يقتلنا الظمأ والنفط فوق ظهورنا محمول

عصور طويلة جدا جدا من الاستبداد، عصور طويلة جدا جدا من الجوع والفاقة، ربما منذ يوم ان صار لنا وطن اسمه العراق، وربما قبل ذلك بكثير، حتى راح العراقي يسائل نفسه: أيكون قدره الأبدي أن يظل هكذا؟ ام انها لعنة ألآهية ليس له من خلاص من حكمها؟ 

والمفارقة العراقية الغاصة بالمرارة تتبدى مرة كملهاة، جائع ومحروم يعيش على اغنى واخصب ارض في العالم…، ومرة تتبدى تلك المفارقة كمأساة، بريء مكتمل البراءة كطفل رضيع، عاشق لكل نبضة في قلب الحياة، وفي رمشة عين تتطاير أشلائه في كل الانحاء…

لابد من الاعتراف، أن لهذه القسوة المفرطة في وحشيتها فعل مدمر للاحساس بالمواطنة، بتنا نسمعه ونراه، بل ونلمسه ايضا، في البيت والعمل والشارع، فالجميع يعاني شعورا طافحا بالاحساس بالفجيعة، فهو مخذول على الدوام من انتماء (أولي الأمر) لآلامه وأماله، بل غالبا مايلعبون دور الطاعن لأنسانيته والقاتل لابسط ومضة أمل بالغد لديه، الامر الذي راح يغذي ويكرس، أشد فأشد، اغترابه في بيته – وطنه. السياق الطبيعي والمنطقي في تجارب الامم والشعوب انها تتفاعل فيما بينها، تلفظ الحالات المنتجة لخساراتها وتستفيد من الحالات المنتجة لرقيها وتقدمها، تتجاوز انتكاساتها بتمثل نجاحات الامم التي تقف وإياها على نفس الحيثيات، والعراق يقف على حيثيات مشتركة كثيرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي من ابرز ملامح تجربتها (السيا أقتصادية) بالنسبة لمواطنيها انها ظلت امينة على تحويل حصة كبيرة من ارباحها المتنامية الى وفرة عالية من الخدمات العامة لشعوبها، ومن ضمن تلك الخدمات المستويات العالية من الضمان الاجتماعي التي بات ينعم بفضائلها المواطن الخليجي، على الرغم من طبيعة اقتصاديات تلك الدول الموصوفةب(الريعية) اي انها اقتصاديات احادية تمارس موازناتها العامة تخطيطا وتطبيقا على وفق حجم عائداتها من صادراتها النفطية، في الوقت الذي تتعدد مصادر الدخل القومي في العراق، على الرغم من شللها الراهن، والتي كانت الى زمن قريب نسبيا تمتلك فاعلية نسبية سيما في قطاع التصدير للمنتجات الزراعية على سبيل المثال لاالحصر، كما ان مستوى الاستثمار المتدني في القطاع النفطي العراقي زاد الطين بلة، حيث مازالت صادراتنا النفطية لاتتناسب وحجم الاحتياطي الضخم الذي نملكه، على الرغم من جولات التراخيص وبالقياس مثلا لحجم الصادرات النفطية السعودية البالغة(12) مليون برميل يوميا، علما ان العراق والسعودية يقفان على عتبتين متقاربتين في حجم احتياطاتهما النفطية.. لانريد من خلف ايراد هكذا معلومات وارقام تهويل حجم المفارقة المرة التي تلقي بضلالها الثقيلة على حياة العراقيين حد الوصول الى حالة اليأس والقنوط، بل يوجد دائما هناك متسع للعمل، ولعل المقترح القائل بحساب سهم لكل عراقي وعراقية وبغض النظر عن عمره اوجنسه، من عائدات النفط والعائدات الاخرى، ووضعه في حساب الاستثمار ضمن آلية الموازنة العامة، ودفع فوائده السنوية نقدأ اوخدمات مباشرة او غير مباشرة، لعل هذا المقترح بحاجة الى التفاتة جادة من لدن المعنيين.. كيما لايعود المواطن الى الاعتقاد بان مواطنته غدت وبالا عليه، وكيما لايشعر بشعور العيس التي يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.. واخيرا يمكن للذهب الاسود ان يسهم بصنع ايام بيض قابلة للتحقق….  

يقتلنا الظمأ والنفط فوق ظهورنا محمول

عصور طويلة جدا جدا من الاستبداد، عصور طويلة جدا جدا من الجوع والفاقة، ربما منذ يوم ان صار لنا وطن اسمه العراق، وربما قبل ذلك بكثير، حتى راح العراقي يسائل نفسه: أيكون قدره الأبدي أن يظل هكذا؟ ام انها لعنة ألآهية ليس له من خلاص من حكمها؟ 

والمفارقة العراقية الغاصة بالمرارة تتبدى مرة كملهاة، جائع ومحروم يعيش على اغنى واخصب ارض في العالم…، ومرة تتبدى تلك المفارقة كمأساة، بريء مكتمل البراءة كطفل رضيع، عاشق لكل نبضة في قلب الحياة، وفي رمشة عين تتطاير أشلائه في كل الانحاء…

لابد من الاعتراف، أن لهذه القسوة المفرطة في وحشيتها فعل مدمر للاحساس بالمواطنة، بتنا نسمعه ونراه، بل ونلمسه ايضا، في البيت والعمل والشارع، فالجميع يعاني شعورا طافحا بالاحساس بالفجيعة، فهو مخذول على الدوام من انتماء (أولي الأمر) لآلامه وأماله، بل غالبا مايلعبون دور الطاعن لأنسانيته والقاتل لابسط ومضة أمل بالغد لديه، الامر الذي راح يغذي ويكرس، أشد فأشد، اغترابه في بيته – وطنه. السياق الطبيعي والمنطقي في تجارب الامم والشعوب انها تتفاعل فيما بينها، تلفظ الحالات المنتجة لخساراتها وتستفيد من الحالات المنتجة لرقيها وتقدمها، تتجاوز انتكاساتها بتمثل نجاحات الامم التي تقف وإياها على نفس الحيثيات، والعراق يقف على حيثيات مشتركة كثيرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي من ابرز ملامح تجربتها (السيا أقتصادية) بالنسبة لمواطنيها انها ظلت امينة على تحويل حصة كبيرة من ارباحها المتنامية الى وفرة عالية من الخدمات العامة لشعوبها، ومن ضمن تلك الخدمات المستويات العالية من الضمان الاجتماعي التي بات ينعم بفضائلها المواطن الخليجي، على الرغم من طبيعة اقتصاديات تلك الدول الموصوفةب(الريعية) اي انها اقتصاديات احادية تمارس موازناتها العامة تخطيطا وتطبيقا على وفق حجم عائداتها من صادراتها النفطية، في الوقت الذي تتعدد مصادر الدخل القومي في العراق، على الرغم من شللها الراهن، والتي كانت الى زمن قريب نسبيا تمتلك فاعلية نسبية سيما في قطاع التصدير للمنتجات الزراعية على سبيل المثال لاالحصر، كما ان مستوى الاستثمار المتدني في القطاع النفطي العراقي زاد الطين بلة، حيث مازالت صادراتنا النفطية لاتتناسب وحجم الاحتياطي الضخم الذي نملكه، على الرغم من جولات التراخيص وبالقياس مثلا لحجم الصادرات النفطية السعودية البالغة(12) مليون برميل يوميا، علما ان العراق والسعودية يقفان على عتبتين متقاربتين في حجم احتياطاتهما النفطية.. لانريد من خلف ايراد هكذا معلومات وارقام تهويل حجم المفارقة المرة التي تلقي بضلالها الثقيلة على حياة العراقيين حد الوصول الى حالة اليأس والقنوط، بل يوجد دائما هناك متسع للعمل، ولعل المقترح القائل بحساب سهم لكل عراقي وعراقية وبغض النظر عن عمره اوجنسه، من عائدات النفط والعائدات الاخرى، ووضعه في حساب الاستثمار ضمن آلية الموازنة العامة، ودفع فوائده السنوية نقدأ اوخدمات مباشرة او غير مباشرة، لعل هذا المقترح بحاجة الى التفاتة جادة من لدن المعنيين.. كيما لايعود المواطن الى الاعتقاد بان مواطنته غدت وبالا عليه، وكيما لايشعر بشعور العيس التي يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول.. واخيرا يمكن للذهب الاسود ان يسهم بصنع ايام بيض قابلة للتحقق….  

