عطيل الجفال
مخاض الأزمة الليبية قد يتمدد زمنيا بانتظار ولادة توافقات جديدة حول الحكومة الانتقالية التي أَعلنها في اجتماع الصخيرات، المشرف على هذا المخاض المندوب الأممي برناردينو ليون.
وبعد أكثر من عام على التجاذبات المحلية والإقليمية والدولية، لم تتمكن أي من المؤتمرات والمشاورات من غدامس وحتى الصخيرات، مرورا بجنيف وتونس والقاهرة والجزائر، من ردم الهوة بين أطراف الصراع الليبي.
كما لم يتمكن المندوب الدولي من زرع الحد الأدنى من الثقة بين تلك الأطراف التي عاشت على مدى سنوات الازمة وفق إيقاع جعجعة السلاح المدعوم من بعض الأطراف الدولية والإقليمية.
ولعل الإنجاز الأبرز بعد حكومة الوفاق الوطني التي من المفترض انها تتكون من رئيس للوزراء، وثلاثة نواب له واثنين من وزراء الدولة، هو الوقف المؤقت لاطلاق النار، وخفض سقف المظاهر العسكرية في المدن الليبية ولاسيما في العاصمة طرابلس، وجمع الأطراف حول وثيقة سياسية هي الأولى من نوعها منذ تفجر الأزمة بعد الإطاحة بنظام القذافي.
تسونامي الهجرة الى أوروبا الغربية عبر الشواطئ الليبية كان له حضوره على طاولة الصخيرات، بعد اجتماع مهم لاطراف الصراع في مقر منظمة الأمم المتحدة وبرعاية أمينها العام بان كي مون، حيث اقترحت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا تشكيلة لحكومة وفاق وطني تهدف إلى إنهاء النزاع على السلطة، على أن تقود مرحلة انتقالية لمدة عامين تبدأ في 20 تشرين الأول الجاري.
وتحكم برنامج عمل هذه الحكومة مسودة اتفاق سياسي وقعت عليها السلطات المعترف بها دوليا والتي تعمل من شرق البلاد في تموز الماضي، لكنها لا تزال تحتاج إلى تصويت داخل البرلمان.
وفور الإعلان عن الحكومة الانتقالية، أو حكومة الوحدة الوطنية الليبية، رحب الاتحاد الأوروبي بتسمية مسؤولي هذه الحكومة وتأييده الكامل للتسوية السياسية التي توصلت لها الأطراف الليبية والمعلن عنها من قبل البعثة الأممية في الصخيرات.
وشدد الاتحاد في بيان له، على الأطراف الليبية بضرورة إقرار الحكومة المعلن عنها وإعلان تأييدها وإفساح المجال لها لتمكينها من العمل والمضي قدماً على درب السلام، وهدد معرقلي عملية السلام بفرض عقوبات، مؤكداً أن التسوية هي السبيل الأمثل لإنهاء أزمة البلاد.
وأعلن الاتحاد عن الاستعداد للعمل مع ليبيا من خلال حكومة الوفاق فور بدء عملها لتقديم الدعم على شتى الأصعدة من أجل إعادة إعمار البلاد والتنمية وإحلال السلام.
هذا الضغط الأوروبي، إضافة الى الحضور النافذ للمنظمة الدولية، فرض على أطراف النزاع الموافقة على الاتفاق السياسي وتوقيعه بالأحرف الأولى، لكنها دخلت في مرحلة مساومات اللحظة الأخيرة.
البرلمان الليبي المعترف به دوليا لم يتوصل إلى حسم موقفه من الاتفاق من حكومة الوفاق الوطني التي اقترحت الأمم المتحدة تشكيلها، وأعلن تأجيل مناقشاته الى الأيام القريبة المقبلة، كما تواجه مسودة الاتفاق السياسي رفضا من قبل السلطات الموازية غير المعترف بها في طرابلس التي تطالب بإدخال تعديلات على نصها للتوقيع عليها.
بالإضافة إلى ذلك، تلقى الحكومة المقترحة اعتراضات من قبل طرفي النزاع، فقد بدأ البرلمان الليبي مناقشة مسودة الاتفاق وحكومة الوفاق المقترحة بهدف التصويت عليها واعتمادها رسميا، وكذلك التصويت على أسماء أعضاء الحكومة.
أما في طرابلس، فيؤكد المسؤولون في السلطات التي تدير العاصمة بمساندة تحالف جماعات «فجر ليبيا» المسلحة، أن لا جلسات جديدة على جدول أعمال المؤتمر الوطني العام، الهيئة التشريعية لهذه السلطة، للتصويت على الاتفاق السياسي أو على الحكومة، قبل تعديل المسودة.
برناردينو ليون، الذي أشرف على الاتفاق بعد مفاوضات ماراثونية، حذر من تعامل مجلس النواب بانتقائية مع تشكيلة حكومة الوفاق المعلنة، مطالباً بالتعامل معها كــ»حزمة واحدة».
وفي رسالة وجهها لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، يقول، «يجب على مجلس النواب التعامل مع نص الاتفاق السياسي الليبي وملاحقه المختلفة بما فيها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، كحزمة واحدة وليس انتقائيًا»، مشيرا إلى أن «الاتفاق جاء ثمرة لجلسات مكثفة طيلة سنة بين أطراف متعددة تغطي كل الساحة الليبية، وتم تمثيل كل هذه الأطراف في نص الاتفاق».
وكان ليون قد قال، إن مجلس الرئاسة الذي أعلن عنه في 8 تشرين الاول الجاري هو من سيختار أعضاء الحكومة من قائمة أسماء المرشحين.
وجدد تأكيده على أنه سيدرج الأعضاء الستة الذين تمت تسميتهم لمجلس الرئاسة في الملحق رقم واحد للاتفاق السياسي الليبي، موضحاً أن قائمة الأسماء الأخرى التي ذكرها كأعضاء محتملين في الحكومة وغيرها من مؤسسات الدولة هي مقترحات قدمها المشاركون في الحوار السياسي الليبي للتأكيد على رسالة الشمول، وأن مجلس الرئاسة هو الذي سيقرر ما إذا كان سيتم قبول هذه المقترحات أم لا.
وليـــــس أمـــــــام ليــــــــــــــــــون، والحال هذه، سوى ممارسة المزيد من الضغط على كلا الطرفين من أجل تقديم المزيد من التنازلات والالتقاء في مفصل وسطي على هامش ساحة الحرب وليس في متنها.
والنتيجــــــة، ان الطــــــــــــرفين سينصاعان الى تنفيذ الاتفاق، وسط أجواء الرفض الداخلي والإقليمي والدولي لاستمـــــــــــرار القتال في المدن الليبيــــــة، وضــــــرورة ان يعم ليبيــــا شكل من اشكــــــال الاستقرار وفــــــق أحد مســــــارين مجاورين، المسار المصري، أو المسار التونسي.