وليد معماري
يشتد الغيم، وتهطل النجوم، وترتفع درجة الأسماء المنسية.. وتهب حكايات امرأة على ساحل القلب.. تصفو حيناً.. وتغضب حيناً وقت عواصف المطر.. لأن الجمر يختبئ تحت رماد خلاياها.. وعيناها ميزان لكل تقلبات الأنواء..
أما البحر فمتوسط ارتفاع الشوق.. والرياح متقلبة بين الضحك والبكاء.. والرؤية واضحة إلى المدى الممكن، مع احتمال هطول قُبل من الصفاء فوق المناطق العطشى من الجسد المتشقق… والحرارة فوق معدلها المختزن في شرايين النار، وأوردة الجليد.. ويحذر الواشون من تشكل ضباب غبشي في الساعات الأولى من الليل…
لا تقولي تأخر الندى يا قرنفلة الصباح.. ولا تلومي الغيوم إذا أبطأت المسير إلى فضاءات البلاد.. وتعالي نركض على ضفاف جداول عاندت الثلج… ثمة شتاءات مرّت، وثمة ليالٍ ارتعشنا فيها من البرد.. فالتحفنا ثقتنا بالدفء… وبشمس تحجبها الغيوم.. ونمجّد الغيوم الماطرة.. تلك التي سترت جفافنا، لكنها أمطرت كي ينبت العشب قي البوادي، وترتوي بذور القمح، وتشمخ سنابل تنتظرها البيادر والطواحين.. ويفقأ مسمار الخير عيون المرجفين الخاسرين…
ولن نوقظ المدن من نومها.. فقد كانت مستيقظة من أرق تحت قناعات الصمود… قناعات نسجها رجال، رجال بدمائهم.. وأمهات.. أجمل الأمهات اللواتي بَكين ورداً، ولم ينزوينَ في ثياب الحداد…. وأجمل الأمهات التي عينها لا تنام….
ويا امرأة… يا قديسة غطت منكبيها براية الوطن.. يا من صبرت تسعة أشهر، واحتملت آلام المخاض، وأرضعت، وغنت لوليدها: «يلّا تنام.. لدبحلكْ طير الحمام»… ثم تستدرك بصوت فيروز الإنساني: «يا حمام لا تصدِّق.. عمْ بضحك ع ريما تتنام»… وهذا دأبنا السلمي.. لكن، ليس أمام الغزاة الخراتيت.. وقد صمدنا لأربع سنوات، وبِضْع.. وها هي النسور الصديقة تؤازرنا..
ويا امرأة… لاتزال فسحة من العمر تتيح لنا اقتطاف غصون شجر الغار من ذرا جبالنا… وأنت، وشعبنا يدرك من سيوضع فوق هامته إكليل الغار.. وسنبرز لحرّاس الطرق أكفنا المتشققة من جفاف ووجع.. كجوازات سفر لا تعترف بها إلا مطارات الشعراء، وحكايات الأطفال على مخدّة النعاس… سنختار شجرة جوز تعرفنا ونعرفها… نمد تحتها حصيرة جلدينا المتعبة.. ونتطلع إلى أفق الشمس، وننتظر البرق بشارة لمطر سيأتي.. أتعبنا الرحيل من الشمال إلى الرمل.. ومن الغروب إلى الغبار.. كأنما تسكن خلايانا قبائل من البدو لا تتقن إلا ترويض الخيام على الترحال.. والعشب نائم في بوادٍ مجهولة… لم نتعب، ولا دَخَل اليأسُ إلى خرائطنا.. ووحدها البوصلة كانت معطلة.. ولنعترف أن بوصلتنا اشتريناها من أفّاقين.. بدأنا من غابة.. وانتهينا إليها.. وذات مساء قادنا قحط العمر، وعطش الإبل إلى الرحيل نحو البحر… تبخر الماء عبر مساماتنا.. ولم يبق تحت الجلد إلا الملح!.. وحين وصلنا البحر، وجدنا فيه مياهاً غزيرة.. وما زادنا البحر إلا عطشاً..
وذات يوم مضى، قبل خمسين قرن، قال حمورابي: إلى أين أنتم ذاهبون إلى حيث العالم يرجع؟!.