البحرين تواصل الاحتجاجات بعد اعتقال سلمان.. والشرطة ترد بالرصاص

        المستقبل العراقي / وكالات
اشتبك عشرات من المتظاهرين البحرينيين مع قوات الشرطة احتجاجا على مواصلة السلطات اعتقال الأمين العام لجمعية الوفاق الإسلامية، الشيخ علي سلمان، حسب وكالة رويترز للأنباء.
ونقلت الوكالة عن شهود قولهم إن الشرطة أطلقت رصاص الخرطوش والقنابل المسيلة للدموع على المحتجين في محاولة لتفريقهم.
وشهدت مملكة البحرين اضطرابات أذكت التوترات الطائفية منذ قمع السلطات الأمنية الاحتجاجات التي اندلعت في أعقاب ما يسمى بالربيع العربي في عام 2011.
وتطالب الأغلبية الشيعية المعارضة في البحرين بإصلاح النظام السياسي بحيث يحصل الشيعة البحرينيون على دور أكبر في تسيير شؤون الحكومة التي يسيطر عليها السنة علما بأن البلد مقر للأسطول الخامس الأمريكي.
وتفاقمت الاضطرابات منذ اعتقال السلطات الأمنية أحد أبرز زعماء المعارضة وهو الشيخ علي سلمان، بعدما قاد مسيرة احتجاجية على انتخابات الشهر الماضي التي قاطعتها المعارضة.
وقال شهود إن المسيرة الاحتجاجية التي نظمها نحو مئتي رجل امرأة في قرية سترا الواقعة جنوبي العاصمة المنامة تحولت إلى العنف إذ ألقى شبان غاضبون قنابل حارقة ضد قوات الأمن.
وقالت جمعية الوفاق إن 5 أشخاص على الأقل جرحوا.
وأرسلت جمعية الوفاق صورا للصحفيين تظهر على ما يبدو جروحا على أحد الأشخاص من جراء الإصابة بالخرطوش كما تظهر في صورة أخرى بقع من الدم على رأس شخص آخر.
وقالت وزارة الداخلية البحرينية إنها تحاول التحقق من هذه التقارير.
ويتهم المدعي العام الشيخ سلمان بعدة تهم من بينها تحريض المحتجين على محاولة الإطاحة بالحكومة.
وأمرت النيابة العامة بمواصلة اعتقال سلمان لمدة 15 يوما في انتظار استكمال التحقيقات.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية انتقدت الحكومة البحرينية بسبب اعتقال سلمان، قائلة إن اعتقاله من شأنه إذكاء التوترات أكثر فأكثر في البحرين.

الناجون من أحابيل الصهيونية

محمد خالد 
بعض المفكرين والأكاديميين والصحافيين وصناع الرأي في إسرائيل، يشتكون من فتور جيل اليهود الشبان تجاه الخطاب الصهيوني التقليدي. يقول هؤلاء بشيء من الأسى والألم بأن نسبة كبيرة من مواطنيهم اليهود تحت سن الثلاثين، ما عادوا يصغون ملياً لمقولات من قبيل قداسة «أرض الميعاد» والحنين لسكناها والعمل والتجذر فيها والدفاع عنها، كما أنهم لا يبدون إقبالاً على فكرة طهرانية اليهود وعدم قابليتهم للفساد والانحراف الأخلاقي والروحي وتميزهم في معظم الخصال والسجايا عما عداهم من الأغراب (الغوييم).
ومما يقال ويتردد في هذا السياق أيضاً، أن زهاء 40 في المئة من أبناء هذه الشريحة، يتحينون الفرص لمغادرة البلاد نهائياً إلى عالم الغرب بشطريه الأوروبي والأميركي.
لسنا هنا بصدد ظاهرة عابرة أو مرحلية استثنائية. هناك مؤشرات على تقلص الصورة المثالية للمستوطن اليهودي، الذي يحمل الفأس والبندقية، منذ فترة ليست بالقصيرة. فقبل نحو عقـــدين، أثبتت نتائج بحث ميداني أن الإقبال على استيطان الأرض المحتلة عـــام 1967 لا يستند في حالات كثيرة إلى قنـــاعات بالمزاعم الصهيونية القحة حول أحقـــية اليهود في تمـــلك أي بقعة من أرض إسرائيل الكبرى، وإنما إلى عملية حســابية دنيوية انتهازية؛ تلعب فيها الإغــراءات الاقتصادية دوراً كبيراً إن لم يكن حاسماً. فكثير من المستوطنين لا يتطلعون إلى إرضاء الرواية التاريخية التي تبثها الصهيونية، بل إلى التمتع بأثمان الشقق الزهيدة ووفرة الحوافز والخدمات الحكومية التفضيلية للاستيطان.
ولأن كثيراً من المستوطنين يمتلكون بالفعل شققاً وعملاً داخل إسرائيل، فقد شبه باحث إسرائيلي بعض مستوطنات الضفة بأنها مجرد منتجعات سياحية لقضاء الإجازات، فضلاً عن «ادخارها للحصول على تعويضات مجزية إذا ما أجبر المستوطنون على إخلائها ذات حين، تحت ضغوط أمنية أو سياسية لا يمكن استبعادها». ونحسب أن تجربة تعويض مستوطني غزة عند إجلائهم عام 2005 أكدت صدقية هذا التصور. المدهش بالخصوص أن استجابة الشبان اليهود على الصعيد العالمي للنداءات الصهيونية، لا تكاد تختلف عنها بين يدي يهود إسرائيل. في تقرير حديث، يقول الصحافي الإسرائيلي آري شبيط إنه بينما كان بنيامين نتانياهو يتحدث خلال إحدى زياراته لواشنطن عن الأخطار التي تواجه إسرائيل، كان جيل الشباب اليهودي الأميركي بعيداً كل البعد عن التعاطف معه، «… فهذا الجيل مهادن وليبرالى؛ رافض تماماً لاحتلال أراضي الغير ويكره استعمال القوة والعدوان على حقوق الإنسان، وهو مشدود إلى حياة الليل. كما أن الطلاب اليهود في جامعات هارفارد وكولومبيا وستانفورد يرون أن سياسات إسرائيل الرسمية تجعل من الصعب عليهم أن يحبوها». ويعتقد شبيط أن نتانياهو لا يعلم أين توجد أميركا الجديدة ولا أين يوجد اليهود الشبان، وهو لا يهتم بما يجري في الجامعات التي تعلم هو نفسه فيها.
بالتوازي والتزامن مع رؤية شبيط للتحولات المثيرة للقلق في عالم الشباب اليهودي في الولايات المتحدة، حيث الظهير الأقوى لإسرائيل، كان الواقع الداخلي الإسرائيلي يفصح بدوره عن تجليات لا تخلو من دلالات سلبية. فهناك أولاً، الرسالة التي بعث بها شبان إسرائيليون إلى نتانياهو، مؤكدين فيها عزمهم رفض التجنيد في الجيش، بسبب «استمرار الاحتلال والنزعات الشوفينية وتفشي العنف والعسكرة وعدم المساواة والعنصرية، التي تتأتي من تعاظم دور العسكر في الحياة المدنية. الأمر الذي لا يسمح لنا ضميرنا بأن نكون جزءاً منه». وهناك ثانياً، التظاهرات الحاشدة للشبان الحريديم (المتشددين دينياً) الرافضين تطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية عليهم، والمنادين بديمومة السماح لهم بالتفرغ لدراسة تعاليم التوراة!
والحال على هذا النحو، من ازورار الشباب اليهودي المتواتر، داخل إسرائيل وخارجها، عن التعاطف مع الأبعاد العدوانية للصهيونية، والتمرد الملحوظ على ميراث الصهاينة الأوائل والآباء المؤسسين للمشروع الاستيطاني في فلسطين، فضلاً عن انتشار العقلية النفعية المادية بينهم إلى حد البحث عن أعذار للتهرب من التجنيد، والانخراط في مافيات الجريمة المنظمة والتعلق بفكرة الهجرة المضادة، وهي ظواهر ومعطيات قابلة للتفاقم. تُري على أي شيء يستند خطاب التشدد السياسي والعسكري الإسرائيلي الرسمي، وعلي أي جيل يراهن نتانياهو وبطانته، وهم يتفننون في عرقلة جهود التسوية الفلسطينية، ويصمون آذانهم عن التعاطي مع نخبة فلسطينية، ذات مرجعية عربية، تتحدث عن هذه التسوية كهدف استراتيجي لها؟ ومن الخاسر في الأجل الطويل إذا ما قدر لنتانياهو النجاح في تمرير ألاعيبه الشيطانية، ووصلت نخبة السلام الفلسطينية إلى قناعة تامة بأنها كمن يحرث في قاع البحر، وهو أمر يبدو أنه بات وشيكاً.