الصدق حجر الزاوية

 منذ زمن مديد يكاد لايخلو يوم من دون ان يشاهد المواطن على شاشات التلفزة او يقرأ على صفحات الجرائد احتفالا لوضع حجر الاساس لمشروع ما في ميدان خدمي او اقتصادي ما ، يقوم مسؤول ما (وما أكثرهم) بوضعه (على بركة الله) ويسترسل الخبر: انه يأتي لتلبية حاجة ماسة يعانيها المواطن العراقي الكريم، ومن الجدير بالذكر ان الطاقة الاستيعابية للمشروع تبلغ كذا وكذا ، فيما تبلغ طاقته التصميمية كذا وكذا ، وصرح السيد مدير عام دائرة المشاريع في الوزارة لقناتنا أو لصحيفتنا (وما أكثرهن) ان المشروع يعد الاول من نوعه في منطقة الشرق الاوسط حيث من المؤمل ان تغطي منتجاته السوق المحلية وحاجة المواطن منها ، والفائض سيعد للتصدير .. واختتم السيد المدير حديثه بالقول : وقد وضعت الوزارة سقفا زمنيا لانجازه لا يتعدى سنة من الان ، اذ سيكون جاهزا للتشغيل وبكامل طاقته التشغيلية عند التاريخ المحدد من دون تقديم او تأخير ….

ويبقى المواطن يرنو ويترقب ، ويمر السقف الزمني كنفحة ريح يليه زمنا يطول وليس من يتذكر حتى ان مشروعا اقام الاعلام واقعده ذات يوم وكان قد جاء وضع حجر أساسه تلبية لحاجة ماسة يعانيها المواطن العراقي الكريم ، ويمسي امر المشروع  مرارة تترسب في قاع روح المواطن وضميره ، الى جانب اكداس من المرارات خلفتها عهود الضيم والقسوة المترادفة ، والتي ترفض كفظ خيمتها من فوق حياة هذا المواطن الكريم  .

الدعاية فضاء فسيح بأمكانه احتواء مالاعد له ولاحصر من الافكار والاخبار وآخر ما تبتكره مراكز البحوث المتخصصة ، من أجل التأثير في أتجاهات الرأي العام عبر شتى الحقول السياسية او الاقتصادية او النفسية او الثقافية او الدينية او غيرها . وبات من الطبيعي ان تحكم هذا النشاط الاعلامي ضوابط ومعايير خاصة من خلال سن حزمة من القوانين والتعليمات ، من اجل ضمان عدم انحراف الفعاليات الدعائية في تكريس ما يمس الأسس الاجتماعية الكفيلة ببقاء ومتانة الوحدة الاجتماعية وسيادة القانون الحامي والضامن الوحيد لتلك الوحدة .

ونحن نقترب من عرس جديد لممارسة الشعب العراقي لحقه في توكيد شخصيته الحرة ، عرس الانتخابات والتي تفترض الابتهاج والفرح بحدوثها ، الامر الذي يحتمل الشك به هذه المرة ، بسبب، لم يعد خافيا على المواطن العراقي الكريم، وهو النمطية الشوهاء للدعاية المستخدمة والتي تشبه نمطية خبر وضع حجر الاساس لمشاريع وهمية لاتخدم احدا سوى مصلحة مطلقيها ومروجيها .

اليوم نحن في مسيس الحاجة الى ان نشير وبنحو واضح ومباشر الى مايكتنف الفعالية الدعائية ، وفي مواضع منها عدة ، من رخص ومجانية وزيف مقصود راح يوقع في روح المواطن ابلغ الضرر ، ونقول ان ما يعوزها حجر اساس حقيقي مازالت تغض البصر عنه ، او تفتقده في أقل تقدير ، حجر الاساس هذا هو المصداقية ، والمصداقية فقط .   

الصدق حجر الزاوية

 منذ زمن مديد يكاد لايخلو يوم من دون ان يشاهد المواطن على شاشات التلفزة او يقرأ على صفحات الجرائد احتفالا لوضع حجر الاساس لمشروع ما في ميدان خدمي او اقتصادي ما ، يقوم مسؤول ما (وما أكثرهم) بوضعه (على بركة الله) ويسترسل الخبر: انه يأتي لتلبية حاجة ماسة يعانيها المواطن العراقي الكريم، ومن الجدير بالذكر ان الطاقة الاستيعابية للمشروع تبلغ كذا وكذا ، فيما تبلغ طاقته التصميمية كذا وكذا ، وصرح السيد مدير عام دائرة المشاريع في الوزارة لقناتنا أو لصحيفتنا (وما أكثرهن) ان المشروع يعد الاول من نوعه في منطقة الشرق الاوسط حيث من المؤمل ان تغطي منتجاته السوق المحلية وحاجة المواطن منها ، والفائض سيعد للتصدير .. واختتم السيد المدير حديثه بالقول : وقد وضعت الوزارة سقفا زمنيا لانجازه لا يتعدى سنة من الان ، اذ سيكون جاهزا للتشغيل وبكامل طاقته التشغيلية عند التاريخ المحدد من دون تقديم او تأخير ….

ويبقى المواطن يرنو ويترقب ، ويمر السقف الزمني كنفحة ريح يليه زمنا يطول وليس من يتذكر حتى ان مشروعا اقام الاعلام واقعده ذات يوم وكان قد جاء وضع حجر أساسه تلبية لحاجة ماسة يعانيها المواطن العراقي الكريم ، ويمسي امر المشروع  مرارة تترسب في قاع روح المواطن وضميره ، الى جانب اكداس من المرارات خلفتها عهود الضيم والقسوة المترادفة ، والتي ترفض كفظ خيمتها من فوق حياة هذا المواطن الكريم  .

الدعاية فضاء فسيح بأمكانه احتواء مالاعد له ولاحصر من الافكار والاخبار وآخر ما تبتكره مراكز البحوث المتخصصة ، من أجل التأثير في أتجاهات الرأي العام عبر شتى الحقول السياسية او الاقتصادية او النفسية او الثقافية او الدينية او غيرها . وبات من الطبيعي ان تحكم هذا النشاط الاعلامي ضوابط ومعايير خاصة من خلال سن حزمة من القوانين والتعليمات ، من اجل ضمان عدم انحراف الفعاليات الدعائية في تكريس ما يمس الأسس الاجتماعية الكفيلة ببقاء ومتانة الوحدة الاجتماعية وسيادة القانون الحامي والضامن الوحيد لتلك الوحدة .

