أخطاء كبيرة تعصف بأوربا
فولفجانج مونشو
بالكاد مرّ عام لم يكُن فيه الاتحاد الأوروبي على حافة بعض الأزمات: القطاع المصرفي، والديون السيادية، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والآن مشكلة اللاجئين. يُمكنكم دائماً الإشارة بأصابع الاتهام إلى السياسيين الأفراد وتوجيه اللوم. لكن من غير المعقول تماماً أن فشل الاتحاد الأوروبي المُتسلسل يُمكن تفسيره دائماً بأنه نتيجة للصدفة والنية السيئة. أنا أعزو ذلك إلى اثنين من الأخطاء الكارثية التي تم ارتكابها خلال التسعينيات وفي بداية هذه الألفية. الأول كان إدخال اليورو. والآخر، توسيع الاتحاد الأوروبي إلى 28 عضوا بدلا من 15 قبل بضعة عقود. قد تتّفقون مع إحدى هاتين الفرضيتين، أو تختلفون مع كليهما. لكن قلّة من الناس ستوافق على الاثنتين. كنتُ من بين أولئك الذين دعموا الاتحاد النقدي في وقت إدخاله. ومؤيّدو اليورو في ذلك الوقت جاءوا من مجموعتين مختلفتين عقدتا صفقة مع الشيطان. كان أعضاء المجموعة الأولى يعتقدون أن اليورو بالطريقة التي أنشئ عليها سيكون مصيره الفشل، وكانوا يأملون أن يتم إصلاحه نوعاً ما. في حين كان الآخرون يعتقدون أن النظام سيبقى صلباً، ويوجّه اقتصادات أعضائه نحو شكل جديد. هذه المجموعة الأخيرة عرفت أنه من أجل تحمّل قسوة نظام بسعر صرف ثابت لا يشبه إلى حد كبير معيار الذهب، سيكون على البلدان التكيّف مع الصدمات الاقتصادية من خلال التحوّلات في الأجور والأسعار – مسار، كما اعتقدوا، سيُضطر أعضاء اليورو لاتخاذه.
القبول بأن اليورو كان غلطة لا ينبغي خلطه مع الرغبة في حلّها. هذا من شأنه حتى أن يكون أمراً أكثر كارثية. إنه مجرد اعتراف بأننا عالقون في نظام نقدي مُختلّ وظيفياً. لكن ما هو دور التوسّع في هذا؟ هذه ليست حجة تتعلق بأي دولة معينة من الدول الأعضاء، يعارض المرء تصرفاتها. كما أن هذه ليست حجة تتعلق بمبدأ التوسّع الذي هو أمر أساسي بالنسبة للاتحاد الأوروبي. خلافي هو مع سرعة الانضمام والمعايير التي يجب أن يُحقّقها الأعضاء الطامحون. تماماً كما تملك البلدان حدا أقصى لقدرات استيعاب المهاجرين، كذلك الاتحاد الأوروبي يملك حدا أقصى لقدرة استيعاب أعضاء جُدد. ليست لدي فكرة عن ما هو الرقم في فترة زمنية مُعيّنة، لكن بالتأكيد ليس 13 عضوا خلال عقد واحد. التوسّع أثّر في قدرة أوروبا على الاستجابة إلى صدمات الأعوام اللاحقة بطريقتين. الأولى، أنه أجبر الاتحاد الأوروبي على عدم الحذر في وقت حرج عندما كان ينبغي أن يُركّز على بناء المؤسسات اللازمة لجعل اليورو ينجح. الأخرى، أن التوسّع كان يعني أن بلدان الاتحاد الأوروبي التي لم تكُن في منطقة اليورو وجدت نفسها فجأة ضمن الأغلبية. هذا التحوّل شكّل على نحو طبيعي جدول الأعمال الخاص بالاتحاد الأوروبي. وأتذكر الآن أن الهاجس خلال تلك الأعوام كان متعلقا بالقدرة التنافسية، وهي قضية اقتصادية لبلد صغير عادي. المناقشات بشأن إصلاح المعاهدات الأوروبية خلال تلك الأعوام كانت تُركّز على حقوق التصويت وحماية الأقليات. كان الرأي الشائع للمسؤولين والأعضاء الأوروبيين في البرلمان الأوروبي أن منطقة اليورو نفسها لم تكُن بحاجة إلى الإصلاح. في ذلك الوقت، كان من السهل نسبياً إنشاء اتحاد مصرفي. لكن بمجرد أن بدأت الأزمة، وأصبحت المصارف تُعاني خسائر كبيرة، لم تعُد البلدان قادرة على مشاركة خطط تأمين الودائع الخاصة بها، ناهيك عن إنشاء خطة واحدة للجميع. بعد أن بدأت الأزمة، أصبح النقاش حول آليات تأمين مشتركة مُتشابكاً مع النقاش حول التحويلات. بالتالي، أعاقت الأزمة بشكل عنيف نهج الاتحاد الأوروبي التدريجي العريق نحو تحقيق التكامل. أي شخص مُتفائل قد يتدخّل في هذه النقطة ليقول إن الأمر يستحق المُثابرة. الأزمات تأتي وتذهب والاتحاد الأوروبي سيبقى موجوداً. ربما الأمر كذلك، لكن عليكم طرح السؤال التالي على أنفسكم: لماذا كانت الفترة من الخمسينيات حتى أواخر التسعينيات أكثر استقراراً، مقارنة بالفترة منذ ذلك الحين؟
في الأعوام الأولى للمجموعة التي كان اسمها في ذلك الحين “الجماعة الاقتصادية الأوروبية”، كان يتم الاهتمام بمخاطر الأمن الخارجية من قِبل حلف الناتو. ولم تكُن هناك أي مخاطر تقريباً على الاستقرار المالي، لأن التنظيم كان صارماً للغاية بحسب معايير اليوم. وفي حين أن الصدمات الاقتصادية، مثل أزمتي النفط والتضخم في السبعينيات، لم تكُن أقل حدّة مما هي اليوم، إلا أن أعضاء الاتحاد الأوروبي كانت لديهم القدرة على استيعابها من خلال أسعار صرف العملة المرنة. اليوم، أصبح على بروكسل فجأة الاهتمام بسياستها الخارجية وتشغيل ثاني أكبر اقتصاد في العالم. والاتحاد الأوروبي غير جاهز مؤسسياً لأي من المهمتين، وقادته غير مستعدين فكرياً أيضاً.
ينبغي أن نتوقّع رؤية مزيد من الأزمات، ومزيد من العمل من جانب واحد من قِبل الدول الأعضاء، واستعدادا أكبر لاستكشاف خيار الخروج من الاتحاد، وإيجاد ظروف استثنائية لإيقاف العمل على مستوى الاتحاد الأوروبي، والمزيد من خرق القواعد وما شابه ذلك.
الخطر الحقيقي ليس التفكك الرسمي للاتحاد. هذا سيكون من الصعب حدوثه من الناحية الفنية، لكن هذا ليس عزاء.
الخطر الحقيقي هو أن الاتحاد الأوروبي سوف يذوى ببساطة ويتحول إلى شبح.