مطلوب تصفية شبكة القاعدة الدولية بعد مقتل بن لادن

المستقبل العراقي / التحليل السياسي /عمار البغدادي

فجأة ومن دون سابق إنذار، اهتزت العاصمة الأمريكية على هدير كلمات المدافع العسكرية واهتزت عواصم العرب على لسان الرئيس اوباما وهو يؤكد للأمريكيين والعرب مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن.. هذا الإعلان الأمريكي سرعان ما دخل خانات البورصة المالية والاستثمارية والسياسية رقماً صعباً واستثمره الرئيس الأسمر رقماً منافساً للبدء بتحضيرات حملته الدعائية الخاصة بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

رأس بن لادن مهم أمريكيا على المستويين الشعبي والرسمي وإذا كانت التظاهرات الشعبية الأمريكية أدانت القاعدة وأراحت نفوس أسر ضحايا برج التجارة الدولي وأرواح الموتى الذين سقطوا إلا إن الإدارة الأمريكية كان فرحها غامراً ومختلفاً عن فرح الشعب الأمريكي كون بن لادن مثّل صنيعة المخابرات المركزية الأمريكية وتمرّد عليها بعد نهاية الغزو السوفيتي لأفغانستان وعقود من التخادم السياسي العسكري بينهما ولأن المتمرد لابد أن تكون نهايته كأية نهاية هوليودية فيها الكثير من التراجيديا والقليل من الكوميديا السوداء!.

وخلال عشر سنوات من الآن لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية اختراق القاعدة في أفغانستان وإذا كان ثمة اختراق في السابق، فقد حدث في القاعدة الأفغانية ولم يحدث الاختراق في القاعدة العالمية التي كان يقودها أسامة بن لادن وقد شكل هذا (التحصين والممانعة) مشكلة أمريكية كبيرة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والإستخبارية وحتى في الأوساط الانتخابية ومرشحي الرئاسة الأمريكية وصار على الرئيس الأمريكي المقبل للرئاسة أن يكون لديه برنامج أمني لإسقاط قاعدة بن لادن العالمية بعد سقوط قاعدة طالبان الأفغانية قبل أن يقدم برنامج عمل أمريكيا محددا لمعالجة مشكلات البطالة والتضخم أو إيجاد حل ما للازمة الاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة والعالم.

في السنوات الأربع الماضية توفرت للقوات الأمريكية والأجهزة الأمنية فيها داخل أفغانستان خبرة أمنية بالقاعدة والقيادات الراسية المهمة وخطط العمل وبموازاة الخبرة الأمنية هذه توفرت خطط خاصة بفتح قنوات اتصال مع قيادات وعناصر وإفراد في القاعدة وإرسال رسائل من خلالهم تعرب عن استعداد واشنطن والقيادة الأفغانية المحلية لإبرام صفقة تسوية أو حل ما مع القاعدة الأفغانية على خلفية مشاركة حقيقية في السلطة بكابل.

كل هذه الرسائل والتلميحات كانت تصطدم بحاجز الرفض الكبير لأسامة بن لادن المسؤول عن القاعدة العالمية ومن بيديه سلطة القاعدة الأفغانية وكان يرفض الحل الأفغاني الأمريكي المشترك والمشاركة في السلطة والطعن بمشروعية الرئيس الأفغاني حامد كرزاي كرئيس شرعي.

والسؤال.. ما السبيل الذي يقود القاعدة الأفغانية إلى إبرام الصفقة مع كرزاي والأمريكيين على خلفية مشاركة حقيقية في السلطة وإنهاء حالة الحرب التي استمرت سنوات وأكلت الأخضر واليابس؟.

رأس بن لادن هو ثمن الصفقة عبر هاتف الرجل الواشي (الأفغاني) الموجود في القاعدة العالمية لكي تتخلص القاعدة المحلية من نفوذ بن لادن كرأس مدبر ومرجعية عليا لا أحد يستطيع رد كلامها أو قرارها الهابط من السماء وليس من قمم الجبال المحيطة بمنطقة القبائل الباكستانية.

الواشي الأفغاني الذي كشف مكان بن لادن رجل وطني لأنه سيريح البلد من سنوات الاحتراب ويشيع السلام الداخلي وينظف البلد من غرباء جبهة بن لادن، فهل سيأتي اليوم الذي يلتفت فيه الواشي الوطني العراقي بضرورة تنظيف البلد من غرباء هذه الجبهة التي أشاعت الخوف والموت والدمار وهل الواشي الأفغاني أكثر وطنية من الواشي العراقي؟.

ستقرأون في الأيام المقبلة كيف تنخرط القاعدة الأفغانية بمباحثات السلام والبدء بتنفيذ شروط الصفقة والمشاركة في السلطة.. أنها السلطة الصعبة التي لم تتشكل إلا على رأس بن لادن ومعلومات الواشي.