ونحن نقترب من عرس جديد لممارسة الشعب العراقي لحقه في توكيد شخصيته الحرة ، عرس الانتخابات والتي تفترض الابتهاج والفرح بحدوثها ، الامر الذي يحتمل الشك به هذه المرة ، بسبب، لم يعد خافيا على المواطن العراقي الكريم، وهو النمطية الشوهاء للدعاية المستخدمة والتي تشبه نمطية خبر وضع حجر الاساس لمشاريع وهمية لاتخدم احدا سوى مصلحة مطلقيها ومروجيها .

اليوم نحن في مسيس الحاجة الى ان نشير وبنحو واضح ومباشر الى مايكتنف الفعالية الدعائية ، وفي مواضع منها عدة ، من رخص ومجانية وزيف مقصود راح يوقع في روح المواطن ابلغ الضرر ، ونقول ان ما يعوزها حجر اساس حقيقي مازالت تغض البصر عنه ، او تفتقده في أقل تقدير ، حجر الاساس هذا هو المصداقية ، والمصداقية فقط .   

(حواسم) الشركة المساهمة

  عرفت العرب قديما المرادفة الكاملة بين ان يكون العربي رجلا فحلا وان يكون قاطع طريق. وظلت هذه المرادفة متسلطة على العقل العربي منذ العصور التي سميت بعد ظهور الإسلام بـ(العصور الجاهلية)، مرورا بالغزوات المتكررة والفتوحات التي حملت (راية العرب) الى أقصى جغرافيا الأرض المعروفة آنذاك، الأمر الذي يفخر به حتى اليوم العروبيون على تنوع طروحاتهم، وصولا الى الظاهرة الأنموذج، والتي شهدها عراق ما بعد انعطافة 9/4 ومازلنا نعاني ذيولها حتى الساعة، الظاهرة التي تمثلت بما سموه( الحواسم) تيمنا باسم آخر معركة خاضها (بطل التحرير) المقبور.

فبعد ان انفجر غيظ الناس وأخذ بالتمادي، ربما بسبب أمضاء الحاجة الماسة، أو طلبا للاقتصاص والثأر من ممتلكات (السلطة)، حسب مستوى وعيهم البسيط، السلطة التي استحوذت على كل شيء ولم تترك للناس أي شيء، وبغض النظر عن كل ما قيل ويقال في تفسير تلك الظاهرة، بعد الانفجار ذاك راحت كل حقوق الدولة، التي هي في المحصلة النهائية، المال العام لا غير، نهبا لكل من يمد يده إليها، وبلغت الشراهة لدى الكثير مبلغا إجراميا متخصصا، إذا ما أخذنا بالحسبان ما فعله النظام المدفور من إطلاق سراح كل أرباب السوابق من عتاة المجرمين واللصوص وشذاذ الافاق، قبل اندحاره بزمن وجيز.

وبالنظر للفوضى التي ضربت أطنابها في طول البلاد وعرضها، والتي جاءت نتيجة لسياسات الحاكم المدني(بريمر) سيء الصيت، وبوحي من نظرية (توماس فريدمان) (الفوضى الخلاقة) وقد ألحقت سلسلة من الكوارث الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية بمعيشة العراقي اليومية، ومازال هذا العراقي، المغلوب على حظه، يكابد أضرارها، بالنظر لتلك الفوضى سيغدو واضحا لدينا حقيقة أننا لن ننتهي من ثقافة الغنيمة التي  ما انفكت تشكل الدافع الأول في سلوك المواطن والمسؤول، إن لم نخضع جميعا الى سلطة قانون، يعضده الدستور وتقيمه وتحميه حكومة قوية بأذرع أمنية خالصة الولاء للوطن وحده دون غيره. 

يعرف جميع العراقيين الأوضاع المربكة والمعقدة التي عاشتها كل الأجهزة الوليدة للحكومات العراقية، مثلما يعرفون ما أكتنف التشكيل الجديد والهيكلة الجديدة لمفاصل الدولة والحكومة على حد سواء من مشكلات جمة كان لنظام المحاصصة الحظ الأوفر في خلقها، حتى غدا هيكل الحكومة وما يندرج تحت لوائها أشبه بـ(شركة مساهمة) مؤسسيها والمساهمين المستفيدين الوحيدين من عوائدها ليس بينهم قطعا اي مواطن عراقي يبات جائعا ومن دون مأوى ويعايش الرعب كل ساعات يومه بفعل الإرهاب وغيره. 

العراقي ابن اليوم، حديث عهد بكل ما يحدث أمامه من ألاعيب وأساليب (ديمقراطية) سواء كانت شرعية ام بهلوانية، ولم يكن قد عاش زمن الثلاثينيات من القرن الماضي، مثلما عاشها آبائه، صعودا حتى اللحظة المجهضة للمشروع الديمقراطي العراقي، لحظة التغيير العسكري في 14/تموز/1958.

وكانت التعددية الحزبية في ذروة ازدهارها، ايام العهد الملكي، يحكمها قانون اجازة الأحزاب التي تفهم سياقات عملها نخب سياسية متمرسة، بغض النظر عن مدى انتمائها الوطني وعلاقاتها مع بعضها البعض أو مع الجهات والتيارات الأخرى. ولما يحين موعد الدورة الانتخابية الجديدة تهب الأحزاب والتيارات والكتل جميعها ، بعد ان تكون قد هيأت نفسها لخوض تلك الانتخابات، لبث دعاياتها الانتخابية عبر الوسائل الإعلامية المتاحة على شحتها، من اجل كسب أقصى ما يمكن من أصوات الناخبين، وعادة ما يكون موضوع تلك الدعايات الانتخابية توفير أقصى ما يمكن من الخدمات التي تمس حياة المواطن في الصميم.

كما ان الأحزاب والتيارات المختلفة كانت تعي تماما أصول الدعاية الانتخابية وتقوم بنشاطها على وفق التعليمات والضوابط الرسمية المعمول بها، على العكس مما حدث لدينا في الدورات الانتخابية التي جرت عندنا ، من عشوائية واعتباطية وفجاجة وانعدام شرعية في بعض الحالات عند ممارسة الدعاية الانتخابية.

وعلى ذكر موضوعة الدعاية الانتخابية وافتراقها عن تطبيقات الواقع ، حكى لي شيخ طاعن جمعني وإياه تخت في إحدى مقاهي بغداد، قال: كنا ايام الأربعينيات نسكن في محلة من محلات الكرادة القديمة، وكانت البلد مثل قدر تفور بالدعاية الانتخابية، كل حزب يعد بإقامة جنة الله مكان محلاتنا المتهالكة الجائعة لأبسط حدود الخدمات، وكان عدد الذين يقرأون ويكتبون من الندرة في المحلة بحيث كنا نعتمد على الشاب(علوكي) ذي السبعة عشر ربيعا، وقد كان يجيد القراءة والكتابة ليقرأ لنا يوميا الجريدة ، وذلك اليوم كانت المقهى تغص بالرواد المتلهفين لسماع آخر أخبار الحملات الانتخابية بينما(علوكي) لم يشرف المقهى بعد بطلعته البهية.

 وبينما يتعالى اللغط وتتعدد التكهنات، حظر(علوكي) فعم الصمت المكان، ناوله نادل المقهى جريدة ذلك اليوم، تناولها وقرأ بصوت اجتهد ان يسمع به الجميع مانشيتها الرئيس (الشعب يدعم قواه الوطنية)، ولم يكن من رواد المقهى الا ان هتفوا عن بكرة أبيهم وبغيظ واضح: (حيل، خلي يدعمهم ويلعن يوم الـسود العرفناهم بيه).       