مستقبل أفغانستان الغامض

تميم عاصي
أطول حرب في التاريخ الأميركي انتهت. وفي احتفال صغير وهادئ حضره عشرات الأفغان وعدد من المسؤولين الدوليين، أنزلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو علم القوات الدولية «إيساف» واستبدلته بعلم «عملية الدعم الدائم « الذي يرمي إلى دعم وتدريب القوات الأفغانية في حربها ضد الإرهاب وطالبان ما بعد 2014. ووصف الناطق باسم طالبان طي مهمة «الناتو» و»إيساف» بالهزيمة. ولكن ماذا حققت أطول حرب أميركية لأفغانستان، وإلى أين يتجه الأفغان في غياب الأمن وانهيار الاقتصاد وعدم الاستقرار السياسي؟
لا شك في أن أفغانستان اليوم في وضع أفضل من ناحية المستوى المعيشي مما كانت عليه في عهد نظام طالبان. ولكن البلد هذا يواجه خطر الانقسام. وارتادت ملايين الفتيات المدارس، وقصد مئات آلاف الأفغان المعاهد العليا للتعليم. وانتخب الأفغان حكومة وبرلماناً ودارت عجلة القضاء وبرز مجتمع مدني. ودور المرأة في المجتمع صار أكبر. وفتحت أفغانستان سفارات لها في أكثر من 140 دولة، وخرجت من العزلة ورفعت عنها العقوبات.
وبلغ النمو الاقتصادي الأفغاني 9.5 في سنوات العقد المنصرم، وارتفع دخل الفرد فيها من 120 دولاراً إلى640 دولاراً اليوم. وعملتها قوية. وتمكنت من الحد من الفقر من طريق استخدام ملايين الدولارات من المساعدات الدولية. وعلى رغم هذه التطورات، انزلقت أفغانستان إلى دوامة اضطراب نفخ فيها عدد من العوامل، منها: انسحاب قوات الناتو والقوات الأميركية وتأجيل الانتخابات وانخفاض معدل النمو الاقتصادي وتفاقم الاضطرابات، وتعاظم الحرب بالوكالة بين دول الجوار على الأرض الأفغانية وانقسام الطبقة العليا وفسادها، وعجزها عن التوصل إلى حل توافقي يضمن دوران عجلة البلاد. ويجب أن يتصدر أولويات رجال الدولة الأفغانية والسياسيين إرساء الاستقرار الأمني الداخلي وحماية وحدة البلاد. ولن يكترث المجتمع الدولي ودول الجوار بأفغانستان منقسمة وفقيرة ومجزأة. وحري بالحكومة الأفغانية الجديدة أن تسعى إلى إجماع وطني في مجلس الـ «لويا جركا» لشن حرب على الإرهاب، ودعم السلام والاستقرار والنمو الاقتصادي .
ومن غير إجماع وطني على هذه النقاط الثلاث، يترسخ الانقسام الحالي في البلاد. وآن أوان أن تسمو النخب الأفغانية عن مصالحها الخاصة في التنافس على السلطة والمال أو الخلافات العرقية وإلا أطيحت وصارت تحت حكم نظام يشبه النظام السابق، أي نظام «طالبان».وعلى المستوى الدولي، حري بأفغانستان أن تظهر على أنها مستقلة يعول عليها في الحرب على الإرهاب والتطرف مثل غيرها من الدول التي تقدم أميركا مساعدات عسكرية واقتصادية لها لقاء المساهمة في الحرب على الإرهاب.وعلى الدولة الأفغانية أن تختار طريقاً يفضي إلى المسرح الدولي من هذه الطرق الثلاث:- إبرام شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في المنطقة. ولكن إثر توقيع الرئيس الأفغاني الجديد على الاتفاق الأمني مع واشنطن ومع حلف الاطلسي، بقيت الحال الأمنية في البلاد متردية ومضطربة. وإذا كان لأفغانستان أن تبقى شريكة استراتيجية لأميركا والناتو، فإن على الفريقين المبادرة إلى خطوات حاسمة من أجل انتشال البلاد من الاضطراب. وزادت القوى المتصارعة إقليمياً وتيرة هجماتها في أفغانستان، ولن تعدل عن هذا النهج إلا إذا اتخذت قرارات أمنية واقتصادية حاسمة لمعالجة جذور الإرهاب والعنف.- مستقبل أفغانستان مع المنطقة والعالم الإسلامي: في وسع أفغانستان أن تربطها علاقات ديبلوماسية قوية بدول المنطقة على حساب شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي. ويترتب على هذا الخيار أن تطلب السلام مقابل الاعتراف بخط ديوراند كعمق باكستاني، وأن تضمن مصالح الهند في أفغانستان، وأن تمنع لجوء المتطرفين من روسيا ومن دول وسط آسيا إليها، وموازنة العلاقة والمصالح مع كل من إيران والمملكة العربية السعودية. ولم تقدم دول الجوار مساعدات كبيرة إلى الهند، في ما خلا الهند وأميركا وحلفائها في الأربعة عشر عاماً الماضي .
– التحالف مع الصين والهند وروسيا: يرى عدد من خبراء الاستراتيجيا والعلاقات الدولية أن مستقبل أفغانستان مرتبط بهذه الدول الإقليمية القوية. وحري بهذه الدول أن تجمع على معالجة المشكلات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها أفغانستان بعد 2014. لكن مصالح هذه الدول متباينة في أفغانستان، التي هي مصدر اضطرابات تهز روسيا والصين والهند. والتنسيق الديبلوماسي في الكواليس بين هذه الدول حول أفغانستان ومستقبلها، لا يعفيها من منحه مساعدات عسكرية واقتصادية وسياسية.
ويلف الغموض المستقبل السياسي والاقتصادي لأفغانستان. ويتهدد المستقبل هذا العجز في الموازنة، والاعتماد العسكري على الناتو وأميركا، والنخبة الفاسدة المنقسمة، وارتفاع مستوى الفساد المالي والإداري، وتزايد الشعور بغياب الأمن وتعاظم قوة طالبان. ولا شك في أن أفغانستان تحتاج، في السنوات القادمة، إلى مساعدات دولية وإقليمية عسكرية واقتصادية وسياسية ليشتد عودها. وكما على المجتمع الدولي مساعدتها، حري بأفغانستان إثبات أنها جديرة بالشراكة.

