أعظم ابتكار!!

نحن مجموعة أصدقاء من كبار السن والمتقاعدين لا نجد ما نشغل به وقت فراغنا الممتد إلى 24 ساعة في اليوم.. سوى ان تبادل أخبار الصحف والفضائيات. 

ونتحاور في شتى المواضيع.. وغالبا مانحكم على (الصح والخطأ) بمعايير مرحلتنا وزماننا وهكذا كنا نسلي أنفسنا، بعد ان عزت علينا تسالي الشباب بالنقاش والمرح والمزاح والمناكدة والزعل والعبث الذي يقترب احيانا من عبث اطفال ونحن في ذلك كله مجبرون ولسنا مخيرين!! 

بعض حواراتنا لا تخلو من فائدة بالتأكيد لأنها غنية بالآراء الجديدة والمعلومات المتبادلة ولعل من طريف ما يحضرني الآن ذلك النقاش الطويل العريض حول أهم اكتشاف او اختراع في مسار البشرية وكما هو متوقع فقد اجتهدنا وشرّقنا وغربنا، وتوزعت قناعاتنا بين العجلة والحرف المسماري والزراعة وبناء الكوخ والكهرباء والتخدير الطبي «البنج» والجاذبية والطائرة ومكوك الفضاء والليزر والاستنساخ البشري والجينات الوراثية والذرة والشعر والموسيقى والزواج والمدرسة… الخ، ومع كثرة المبتكرات وكثرة الاختراعات والاكتشافات التي أتينا على ذكرها الا اننا لم نتفق على واحدة منها حتى اذا توقف الهرج والمرج الذي ساد النقاش، تدخّل زميلنا فاضل الشمري -وهو استاذ جامعي- لأول مرة وقال (ياجماعة… اختراع الورق هو اهم ما انجزته البشرية منذ عشرة الاف سنة) وقد أشار رأيه شيئا من اللغظ والسخرية والاستغراب غير ان الرجل بما عرف عنه من هدوء وعقل راجح ومعلومات دقيقة اوضح فكرته «ياجماعة الورقة كل شيء في حياة الانسان فهي ترافقه لحظة ولادته ولا يدفن بعد موته الا بها وتعرفون ان المدرسة ورقة وكذلك الجامعة الزواج والوظيفة والسفر، والتجارة والاستيراد والتصدير والمواثيق والعهود والاتفاقيات كلها تتوقف على وجود الورقة بل لا يتم الاعتراف بالإنسان إلا عبر مجموعة أوراق وأكثر من هذا فنحن نحصل على حصتنا التموينية وعلى أجورنا ورواتبنا وعلى الماء والكهرباء بواسطة الأوراق»!

 كنا نصغي إليه وقد اخذتنا الدهشة لأننا لم ننتبه إلى هذه الحقيقة البسيطة من قبل فيما كان هو يواصل حديثه ويضرب أمثلة لا اول لها ولا اخر فمن دونها لا يستطيع المواطن ان يبني دارا سكنية او يقود سيارة او يرقد في مستشفى او يعقد قرانا او يطلق زوجة او يقيم مشروعا صناعيا او يشتري ارضا او يفتح مطعما أو يؤسس حزبا او يصدر جريدة، ثم ختم كلامه قائلا: «يا جماعة لاحظوا معي جيدا ان الحكومة العراقية منذ تسع سنوات ونصف، وهي تلعب بذيلها، والبلد في مكانه، إن لم يتراجع سنة بعد سنة فهو لا يتقدم وفجأة تذكرت ان اية خطوة الى الامام ونحو النهوض لن يكتب لها النجاح الا بوجود الورق، وكذلك أصدرت ورقة الاصلاح السياسي ولكن السؤال المطروح هو كيف نسيت هذه الورقة المهمة وهي التي لا تسمح للمواطن ان يتظاهر مثلا.. إلا بورقة»؟!

 الحقيقة اذهلنا رأيه واقتنعنا بان أعظم اختراع توصلت اليه البشرية هو الورقة حتى لو كانت لأغراض الدعاية!