(حواسم) الشركة المساهمة

  عرفت العرب قديما المرادفة الكاملة بين ان يكون العربي رجلا فحلا وان يكون قاطع طريق. وظلت هذه المرادفة متسلطة على العقل العربي منذ العصور التي سميت بعد ظهور الإسلام بـ(العصور الجاهلية)، مرورا بالغزوات المتكررة والفتوحات التي حملت (راية العرب) الى أقصى جغرافيا الأرض المعروفة آنذاك، الأمر الذي يفخر به حتى اليوم العروبيون على تنوع طروحاتهم، وصولا الى الظاهرة الأنموذج، والتي شهدها عراق ما بعد انعطافة 9/4 ومازلنا نعاني ذيولها حتى الساعة، الظاهرة التي تمثلت بما سموه( الحواسم) تيمنا باسم آخر معركة خاضها (بطل التحرير) المقبور.

فبعد ان انفجر غيظ الناس وأخذ بالتمادي، ربما بسبب أمضاء الحاجة الماسة، أو طلبا للاقتصاص والثأر من ممتلكات (السلطة)، حسب مستوى وعيهم البسيط، السلطة التي استحوذت على كل شيء ولم تترك للناس أي شيء، وبغض النظر عن كل ما قيل ويقال في تفسير تلك الظاهرة، بعد الانفجار ذاك راحت كل حقوق الدولة، التي هي في المحصلة النهائية، المال العام لا غير، نهبا لكل من يمد يده إليها، وبلغت الشراهة لدى الكثير مبلغا إجراميا متخصصا، إذا ما أخذنا بالحسبان ما فعله النظام المدفور من إطلاق سراح كل أرباب السوابق من عتاة المجرمين واللصوص وشذاذ الافاق، قبل اندحاره بزمن وجيز.

وبالنظر للفوضى التي ضربت أطنابها في طول البلاد وعرضها، والتي جاءت نتيجة لسياسات الحاكم المدني(بريمر) سيء الصيت، وبوحي من نظرية (توماس فريدمان) (الفوضى الخلاقة) وقد ألحقت سلسلة من الكوارث الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية بمعيشة العراقي اليومية، ومازال هذا العراقي، المغلوب على حظه، يكابد أضرارها، بالنظر لتلك الفوضى سيغدو واضحا لدينا حقيقة أننا لن ننتهي من ثقافة الغنيمة التي  ما انفكت تشكل الدافع الأول في سلوك المواطن والمسؤول، إن لم نخضع جميعا الى سلطة قانون، يعضده الدستور وتقيمه وتحميه حكومة قوية بأذرع أمنية خالصة الولاء للوطن وحده دون غيره. 

يعرف جميع العراقيين الأوضاع المربكة والمعقدة التي عاشتها كل الأجهزة الوليدة للحكومات العراقية، مثلما يعرفون ما أكتنف التشكيل الجديد والهيكلة الجديدة لمفاصل الدولة والحكومة على حد سواء من مشكلات جمة كان لنظام المحاصصة الحظ الأوفر في خلقها، حتى غدا هيكل الحكومة وما يندرج تحت لوائها أشبه بـ(شركة مساهمة) مؤسسيها والمساهمين المستفيدين الوحيدين من عوائدها ليس بينهم قطعا اي مواطن عراقي يبات جائعا ومن دون مأوى ويعايش الرعب كل ساعات يومه بفعل الإرهاب وغيره. 

العراقي ابن اليوم، حديث عهد بكل ما يحدث أمامه من ألاعيب وأساليب (ديمقراطية) سواء كانت شرعية ام بهلوانية، ولم يكن قد عاش زمن الثلاثينيات من القرن الماضي، مثلما عاشها آبائه، صعودا حتى اللحظة المجهضة للمشروع الديمقراطي العراقي، لحظة التغيير العسكري في 14/تموز/1958.

وكانت التعددية الحزبية في ذروة ازدهارها، ايام العهد الملكي، يحكمها قانون اجازة الأحزاب التي تفهم سياقات عملها نخب سياسية متمرسة، بغض النظر عن مدى انتمائها الوطني وعلاقاتها مع بعضها البعض أو مع الجهات والتيارات الأخرى. ولما يحين موعد الدورة الانتخابية الجديدة تهب الأحزاب والتيارات والكتل جميعها ، بعد ان تكون قد هيأت نفسها لخوض تلك الانتخابات، لبث دعاياتها الانتخابية عبر الوسائل الإعلامية المتاحة على شحتها، من اجل كسب أقصى ما يمكن من أصوات الناخبين، وعادة ما يكون موضوع تلك الدعايات الانتخابية توفير أقصى ما يمكن من الخدمات التي تمس حياة المواطن في الصميم.

كما ان الأحزاب والتيارات المختلفة كانت تعي تماما أصول الدعاية الانتخابية وتقوم بنشاطها على وفق التعليمات والضوابط الرسمية المعمول بها، على العكس مما حدث لدينا في الدورات الانتخابية التي جرت عندنا ، من عشوائية واعتباطية وفجاجة وانعدام شرعية في بعض الحالات عند ممارسة الدعاية الانتخابية.

وعلى ذكر موضوعة الدعاية الانتخابية وافتراقها عن تطبيقات الواقع ، حكى لي شيخ طاعن جمعني وإياه تخت في إحدى مقاهي بغداد، قال: كنا ايام الأربعينيات نسكن في محلة من محلات الكرادة القديمة، وكانت البلد مثل قدر تفور بالدعاية الانتخابية، كل حزب يعد بإقامة جنة الله مكان محلاتنا المتهالكة الجائعة لأبسط حدود الخدمات، وكان عدد الذين يقرأون ويكتبون من الندرة في المحلة بحيث كنا نعتمد على الشاب(علوكي) ذي السبعة عشر ربيعا، وقد كان يجيد القراءة والكتابة ليقرأ لنا يوميا الجريدة ، وذلك اليوم كانت المقهى تغص بالرواد المتلهفين لسماع آخر أخبار الحملات الانتخابية بينما(علوكي) لم يشرف المقهى بعد بطلعته البهية.

 وبينما يتعالى اللغط وتتعدد التكهنات، حظر(علوكي) فعم الصمت المكان، ناوله نادل المقهى جريدة ذلك اليوم، تناولها وقرأ بصوت اجتهد ان يسمع به الجميع مانشيتها الرئيس (الشعب يدعم قواه الوطنية)، ولم يكن من رواد المقهى الا ان هتفوا عن بكرة أبيهم وبغيظ واضح: (حيل، خلي يدعمهم ويلعن يوم الـسود العرفناهم بيه).       

التملق الثقافي

بنية الثقافة في أي بلد أو أمة تستند الى ركيزتين، الأولى ركيزة المعطى الثقافي، بدْءاً من نقطة الشروع الموغلة في أعماق التأريخ، مرورا بمراحل التكوين والتبلور، وصولا الى الصورة الراهنة لذلك المعطى، الركيزة الثانية هي المثقف الذي اشترك ولا يزال في بلورة الثقافة، وصياغة مضامينها، طبيعتها، مساراتها، سكونها وحيويتها، وأخيرا قدرتها على مواكبة ثقافات العصر.

ويبقى المثقف هو الركيزة الأهم في تأثيث البنية الثقافية، كونه رافدها الأهم، بما يجعلها أكثر تأثيرا وتطويرا للبنى الأخرى في الأمة او المجتمع، فبنية التعليم مثلا، تأخذ قدراتها ومساراتها من بنية الثقافة، وينطبق هذا على البنى الأخرى، فإن رقَتْ الثقافة أصبح المجتمع كله في محل إرتقاء، والعكس يصح بطبيعة الحال، وطالما كان المثقف ركيزة البنية الثقافية الأهم، فالأمر برمته يكاد ينعقد على هذه الركيزة، وأعني بها المثقف.

