حاوره/عمراواره 
الشاعر التونسي الأسعد ألجميعي، شاعر خرج على حدود الإقليمية الأدبية منذ وقت مبكر، لأنه عاش وكبر مع الشعر التقيناه وهو يحمل مختلف انواع هموم الدنيا والحياة وهو اسم تلألأ في سماء الشعر العربي المعاصر ولؤلؤة تم العثور عليها في بحور الشعر الجامحة التي لا تستقر أمواجها طالما في الوجود حياة وجدت في حواري معه من الذوق والأدب الرفيع ما يكفي لشباب العرب أجمعين ، كما اكتشفت أن الأدب الرفيع لديه يتواصل بين أدب الأخلاق والشعر معا جريدة (المستقبل العراقي) تجول داخل هواجسه الأدبية ونتج عنه هذا الحوار الساخن 
   ــ ماهي مصادر وعيك الشعري ؟ هل هي فوضى الأشياء ؟؟ أم فوضى المعارف والمزاج يمكن أن تكون هي المصدر الأساسي في ذلك..؟
كلها مجتمعة تشكل وعيي الشعري فوضى الأشاء والمعارف والمزاج، في كتابه “لحظة المكاشفة الشعرية ـ إطلالة على مدار الرعب” سعى الناقد التونسي الكبير محمد لطفي اليوسفي إلى القبض على لحظة تشكل القصيدة، كيف تولد القصيدة، معتمدا على نماذج من شعر ألشابي والسياب وأدونيس ودرويش وغيرهم، حيث هول المخاض وآلامه التي تهز الكيان وكأنها لحظة خلق.. لا أكتب الشعر إلا بعد أن تولد القصيدة بألم داخلي لذيذ، عذاب عذب فيه مكابدة وفرحة السير على حبل سحري فوق النيران،  تبدأ بحدس أو فكرة أو هزة نفسية انطلاقا مما حدث أو يحدث وفي ضوء مكتسباتي الثقافية وتكتمل القصيدة على مراحل غير محددة في الزمن لذلك فأنا من المقلين إنتاجا.. إن غبطة تشكل القصيدة أعمق بكثير من الفرح بإتمامها، المشي في درب القصيدة أروع من الوصول .. وعندما أحس باكتمال القصيدة أجلس لأكتبها على الورق مع القيام بالإضافة المستوجبة أو إدخال بعض التعديلات الشكلية، لا يمكن تغيير المضمون والمعاني ..لذلك فأنا أحفظ قصائدي عن ظهر قلب وألقيها دون حاجة للورقة. 
   ــ مع من تواطأت لتخرج بتجربتك الشعرية..؟ 
تواطأت مع الطبيعة قبل كل شيء أحس دائما أن القصيدة الأعظم في الكون هي الطبيعة بكل تجلياتها المدهشة وبأصواتها المذهلة، عندما أنصت لخرير المياه في الوادي أو لشدو العصافير أو لهديـل الحمـام أو لوقـع المطـر أتلذذ بذلك لذة قصـوى لا أجدها في أي تعبير إنساني مهما سمق شأنه أشعر وكأني أمام أعظم شاعر في الكون يلقي بأسلوب لا يرقى إليه بشر، لذلك فلا تخلو قصيدة من قصائدي من استنطاق للطبيعة بين تقمّص وإسقاط ..أغلب قصائدي هي ترديد داخل جوقة الطبيعة ولكن ببحّة بشرية تعكس أحزاننا العريقة : “سبع بوابات لعصفور واحد” “أسوة بالفراشة” “منطق الطير” “خفاش”…
   ــ أين يكمن هوس ذاتك، وما الذي سعيت اليه وأنت تكتب الكتابة الشعرية..؟ 
يكمن هوس ذاتي في كتابة الشعر للشعر قبل أي غاية أخرى، حين أكتب أحس أني أرقى إلى سماوات أخرى لم تتحدث عنها الكتب، أحس بأن القصيدة ليست ترفا أو فسحة إنما هي أعمق من الواقع وأعلى من الحلم..عند تشكل القصيدة وفي لحظة الإلقاء كذلك أدخل في حالة حلول وتلبس والتحام بالقصيدة وكأننا واحد وأذهل عمّن حولي أكاد لا أشعر بوجودهم، ورغم هذا الذهول الخارج عن السيطرة  أسعى من خلال الكتابة الشعرية إلى أن أشعل الشموع في كل مكان أصل إليه لأضيئ أعمق ما في الروح من عتمة وأشعل الحرائق الوجدانية حيثما حللت لا أكثر ولا أقل. 