قولة حق حرة

ينبغي لنا ،بين آونة وأخرى ، وفي سياق تقييم أية حالة نشهدها بعد انعطافة نيسان (2003) سواء في السلب او في الايجاب ، العودة الى الماضي دائما ، ليس قطعا بوصفه عصرنا الذهبي ، كما يذهب الظن ، أو كما يعتقد معتنقي السلفية ، وأنما من اجل المقارنة القصدية على وفق اللوائح والشرائع الانسانية لحقوق البشر ، وتأسيس صورة واضحة القسمات لما يعتري حالنا اليوم …

لقد شهدت موضوعة حق الانسان في ممارسة حرية التعبير عن الرأي أبان العراق الملكي أنتعاشا نسبيا على الرغم من أستبداد السلطة في مواضع وحالات عدة ، وكانت تلك الحرية تتجلى في كثرة وجرأة عدد من صحف المعارضة من مثل (البلاد ) و(الاهالي) و(الفرات) و(الشرارة) وغيرها من الصحف، الحزبية منها أوالمستقلة .

وكانت من ابرز سمات صحافة العراق الملكي ، حريتها النسبية في تناول موضوعات تقع في صميم حياة الناس ونشاطات الحكومة ، فكم من حكومة أسقطها عمود صحفي ، وكم من زوبعة اوقعت البرلمان في حيص وبيص أطلقها مقال او خبر ، كشف المستور (على ضآلة حجمه مقارنة بما خفي اليوم وهوحتما اعظم)، فضلا عن محاولة تلك الصحافة الالتزام بنشر الرأي الاخر ضمن باب حق الرد ، وليست السجالات المحتدمة على صفحاتها سوى تكريس لحراك ديمقراطي ناشىء ، والسجال المتأجج بين انصار سفور المرأة وبين أنصارتحجيبها الا مثالا واحدا من امثلة عدة ..

اليوم ونحن على عتبة السنة التاسعة بعد ان اندفع العراق خارجا من قمقم الاستبداد المقيت الى فضاءات لم ترسم حدودها بنحو واضح ودقيق حتى اليوم ، اذ لم تزل حزمة من قوانين اساسية معنية بتشريع قانون للصحافة وشتى وسائل الاعلام الاخرى ، مثلها مثل قانون اجازة الاحزاب والمنظمات المختلفة وغيرها من القوانين، الامر الذي ترك الابواب مشرعة آمام الخائضين والنفعيين والذين في نفوسهم غرض او مرض لان يطأوا ميدان الصحافة جاعلين منه حلبات لالحاق الاذى والضرر بأنساق لم تزل في طور التشكل من مثل المجتمع المدني والسلم الاهلي وفهم وتجسيد معادلة الحقوق والواجبات ضمن آطر قانونية متحضرة ..تدفعهم مقاصد انوية اوجهوية ضيقة تارة وتارة آخرى برامج طبخت في دهاليز مخابرات دول الجوار (الشقيقة والصديقة)،،،

اليوم ونحن نكابد آذى هذا الواقع الشاذ او الدخيل، هناك ثمة التماعات مهنية ترقى إلى تقدير وتضامن الشرائح الموقنة بأن مستقبلنا لن يشخص ابدا ازاء مرأى العين إن لم نفضح وبنحو جريء وشجاع نمطية الواحدية النتنة بكل تمظهراتها الدوغمائية سواء كانت دينية او ايدلوجية او عرفية ظلامية ..، وقد بتنا نلمس جهداً من هذا النوع على صفحات عدد من صحفنا وقنواتنا الاعلامية الاخرى (على قلتها )، الامر الذي جعل آمالنا تتوطد باتساع برزخ المدافعين عن حدود ( ايثاكا ) او(المدينة الفاضلة) او مدينة تليق بنا كبشر، سمها ما شأت ، وانحسار رقعة البرك الاسنة لاشنات الظلام الجائفة . وحري بنا بوصفنا بشر اولا ومواطنين ثانيا تعضيد هذا الجهد الشريف الذي من دونه قطعا سننكص عن انسانيتنا لتعود من بعد ذئاب الاستبداد على اختلاف مسمياتها متحكمة بمصائرنا ودفعنا الى مهاوي الموت او في تقدير اقل الى الشلل والانكفاء عن المشاركة الايجابية في صنع الحياة.