إذا صحَّ المثقف صحَّت الأمة أو المجتمع، ولكن الاشكالية التي لا تزال قائمة، هي أن المثقف نفسه نتاج البنية الاجتماعية قبل الثقافية، ولذلك تنعكس أمراض المجتمع (أخلاقية أو عرفية أو غيرها) على الثقافة، من خلال المثقف نفسه، وطالما كان مرض التزلّف أو التملق، حاضرا في البنية الاجتماعية، فإنه سينتقل حتما الى البنية الثقافية، من خلال وسيط مهم هو المثقف المتملّق.

هذا النوع من المثقفين، يشكل خطرا كبيرا، ليس على بنية الثقافة ومساراتها فحسب، إنما تمتد خطورته الى البنى السياسية والاجتماعية وغيرها، وبدلا من أن تشكل الثقافة عنصرا داعما لترميم البنى الاخرى، وتعضيدها وتصحيح مساراتها نحو الافضل، يحدث العكس، فتزدهر حالة التملق وتنمو وتعيش عصرها أو عصورها الذهبية، طالما كانت الثقافة المريضة مصدرها، ولهذا تسود حالات الغبن والانتهازية ومحاربة الكفاءات، في المجتمع او الأمة الحاضنة للمتملقين، وهم كما تشير الوقائع كثر، إنهم موجودون ومنتشرون في عموم البنى، ولكن أخطرهم هو المثقف المتملق.

السبب واضح بطبيعة الحال، فهذا النوع من المثقفين، يُنتج ويبلور ثقافة مريضة، لا تتحرك ولا تنمو، إلا بدافع من حالات وأساليب التزلّف بأنواعها، وهكذا تسهم الثقافة والمثقفون في صنع سلسلة من الثقافات، ويمكن تسميتها بـ (السلوكيات المريضة)، ومنها مثلا صناعة الطغاة، والتشجيع على شيوع حالة من العبودية، حيث تندفع الامة تحت ضغط وتوجيه الثقافة المتملقة، لصنع طاغية ما، لم يكن يحلم او يفكر في يوم ما، أنه سيصبح قادرا على التحكم بمصائر الملايين، وهذا ما حدث في تجارب تأريخية وراهنة في الامم والمجتمعات الحاضنة للتملق.

وهكذا بدلا من أن تكون الثقافة محفزا لتحديث الأمة، تصبح كابحا لتطورها، والسبب دائما، مثقفون متملقون يحسنون المسح على الأكتاف، ويتقنون الانتهازية كإسلوب حياة، لا يستطيعون مواصلة العيش من دونه، فتشيع ثقافة متلكئة متزلّفة، وتنمو سلوكيات بائسة بين أفراد وجماعات المجتمع، والسبب أصلا، مرض التزلّف الثقافي.

المطلوب معرفة وتأشير كل ما ومَن يشترك في ترسيخ هذه الثقافة المريضة، ولا علاقة للكياسة والمجاملات المشروعة بالتملق قط، فكلاهما نقيضان لبعضهما، فلا تعني الكياسة أن تتزلف للآخر قط، ولا تعني المجاملة المطلوبة أن تثني على من لا يستحق الثناء، وهو ما يفعله المثقف المتملق، الذي لابد من مكافحة وجوده وتسلله الى مسارب الثقافة، حتى يتسنى للمجتمع ترميم بنيته الثقافية، التي تتصدر البنى الاخرى وتسهم في تصحيح مساراتها الأخَر.  

التملق الثقافي

بنية الثقافة في أي بلد أو أمة تستند الى ركيزتين، الأولى ركيزة المعطى الثقافي، بدْءاً من نقطة الشروع الموغلة في أعماق التأريخ، مرورا بمراحل التكوين والتبلور، وصولا الى الصورة الراهنة لذلك المعطى، الركيزة الثانية هي المثقف الذي اشترك ولا يزال في بلورة الثقافة، وصياغة مضامينها، طبيعتها، مساراتها، سكونها وحيويتها، وأخيرا قدرتها على مواكبة ثقافات العصر.

ويبقى المثقف هو الركيزة الأهم في تأثيث البنية الثقافية، كونه رافدها الأهم، بما يجعلها أكثر تأثيرا وتطويرا للبنى الأخرى في الأمة او المجتمع، فبنية التعليم مثلا، تأخذ قدراتها ومساراتها من بنية الثقافة، وينطبق هذا على البنى الأخرى، فإن رقَتْ الثقافة أصبح المجتمع كله في محل إرتقاء، والعكس يصح بطبيعة الحال، وطالما كان المثقف ركيزة البنية الثقافية الأهم، فالأمر برمته يكاد ينعقد على هذه الركيزة، وأعني بها المثقف.

إذا صحَّ المثقف صحَّت الأمة أو المجتمع، ولكن الاشكالية التي لا تزال قائمة، هي أن المثقف نفسه نتاج البنية الاجتماعية قبل الثقافية، ولذلك تنعكس أمراض المجتمع (أخلاقية أو عرفية أو غيرها) على الثقافة، من خلال المثقف نفسه، وطالما كان مرض التزلّف أو التملق، حاضرا في البنية الاجتماعية، فإنه سينتقل حتما الى البنية الثقافية، من خلال وسيط مهم هو المثقف المتملّق.

هذا النوع من المثقفين، يشكل خطرا كبيرا، ليس على بنية الثقافة ومساراتها فحسب، إنما تمتد خطورته الى البنى السياسية والاجتماعية وغيرها، وبدلا من أن تشكل الثقافة عنصرا داعما لترميم البنى الاخرى، وتعضيدها وتصحيح مساراتها نحو الافضل، يحدث العكس، فتزدهر حالة التملق وتنمو وتعيش عصرها أو عصورها الذهبية، طالما كانت الثقافة المريضة مصدرها، ولهذا تسود حالات الغبن والانتهازية ومحاربة الكفاءات، في المجتمع او الأمة الحاضنة للمتملقين، وهم كما تشير الوقائع كثر، إنهم موجودون ومنتشرون في عموم البنى، ولكن أخطرهم هو المثقف المتملق.

السبب واضح بطبيعة الحال، فهذا النوع من المثقفين، يُنتج ويبلور ثقافة مريضة، لا تتحرك ولا تنمو، إلا بدافع من حالات وأساليب التزلّف بأنواعها، وهكذا تسهم الثقافة والمثقفون في صنع سلسلة من الثقافات، ويمكن تسميتها بـ (السلوكيات المريضة)، ومنها مثلا صناعة الطغاة، والتشجيع على شيوع حالة من العبودية، حيث تندفع الامة تحت ضغط وتوجيه الثقافة المتملقة، لصنع طاغية ما، لم يكن يحلم او يفكر في يوم ما، أنه سيصبح قادرا على التحكم بمصائر الملايين، وهذا ما حدث في تجارب تأريخية وراهنة في الامم والمجتمعات الحاضنة للتملق.

وهكذا بدلا من أن تكون الثقافة محفزا لتحديث الأمة، تصبح كابحا لتطورها، والسبب دائما، مثقفون متملقون يحسنون المسح على الأكتاف، ويتقنون الانتهازية كإسلوب حياة، لا يستطيعون مواصلة العيش من دونه، فتشيع ثقافة متلكئة متزلّفة، وتنمو سلوكيات بائسة بين أفراد وجماعات المجتمع، والسبب أصلا، مرض التزلّف الثقافي.

