نبل الحياة وثرثرة المكتبات
(المثقفون جنس قائم بذاته، فهم يعودون على الدوام في أسانيدهم الى المكتبة، وهي على كل حال أعظم نبلا وأقل ثرثرة من الحياة..) اندريه مالرو
في إعادة النظر بشأن وظيفة الشاعر في الحياة اليومية لدى اعراب الجاهلية بوصفه جهازها الاعلامي والمفاهيمي، سيطفو الى سطح الوعي العنف الطافح في الثيمة المحورية للقصيدة ليتماهى عمودها الشعري مع هيئة السيف الذي ظل يشكل لازمة لا فكاك منها في خطابه الاعلامي ـ الثقافي حتى أسست أغراض الشعر الجاهلي تمظهرات متعددة لذات الثيمة المحورية المشار إليها آنفاً.
وتأسيساً على جوهر الطبيعة البدوية التي تنسرح في فضاءات بلا شواخص او حدود بشرية والتي انتجت بنحو عميق امضى واشد خطاب لغوي عربي تأويلاً واحتمالية حتى بات الشاعر الجاهلي متمثلاً ببيئته مرآة لغوية ـ معرفية يندرج على سطحها خطاب قيم وأعراف عربية معروفة في سكونيتها إذ لم يجر على محمولات خطابها وكذا وظيفة حاملها ـ المثقف العربي ـ كثير تغير عبر التاريخ العربي الممتد مما قبل زمن الدعوة الاسلامية وحتى يومنا الراهن، وذلك يعود بتقدير مراقب متريث الى تلك الطبيعة السكونية التي اسهمت اولا واحدية المقدس بالاقتران مع سملطة الاستبداد البطرياركي المتمثلة بالمشيخة القبلية ومن ثم تمظهر تلك الواحدية في الدوغمائية الايديولوجية أخيراً، وقد اسهمت كل تلك المعيقات العنيفة في تكريس طبيعة الدعة والسكون في اللاوعي العربي الذي ظل يسعة ـ بحثاً عن الراحة ـ على الدوام الى الركون لاجوبة القديم من دون مواجهة باثارة الاسئلة التي تفترض اقتحام المجهول المثير للقلق غير المرغوب فيه بالنسبة لسكونية الوعي العربي، وهو ما يجرد بنحو مضطرد وظيفة المثقف والثقافة الحقيقية التي ينبغي لها ان تعنى باستشراق المستقبل وجعلت منها منظومة سلفية تامة الاجابة وغير قادرة بالتالي على القيام بقيادة الانسان والمجتمع كما هو متوخى منها. أن هذا التوصيف لا يعني فيما يعنيه مهيمنة شمولية تاريخية مطلقة إذ يمكننا التقاط التماعات عدة مبثوثة هذا وهناك في ثنايا التاريخ العربي الاسلامي وقد شهدت عدداً من لحظات تمرد خاصة حاول التاريخ الرسمي المكتوب باقلام السلطات المتعاقبة تجاهلها ولولا ذلك ذلك كان يمكن لها ان تمسي سياقات وانماط متطورة تدفع في عجلة تقدم السكون الى التغيير المستمر، غير ان التاريخ العربي ظل تاريخا من القطيعة المعرفية يفتقر الى التراكم اللازم لاقامة تقاليد حضارية متطورة ومثلما ان هناك حملا حقيقيا تنبثق عنه ولادة حقيقية فان هناك حملا كاذبا يمكن له ان يغوي بتصديق ولادة حقيقية، كان تغيير التاسع من نيسان 2003 قد اوهم الكثيرين بانه حمل حقيقي يمكنه موازنة المعادلة الازلية المختلفة بين قياد السياسي وقياد الثقافي، وللتو استبشر المثقف المقموع والمقصي خيرا كما يقتضي الحال غير انه ظل يجتر اتكاءه الى اريكة السلب يتصفح ويقرأ الوقائع المتسارعة ليس على الارض ولكن كتابه على صفحات جريدة ظنا منه ـ وهو