ثقوب في خيام الربيع البترولي .. غارات إسرائيلية تنتهك أجواء الشتات العربي

ثقوب مخجلة في فضاءات الهزائم العربية المتكررة, تسللت منها دبابير الشر بنجومها الهمجية السداسية لتلوي ذراع الخرطوم في ليلة سودانية الرقاد من ليالي الربيع البترولي المحترق بنفط الشيخ برميل. 

مرة أخرى تتصرف إسرائيل بمنطق الدولة العابثة المستهترة, التي لا رادع لعنجهيتها, ولا قيود جغرافية لقوتها العسكرية المتنامية في مسارات الطغيان والإجرام, فحدودها الهلامية أبعد من مضيق باب المندب, وأبعد من بحر قزوين, وابعد من (سنجار), و(قندهار), و(بنيد القار). 

 ثلاث غارات إسرائيلية شنتها طائراتها في الأسبوع الماضي في عمق الأراضي السودانية, كانت آخرها ليلة الأربعاء الماضية 31 تشرين الأول (أكتوبر), ثم عادت إلى قواعدها من دون خسائر لتزف البشائر إلى حكومة تل أبيب والحكومات العربية المؤيدة لها, وسط صمت عربي مشين, ومن دون أن تحتج الجامعة التي لا تجمع ولا تنفع, في الوقت الذي انشغلت فيه الفضائيات العربية بالبكاء على أنقاض القرى الأمريكية التي اكتسحتها (سالي) بإعصارها المدمر, لكنها لم تسأل (سالي) عن الغارات المباغتة, التي نفذتها عشر طائرات حربية إسرائيلية, وطائرتان سمتيتان حلقتا فوق مياه البحر الأحمر لتأمين الإسناد والمراقبة الالكترونية.

 استهدفت الغارة الأولى قافلة من الشاحنات التجارية شمال شرقي السودان بذريعة إنها كانت تنقل الذخيرة الحربية لعرب غزة, (عذر أقبح من فعل), واستهدفت الغارة الثانية قافلة أخرى للشاحنات عند مقتربات ميناء (بورت سودان), ثم نفذت غارتها الأخيرة, واستعانت فيها بثماني طائرات مقاتلة, وطائرتان سمتيتان, وطائرة من طائرات التموين الجوي, وأخرى من طائرات التدخل السريع كانت تحمل كتيبة مجوقلة, متأهبة للهبوط على الأرض السودانية عند تلقي أية إشارة من غرفة العمليات المركزية, التي تولت إدارة الغارة والإشراف عليها عبر نوافذ الأقمار الصناعية المحلقة في المدارات الإسرائيلية. 

نفذت إسرائيل عمليتها الجوية الأخيرة بدقة تامة, وقطعت طائراتها مسافة (1900) كيلومتر, حلقت خلالها بارتفاعات منخفضة جداً فوق مياه البحر الأحمر, واستعانت بأفضل التقنيات الحربية للتمويه والتشويش.

تعاملت العرب المتأمركة مع الغارات وكأنها حادثة أمنية عابرة, ولم تصدر بياناً واحداً من بياناتها الاستنكارية الروتينية, واكتفت الإذاعات والصحف العربية على اختلاف توجهاتها بنشر الخبر ليوم واحد فقط من دون أن تعلق عليه, ومن دون أن تعقد حلقة نقاشية على غرار الحلقات التحليلية الطويلة, التي اعتادت عليها لتحليل نتيجة اللقاء الكروي بين برشلونة وريال مدريد. 

 لم يرسل الملوك والرؤساء العرب برقية مواساة واحدة للبشير, ولم تدع الجامعة لعقد اجتماع طارئ حتى على مستوى اللجان الأولمبية لمناقشة الأضرار الكروية, التي تعرض لها نادي المريخ في الخرطوم, وفشلت الأحزاب العربية (الربيعية) في أول اختبار لها داخل حلبات السيرك السياسي المخجل, وظهر جليا إن معظم دعاة الانتفاضات البترولية هم من الأصدقاء المقربين للمحافل الماسونية, وصرح زعماء النظام السوداني المتدين بأن انفجارات أكداس العتاد في مجمع اليرموك كانت بسبب تماس كهربائي, وتبين إنهم لا يعلمون بأن الطائرات الإسرائيلية ضربت ضربتها الموجعة, وعادت إلى قواعدها سالمة حالمة بدولة عبرية من النيل إلى الفرات, في الوقت الذي وجدت فيه إسرائيل أوكاراً جديدة لها جنوب الخرطوم في ظل الحكومة المنفصلة عن الدولة الأم. 