عن تركيا ومفارقاتها ومحنة الإسلاميين

هوشنك أوسي
قيل الكثير عن «نهضة تركيا» و»قوتها الناعمة» و»تصفيرها مشاكلها مع جيرانها» وانسجام إسلامها السياسي الحاكم مع الديموقراطيّة والنظام العلماني. وقيل الكثير من المديح والإطراء بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان و»عبقريّته». ولكن مجريات الحال التركيّة تؤكد ما يخالف الانبهار والصدمة الإيجابيّة بتركيا، خلال السنوات العشر الأخيرة. فتركيا بدأت تدريجاً تفقد «سحرها» و»بريق» تجربتها الإسلاميّة في الحكم، وباتت دائرة هذا «الانبهار» تضيق لتقتصر على الإسلاميين العرب، بعد أن كانت تشمل حتّى القوميين واليساريين والليبراليين أيضاً.
لا يكاد يمضي يوم على تركيا، إلاّ ونشهد مظهراً من مظاهر الانزلاق نحو الحكم الديكتاتوري، الشمولي، بنسخته الإسلاميّة، المكشّرة عن أنيابها، وكيف يمارس هذا النظام القمع والإقصاء والتصفية بحقّ المعارضين والخصوم والحلفاء السابقين، أو كل من يشكل خطراً حقيقيّاً على نظام الحكم الإسلامي. فقمع نظام أردوغان لم يعد يقتصر على العلمانيين من الترك والكرد وحسب، بل صار يطال الإسلاميين الذين ساندوه ووقفوا إلى جانبه طيلة العقد الماضي من حكمه في حروبه ومواجهاته للعلمانيين!.
الحقّ أن مجريات الراهن التركي تتشابه مع ما كانت تشهده كواليس البلاط العثماني، من دسائس ومكائد وفتن ومؤامرات وحملات قتل وتصفية، ضمن الأسرة الحاكمة، بهدف الوصول إلى الحكم أو الاستمرار فيه، حتى لو كان ذلك على جثّة الإخوة والأبناء!. ذلك أن سنوات العسل بين أردوغان وحركة «الخدمة» بزعامة الداعية التركي محمد فتح الله غولن، تحولت بعد إعلان الطلاق السياسي بينهما، إلى كراهية وعداء وملاحقة وتصفية حسابات!. فبعد أن أطاح التحالف السابق بين أردوغان وغولن حكم العسكر والعلمانيين – الأتاتوركيين، في شكل ناعم وسلس وقانوني، وعبر صناديق الاقتراع، لم يكن أحد يتوقّع أن يتحوّل التحالف هذا إلى ذاك القدر من الخصومة والشراسة في العداوة، خاصّة من جانب حكومة العدالة والتنمية!. ويكاد المتابع للمشهد التركي يقطع الشكّ باليقين بأن العداوة المتبادلة بين الحليفين السابقين تفوق بكثير عداوتهما لخصومهما العلمانيين الأتاتوركيين!، بدليل دعم جماعة غولن الأحزاب العلمانيّة إبان الانتخابات المحليّة في آذار (مارس) 2014، ودعمها أكمل الدين إحسان أوغلو، مرشّح هذه الأحزاب في الانتخابات الرئاسيّة التي شهدتها تركيا الصيف الماضي.
أثناء إلقائه خطابي الفور في الانتخابات المحليّة (31/3/2014) والانتخابات الرئاسيّة (10/8/2014)، هدد أردوغان بالانتقام من «الخونة» ومحاسبتهم، سواء كانوا داخل تركيا أو خارجها، مشيراً إلى غولن وجماعته ممن يتهمهم بتشكيل «دولة داخل دولة» و»كياناً موازياً». وقد نفّذ تهديده، عبر حملة تطهير شملت الشرطة والأمن والقضاء، ثم اتجه نحو القطاع المصرفي. وفي يوم 14/12/2014 انتقلت حملة الاعتقالات والتصفية السياسيّة لجماعة غولن إلى قطاع الإعلام التابع لها، حيث اعتقل نحو 30 شخصاً، بينهم رئيس تحرير صحيفة «زمان» الإسلاميّة، أكرم دومانلي، ومدير مؤسسة «سمان يولو» التي تتبع لها قناة «اس تي في»، هدايت كراجا (علماً بأن هذه المؤسسة أنتجت مسلسلاً تلفزيونيّاً يمجّد تركيا والأتراك، إلى درجة العنصريّة، إلى جانب تعظيمه الجيش التركي، وتشويهه النضال الكردي، بعنوان «تك تركيا – تركيا الواحدة»، وقد تمّت دبلجته بالعربيّة، وبثته قنوات التلفزة العربيّة، بعنوان الأرض الطيّبة). ولم تكد تمضي أيّام على هذه الحملة، حتى أصدر القضاء التركي مذكرة اعتقال بحقّ غولن نفسه، بتهمة تشكيله «كياناً موازياً» ضمن الدولة، و»تزعمه منظمة إرهابيّة، تهدف إلى قلب نظام الحكم»، فيما أفرج عن دومانلي!.
