصة احتجاجاً على سوء الأداء الحكومي للمجلس الذي قدم أحد أعضائه وهو عبد الحفيظ غوقة رئيس المجلس المحلي لمدينة بنغازي، قرباناً على مذبح الغضب الشعبي الذي تبنى مطلباً واحداً كان ملأ حناجر المحتجين: الشعب يريد تصحيح مسار للثورة. وهل ثمة مسار للثورة الليبية؟

مصطفى عبد الجليل قال: إن غوقة اختار الوطن قبل شخصه، وغوقه قال: إنني أستقيل طالما كان في استقالتي مصلحة للأمة، والشعب الليبي قال: نريد ثورتنا.. نريد ثمن الدم الذي قدمه شهدائنا وجرحانا.. نريد الأمن والازدهار والحرية.

في ثورة فبراير، كان التاريخ الليبي يمشي على عكازين، أحدهما للثوار، والأخر لنظام القذافي، والمفارقة أن العكازين لشيخ الثورة الليبية عمر المختار، ولذا، فإن الجغرافية الليبية لم تكن تعتمد خرائط البحر الممتد على طول الحدود الليبية، بل كانت تقفز من مدينة إلى أخرى حسب أهواء طائرات الناتو، أما الثورة الجديدة فإنها تسير بوقود دماء أبنائها التي لم تجف بعد، كما أن جغرافيتها لا تحتاج إلى طائرات وبوارج، لأن لصوت بنغازي صداه في طرابلس ومصراته وبنغازي والزنتان، ولم تعد فزاعة الفراغ السياسي والحرب الأهلية التي يحذر منها عبد الجليل تجدي نفعاً، لأن حاجز الخوف قد تلاشى والمارد خرج من قمقمه.

دبلوماسي ليبي مخضرم قال: إننا ثرنا من أجل الفقر، وحين سأله مراسل ليبراسيون، وهل كان في ليبيا فقر؟ أجاب بسخرية مرة، لا.. ولكننا ثرنا من أجل أن يكون عندنا فقر.

إنها المعادلة الأزلية بين الحرية ورغيف الخبز…

لـيبيا الصعود الى الهاوية

تُعدُّ الثورة الليبية من أكثر ثورات المنطقة ترفاً، فهي لم تتفجر ضد جوع أو بطالة أو تحسين المستوى التعليمي أو الخدمات الطبية، بل تفجرت من أجل الحرية وبناء نظام ديمقراطي تعددي، والمفارقة هي نقطة التقاء رياح الربيع العربي مع حجم التعليم العالي بين أوساط الليبين في لحظة تاريخية أدت إلى انهيار نظام العقيد معمر القذافي.

والمفارقة أيضاً، أن مدينة بنغازي التي شهدت الشرارة الأولى لانطلاقة ثورة 17 فبراير، هي ذاتها التي تشهد شرارة الثورة الجديدة على عقم قيادات ثورة فبراير.

فبعد أشهر من نجاح الثورة ومقتل وأسر قيادات النظام السابق وبمقدمتهم القذافي ذاته وابنه سيف الإسلام الذي يُعدّ الرجل الثاني في النظام، وجد الليبيون أنفسهم أمام حالة من الفوضى الأمنية وغياب الخدمات، وشحّة الموارد المالية بسبب تلكأ القيادة الجديدة في دفع المرتبات الشهرية، كما وجدوا أولادهم يلهون على الأرصفة بعد أن أغلقت المدارس أبوابها، باختصار وجد الليبيون أنفسهم أمام حقيقة جديدة مفجعة هي غياب «الدولة»، وهذا لا يعني أن القذافي كان يدير دولة، إذ أنّه أورث الليبيين ليبيا من دون قاعدة، لكنّه بأبسط الأحوال كان قد صنع مؤسسة حتى ولو كانت قبليّة.

رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل الذي رفع بالأمس على أكتاف الناس ابتهاجاً بنجاح الثورة، هرب من غضبهم اليوم ومن باب المجلس الخلفي بعد أن حطموا مكتبه وسيارته الخاصة احتجاجاً على سوء الأداء الحكومي للمجلس الذي قدم أحد أعضائه وهو عبد الحفيظ غوقة رئيس المجلس المحلي لمدينة بنغازي، قرباناً على مذبح الغضب الشعبي الذي تبنى مطلباً واحداً كان ملأ حناجر المحتجين: الشعب يريد تصحيح مسار للثورة. وهل ثمة مسار للثورة الليبية؟

مصطفى عبد الجليل قال: إن غوقة اختار الوطن قبل شخصه، وغوقه قال: إنني أستقيل طالما كان في استقالتي مصلحة للأمة، والشعب الليبي قال: نريد ثورتنا.. نريد ثمن الدم الذي قدمه شهدائنا وجرحانا.. نريد الأمن والازدهار والحرية.