استهدفت الغارة الأقطار العربية والإسلامية كلها, ولم يأت توقيتها في نهاية عيد الأضحى من باب الصدفة, وكانت تحمل تحت أجنحتها أكثر من رسالة تحذيرية صريحة عن التفوق العسكري الإسرائيلي, ورسالة أخرى إلى الحكومة الإيرانية, فالمسافة بين تل أبيب وطهران أقل بكثير من المسافة بينها وبين الخرطوم. .

وأثبتت الغارات الثلاث إن الأنظمة العربية متمسكة بصمتها الأبدي, ولن تحرك ساكناً مهما تطاولت عليها إسرائيل, ومهما استفزتها, ولن تقدم على مواجهة آلتها العسكرية في ظل انشغالها بالمهاترات الطائفية. وأثبتت الغارة أن الأقطار العربية والإسلامية لا علاقة لها بخراب السودان, ولا علاقة لها بدمار الخرطوم, وتركوا لحكومة البشير أمر الرد على إسرائيل إن استطاع إلى ذلك سبيلا. 

وحملت الغارة رسالة أخرى للتنظيمات الفلسطينية المسلحة تؤكد على عزم إسرائيل بتجفيف منابع الإمدادات الفلسطينية, أما الإدانة المصرية التي كانت خجولة ومسالمة فقد جاءت متناقضة مع ما حمله الخطاب الدبلوماسي المصري, الذي نشرته الصحف الإسرائيلية بصيغة الوئام والانسجام بين (الحميم والعظيم). 

لقد كشف لنا التهويل الإعلامي بخطر المد الإيراني واحدة من أهم أغراضه الخفية عبر هذه الغارة الجوية على السودان الغائب الحاضر, وحكومته الغارقة في الأزمات الراديكالية المعقدة. 

قديما كانت الحناجر العربية تهدر بالغضب من المضيق إلى المضيق, كنا نقف كلنا في خندق واحد, من الشام لبغدان, ومن نجدٍ إلى يمنٍ, إلى مصرَ فتطوانِ. نصدح بلسان حماسي واحد على إيقاعات قصيدة الشاعر كمال عبد الحليم المصري بصوت فايدة كامل, وبنبرتها الفولاذية الثورية الصادقة:

دع سمائي فسمائي محرقة

دع قنالي فمياهي مغرقة

وأحذر الأرض فأرضي صاعقة

هذه أرضي أنا وأبي ضحى هنا

وأبي قال لنا مزقوا أعدائنا

هذا ما كنا نردده في صغرنا, وعلى تلك المعاني تربينا, وبمثل هذه القيم والمبادئ نضجت مشاعرنا الوطنية, لكننا نشهد اليوم أبشع فصول مهازل الاستسلام والذل في زمن الخنوع والخضوع والشتات تحت دعاوى الواقعية والعقلانية, فتركت معظم الأقطار العربية كتاب الله وراء ظهورها, وسارت خلف سراب القوى الدولية الغاشمة, ولاذت تحت خيمة البنتاغون, وأمنت بتفوق الناتو, فغضت أبصارها عن جرائم الصهاينة, وتغافلت عن ثرواتنا المسروقة, وحدودنا المنتهكة, وصفقت للغزاة عبر فضائيات العرب المتهتكة.   نعيش اليوم في عصر الفساد والخيانة والتآمر, وعصر المهاترات الطائفية البليدة, صار الاستسلام سياسة, والتعامل مع العدو تحضر, وصارت الأرض العربية مقرا ومستقرا للقواعد الأمريكية المتجبرة بتأييد ودعم بعض الفقهاء المتأمركين والمتصهينين, وبذريعة الحفاظ على المكتسبات, من دون أن نعرف حتى الآن ماهية تلك المكتسبات, التي لم نلمسها ولم نحس بها حتى يومنا هذا. 

والله يستر من الجايات