عبدالرحمن عناد
الحنين الى الماضي (النوستالوجيا) يمثل واحدة من الحالات الانسانية التي يمكن ان يمر بها الانسان في ايه مرحلة من مراحل عمره , مستدعاة من واقع جديد او ظرف قاهر . واعتقد انها تكون مركبة عند الاعلامي , فهو كانسان معرض كالبقية للمرور بها ومعايشتها , ولكنه ايضا كفرد يمارس مهنه ذات خصوصية يمر بها في مستويات عدة , سياسية واجتماعية ومهنية .
هنا لابد من التنبيه الى ان مستويات قوة تاثيرها على المضمون الاعلامي , متباينة ومتعددة , في وجهيها السلبي والايجابي .
واذا اردنا الاختصار والابتعاد عن العموميات , لناخذ سياسيا كمثال , ما يمر به العراق مؤخرا . ان المتابع الباحث يجد في الاطار العام نوعين من الحنين الى الماضي ينعكسان بحدة ووضوح على الموقف الاعلامي لهذا وذاك , هذة الظاهرة تجسد نفسها بحدة في مقروءات ومرئيات ومسموعات , لها القدرة حسب فهم الاعلامي المعني للماضي , كنظام مثلا , لتحويل الجميل الى قبيح وبالعكس , وقصدية ايراد المصطلحات التي تنسجم والهوى . ومن هنا تتاكد لنا خطورة الموقف الفردي من الماضي , وانعكاسه اعلاميا في الوسط المتلقي , خاصة اذا ما كان على شي من ود للماضي ومستدعية الاعلامي . وكذلك المتلقي الحائر عديم الموقف الذي يمثل هنا ارضا بكرا لزراعة رأي قد لا يكون هو الصحيح او المطلوب , او بالعكس .
اما المستوى الاجتماعي الذي تتجسد فيه هذه الظاهرة فهو يختلف الى حد ما عند الاعلامي عن ما لدى الفرد البسيط الذي تنحصر موروثاته الماضوية على شواهد مكانية وذكريات كثيرة متنوعة عصف بها الزمن وجودا تستدعى للعبرة او التأسي او المقارنة , وثمة فرقا واضحا بين استذكار شيخ , وشاب لم يشهد الماضي الا سماعا . بيد انها عند الاعلامي للمقارنة بين حاليين وزمنين , للافادة من المفيد وترك مالا فائدة منه , او تحفيز المتلقي للاحتجاج على واقع مغاير يعيشه او بالعكس . ولابد من ملاحظة تداخل الجانب الاقتصادي في المستوى الاجتماعي , من حيث مستوى المعيشة ونوعية المهن واتجاهات حركة راس المال في مرحلة مجتمعية محددة , او في حالات ذات خصوصية ومنها مثلا الاستثمار في اعمال فنية تعتمد على الماضي تراثا …. الخ .
ان الحنين الى الماضي واستدعائه فنيا للناس إشباعا لرغبتهم فيه صار وسيله ومجلبه لأرباح هائلة لا تتوقف .
ان الماضي يمكن ان يقدم للإعلامي مادة يستطيع ان يفيد منها , ولكن عليه ان يتعامل معه بحذر ودقة فلا تقديس مطلق ولا رفض مطلق . ان علاقة الحداثة بالماضي تثير كثيرا من الاشكالات صعبة التجاوز دون عقل وقدرة على التسليم بحقائق التغير المتلاحقة التي فككت كثيرا من منظومات الافكار من جهة, وعززت بالمقابل افكار التطور وضروراته من جهة ثانية والإشارة واردة الى ان الماضي وتأثيراته قد يفرزان نتائج هامة على سايكولوجية المجتمع ,وبالذات عند الشباب , وهو الامر الذي لابد ان يؤخذ بنظر الاعتبار رسميا واعلاميا . كما لابد لنا من الاعتراف ان الصورة الجميلة المبالغ فيها للماضي , وبتشجيع رسمي في بعض البلدان قد اسهم في تكوين ثقافة جمعية ومنظومة معايير قيمية واخلاقية , لعب فيها طبعا الاعلام الموجه رسميا او المدعوم ماليا دوره المؤثر للتأسيس والترسيخ وهو ما يلاحظ في بلدان تدار من قبل انظمة محافظة او متخلفة .
وعلى المستوى النفسي على الاعلام الموضوعي ان يسهم وبدور مؤثر في ان لا يتحول الحنين للماضي الى اكتئاب جمعي لمنظومات فردية او اجتماعية . ولعل من اسباب ذلك قسوة الحاضر التي تدفع بالفرد او الجماعة للعودة الى الماضي كحل سهل وسريع . ومن مفرزات دور الإعلام هنا اسهامة في تشكيل راي عام يؤمن بفكرة ان للعصر ايقاعه , فحين كانت تجري التحولات في الماضي بطيئة وتدريجية فانها اليوم في عصر الثورات التكنولوجية تتم بسرعة صادمة , ويتطلب التعامل معها افتراض القبول العقلاني والتسليم بضرورات هذا التحول .
اما المستوى المهني للظاهرة اعلاميا , فهو يرتبط بالأسلوب العملي ذاته , فالاعلامي لا يمكن له استدعاء الماضي بوسائل العمل المتخلفة وأساليبه الشاقه للتعامل اليومي مع الواقع وإحداثه , انما هو يسجل متابعته راغبا لامكرها لكل حديث يسهل عمله , مدركا الفارق الهائل والمضحك بين ما كان عليه وماهو عليه اليوم . بين ارهاق معلميه الاوائل والضغط النفسي والبدني الذي كانوا يتعرضون له , مقابل السهولة والراحة والسرعة التي يتمتع بها في عمله اليوم , غير ان عليه ان يدرك مؤمنا ان الحداثة التي بين يديه والتي الغت تخلف الماضي مهنيا لابد ان تستخدم بما هو صائب ولما هو صائب . فهي في واقع الامر مثل سلاح بحدين يتطلب الحذر في استخدامه .