في ثورة فبراير، كان التاريخ الليبي يمشي على عكازين، أحدهما للثوار، والأخر لنظام القذافي، والمفارقة أن العكازين لشيخ الثورة الليبية عمر المختار، ولذا، فإن الجغرافية الليبية لم تكن تعتمد خرائط البحر الممتد على طول الحدود الليبية، بل كانت تقفز من مدينة إلى أخرى حسب أهواء طائرات الناتو، أما الثورة الجديدة فإنها تسير بوقود دماء أبنائها التي لم تجف بعد، كما أن جغرافيتها لا تحتاج إلى طائرات وبوارج، لأن لصوت بنغازي صداه في طرابلس ومصراته وبنغازي والزنتان، ولم تعد فزاعة الفراغ السياسي والحرب الأهلية التي يحذر منها عبد الجليل تجدي نفعاً، لأن حاجز الخوف قد تلاشى والمارد خرج من قمقمه.

دبلوماسي ليبي مخضرم قال: إننا ثرنا من أجل الفقر، وحين سأله مراسل ليبراسيون، وهل كان في ليبيا فقر؟ أجاب بسخرية مرة، لا.. ولكننا ثرنا من أجل أن يكون عندنا فقر.

إنها المعادلة الأزلية بين الحرية ورغيف الخبز…

أسئلة أميركية وإجابات إقليمية

عمر الجفال 

تتمحورُ الوثيقةُ التي أصدرها مؤخراً معهد واشنطن تحت عنوان «الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للبنتاغون: آسيا والشرق الأوسط» حول احتمالات المواجهة مع إيران ومصداقية الولايات المتحدة في المنطقة، حيث تدشّن الوثيقة بهاجس الخوف على مصالح الولايات المتّحدة الحيوية المتمثلة بالنفط، وتستعرض تاريخ تعرّض هذه المصالح إلى تهديدات جديّة منذ عهد الرئيس نيكسون حين فرض العرب حظراً على شحن النفط إلى الغرب إبان حرب تشرين عام 1973 وحتى عهد الرئيس بوش الابن حيث تتناول هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغزو كل من أفغانستان والعراق وما شكّله على مصالح الولايات المتحدة الحيوية، لتصل إلى التساؤل الأخطر: ماذا لو قامت إيران بشنِّ حملة سريّة لمضايقة الملاحة الدولية في الخليج بدلاً من غلق مضيق هرمز؟

ترجح الوثيقة التي وضعها مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد مايكل آيزنشتات، «إن الولايات المتحدة حينئذ مستعدّة لتنظيم مواكب حماية كما فعلت في نهاية الحرب بين إيران والعراق» حين تطوّرت الهجمات بين القوتين لتشمل شحنات النفط من أجل الضغط الاقتصادي على العدو وتجفيف موارده المالية المساهمة بتغطية فواتير صفقات الأسلحة التي استلزمتها حرب الثمان سنوات بين البلدين.

وتستمر الوثيقة بطرح عدد من التساؤلات التي تؤشر بشكل غير مباشر إلى تورّط القوّات الأميركية في مستنقع الشرق الأوسط بالتزامن مع ازدياد اهتمام السياسة الأميركية بأوربا وتقول: «ماذا لو قام حزب الله بمضايقة سفن التنقيب عن الغاز وأرصفة الإنتاج قبالة ساحل إسرائيل، بما يؤدي إلى قيام توترات أو حتى مواجهة صريحة؟ وماذا لو قامت تركيا بدعم حزب الله -لأسباب انتهازية- على سبيل المثال، نَيْلِ حظوة لدى العرب ووخز إسرائيل وقبرص»؟

هذا التلميح الذي تشير إليه الوثيقة حول تلاقي مصالح تركيا وإيران إقليمياً، قد يؤدي إلى تقويض دور الولايات المتّحدة الأميركية في المنطقة، لاسيما وأنها فقدت الكثير من مصداقيتها إثر تخلّيها عن أقدم حلفائها في المنطقة خاصة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مما جعل أصدقائها لا يثقون بها وقد يبحثون عن حلفاء جدد أقل قوة منها، لكنهم أكثر مصداقية في تحالفاتهم منها، كما ولد هذا الوضع الجديد شكلاً من أشكال كسر حاجز الخوف عند الكثيرين من أعدائها، هذا الوضع الجديد قد لا يترك هامشاً قتاليّاً للقوات الأميركية حتى لو نشبت حرب المسافات الطويلة بين إسرائيل وإيران في حال قامت الأخيرة بضرب المفاعلات النووية الإيرانية التي ستقابل بقصف صاروخي إيراني للمدن الإسرائيلية ، لا يرجِّح أكثر المتابعين تفاؤلاً، إن إسرائيل قادرة على تحمل نتائجها، وبذلك فإن الوثيقة تؤكد أن الجيش الأميركي قد يجد نفسه «متورّطاً في عمليّة إجلاء غير قتالية وإغاثة إنسانية، أو حتى عمليات مستهدفة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يقوم به بالفعل في اليمن»؛ وفي إشارتها لإمكانية الردع التي اعتمدتها سياسة واشنطن تفيد الوثيقة أن «إن محاربة الإرهابيين ومواجهة المتمردين في فترة دامت حتى الآن عشر سنوات ومرور أكثر من عقدين من الزمن منذ نهاية الحرب الباردة قد أوهنوا العزم الأميركي على الردع» مما حدا بها إلى اعتماد سياسة الردع بالحرمان إثر تراجع إمكانياتها للردع بالعقاب.