غولن، الداعية الإسلامي «المعتدل»، وحليف أردوغان السابق، هو الآن زعيم جماعة إرهابيّة، ومطلوب للعدالة التركيّة!. غولن الذي رفع العلمانيون – الأتاتوركيون دعوى بحقّه سنة 1999، متهمينه بمناهضة العلمانيّة، ودافع عنه رئيس الوزراء التركي الأسبق، وزعيم حزب اليسار الديموقراطي بولنت آجاويد (1925-2006)، مشيداً بدور مدارسه ومعاهده وجامعاته في نشر اللغة والثقافة التركيّة، وأجبر على الهرب من تركيا، هو الآن «زعيم عصابة» ملاحق من قبل نظام إسلامي ساهم غولن نفسه في تأسيسه وتثبيت أقدامه وغرس مخالبه في جسد الدولة والمجتمع والدستور ونظام التربية والتعليم!. في يوم 15/6/2012، وقبل اشتداد حمأة الصراع بين الحليفين الإسلاميين، خطب أردوغان أمام حشد جماهيري زاد عن 50 ألف شخص، مشيراً إلى حجم الحرقة والمرارة والمعاناة وآلام الغربة التي يعيشها غولن، وآن لهذا العذاب أن ينتهي، وأنه يريد رؤية غولن بينهم. بهذا الخطاب العاطفي الجيّاش، وسط التصفيق الحاد، وجّه أردوغان دعوة إلى غولن لإنهاء غربته والعودة إلى تركيا. ووصف غولن الدعوة بأنها تنمّ عن «الشهامة والأصالة والأخلاق العالية»…، معتذراً عن تلبيتها، إذ الدعوة «يجب أن تصدر عن الشعب التركي، وليس القيادات السياسيّة»، وأن تركيا «ما زالت بلداً غير آمن». وهكذا الكلام المعسول المتبادل بين الحليفين، حلّ محلّه الاتهام والتخوين والنفس العدواني في المخاطبة!. والسؤال هنا: من كان يخدع الآخر؟. ومن خان الآخر؟. ومن كان يريد الانقضاض على الآخر والانفراد بحكم تركيا؟. وهذا من دون أن ننسى أن غولن وحركته ضالعان في ما انزلقت إليه تركيا إلى الوراء، نحو العثمنة والأسلمة واستبداد الحزب الواحد واللون الواحد والفكر الواحد والزعيم الأوحد. وهو ما يدفعنا إلى القول إن غولن هو من جنى على نفسه!.
وجدير بالذكر أن أردوغان ضرب مواقع التأثير للجيش التركي والقوى النافذة في الدولة التي كانت تعارض حلّ القضيّة الكرديّة، وذلك تمهيداً لحلها، ولم يبقَ أمامه سوى جماعة غولن التي عارضت المفاوضات السريّة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني. وهكذا تقول تسريبات إن أوجلان الذي أودع سجن جزيرة إيمرالي سنة 1999، وهو العام نفسه الذي هرب فيه غولن، سيفرج عنه في إطار صفقة حل بين أنقرة والكردستاني، بينما يبقى غولن ملاحقاً، وقد يعتقل ويودع السجن ولا يُفرج عنه إلاّ بعفو خاص من أردوغان!.
وأيّاً كان الأمر، فمحنة الإسلاميين العرب كبيرة في اختيارهم تموضعهم بين الاثنين: أردوغان وغولن، لا سيما أن الأول لن يرضى بالحياد مطلقاً، وسيعتبره «انحيازاً» لعدوّه، وجحوداً بالامتيازات التي أنعم بها على الإسلاميين وحركاتهم، خاصّة منهم الإخوان في مصر وسورية والعراق!. وغالب الظنّ أن حركات الإسلام السياسي، ستصادق جهراً أو سرّاً على قرار التصفية السياسيّة لغولن وجماعته، وستجعل منه «كبش فداء» على مذبح علاقتها بتركيا الأردوغانيّة.