واهم قطعا ـ ان مال الامور سوف يستقيم من دون مشاركته، وراح يترك مكانه الواقعي شاغراً ليحتله مجددا الادعياء من الساسة وهذه المرة كما في المرات السالفة كان السياسي مستبدا في جوهر ادائه، فالوحدية ذات الواحدية والايديولوجية ذاتها مع فارق كون المستبد السالف واحدا فيما غدا اليوم مجموعة غرماء لا يمكن التمييز والفرز بين يافطاتهم اخذوا يمعنون في الاقصاء والتهميش اكثر فاكثر لكل ما يمت للثقافة والمثقف بصلة، وبفعل ذلك ودواع اخرى أمسى المثقف وبنحو واضح مشوش الرؤيا مضطرب الموقف، يتلبسه العجز فيما يتلقى النتائج مشلولا من دون ان يمد اصبعا سلبا ام ايجابا للمشاركة في مجريات الحال الراهنة المتسارعة الاحتدام. يكاد يكون من قبيل التهويمات المثيرة للهزء والسخرية ان نضع ما قلناه آنفا بطريقة “الكولاج” في الصورة الراهنة الحافلة بدموية المفخخات والعبوات والمشهد المتصل لقتل الغيلة والغدر، إذ مضى غول العنف يقتطف رؤوس عدد المثقفين سواء رأس من ادلى منهم بمجرد رأي او رأس من تابعا اعلاميا حدثا او تفصيلا ما، ما اسهم وبنحو متزايد في دحر المثقف والثقافة نحو الانزواء والاستسلام الى حاضنة التوحد التي كانت ولم تزل تعد الحاضنة الاكثر أمنا، والأوفر راحة لكثير من المثقفين، فيما اللجم والتكميم يستفحلان اكثر فاكثر فما العمل والحال على هذا الوصف من البؤس المحبط؟ ان الاجابة في تقدير مراقب متريث تكمن في فحص عدة الفريقين وآليات اشتغالاتها فمن المعلوم سلفا ان عدة المثقف خطابه اللغوي المنتج، كما هو مفترض، لرؤيا خاصة ينبغي لها ان تنهج نهج المغايرة على الدوام وان يكون ميدان اشتغالها فضاءات لا تحدها مهيمنات المقدس والايديولوجيا واي تمظهر لأي نوع من الاستبداد… فيما تتشكل عدة السياسي راهنا من منظومة كوابح متسقة مع اشتراطات هدف آني ينبغي له تحقيقه على وفق منهجه خدمة لجماعة من دون اخرى او حتى فرد من دون الآخرين، ويمسي من طبيعة الحال انتاج اصناف مختلفة من اصناف القسر والعنف “مفيداً” في سبيل المثال تحقيق تلك الغايات. وهنا يقف الفريقان على طرفي نقض وتصادم وكيما نخلص الى حل ينقذنا من هكذا مأزق ينبغي اللجوء بدا الى التفريق بين اللبس الحاصل في فهم وظيفة الدولة ووظيفة السلطة، إذ تكون وظيفة الدولة مدينة بنيتها ادائية تخدم الجميع من دون استثناء عبر تنفيذها فقط لمقررات المشرع بغير ما تتأثر بأية مواجهات عقائدية او مذهبية او شخصية، فيما يكتمل اللبس في فهم وتحديد ماهية وظيفة السلطة التي تمارس قياد الآخرين قسرا من اجل تحقيق غايات خاصة بشرائح محدودة لتمسي من ثم بنية استبدادية منتجة للعنف. ان ازالة هذا اللبس مرهونة بدفع الثقافة والمثقف الى ساحة الصراع نحو فاعل ومؤثر من اجل تصحيح اختلال المعادلة كيما يعي الجميع مدى وحجم الحق العائد له ومدى حجم الواجب المناط به، عبر الاحتكام الى سلطة القانون، ومسؤولية الانجاز تقع على عاتق المثقف، فقط المثقف الذي يعي ان الحياة “أكثر نبلا واقل ثرثرة من المكتبة”.