المطلوب معرفة وتأشير كل ما ومَن يشترك في ترسيخ هذه الثقافة المريضة، ولا علاقة للكياسة والمجاملات المشروعة بالتملق قط، فكلاهما نقيضان لبعضهما، فلا تعني الكياسة أن تتزلف للآخر قط، ولا تعني المجاملة المطلوبة أن تثني على من لا يستحق الثناء، وهو ما يفعله المثقف المتملق، الذي لابد من مكافحة وجوده وتسلله الى مسارب الثقافة، حتى يتسنى للمجتمع ترميم بنيته الثقافية، التي تتصدر البنى الاخرى وتسهم في تصحيح مساراتها الأخَر.  

الطائفية وأنساق الدوغمائية

في احد تمظهراتها تعني الدوغمائية جموداً عقائدياً يتمترس خلف وابل منطروحات ميتافيزيقية – كليانية غير قابلة للجدل او الدحض فضلاً عن كونها ترى في معتقداتها تلك صيغة نهائية للحقيقة المطلقة.

و(الدوغما) تعني فيما تعنيه الموضوعة التي تفتقد البرهان الفلسفي او المنطقي وذلك لانه يقبل فقط عن طريق الايمان من دون النظر الى المبررات العقلية او المساجلة المنطقية وكذلك يجب ان يتم قبولها بمعزل عن حدوثها الزمني او ظروفها الموضوعية المحيطة بها.

و(الديماكوك) هو ذلك الشخص الذي يبرع في اجتذاب الناس الى جانبه عن طريق تشويه الحقائق والتملق واطلاق الوعود الزائفة.

وعبر التاريخ ظلت الاكثرية لزمن متراكم تحت سلطة دوغمائية متمثلة بالسلطة الدينية المتعسفة التي سادت طوال القرون الوسطى، غير ان بوادر عصر النهضة المتمثلة بتمرد مغاير افصح عنه خير افصاح القديس او غسطين في مقولته الشهيرة ” آلهنا الذي في السموات … أبق في السموات” داعيا الى فصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية، وكانت الدعوة تلك فصلاً بين دوغمائية الماوراء وواقعية الحياة وقد احالت الفلسفة في ذلك العصر الى المقولة الاساسية في موضوعة ” الجبر والاختبار” وفيما راح اللاهوت يجتهد في صنع التبريرات والعلل على وفق ما تطرحه نصوصه المقدسة للمحافظة على المكاسب السياسية لرجال الكنيسة، مضى الشك الديكارتي في الاطاحة بكل يقينيات المطلق الراسخة بفعل تقادم السلطة الكنسية، وفعلت مقولة ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) فعلها السحري في تمجيد الانسان وتحقيق كينونته وحفزت العقل البشري على السير في الاتجاه المضاد للدوغمائية الدينية وساعدت بنحو لا نظير له في المضي المتزايد في احتدام السجال العقلي لطرح موضوعة “الجبرو الاختيار” والانحياز  لها لتبلغ الفلسفة مرحلة النضوج الكامل في الجدل الهيغلي الذي اطاح بصورة نهائية بالسطوة العقلية للدوغمائية عبر منظومته “الوحدة والصراع” وقد ساعدته بنحو رصين الثورة العلمية في الفيزياء والرياضيات وعلم الاحياء بوجه خاص وشتى العلوم الانسانية والادب والفنون بوجه عام.

 ان مقولة هيغل الشهيرة “ان التناقض يعبد الطريق الى الامام” كانت كشفا هائلاً لما استغلق على العقل البشري اذ سفهت كل مواقف التعصب والتخندق وجعلت من آفاق العقل البشري ساحة واحدة بشتى اتجاهات معارفها وافكارها واضفت عليها مسحة تفاعلية راحت تحتدم لتنتج الكثير من الحقائق والكشوفات التي دفعت بالبشرية خطوات واسعة لاستكناه مجاهل عدة في المستقبل، غير ان المصالح الاقتصادية والسياسية ذات الافق الضيق للدوغمائية المندحرة عادت لتتخندق من جديد ولكن في لبوس آخر وهذه المرة أضحت تحت مسمى “ايديولوجيا” التي مثلت المدافع الحقوقي للمصالح الاقتصادية والاخلاقية والدينية والسياسية لشتى الشرائح والطبقات الاجتماعية، وكان ان كرست الايديولوجية كمنظومة فكرية سلطة الصراع على حساب الوحدة، والتناحر والتشتت على حساب التضامن والتكافل الانسانيين وتمظهرت اجتماعياً وتاريخياً في سوق قطعان من البشر وضمهم في قوالب برامجيه لاحزاب مختلفة كل منها يدعي احقيته التاريخية وواحديته، واستخدمت في ذلك الكثير من التضليل والخداع لاجتذاب شرائح واسعة من الجماهير، وما تجربة “الرايخشاع” وعراب أعلامها السيئ الصيت (غوبلز) إلا دليل قاطع على عبقرية الترويج والدعاية الدوغمائية التي كانت تمارس عملها على وفق “اكذب … اكذب … ثم اكذب حتى يصدقك الناس” وقد تجلى ذلك بمهارة  الفوهرر في خطابته المتأججة الحماسة التي راحت تعصف بعواطف الجماهير وتلهب مشاعرهم عبر تلقينهم  اطروحة النازية الدوغمائية بتفوق العنصر الآري.

إن أول ما حققته الأيدولوجيا هو عرقلة التطور الفكري للفلسفة على الرغم من ادعائها الاستناد اليها وانتجت بموجب تلك العرقلة عقائد ظلامية ، مجدت العنف والاستبداد واوقعت بالبشرية سلسلة من الكوارث في الحربين الكونيتين الاولى والثانية ومن ثم دفعت لهاث سباق التسلح للاستعار  والصراع على مناطق النفوذ واشعال فتيل سلسلة متصلة من الحروب الصغيرة توزعت الكرة الارضية هنا وهناك.

وكان من الطبيعي ان تكون المناطق المتخلفة التي سمتها الايديولوجيا خداعا ببلدان العالم الثالث او البلدان النامية صاحبة الحظ الاوفر من الاضرار لتشكل بمجموعها ردة حضارية  اوتاريخية شديدة البأس وقد أخذت الدوغمائية فيها تمظهراً آخر ومسمى اخر تمثل بـ “حركات التحرر الوطني” التي اسهمت بنحو مؤثر وفاعل بزيادة مضطردة في تكريس العنف والاستبداد عبر أمثلة” البطل” و “المخلص” و “القائد الجماهيري” وتقديس مسميات من مثل “النضال” و”المناضل” وراحت الدوغمائية متدرعة بالمقدس تستوطن العقول وتوغل في انتاج انساق متخلفة من التحزب السياسي والطائفي والمذهبي الذي الحق ويلحق حتى الان افدح الاذى بوحدة التاريخ لهذه الشعوب اجتماعياً وانسانياً.

والعراق الذي لم يكن تاريخه عبر مفازاته الحافلة سوى تمظهر دائب لحركة تفاعلية محتدمة بين قطبين متناحرين على الدوام تمثلاً بغالب اوحد ومغلوبين او حاكم اوحد ومحكومين ، كان للقطب الاول على مر التاريخ كل الامتيازات والصلاحيات والحقوق فيما ظل القطب الثاني على مر التاريخ ايضاً مرتعاً عريضاً  غاصاً باستمرار بالمظلومية والمكابدة والعسف ، ولم يكن العراق بعيداً عن ساحة التاريخ الواسعة لشعوب المنطقة وبالتالي الساحة التاريخية الأوسع لشعوب العالم، وإذ تطفو اليوم على سطح وعيه السياسي حصراً وليس الاجتماعي او الانساني قطعاً ، ظاهرة شاذة تكمن في ظهورها بذور خراب شامل يمكن له ان يطيح بكل منجزه الحضاري والإنساني العتيد، الا وهي ظاهرة الدوغمائية الطائفية. 