الأيام الخمسة لحكيم جمعة البنا

صدرعن دار الشلال في بغداد قبل أيام رواية “الأيام الخمسة “لحكيم جمعة ألبنا 
 بثمانين صفحة من القطع المتوسط ،وهي كما يقول المؤلف قصة حقيقية حدثت في احد احياءالعاصمة العراقية تروى كما هي، يستعرض فيها حياة طلبة وطالبات والعلاقات الإنسانية وطيش الشباب عبر قراءة واقعية في الزمان والمكان لحياة شخوص ومجتمع بشكل دقيق ورائع يضعك في صورة الحدث وكيف تصاعد . الايام الخمسة رواية جدير بجيل الشباب قراءتها . 

المرأة العربية: من العنف والتمييز إلى المشاركة السياسية

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب المرأة العربية: من العنف والتمييز إلى المشاركة السياسية.يقدم هذا الكتاب الذي ساهم فيه نخبة من الباحثين العرب، مجموعة دراسات تتمحور حول قضايا العنف والتمييز ضد المرأة في بعض البلدان العربية من جهة، فيبحث في مجموعة العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية المؤثرة في مدى استمرار حضور هذا العنف والتمييز ضد المرأة في المجتمعات العربية، وهي تتمحور حول تجارب في المشاركة السياسية للمرأة من جهة أخرى، ساعية لتقييم تلك التجارب ولتحليل العوامل الداعمة والأخرى المعيقة لعملية المشاركة السياسية للمرأة العربية.

زمن الرواية كوعي متجدد

محمد غرناط /كاتب مغربي
من المعروف تاريخيا أن الرواية اقترنت بالمجتمعات التي اعتنقت الفكر الديمقراطي وآمنت بقيم التعدد والاختلاف. كما أن كتاب الرواية الحقيقيين هم كذلك من اعتنقوا وآمنوا عن حق بالمبادئ التي تتأسس عليها الديمقراطية. إن الرواية، كما تؤكد الأبحاث والدراسات النظرية والنقدية، هي جنس أدبي تتطلب نشأته وتطوره ضرورة أن تتوفر له مجموعة من الشروط، وتتعلق أساسا بالقيم التي تنبني على التنوع الذي يطبع الحياة الاجتماعية على مستويات مختلفة، لغوية وفكرية وإبداعية، إضافة إلى ما ينبغي أن يتمتع به الفرد من حريات وحقوق تسمح له بممارسة أنشطته في الحياة بصورة طبيعية. 
ولا ترتبط هذه المعطيات بزمن محدد تحديدا خارجيا صرفا، فنقول مثلا القرن الفلاني، أو العهد الفلاني، أو كذا من المؤشرات الزمنية التي تدل على تاريخ معين، بل ترتبط بزمن الرواية الخاص، وهو زمن الوعي المتجدد بقضايا الشكل الروائي، باعتباره الشكل الأكثر تجسيدا للقيم الديمقراطية، ولذلك فإن الرواية لا تولد في مجتمع غير ديمقراطي تهيمن فيه طبقة أو فئة اجتماعية محددة، فتنشر الفكر الأحادي الثابت الذي لا يعترف بالآخر. والأعمال الروائية التي يتم إنتاجها في هذا الاتجاه تكون هي أيضا أحادية الصوت والرؤية، ولا تتأسس على المقومات الفنية الحقيقية للرواية، فلا تعدو هذه الأعمال أن تكون أكثر من سرود قد تتفاوت قيمتها الأدبية، لكنها جميعها تنتمي إلى السرد بمعناه الواسع، وهو عنصر تشترك فيه كل الشعوب والمجتمعات والطبقات والأفراد على تنوع الأزمنة والأفكار والمعتقدات، فيما الرواية (الحقة) تنتسب إلى زمنها، وهو زمن الديمقراطية، بما هي إطار للتعدد والاختلاف الذي يضمن حرية التعبير والتفكير وتدبير شؤون الحياة الخاصة والعامة، وهو أيضا زمن ووعي الفرد، ليس بوصفه ذاتا ضيقة بلا أفق، ولكن باعتباره كيانا يمتلك قدرات خاصة على التفكير والبحث والتحليل في عالم متغير، أي بتعبير آخر الفرد المبدع (المنتج) وليس الفرد الانطوائي الذي يعكف على ذاته فيكتفي بها ولا يتجاوزها. والرواية إذا لم تتوفر لها شروطها الطبيعية في مجتمع ما (غير ديمقراطي) فإنها، لكي تتجاوز العوائق وتنتصر، تصنع شروطها من وعي الكاتب الذي يؤمن بالقيم التي تحتفي بالاختلاف (مهما حصل تجاهلها)، وبنمط الحياة الذي يتميز بسيادة أساليب الحوار وتعدد أشكال الإبداع والكلام (بوليفونية)، وذلك كله بالارتكاز على القيم الكونية التي تؤمن بالديمقراطية بوصفها منظومة أفكار وأسلوب حياة يسمح للشكل الروائي باحتواء اللغات المتنوعة وطرائق التفكير والميول الطبيعة والخصائص التي تميز مصائر الأفراد. لذا، فإن زمن الرواية لا يتوقف، إنه وعي متجدد بالشكل ومقتضياته الفنية والفكرية والاجتماعية، فلا يمكن أن تكون الرواية إطارا لعرض قيم فكرية وإيديولوجية مغلقة وثابتة، ذلك لأنها ليست وسيلة تستعمل لأغراض لم تنشأ لها وخارجة عن زمنها ووظائفها الجمالية ورسالتها الإنسانية الخاصة، كما أنها ليست وسيلة تعليمية تتم الاستعانة بها لتبليغ دروس (أو مواعظ) في هذا الحقل أو ذاك، كل هذا يتعارض مع طبيعة الشكل الروائي وأهدافه، فقد قال القدماء إن لكل مقام مقال، فلا يستقيم الكلام سوى باختيار الاطار الذي يناسبه (في الزمان والمكان). إن الأجناس الأدبية لم تولد من فراغ، هناك عوامل وشروط وحيثيات تتحكم في ولادة كل جنس أدبي (شعريا كان أو نثريا) ، أي أن لكل جنس أدبي زمنه، كما أن له آلياته التي تميزه وتمنحه فرادته (من دون أن يعني ذلك عزلة الأجناس عن بعضها، فكل أشكال التعبير تتقاطع وتتحاور في ما بينها). من هنا يتأكد أن الرواية ليست جنسا مغلقا، فالجنس الأدبي المغلق لا يحاور محيطه، بل يكتفي بنفسه (مونولوج) فيما الرواية هي جنس منفتح، وغير مكتمل كما يقول م. باختين، وهو قابل للتجدد بفعل قدرته على الحوار واستيعاب الأجناس والثقافات الأخرى، وهذا من شأنه أن يطور باستمرار أدوات التعبير لهذا الشكل الذي اتخذته الطبقة البرجوازية للتعبير عن قضاياها ومشاكلها، فارتبط بها ارتباطا وثيقا إلى حد أن ف. هيغل وصف الرواية بالملحمة البورجوازية (في مقابل الملحمة اليونانية). وانطلاقا من ذلك يظهر بجلاء أن للرواية زمنها الخاص، المتجدد والممتد، فهو زمن لا يتوقف بحكم الحاجة الدائمة إلى الحوار والتعبير بواسطة الأشكال التي تتوفر على إمكانية احتواء مظاهر التعدد (على اختلاف تجلياته) الذي يكون مصدر غنى وثراء في الأدب والحياة على حد سواء.