  ــ كيف تتعامل مع اللغة شعريا، والذي منحته لها ومنحته لك.؟ 
أتعامل مع اللغة شعريا ككائن حي متحرك يأبى الجمود أحاول في كل قصيدة جديدة أن أبحث في اللغة بعمق عن جزر عذراء أو مصطلح بوح مرت عليه الإنسانية مر الكرام، جاهل من يعتقد أنه ملمّ باللغة حتى وإن كانت لغته الأم .. المعاجم اللغوية تملأ بيتي أعود لها في كل حين وفي ذلك متعة لا تضاهى وغالبا ما أكتشف أن كمّا هائلا من الكلمات العامية لها أصل في الفصحى أو هي الفصحى بعينها وأعتقد أن هذا في حد ذاته من الحقول التي ينبغي النبش فيها كي لا يستقيل الشعر من حياتنا..يعجبني نزار قباني في استعماله للغة حية متداولة وهو الذي أنزل القصيدة من أبراجها العاجية وجعلها تمشي بين الناس في الأسواق والشوارع دون أن تهبط إلى الحضيض فهي لا تتزوج السطحيّة ولا تأكل الطعام من مائدة الرداءة..أعظم ما منحتني اللغة المجاز وهو مربط الفرس في الشعر حسب رأيي المجاز أعلى درجات اللغة.. تسقط القصيدة عندما تسمي الأشياء بأسمائها..بالمقابل أعتبر نفسي أبعد ما يكون عن منح اللغة شيئا يذكر فأنا مازلت أحبو في ملكوتها الواسع.
ــ هل تعتقد بأن التشظي في النص الحديث ناجم عن نسق الشعر الحديث ..؟ 
أعتقد أن تشظي النص المعاصر لم يكن نتيجة لنسق الشعر الحديث فقط ، حيث أفهم السؤال على أنه يتعلق بالأسلوب، نعم قصيدة النثر هي أكبر مثال على هذا التشظي وهي حسب رأيي هذيان أعلى من الوعي متاح لقلة قليلة من الشعراء على رأسهم أدونيس، كذلك استنفاذ طاقات كبيرة في التجريب أدى إلى هذا التشظي..
 ولكن أعتقد أن السبب الجوهري لهذا التشظي يتمثل في إيقاع العصر الذي نعيشه والمتسم بالسرعة المفرطة والتقلبات المتعاقبة في جميع جوانب الحياة وتجاوز كل الخطوط الحمراء وانهيار الإنسان كقيمة وتشظيه ككيان حيث أن ذلك انعكس على القصيدة الحديثة مبنى ومعنى.
 ــ هل تنتمي الى هذا الزمن، أم أنك تحيا في زمن آخر.؟
الحقيقة أني أحيا في أزمنة أخرى أكثر من هذا الزمن، صدق من قال أن الإنسان موجود حيث هو غير موجود أكثر مما هو موجود حيث هو موجود..ليس لي من هذا الزمن إلا منجزاته العلمية والتقنية، كثيرا ما أنقطع تماما عن هذا الزمن حسب الأمكنة والأنشطة ..
عندما أكون في الغاب أحس أني هناك في بدايات فجر البشرية، كل من عرفني عن قرب أدرك مدى عشقي للطبيعة وحبي للخلوة وسط الغابات هناك أشعر بأني أعيش عصري الذهبي أحس أني في حالة أقرب للتعبد هناك أتصالح مع ذاتي ومع كل الكائنات وتصبح رؤيتي للعالم أوضح وكأني أتطهر وأضع عني الأوزار..كذلك عندما أكون في حالة القراءة أو تشكل القصيدة أحس أني أنتمي إلى أزمنة عديدة ودائما يرجح إنتمائي إلى فجر البشرية حيث الحرية المطلقة. 
 ــ ما الذي يمكن للشعر أن يقوله الآن..؟
أومن أن الشعر الآن في هذه اللحظات العصيبة التي يعيشها الإنسان، مدعو إلى الرفع من شأن الإنسان كقيمة وتنقية الهالة التي تحيط به من كل الشوائب، يجب أن يسود الحب في أعالي الكلام ليس كإحساس فقط ولكن كرؤية وكفلسفة خلاص، الحب وحده هو القادر على انتشالنا من الحضيض..هذه قناعاتي، القصيدة كما قلت سابقا هي التي تضيئ أعمق ما في الروح من عتمة وهي التي تشعل الحرائق الوجدانية في أعلى المجاز كسعي دؤوب للتخفيف من آثار حرائق الكون في الدرك الأسفل من الواقع الكابي.

التعليقات معطلة