أسئلة أميركية وإجابات إقليمية

عمر الجفال 

تتمحورُ الوثيقةُ التي أصدرها مؤخراً معهد واشنطن تحت عنوان «الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للبنتاغون: آسيا والشرق الأوسط» حول احتمالات المواجهة مع إيران ومصداقية الولايات المتحدة في المنطقة، حيث تدشّن الوثيقة بهاجس الخوف على مصالح الولايات المتّحدة الحيوية المتمثلة بالنفط، وتستعرض تاريخ تعرّض هذه المصالح إلى تهديدات جديّة منذ عهد الرئيس نيكسون حين فرض العرب حظراً على شحن النفط إلى الغرب إبان حرب تشرين عام 1973 وحتى عهد الرئيس بوش الابن حيث تتناول هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغزو كل من أفغانستان والعراق وما شكّله على مصالح الولايات المتحدة الحيوية، لتصل إلى التساؤل الأخطر: ماذا لو قامت إيران بشنِّ حملة سريّة لمضايقة الملاحة الدولية في الخليج بدلاً من غلق مضيق هرمز؟

ترجح الوثيقة التي وضعها مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد مايكل آيزنشتات، «إن الولايات المتحدة حينئذ مستعدّة لتنظيم مواكب حماية كما فعلت في نهاية الحرب بين إيران والعراق» حين تطوّرت الهجمات بين القوتين لتشمل شحنات النفط من أجل الضغط الاقتصادي على العدو وتجفيف موارده المالية المساهمة بتغطية فواتير صفقات الأسلحة التي استلزمتها حرب الثمان سنوات بين البلدين.

وتستمر الوثيقة بطرح عدد من التساؤلات التي تؤشر بشكل غير مباشر إلى تورّط القوّات الأميركية في مستنقع الشرق الأوسط بالتزامن مع ازدياد اهتمام السياسة الأميركية بأوربا وتقول: «ماذا لو قام حزب الله بمضايقة سفن التنقيب عن الغاز وأرصفة الإنتاج قبالة ساحل إسرائيل، بما يؤدي إلى قيام توترات أو حتى مواجهة صريحة؟ وماذا لو قامت تركيا بدعم حزب الله -لأسباب انتهازية- على سبيل المثال، نَيْلِ حظوة لدى العرب ووخز إسرائيل وقبرص»؟

هذا التلميح الذي تشير إليه الوثيقة حول تلاقي مصالح تركيا وإيران إقليمياً، قد يؤدي إلى تقويض دور الولايات المتّحدة الأميركية في المنطقة، لاسيما وأنها فقدت الكثير من مصداقيتها إثر تخلّيها عن أقدم حلفائها في المنطقة خاصة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، مما جعل أصدقائها لا يثقون بها وقد يبحثون عن حلفاء جدد أقل قوة منها، لكنهم أكثر مصداقية في تحالفاتهم منها، كما ولد هذا الوضع الجديد شكلاً من أشكال كسر حاجز الخوف عند الكثيرين من أعدائها، هذا الوضع الجديد قد لا يترك هامشاً قتاليّاً للقوات الأميركية حتى لو نشبت حرب المسافات الطويلة بين إسرائيل وإيران في حال قامت الأخيرة بضرب المفاعلات النووية الإيرانية التي ستقابل بقصف صاروخي إيراني للمدن الإسرائيلية ، لا يرجِّح أكثر المتابعين تفاؤلاً، إن إسرائيل قادرة على تحمل نتائجها، وبذلك فإن الوثيقة تؤكد أن الجيش الأميركي قد يجد نفسه «متورّطاً في عمليّة إجلاء غير قتالية وإغاثة إنسانية، أو حتى عمليات مستهدفة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يقوم به بالفعل في اليمن»؛ وفي إشارتها لإمكانية الردع التي اعتمدتها سياسة واشنطن تفيد الوثيقة أن «إن محاربة الإرهابيين ومواجهة المتمردين في فترة دامت حتى الآن عشر سنوات ومرور أكثر من عقدين من الزمن منذ نهاية الحرب الباردة قد أوهنوا العزم الأميركي على الردع» مما حدا بها إلى اعتماد سياسة الردع بالحرمان إثر تراجع إمكانياتها للردع بالعقاب.