اقبلني…

مادونا عسكر/ لبنان
اقبلني بخّوراً زاهداً في يديكَ
وارنُ إليه مضطرماً مدى الدّهرِ.
يلفحه دمع مآقيك السّاهيةِ
ويستعر لهيب عودِهِ
كلّما أغدق عليه جود عينيك من طيب النّظراتِ…
وغنِّ،
أتأرجحُ في مجمرتكَ
كطفلة تلامس القمر برعشة خيالِ
تباغت النّجوم بضحكاتٍ بريئة صافيةِ… 
واذرف ألحان الوجد المتّقدِ في روحي
ولتتمايل الحبيبات المفتتنة بالذّوبانِ
على هدي جذوات الأنّغامِ المتناثرةِ…
واقرأني،
فصول كتب مقدّسةٍ 
تُتلى على مسامع المكرّسين للحبِّ…
كلمات يتوق إليها المتوحّدون في الجبال البعيدةِ
المتنائية عن جهل الكلماتِ
المتباعدة عن انزواء المعاني…
وقرّبني،
 تقدمة على مذابح النّسكِ
واملأني في أكوابك الثّمينةِ…
أطير في سمائكَ
وأرتفع نحوكَ بلهفة العاشق المشتاقِ
فاقتبلني…
سِر بي إلى روابٍ يضوع فيها عطر الغمامِ
يبكي بصمتٍ 
سنين آلامه المحييةِ…
وانتظرني…
هناك… عند أطراف الرّبيع القادمِ
وادعُ نيسانَ
أن يورق اسمكَ ويُطيِّب خداد الورد الرّاقدِ
فيصحوَ ويزهوَ
وتترجّح به أرجوحة الزّمانِ…
انتظرني…
ها إنّي واقفة في قلبكَ الصّفيِّ المتبتّلِ
أترقّب مجيئكَ الدّائمِ…
وأنتظركَ،
أرنو إلى مذبحك الممتدّ على أطراف الكونِ
أبحث عن سحابة ليست كالسّحابِ
ينسدل نورها ستائر ياسمين تناجي أرضي 
وتسمو بي إلى وطني…
أتطلّع إلى مجد أنت سيّدهُ
وأنتظرُ
وأرقبُ
وأتهيّأُ لسكنى يمينك الدّافئِ…
وأراك آتياً ولم تأتِ
وأسمعك شادياً ولم تغنِّ
وأشمّ عطرك ولم يفُحِ
وألمس وجهكَ ولم ألمسِ
وأعانق بهاءك ولم أعانقِ…
اقبلني نَفَساً يضيع في أنفاسكَ
يمتزج بروحكَ
يتهادى كلّما دعتْكَ بسمة الحياةِ
وتنفّسني…
ولا تبخل عليّ بنسمة الصّلاةِ…
تنفّسني…
حتّى الرّمق الأخير تنفّسني
ولتكن روحي آخر ما تتلفّظ بهِ…
واجعلني اللّحظة الأخيرة 
والكلمة الأخيرة
والدّعاء الأخيرْ
والنّفَس الأخيرْ…
وعند ساعة الانعتاقِ البهيجِ
أرخِ أجفانك على أجفاني
وضمَّ يديكَ إلى صدري
وانصهر في غفوة الولادة الجديدةِ
واحملني أنّى يشاء السّلام الآتي… 