ان الطائفية من وجهة نظر طوبوغرافية – تاريخية شأن لاغبار عليه اذ هي نتاج طبيعي لاختلاف وحهات النظر ودليل عافية لتعدد الطروحات والأفكار، غير ان الأمر غير الطبيعي وغير السوي هو التخندق السياسي – الطائفي من خلال واحدية الدوغمائية ورفضها الاخر ومن ثم قطع كل سبيل للحوار معه، وذلك يقتضينا ان نعود الى جدوى المنهج الجدلي الهيغلي ، اذ ان فهمه على الوجهة الصحيحة وجهة ان الاختلاف يؤدي الى الوحدة وليس للواحدية ان تخدم احداً حتى نفسها ، وان ما تؤدي اليه – بالحتم بالضرورة – وعبر اقصائها الاخر والغاء الحوار معه الى الضعف والوهن الحضاري وذلك بسبب التشرذم والتشتت الناتجين عن تشبثها المستميت بذاتها. 

يشكل اندغام المقاصد السياسية بالمقدسات الفردية واحداً من الاعراض الخطيرة والعديدة المنتجة للطائفية السياسية اذ ان دوغمائية المقدس تتقاطع بل تتنافى مع تشكيل انساق براغماتية تقتضيها العملية السياسية، وهنالك عرض آخر من الاعراض المؤدية الى اصابة المجتمع بوبال الطائفية السياسية هو النظر الى التراث بعين التراث نفسه فيما يقتضي المنطق ان يقرأ التراث على وفق انساقه الحاضرة ، بل ينبغي استنباط ما يتوافق منه مع الانساق المستقبلية المراد اقامتها ، يقول  محمد عابد الجابري (ان قراءة التراث قراءة تراثية ستجرنا حتما الى قراءة الحاضر قراءة تراثية أيضاً) وحينئذ سنغلق على الحاضر باسيجة سميكة وعالية لرؤية اية تطلعات مغايرة في المستقبل.

ان القضاء على فايروس الطائفية الدوغمائية يشترط على السياسي جملة من الاشتراطات لعل اهمها:

1-  تبديد النظرة القاصرة للمناهج العلمانية بوصفها مناهج الحادية في الوقت الذي اقرت فيه اعتى المناهج العلمانية الحاداً شرعية الايمان كونه طقساً شخصياً ، وتشكل المناهج العلمانية بالاضافة الى ايمانها بالتعددية نظرة واقعية وعلمية في ذات الوقت لمفردات الواقع ومجرياته.

2- مغادرة المعطيات الكليانية السلفية الجامدة المستهلكة والتأسيس العملي لثقافة منتجة لا نساق معرفية مستقبلية.

3- تسليط الضوء على مراحل الاشعاع الحضاري في التاريخ العراقي والعربي والإنساني، وإعادة نشر التماعات الثقافة العراقية المبدعة في شتى مناحي الاداب والعلوم والفنون.

4- ترسيخ قيم الانتماء الى الوطن وتعميق مشاعر المواطنة ومنحها الاولوية المطلقة على أي انتماء آخر ، والتثقيف على دعم الانتماءات الاخرى سواء كانت سياسية او قومية او دينية للانتماء الاول للوطن.

ان ما يكفل تحقيق ما سلف يكمن في وجود حكومة تمتلك زمام السلطة التنفيذية على وفق اشتراطات محددات وطنية خالصة فوق الجهوية او القومية او المذهبية ، تحتكم في جميع قرارتها واعمالها الى سلطة تشريعية ممثلة للشعب وقانون يسنه دستور يجري التوافق عليه، وفيما عدا ذلك فان مصائر الشعب العراقي التي تقف اليوم على شفير هاوية بلا قرار، ستكون عرضة للتبدد والضياع والاندثار.

الطائفية وأنساق الدوغمائية

في احد تمظهراتها تعني الدوغمائية جموداً عقائدياً يتمترس خلف وابل منطروحات ميتافيزيقية – كليانية غير قابلة للجدل او الدحض فضلاً عن كونها ترى في معتقداتها تلك صيغة نهائية للحقيقة المطلقة.

و(الدوغما) تعني فيما تعنيه الموضوعة التي تفتقد البرهان الفلسفي او المنطقي وذلك لانه يقبل فقط عن طريق الايمان من دون النظر الى المبررات العقلية او المساجلة المنطقية وكذلك يجب ان يتم قبولها بمعزل عن حدوثها الزمني او ظروفها الموضوعية المحيطة بها.

و(الديماكوك) هو ذلك الشخص الذي يبرع في اجتذاب الناس الى جانبه عن طريق تشويه الحقائق والتملق واطلاق الوعود الزائفة.

وعبر التاريخ ظلت الاكثرية لزمن متراكم تحت سلطة دوغمائية متمثلة بالسلطة الدينية المتعسفة التي سادت طوال القرون الوسطى، غير ان بوادر عصر النهضة المتمثلة بتمرد مغاير افصح عنه خير افصاح القديس او غسطين في مقولته الشهيرة ” آلهنا الذي في السموات … أبق في السموات” داعيا الى فصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية، وكانت الدعوة تلك فصلاً بين دوغمائية الماوراء وواقعية الحياة وقد احالت الفلسفة في ذلك العصر الى المقولة الاساسية في موضوعة ” الجبر والاختبار” وفيما راح اللاهوت يجتهد في صنع التبريرات والعلل على وفق ما تطرحه نصوصه المقدسة للمحافظة على المكاسب السياسية لرجال الكنيسة، مضى الشك الديكارتي في الاطاحة بكل يقينيات المطلق الراسخة بفعل تقادم السلطة الكنسية، وفعلت مقولة ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) فعلها السحري في تمجيد الانسان وتحقيق كينونته وحفزت العقل البشري على السير في الاتجاه المضاد للدوغمائية الدينية وساعدت بنحو لا نظير له في المضي المتزايد في احتدام السجال العقلي لطرح موضوعة “الجبرو الاختيار” والانحياز  لها لتبلغ الفلسفة مرحلة النضوج الكامل في الجدل الهيغلي الذي اطاح بصورة نهائية بالسطوة العقلية للدوغمائية عبر منظومته “الوحدة والصراع” وقد ساعدته بنحو رصين الثورة العلمية في الفيزياء والرياضيات وعلم الاحياء بوجه خاص وشتى العلوم الانسانية والادب والفنون بوجه عام.

