المستقبل العراقي/قصي هاشم
لا يتخيل الشاب خالد عادل نفسه يبوح لوالده بما يشعر به، أو حتى التحدث معه من دون خوف ورهبة حضوره، مؤكدا أن هذه هي طبيعة علاقته بوالده.
ويقول “في جميع اجتماعاتنا مع أمي نأخذ راحتنا، ونعطي رأينا بكل شيء، وتكون ضحكاتنا هي المسيطرة على الأجواء، إلى أن يدخل والدي المنزل، فيعم الهدوء، والجميع يلتزم غرفته ولا نحبذ الاجتماع معه خوفا من غضبه في حال خرج منا أي تعليق قد لا يعجبه”.
في حين يستذكر ا علي عبد الهادي “21” سنه ،غضب والده الكبير الذي يظهر عند سماع الضجيج، مؤكدا “والدتي كانت تنشغل قبل عودة والدي من العمل بمحاولة أن أنام أنا وإخوتي الثلاث حتى لا نصطدم معه”.
وبالرغم من الحب الكبير الذي يكنه علي لوالده، إلا أنه يوضح أن هنالك حاجزا كبيرا بينه وبين أبيه، لا يمكن تجاوزه، لذلك لا يستطيع أن يعرفه على أصدقائه، وهو على العكس من زملائه الذين تربطهم علاقة طيبة بذويهم.
ويقول “في كثير من الأحيان أشعر بالإحباط لأن والدي غير قريب مني، ولا أشعر بحبه الحقيقي، فهو شخص يعمل بجد لأجل تحقيق أحلامنا، وهذا الأمر يدل على محبة عظيمة، لكنها لا تترجم بطريقة صحيحة، فنحن بحاجة للتقرب منه والتحدث معه بعيدا عن الخوف والجفاء”.
من جهته يؤكد أبو مؤيد قائلا “كثيرا ما أشتاق لأبنائي، وأشعر أني بحاجة لأن أعانقهم، وأكون قريبا منهم، لكن والدي كان لا يعاملني بهذه الطريقة، فكانت هيبته تسبقه قبل دخوله المنزل، ولم أستطع رغم محاولاتي أن أكون شخصا قريبا من أولادي إلا أنني فشلت”. ويردف “انشغالي لفترات طويلة خارج المنزل، لم يجعلني أكسر هذا الحاجز، وعند عودتي إن وجدت من أبنائي من يبث شكواه تكون ردة فعلي التأنيب والتوبيخ وأجد أنهم هم الأقدر على حل مشاكلهم”.
وتختلف مصارحة الأبناء لآبائهم، وفق التربوي عبد المجيد محمد، بحسب الفئات الاجتماعية والبيئة التي يعيشون فيها، ففي القرى والمناطق الشعبية إذا فكر الأبناء بالمصارحة تكون الأم هي الخيار الأول، في حين أن أقرانهم في مناطق عمان الغربية يخفون مشاكلهم وما يواجههم حتى عن الأم، أو أن الحديث يكون مفتوحا بين الطرفين وتكون علاقات الصداقة بين أفراد العائلة كلها.
في حين يذهب الاستشاري الأسري أحمد عبدالله إلى أن تفضيل الأبناء مصارحة الأم بدلا من الأب في حال واجهوا مشكلة لا تشكل ظاهرة كبيرة في هذه الأيام.
واللجوء يكون إلى الأم، وفق عبدالله، لأنها هي الأقرب للأبناء، فهي تقضي ساعات طويلة معهم، ولطبيعتها العاطفية، في حين أن الأب ينشغل في العمل ساعات طويلة في هذا العصر.
ولا يجد عبدالله ضيرا في أن يصارح الأبناء أمهاتهم شريطة أن تنقل الأم الصورة كاملة إلى الأب من دون أن تخفي عنه شيئا، لأن الوالدين مسؤلان عن الأسرة بشفافية عالية.
وبحسب المنظومة التربوية السائدة، كما يقول عبد المجيد محمد، فإن الأب ينظر إليه كسلطة، موضحا “وهذا ما نعمقه نحن في قلوب الأبناء من دون أن نعرف بعد إشراك الأب في المشاكل بحجة أنه متعب ومرهق مما يولد علاقة جافة فيما بينه وبين أبنائه”.
في حين يلفت اختصاصي علم النفس د. سعد محمود هادي إلى أن الأبناء عندما يبدأون في الحديث عن مشاكلهم، فإن ذلك مؤشر على بلوغهم، ويجدون عادة في الأم الأذن الصاغية والقلب الحنون ومكانا لكتمان أسرارهم.
ومن المتعارف عند الأبناء بشكل عام، بأن الأب دائم العصبية، فيخشون من حدته وتأنيبه في حال نقلوا له مشكلة تواجههم.
ولا ينكر التربوي محمد الطبيعة البشرية ويقر بحقيقة أن كل جنس ميال لجنسه، فيجد أن البنت تميل إلى والدتها بخاصة في مرحلة البلوغ وما يرافقها من التغيرات الجسدية والنفسية، وكذلك الإبن يلجأ إلى والده، لأن كل واحد منهما سيتلمس احتياجات الآخر بعمق.
ويستثني الآباء المثقفين الذين تجد بناتهم عندهم الملاذ الآمن والخبرة الطويلة والمعرفة والدراية بكل ما قد يواجهنه من مشاكل، فيجدن النصح والتوجيه منه بشكل مجدٍ أكثر من الأم، وهم قلة على حد تعبيرها.
ويؤكد أنه وفي العصر الحالي ولانشغال الوالد في تأمين المسلتزمات للبيت، “فهو لا يريد أن يتحمل المسؤولية، فيترك التربية والتدريس للأم بشكل كامل وهذا خطأ لأنه في النهاية سيحصد النتيجة”.
ويشير إلى ضرورة أن يفتح الأب قنوات للحوار والنقاش الفكري والثقافي مع أبنائه وكسبهم من خلال الاجتماعات الأسرية اليومية، لأن ذلك يسهل على الابن المصارحة في حال واجه مشكلة عملية.
ويذهب د.سعد محمودهادي إلى أهمية بناء علاقة حميمة مع الأبناء تسهل عملية الاتصال والتواصل معهم، وهي الخطوة الأولى في مد جسور التفاهم بين أفراد الأسرة ككل.
ويفرض عدم التواصل فيما بين الآباء والأبناء، بحسب هادي، حالة من الفشل في حياة الفتاة والشاب، لأنهم عندما سيخرجون للحياة ستكون تجاربهم ناقصة وخبرتهم غير متوزانة ولا مكتملة. ويدعو الآباء إلى فتح باب من الحوار مع أبنائهم كبيرا وصغيرا، وأن يوجهوا النصائح بطريقة سليمة، ويطالبهم بزيادة ثقافتهم في الأمور التربوية. ويدعو أرباب الأسر إلى تنظيم رحلات في الهواء الطلق من شأنها أن تسهم في فتح باب للحوار الشفاف مع الأبناء.
ويطالب الأم بنقل كل ما يجري مع أبنائها إلى الأب بشكل يومي لأن ذلك يسهم في مد جسور العلاقة فيما بينه وبين أبنائه، كما ويطالب الأب بالجلوس مع الأبناء والسماع لهم، وبخاصة إذا بادره أحدهم وطلب منه الاستماع إلى مشكلة يواجهها، ويحذره من التأجيل لأن ذلك سيؤثر على نفسية الابن ويجعله يلجأ إلى أناس خارج البيت غير معروفة مبادئهم وعقائدهم وطرق تفكيرهم.