ان تطيع الحياة كجندي عائد من الموت

نصيرة تختوخ 
ستيفان هيرتمانس يخرج الحرب من أوراق جده ويجعلها صورا حية
الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى لم تكن لتمرّ غير ملحوظة في بلد صغير كبلجيكا، عايش جبهات النار، واحتفظ بآثار وجود العدو والحلفاء على أرضه.لكن الذي لم يكن متوقعا ربّما هو أن تصدر في 2013 رواية بمستوى رفيع، توثق الوجه البشع للحرب بحواس وعاطفة إنسان عايشها، وشارك فيها، وبقلم شاعر وكاتب عارف بالفن، استطاع أن يوجِد مشاهد لا تترك القارئ بعيدا، بل تشدّه إليها بقوّة.
ستيفان هيرتمانس في “حرب وتربنتين” المتوجة عام 2014 بأكثر من جائزة أدبية، يروي حكاية جدّه أوربان مارتيان، الذي ولد في بلجيكا ما قبل التعليم الإجباري والتأمين الصحي وقوانين العمل. حيث كان الصغار يمارسون أعمالا شاقة برواتب زهيدة لمساعدة ذويهم، ويتقاسمون المسؤولية، كما يتشاركون في الطعام والمسكن.
ما تحتمه الحرب
ابن الرسام الذي يحلم بأن يكون رساما، يجد نفسه في جبهات القتال بكل ما فيها من شراسة، يعيش قذارة الحرب ويرى ارتماء الأعضاء البشريّة، يتحرك بين الجثث، يتلقى الأوامر ويعطيها، ثم يصاب لينجو من الموت أكثر من مرة، ويعود بعد النقاهة إلى ساحات القتال مجددا.
الحرب التي يخرجها ستيفان هيرتمانس من أوراق جدّه ليست تلك التي تسرد الأرقام وتلاحق الأحداث في عجالة، بل تلك التي يجوع فيها الجنود ويذبحون فيها حصانا وجدوه للاقتيات من لحمه، تلك التي تشوى فيها الجرذان الطاغية المتقاتلة على الجثث، وتلك التي يقضي فيها الجنود حاجاتهم في مكان تواجدهم الجماعي، فتحيط بهم الروائح الكـــريهة، دون أن تكون أمامهم خيارات أخرى.
مقطع من الرواية: “في النور الرمادي للصباح”
”الذي رأيناه أمامنا ذاك الصباح في الشفق، وخارت لهول منظره قوى الجميع: حشد من الكلاب والأرانب والقطط، وأبناء عرس، وفئران الخيل، والجرذان بأنوفها بالكاد فوق سطح الماء تسبح كجيش من غير عالمنا.
بأنوفها الحساسة صارت مثلثات غير معدودة تتقدم في مساحة الماء الناعمة السوداء. فتحت قنوات جرّ المياه في نيو بورت، وحتى ستاوفنس كيرك، بيرفايز، تيرفات وسخوربـاك، فإن المياه علت الأرض.لقد أدركنا ببطء أن تقدّم العدو سيتوقف لهذا السبب. بقلوب تخفق بقوة، وقفنا نشاهد المنظر.
كان ممنوعا منعا صارما إطلاق النار على الحيوانات، لأن ذلك سيفضح موقعنا. هكذا رأيناها، الرسل الدقيقة الأنوف لعالم ملعون، هاربة من أرمجدون، غير مفهومة، تصل إلى اليابسة تنفض فروها، ودون حساب أيّ حساب تركض على طول خنادقنا، عمياء في هروبها كاللاموس.
لا أحد حاول الإمساك بالحيوانات، لا أحد أراد أن يقتل واحدا منها ليأكله، رغم جوعنا الشديد. كملائكة متنكرة من يوم القيامة غابت الكائنات الشبحية المثابرة عن الأبصار، قافزة على الوحل الأسود اللامع في نور الصباح الرمادي”.
(من الصفحتين 206 و207 حرب وتربنتين لستيفان هيرتمانس).
الجندي ينفذ الأوامر، ويغامر بحياته ويتعوّد على رؤية أبشع صور الموت، وإن تعاطف مع المتألمين أحيانا، فليس بإمكانه دوما الإنقاذ أو الإسعاف أو دفع حياته ثمنا رخيصا، لا يفضي إلى شيء.
عدا كراهية العدو التي تحتِّمها الحرب تكشف الرواية عن تفاصيل مؤذية لنفوس هؤلاء البلجيكيين الفلامان، الذين عوملوا بشكل أسوأ من أبناء وطنهم المجندين المتحدثين بالفرنسية، وكأنهم أقل مستوى أو قيمة. لا شيء يغيب في الرواية لتتحول أجواء الحرب والتنقل على الأراضي البلجيكية صورا حقيقية؛ فيها تغيّر الفصول وطبيعة البلاد، وما دخل إليها وعليها من أسلحة مثيرة للدمار والرعب، كتفصيل يذكر استعمال غاز الخردل مثلا.
الجدّ الخارج من الحرب برتب وميداليات، وبعد ذلك بتعويضات مادية، هو من سيحمل آثارها على جسده وفي كوابيسه، وهو الشاب التقيّ العائد إلى بيت والدته، ليبدأ حياة انتصرت على الموت أكثر من مرة. شاب من زمن كتمان المشاعر، وكبح الرغبات، وشحذ العزيمة للقدرة على الاستمرار في حياة متقشفة وقاسية.
الحمولة الإنسانية
سعادة الجد في إيجاد من ستشاركه حياته سرعان ما ستنطفئ، بعد أن تمرض وتموت قبل زواجها منه، ويجد نفسه مطيعا كجندي يوافق على الزواج من أختها غابرييلا. في أوروبا المطعونة في أخوّتها، الباحثة عن التعافي، القريبة من الدّين، يواصل بطل الرواية مشواره، ومعه حفيده الكاتب الذي يتنقل بين ما تركه جدّه على الورق من كتابات، وما خلّفه من رسوم، وبين الأعمال الفنية التي تأثر بها هذا الأخير أو ألهمته. فنجد في الرواية سطورا عن روزاموند شوبرت وأرليزيان جورج بيزيه، وعن لوحات لأنطوني فان دايك وريمبرانت وفيلاسكيز وغيرهم.
الرواية التي نجحت بحمولتها الإنسانية في حصد أكثر من جائزة على الصعيد الهولندي والبلجيكي، وهي مؤهلة في حالة ترجمتها إلى لغات أخرى لنجاحات أكبر، ولن يكون مستغربا إن تحوّلت إلى عمل سينمائي ناجح؛ فهي تمتلك كل المقوّمات لذلك.