مطلوب تصفية شبكة القاعدة الدولية بعد مقتل بن لادن

المستقبل العراقي / التحليل السياسي /عمار البغدادي

فجأة ومن دون سابق إنذار، اهتزت العاصمة الأمريكية على هدير كلمات المدافع العسكرية واهتزت عواصم العرب على لسان الرئيس اوباما وهو يؤكد للأمريكيين والعرب مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن.. هذا الإعلان الأمريكي سرعان ما دخل خانات البورصة المالية والاستثمارية والسياسية رقماً صعباً واستثمره الرئيس الأسمر رقماً منافساً للبدء بتحضيرات حملته الدعائية الخاصة بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

رأس بن لادن مهم أمريكيا على المستويين الشعبي والرسمي وإذا كانت التظاهرات الشعبية الأمريكية أدانت القاعدة وأراحت نفوس أسر ضحايا برج التجارة الدولي وأرواح الموتى الذين سقطوا إلا إن الإدارة الأمريكية كان فرحها غامراً ومختلفاً عن فرح الشعب الأمريكي كون بن لادن مثّل صنيعة المخابرات المركزية الأمريكية وتمرّد عليها بعد نهاية الغزو السوفيتي لأفغانستان وعقود من التخادم السياسي العسكري بينهما ولأن المتمرد لابد أن تكون نهايته كأية نهاية هوليودية فيها الكثير من التراجيديا والقليل من الكوميديا السوداء!.

وخلال عشر سنوات من الآن لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية اختراق القاعدة في أفغانستان وإذا كان ثمة اختراق في السابق، فقد حدث في القاعدة الأفغانية ولم يحدث الاختراق في القاعدة العالمية التي كان يقودها أسامة بن لادن وقد شكل هذا (التحصين والممانعة) مشكلة أمريكية كبيرة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والإستخبارية وحتى في الأوساط الانتخابية ومرشحي الرئاسة الأمريكية وصار على الرئيس الأمريكي المقبل للرئاسة أن يكون لديه برنامج أمني لإسقاط قاعدة بن لادن العالمية بعد سقوط قاعدة طالبان الأفغانية قبل أن يقدم برنامج عمل أمريكيا محددا لمعالجة مشكلات البطالة والتضخم أو إيجاد حل ما للازمة الاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة والعالم.

في السنوات الأربع الماضية توفرت للقوات الأمريكية والأجهزة الأمنية فيها داخل أفغانستان خبرة أمنية بالقاعدة والقيادات الراسية المهمة وخطط العمل وبموازاة الخبرة الأمنية هذه توفرت خطط خاصة بفتح قنوات اتصال مع قيادات وعناصر وإفراد في القاعدة وإرسال رسائل من خلالهم تعرب عن استعداد واشنطن والقيادة الأفغانية المحلية لإبرام صفقة تسوية أو حل ما مع القاعدة الأفغانية على خلفية مشاركة حقيقية في السلطة بكابل.

كل هذه الرسائل والتلميحات كانت تصطدم بحاجز الرفض الكبير لأسامة بن لادن المسؤول عن القاعدة العالمية ومن بيديه سلطة القاعدة الأفغانية وكان يرفض الحل الأفغاني الأمريكي المشترك والمشاركة في السلطة والطعن بمشروعية الرئيس الأفغاني حامد كرزاي كرئيس شرعي.

والسؤال.. ما السبيل الذي يقود القاعدة الأفغانية إلى إبرام الصفقة مع كرزاي والأمريكيين على خلفية مشاركة حقيقية في السلطة وإنهاء حالة الحرب التي استمرت سنوات وأكلت الأخضر واليابس؟.

رأس بن لادن هو ثمن الصفقة عبر هاتف الرجل الواشي (الأفغاني) الموجود في القاعدة العالمية لكي تتخلص القاعدة المحلية من نفوذ بن لادن كرأس مدبر ومرجعية عليا لا أحد يستطيع رد كلامها أو قرارها الهابط من السماء وليس من قمم الجبال المحيطة بمنطقة القبائل الباكستانية.

الواشي الأفغاني الذي كشف مكان بن لادن رجل وطني لأنه سيريح البلد من سنوات الاحتراب ويشيع السلام الداخلي وينظف البلد من غرباء جبهة بن لادن، فهل سيأتي اليوم الذي يلتفت فيه الواشي الوطني العراقي بضرورة تنظيف البلد من غرباء هذه الجبهة التي أشاعت الخوف والموت والدمار وهل الواشي الأفغاني أكثر وطنية من الواشي العراقي؟.

ستقرأون في الأيام المقبلة كيف تنخرط القاعدة الأفغانية بمباحثات السلام والبدء بتنفيذ شروط الصفقة والمشاركة في السلطة.. أنها السلطة الصعبة التي لم تتشكل إلا على رأس بن لادن ومعلومات الواشي.