 ان مقولة هيغل الشهيرة “ان التناقض يعبد الطريق الى الامام” كانت كشفا هائلاً لما استغلق على العقل البشري اذ سفهت كل مواقف التعصب والتخندق وجعلت من آفاق العقل البشري ساحة واحدة بشتى اتجاهات معارفها وافكارها واضفت عليها مسحة تفاعلية راحت تحتدم لتنتج الكثير من الحقائق والكشوفات التي دفعت بالبشرية خطوات واسعة لاستكناه مجاهل عدة في المستقبل، غير ان المصالح الاقتصادية والسياسية ذات الافق الضيق للدوغمائية المندحرة عادت لتتخندق من جديد ولكن في لبوس آخر وهذه المرة أضحت تحت مسمى “ايديولوجيا” التي مثلت المدافع الحقوقي للمصالح الاقتصادية والاخلاقية والدينية والسياسية لشتى الشرائح والطبقات الاجتماعية، وكان ان كرست الايديولوجية كمنظومة فكرية سلطة الصراع على حساب الوحدة، والتناحر والتشتت على حساب التضامن والتكافل الانسانيين وتمظهرت اجتماعياً وتاريخياً في سوق قطعان من البشر وضمهم في قوالب برامجيه لاحزاب مختلفة كل منها يدعي احقيته التاريخية وواحديته، واستخدمت في ذلك الكثير من التضليل والخداع لاجتذاب شرائح واسعة من الجماهير، وما تجربة “الرايخشاع” وعراب أعلامها السيئ الصيت (غوبلز) إلا دليل قاطع على عبقرية الترويج والدعاية الدوغمائية التي كانت تمارس عملها على وفق “اكذب … اكذب … ثم اكذب حتى يصدقك الناس” وقد تجلى ذلك بمهارة  الفوهرر في خطابته المتأججة الحماسة التي راحت تعصف بعواطف الجماهير وتلهب مشاعرهم عبر تلقينهم  اطروحة النازية الدوغمائية بتفوق العنصر الآري.

إن أول ما حققته الأيدولوجيا هو عرقلة التطور الفكري للفلسفة على الرغم من ادعائها الاستناد اليها وانتجت بموجب تلك العرقلة عقائد ظلامية ، مجدت العنف والاستبداد واوقعت بالبشرية سلسلة من الكوارث في الحربين الكونيتين الاولى والثانية ومن ثم دفعت لهاث سباق التسلح للاستعار  والصراع على مناطق النفوذ واشعال فتيل سلسلة متصلة من الحروب الصغيرة توزعت الكرة الارضية هنا وهناك.

وكان من الطبيعي ان تكون المناطق المتخلفة التي سمتها الايديولوجيا خداعا ببلدان العالم الثالث او البلدان النامية صاحبة الحظ الاوفر من الاضرار لتشكل بمجموعها ردة حضارية  اوتاريخية شديدة البأس وقد أخذت الدوغمائية فيها تمظهراً آخر ومسمى اخر تمثل بـ “حركات التحرر الوطني” التي اسهمت بنحو مؤثر وفاعل بزيادة مضطردة في تكريس العنف والاستبداد عبر أمثلة” البطل” و “المخلص” و “القائد الجماهيري” وتقديس مسميات من مثل “النضال” و”المناضل” وراحت الدوغمائية متدرعة بالمقدس تستوطن العقول وتوغل في انتاج انساق متخلفة من التحزب السياسي والطائفي والمذهبي الذي الحق ويلحق حتى الان افدح الاذى بوحدة التاريخ لهذه الشعوب اجتماعياً وانسانياً.

والعراق الذي لم يكن تاريخه عبر مفازاته الحافلة سوى تمظهر دائب لحركة تفاعلية محتدمة بين قطبين متناحرين على الدوام تمثلاً بغالب اوحد ومغلوبين او حاكم اوحد ومحكومين ، كان للقطب الاول على مر التاريخ كل الامتيازات والصلاحيات والحقوق فيما ظل القطب الثاني على مر التاريخ ايضاً مرتعاً عريضاً  غاصاً باستمرار بالمظلومية والمكابدة والعسف ، ولم يكن العراق بعيداً عن ساحة التاريخ الواسعة لشعوب المنطقة وبالتالي الساحة التاريخية الأوسع لشعوب العالم، وإذ تطفو اليوم على سطح وعيه السياسي حصراً وليس الاجتماعي او الانساني قطعاً ، ظاهرة شاذة تكمن في ظهورها بذور خراب شامل يمكن له ان يطيح بكل منجزه الحضاري والإنساني العتيد، الا وهي ظاهرة الدوغمائية الطائفية. 

ان الطائفية من وجهة نظر طوبوغرافية – تاريخية شأن لاغبار عليه اذ هي نتاج طبيعي لاختلاف وحهات النظر ودليل عافية لتعدد الطروحات والأفكار، غير ان الأمر غير الطبيعي وغير السوي هو التخندق السياسي – الطائفي من خلال واحدية الدوغمائية ورفضها الاخر ومن ثم قطع كل سبيل للحوار معه، وذلك يقتضينا ان نعود الى جدوى المنهج الجدلي الهيغلي ، اذ ان فهمه على الوجهة الصحيحة وجهة ان الاختلاف يؤدي الى الوحدة وليس للواحدية ان تخدم احداً حتى نفسها ، وان ما تؤدي اليه – بالحتم بالضرورة – وعبر اقصائها الاخر والغاء الحوار معه الى الضعف والوهن الحضاري وذلك بسبب التشرذم والتشتت الناتجين عن تشبثها المستميت بذاتها. 

يشكل اندغام المقاصد السياسية بالمقدسات الفردية واحداً من الاعراض الخطيرة والعديدة المنتجة للطائفية السياسية اذ ان دوغمائية المقدس تتقاطع بل تتنافى مع تشكيل انساق براغماتية تقتضيها العملية السياسية، وهنالك عرض آخر من الاعراض المؤدية الى اصابة المجتمع بوبال الطائفية السياسية هو النظر الى التراث بعين التراث نفسه فيما يقتضي المنطق ان يقرأ التراث على وفق انساقه الحاضرة ، بل ينبغي استنباط ما يتوافق منه مع الانساق المستقبلية المراد اقامتها ، يقول  محمد عابد الجابري (ان قراءة التراث قراءة تراثية ستجرنا حتما الى قراءة الحاضر قراءة تراثية أيضاً) وحينئذ سنغلق على الحاضر باسيجة سميكة وعالية لرؤية اية تطلعات مغايرة في المستقبل.

ان القضاء على فايروس الطائفية الدوغمائية يشترط على السياسي جملة من الاشتراطات لعل اهمها:

1-  تبديد النظرة القاصرة للمناهج العلمانية بوصفها مناهج الحادية في الوقت الذي اقرت فيه اعتى المناهج العلمانية الحاداً شرعية الايمان كونه طقساً شخصياً ، وتشكل المناهج العلمانية بالاضافة الى ايمانها بالتعددية نظرة واقعية وعلمية في ذات الوقت لمفردات الواقع ومجرياته.

2- مغادرة المعطيات الكليانية السلفية الجامدة المستهلكة والتأسيس العملي لثقافة منتجة لا نساق معرفية مستقبلية.

3- تسليط الضوء على مراحل الاشعاع الحضاري في التاريخ العراقي والعربي والإنساني، وإعادة نشر التماعات الثقافة العراقية المبدعة في شتى مناحي الاداب والعلوم والفنون.

4- ترسيخ قيم الانتماء الى الوطن وتعميق مشاعر المواطنة ومنحها الاولوية المطلقة على أي انتماء آخر ، والتثقيف على دعم الانتماءات الاخرى سواء كانت سياسية او قومية او دينية للانتماء الاول للوطن.

ان ما يكفل تحقيق ما سلف يكمن في وجود حكومة تمتلك زمام السلطة التنفيذية على وفق اشتراطات محددات وطنية خالصة فوق الجهوية او القومية او المذهبية ، تحتكم في جميع قرارتها واعمالها الى سلطة تشريعية ممثلة للشعب وقانون يسنه دستور يجري التوافق عليه، وفيما عدا ذلك فان مصائر الشعب العراقي التي تقف اليوم على شفير هاوية بلا قرار، ستكون عرضة للتبدد والضياع والاندثار.