السوداوية الثقافية

سعيد يقطين
منذ أكثر من عقد من الزمان كان التناوب التوافقي، وكل بما لديهم فرحون. فمنهم من استوزر، ومن استدون، أو استكتب. ومنهم استوظف، ومنهم ينتظر الاستحقاقات المقبلة، ليأخذ حقه في الغنيمة. وكما يحدث عادة، بانصرام عام، وحلول سنة، تتأهب الصحائف لتسجيل ما جرى في ما انصرم، فتتعهد بالتذكير بالأحداث الجليلة والأفعال العظيمة. 
كنت أرى أن ما جرى لم يجر، في عهود سابقة. جمدت النضالات، وخمدت النقابات، وخفت المطالب. فحكومة التناوب التوافقي، في الباب. وكل المعارضة التقليدية التي عرفت المنافي والسجون بيدها الحل والعقد، وكل مسوغات المواجهة إنذار بركوب موجة التشويش على التناوب التوافقي. وكان أن استكتبت في جريدة حزب الوزير الأول للكتابة عن السنة المنقضية، وما تحقق فيها. 
أذكر أني كتبت مقالة عن سنة «كحلاء زحلاء»، وانتظرت قراءتها على صفحات الجريدة المناضلة، وهي تشخيص موضوعي، في ما كنت أرى، عن حال مغرب أخطأ مناضلوه السكة، وعالم عربي يدخل مرحلة الفوضى، وعن عراق ملتهب… لم تنشر المقالة، فتبين لي أن النقد لا يعجب، ولا الموضوعية تفيد. وأنهم يبحثون عن تزيين العروس، وهم يعرفون أنها عوراء كسيحة؟ ليس هذا هو المهم.. ذاك تاريخ؟
لكن الشاهد، أنني بعد برهة من الزمان، التقاني أحد الزملاء المقربين من الجريدة، وكان مناضلا عنيدا في السبعينيات، فسلم عليّ متوجسا، متخوفا، وسألني عن صحتي وحالتي النفسية، وهل أتابع علاجا مع طبيب نفسي أو روحاني؟ فلما استغربت الأمر، وتعجبت لسؤالاته، وأعلنت له سلامتي العقلية والجسدية، أخبرني أن هناك، في الجريدة، من أعلمه أني مصاب باكتئاب، وأنني أعاني من السوداوية الثقافية التي جعلتني لا أرى إلا الجانب الفارغ من الكأس. ففسرت له موقفي من الكأس، برمته، لأني رأيت فيه شقوقا لا يريدون رؤيتها؟ ولقد رأوها رأي العين.
ما الفرق بين أن تكون متفائلا أو متشائما في زماننا العربي؟ أو متشائلا على غرار أبي نحس إميل حبيبي؟ إذا لم يسلمك التفاؤل إلى أن تكون متشائما، ترى الأشياء، في الحاضر، كما هي، فلن تكون متفائلا حقيقة؟ كما أن التشاؤم إذا لم تعززه رؤية تفاؤلية بالمستقبل، فلن يكون تشاؤما حقيقيا؟ فكيف نقيم الجسر بين التفاؤل والتشاؤم من دون أن نجعل أيا منهما يعوض الآخر ويلغيه. إن كلا منهما حين يؤخذ منفصلا عن الآخر لا يمكن إلا أن يؤدي إلى حجب الرؤية، والتمادي في الإحساس بعدم إمكانية الفعل المحول لأي من الإحساسين إلى نقيضه. وهنا مكمن الفعل الثقافي المطلوب. فما أسهل تبرير الواقع لأنه يؤدي إلى الاستسلام؟ وما أيسر الإجهاز عليه، لأنه يولد العدمية. 
الاستسلام تسليم بالواقع، وتعبير عن عدم القدرة على التفكير فيه. كما أن العدمية رفض للواقع ولكن بدون تفكير في إمكانية تغييره بفتح منافذ معقولة ووجيهة. لذلك يلتقيان معا في انتهاج الرؤية السوداوية التي تعطل العقل في أي عمل. وهذا هو السائد في علاقتنا بواقعنا، سواء كنا نتغاضى عن مساوئه أو نضخمها إلى الحد الذي يؤدي بنا إلى الاقتناع باستحالة تغييره.
مرت أعوام على احتلال العراق، وعلى مناهضة الإرهاب والتطرف. نستعين بالأجنبي، تارة، ونرفضه طورا، ونجد أنفسنا في حاجة إليه، فنرحب به لممارسة المزيد من التخريب الذاتي. ونحتفل بعام جديد، وبدل أن يكون ذلك توقفا للقراءة الموضوعية لواقعنا، نجدنا نراوح في المكان، فإذا البلايا تحيط بنا من كل جانب. جاء الربيع العربي، فلم ينتبه الضمير المتحكم في الرقاب والعباد، ولم يكن غير النظامين المغربي والتونسي في مستوى التوقعات، فكان الاستثناء المغربي، وها الدرس التونسي العظيم، يجنب البلد الويلات التي تتخبط فيها اليمن وسوريا وليبيا ومصر. 
رفعت يافطة الإرهاب، وبدل مواجهته بالذهاب إلى أصوله التي ولدته، إذ لا دخان بلا نار، وبين الإسلام والمسيحية والعلمانية، وصار الكل يحارب الإرهاب بالإرهاب. وكان التدخل الأمريكي مغذيا لكل أنواع الإرهاب، وها هي إسرائيل تستغل الواقع فتفرض تصوراتها للأشياء ليس ضد الفلسطينيين فحسب، بل ضد العالم أجمع؟ هل من السوداوية التوقف أمام عدد المهجرين وضحايا الحروب التي تخاض في العراق واليمن وليبيا وسوريا؟ غزة الجريحة، لم يتم إعمارها، والدم الفلسطيني ما زال ينزف على ردهات المنابر العالمية؟ ألم تشبع بلدات الشام والعراق بما لحق بها، ويلحق من دمار؟ من يتحدث عن المهجرين والمهجرات بالآلاف من العراقيين والسوريين؟ كيف يكون إحساسك، وأنت ترى عائلات وعددا كبيرا من الشابات السوريات، وبين أيديهن رضع، يفترشن طرقات شارع محمد الخامس، ويطلبن الصدقات؟ كم من الزمان يلزمنا لإعمار البلاد التي نخربها بأيدينا وأيدي الأعداء؟ وكم من العقود يلزم لنسيان ما لحق بالذاكرة الفتية التي فتحت عينيها على الدماء والخراب؟ 
أسئلة كثيرة، تفرضها علينا أعوام انقضت، وكل سنة تحل. فكيف نحول سنواتنا الكحلاء الزحلاء إلى سنوات بيضاء وردية؟ الجواب: إيقاف كل الحروب التي نخوضها ضد بعضنا. لكن أمريكا وإسرائيل تريداننا دار حرب؟ فأين السوداوية؟