هوارد لافرانتشي
في غضون ساعات من الهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة «نيس» أثناء الاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا، تعهد الرئيس فرانسوا أولاند بتعزيز الدور الذي تلعبه بلاده في الحرب على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، أدلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي كان قد حضر وقائع الاحتفال بالعيد الوطني مع المسؤولين الفرنسيين في باريس، بتصريح وصف فيه سوريا- موطن تنظيم «داعش» في الوقت الراهن- بأنها «حاضنة» الهجمات المروعة، التي وقعت في الآونة الأخيرة، ومنها الهجوم الذي وقع في مدينة «نيس». ووعد كيري في تصريحه بمضاعفة الجهد المبذول، لإلحاق الهزيمة بداعش، وإنهاء الحرب المستعرة الأوار في سوريا، والتي نتج عنها تداعيات وخيمة على تلك الدولة وعلى المنطقة، بل وعلى العالم أيضاً. 
ولكن، مع قيام «داعش» بنصح اتباعه في مختلف إنحاء العالم، بالبقاء حيث هم، وإلحاق الدمار والخراب بـ«الكفار» الذين يعيشون بينهم- بدلاً من السفر لسوريا والعراق لشن الارهاب – فإن السؤال الذي يخطر على البال حتماً هو: هل مازالت سوريا، كما يعتقد كثيرون، هي المفتاح لإنهاء جاذبية «داعش» العالمية، الآخذة في التزايد؟.. وهل سيؤدي سحق التنظيم في سوريا ودحره في الموصل، إلى إنهاء الهجمات التي تزايدت بشكل كبير، في أوروبا خلال الشهور الأخيرة، بل وضربت أماكن أخرى بعيدة عنها مثل أورلاندو، وسان بيرناندينو، والسعودية، وبنجلاديش.
شرط الهزيمة
ويقول الخبراء المتخصصون في شأن التطرف، إن هزيمة «داعش» في سوريا والعراق، شرط في غاية الأهمية، لإنهاء الجاذبية التي يتمتع بها التنظيم على الساحة العالمية، غير أنه يجب الأخذ في الاعتبار مع ذلك، أن داعش هو أيضا نوع من الخلافة الافتراضية، أي القائمة في الفضاء الإلكتروني، على شبكة الإنترنت، بقدر ما هي خلافة تتجسد في العالم المادي الواقعي أيضاً، مثل تلك التي تتقوض في الوقت الراهن بسبب الضغط، الذي يُمارس عليها من قبل عدة دول تقودها الولايات المتحدة في سوريا والعراق.
من خلال هذا المنظور، يمكن القول إن الأمر المرجح، هو أن يواصل التنظيم، وأنساقه المتطورة المكونة من مجلات تنشر على شبكة الإنترنت، وتغريدات على موقع تويتر، إلهام مرتكبي الفظائع الجماعية، مثل المذبحة المروعة التي وقعت في نيس، وأن يستمر ذلك الإلهام لبعض الوقت حتى بعد تدمير قيادة التنظيم المادية.
يقول «فواز جرجس» الخبير في حركات التطرف الإسلامي في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومؤلف الكتاب المعنون«: داعش: تناول تاريخي» إن: «تدمير داعش، الخلافة، والأيديولوجية سوف يطلق عملية القضاء على التنظيم، ولكنها ستكون مجرد بداية نهايته». ويضيف جرجس: «لقد تمكن داعش من تعزيز سيطرته على الوصول، وتوسيع نطاق إلهامه للآلاف من الأفراد، من خلال أنشطته الخارجية وقدرته على مد نطاق عمله وتأثيره… ولكن الهجمات التي تتم تحت اسمه لن تتوقف، حتى بعد تعرضه للهزيمة».
هجمات جديدة
فضلاً عن ذلك، يحذر د.جرجس من أن فترة الاثني عشر شهراً المقبلة، قد تشهد المزيد من الهجمات المدمرة، مثل الهجوم الذي وقع في مدينة نيس، وذلك عندما تقوم «الذئاب المنفردة» التي ألهمها داعش بالاستجابة، للنداءات المتواصلة على شبكة الإنترنت من جانب التنظيم، والذين يدعوهم فيها لضرب أعداء الخلافة، في الأماكن التي يعيشون فيها.سيحتاج داعش بطبيعة الحال لتأمين موقع مادي، يستطيع منه توجيه الهجمات وإلهام الآخرين. يعني هذا أن جهود مواجهة داعش، يجب أن تكون متعددة الأوجه، وتشتمل على القوة الصرفة، والجهود الأقصر مدى من الناحية الزمنية، مثل الحملات المناوئة للرسائل الإلكترونية، كما يقول خبراء آخرون.
من بين هؤلاء «ماتيو ليفيت»، مدير «برنامج شتاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات» التابع لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يقول: «ترتبط الكثير من العمليات الإرهابية التي نراها أمامنا بخيوط ناظمة، وبعضها يرتبط بسوريا والعراق، وبوجود مادي لتخطيط بعض تلك الهجمات، أو لتوزيع ونشر رسائل ما».
ويضيف ليفيت: «ولكننا نرى أيضا أن الهجمات الملهمة من قبل داعش ترتبط على نحو فضفاض بذلك (الموقع المادي)، وهو ما سيتطلب مضاعفة الجهود الموجهة لمناوئة الراديكالية، ويعني أننا بحاجة للتعامل مع كل تلك الجوانب في وقت واحد».
«داعش» يخسر
في الرسائل الأخيرة، التي بثها «داعش» عبر منصاته العديدة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدا التنظيم وكأنه يستجيب لحقيقة خسارته لمساحات واسعة من الأراضي، وللصعوبات المتزايدة التي سيواجهها مقاتلوه المحتملون في الوصول لسوريا والعراق، في حالة حدوث ذلك. يقول المسؤولون الاستخباراتيون الغربيون، إن التنظيم قد بدأ بالفعل في إرسال بعض عناصره خارج سوريا، وتحديداً إلى الدول المجاورة مثل لبنان، والأردن، وليبيا، في محاولة منه ربما، لتأسيس قواعد جديدة أو تعزيز قواعد قائمة لشن العمليات منها.
ويقول «جرجس»: إن ما هو أكثر تدميراً للتنظيم من فقدان قاعدته في الرقة، سوريا، سيكون هو سقوط الموصل المدينة الاستراتيجية التي تقع في العراق، الذي شهد مولد التنظيم في الأساس.ولكن فقدان المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، لن يحدث قبل فترة تتراوح ما بين 8 إلى 12 شهراً، كما يتنبأ جرجس. وخلال تلك الفترة، سيقوم التنظيم، كما يتوقع ببذل قصارى جهده لتوجيه الضربات لمن يطلق عليهم «الصليبيون» الذين يهاجمون دولته المزعومة.
مواجهة إلكترونية
تقول جوليان سميث، الزميلة الرفيعة المستوى في «مركز الأمن الأميركي الجديد«CNAS»، التي تتمتع بخبرة واسعة في المجال الأمني ومجال السياسة الخارجية، مستمدة من عملها في البنتاجون والبيت الأبيض: «الجزء المتعلق بالفضاء الإلكتروني سينطوي على صعوبة خاصة، خصوصاً أن الدول الغربية ليست مجهزة جيداً للتعامل مع هذه الجزء». وتضيف سميث: «لا بد من الاعتراف بأننا لم ننجح في تقديم سردية مضادة ناجعة، وأننا نجد صعوبة بالغة في التعامل مع الجانب الخاص باستخدام التنظيم للفضاء الافتراضي».
و«جرجس» يرى أصداء لهجوم «أورلاندو» الذي وقع الشهر الماضي بوساطة نجل مهاجرين أفغان مولود في الولايات المتحدة، في الهجوم الذي وقع في مدينة نيس يوم الثلاثاء الماضي. 
وهو يحذر مع خبراء آخرين من أننا لم نتوصل بعد لمعرفة الدوافع، التي دفعت منفذ هجوم نيس لقيادة شاحنة كبيرة والاندفاع بها وسط المحتفلين بالعيد الوطني الفرنسي، ما أسفر عن مقتل 84 شخصاً على الأقل وجرح مئات آخرين من بينهم عدد كبير من الأطفال.
وسائل من «الإنترنت»
ويقول «جرجس»: إن الوسيلة المستخدمة في هذا الهجوم- استخدام شاحنة كأداة صدم- كانت من ضمن الوسائل التي ظهرت لسنوات، ضمن وسائل الهجوم المقترحة على شبكة الإنترنت، بوساطة تنظيم «داعش». يبدو الرجلان اللذان نفذا هجومي أورلاندو ونيس، كما لو كانا شخصين يعانيان من اضطراب نفسي، وصراع مع موضوع الهوية، والأزمات الشخصية. فـ(عمر متين)، الشاب الذي نفذ هجوم أورلاندو، حرص على إعلان ولائه لـ«داعش» حتى أثناء تنفيذ الهجوم على نادٍ للمثليين، يقال إنه كان يتردد عليه من آن لآخر. أما الشاب الآخر الذي نفذ هجوم نيس، فيقال إنه كان يشعر بالغضب بسبب طلاقه مؤخراً، ولكن لم يكن يعُرف عنه أنه متدين بشكل خاص، بل وقيل إنه كان ينخرط في تصرفات تتعارض مع القانون الأخلاقي الصارم الذي يعتنقه «داعش».
يقول جرجس: «كيف يمكنك التوصل لفهم عقلية شاب فرنسي من أصول تونسية، يقود شاحنة من أجل كسب عيشه، ويحيا في هدوء في شقة في أحد أحياء نيس؟..في اعتقادي أن هزيمة داعش سوف تطلق عملية وضع نهاية للإرهابيين المحليين، ولظاهرة الذئاب المنفردة، ولكنها لن تتمكن من إنهاء الإلهام الذي يقدمه التنظيم بشكل فوري».
علاج صعب
والسيدة سميث من مركز CNAS التي سبقت الإشارة إليها تقول: إن تطوير سردية فعالة مضادة لسردية «داعش» سيكون مسألة صعبة، وأن ذلك يرجع جزئياً إلى حقيقة أن الرسالة الجهادية يمكن الوصول إليها بسهولة، في حين أن معارضة تلك الرسالة ستنطوي على معالجة مظالم عميقة مثل العنصرية والتمييز، وهي مظالم لا تجد المجتمعات نفسها في مزاج مناسب لمعالجتها في الوقت الراهن. ويقول «ليفيت» من «معهد واشنطن»: إن الزيارة التي قام بها لفرنسا في الآونة الأخيرة، أظهرت له بجلاء أن الفرنسيين الذين يتعاملون مع الآلاف من المقاتلين العائدين من جبهات القتال في سوريا والعراق، بالإضافة إلى هؤلاء البعيدين تماماً عن شاشات الرادار، مثل الشخص الذي نفذ هجوم نيس، يقومون في الوقت الراهن ببعض الخطوات الحيوية في الداخل، بالإضافة إلى قيامهم بنقل القتال إلى معاقل داعش.وقال أيضاً: «إنهم يركزون بشكل خاص على كيفية التعامل مع التطرف الذي يتم على شبكة الإنترنت، ويحاولون السيطرة على مشكلة تهريب السلاح المنتشرة في مختلف أنحاء دول أوروبا».ويضيف «لديهم الكثير من الأشياء المستمرة منذ زمن، ولكن شأنهم في ذلك شأن الآخرين، يسابقون الزمن، من أجل تدارك ما فاتهم».

التعليقات معطلة