قولة حق حرة

ينبغي لنا ،بين آونة وأخرى ، وفي سياق تقييم أية حالة نشهدها بعد انعطافة نيسان (2003) سواء في السلب او في الايجاب ، العودة الى الماضي دائما ، ليس قطعا بوصفه عصرنا الذهبي ، كما يذهب الظن ، أو كما يعتقد معتنقي السلفية ، وأنما من اجل المقارنة القصدية على وفق اللوائح والشرائع الانسانية لحقوق البشر ، وتأسيس صورة واضحة القسمات لما يعتري حالنا اليوم …

لقد شهدت موضوعة حق الانسان في ممارسة حرية التعبير عن الرأي أبان العراق الملكي أنتعاشا نسبيا على الرغم من أستبداد السلطة في مواضع وحالات عدة ، وكانت تلك الحرية تتجلى في كثرة وجرأة عدد من صحف المعارضة من مثل (البلاد ) و(الاهالي) و(الفرات) و(الشرارة) وغيرها من الصحف، الحزبية منها أوالمستقلة .

وكانت من ابرز سمات صحافة العراق الملكي ، حريتها النسبية في تناول موضوعات تقع في صميم حياة الناس ونشاطات الحكومة ، فكم من حكومة أسقطها عمود صحفي ، وكم من زوبعة اوقعت البرلمان في حيص وبيص أطلقها مقال او خبر ، كشف المستور (على ضآلة حجمه مقارنة بما خفي اليوم وهوحتما اعظم)، فضلا عن محاولة تلك الصحافة الالتزام بنشر الرأي الاخر ضمن باب حق الرد ، وليست السجالات المحتدمة على صفحاتها سوى تكريس لحراك ديمقراطي ناشىء ، والسجال المتأجج بين انصار سفور المرأة وبين أنصارتحجيبها الا مثالا واحدا من امثلة عدة ..

اليوم ونحن على عتبة السنة التاسعة بعد ان اندفع العراق خارجا من قمقم الاستبداد المقيت الى فضاءات لم ترسم حدودها بنحو واضح ودقيق حتى اليوم ، اذ لم تزل حزمة من قوانين اساسية معنية بتشريع قانون للصحافة وشتى وسائل الاعلام الاخرى ، مثلها مثل قانون اجازة الاحزاب والمنظمات المختلفة وغيرها من القوانين، الامر الذي ترك الابواب مشرعة آمام الخائضين والنفعيين والذين في نفوسهم غرض او مرض لان يطأوا ميدان الصحافة جاعلين منه حلبات لالحاق الاذى والضرر بأنساق لم تزل في طور التشكل من مثل المجتمع المدني والسلم الاهلي وفهم وتجسيد معادلة الحقوق والواجبات ضمن آطر قانونية متحضرة ..تدفعهم مقاصد انوية اوجهوية ضيقة تارة وتارة آخرى برامج طبخت في دهاليز مخابرات دول الجوار (الشقيقة والصديقة)،،،

اليوم ونحن نكابد آذى هذا الواقع الشاذ او الدخيل، هناك ثمة التماعات مهنية ترقى إلى تقدير وتضامن الشرائح الموقنة بأن مستقبلنا لن يشخص ابدا ازاء مرأى العين إن لم نفضح وبنحو جريء وشجاع نمطية الواحدية النتنة بكل تمظهراتها الدوغمائية سواء كانت دينية او ايدلوجية او عرفية ظلامية ..، وقد بتنا نلمس جهداً من هذا النوع على صفحات عدد من صحفنا وقنواتنا الاعلامية الاخرى (على قلتها )، الامر الذي جعل آمالنا تتوطد باتساع برزخ المدافعين عن حدود ( ايثاكا ) او(المدينة الفاضلة) او مدينة تليق بنا كبشر، سمها ما شأت ، وانحسار رقعة البرك الاسنة لاشنات الظلام الجائفة . وحري بنا بوصفنا بشر اولا ومواطنين ثانيا تعضيد هذا الجهد الشريف الذي من دونه قطعا سننكص عن انسانيتنا لتعود من بعد ذئاب الاستبداد على اختلاف مسمياتها متحكمة بمصائرنا ودفعنا الى مهاوي الموت او في تقدير اقل الى الشلل والانكفاء عن المشاركة الايجابية في صنع الحياة.

حافظوا على حدودنا البحرية …حفظكم الله

كنا سادة البحار والمحيطات, وكان لنا الخليج العربي كله, بسواحله ومياهه ومرافئه ومراكبه وأسماكه ونوارسه حتى عام 1920, عرفه الناس باسمنا منذ زمن بعيد, تارة يسمونه (خليج البصرة), وتارة أخرى (خليج الفرات), لكننا أضعناه وخسرناه, وخسرنا من بعده شط العرب, ثم خسرنا خور عبد الله, وانكمشت مياهنا الإقليمية, وتقزمت شيئا فشيئا بسبب إهمال حكوماتنا المتعاقبة, وتنازلاتها السخية المتوالية, وبسبب تفريطها بحقوقنا البحرية والنهرية, حتى جاء اليوم الذي خسر فيه شط العرب اسمه العريق, وهو النهر العراقي المولد والمنبع, والشريان العربي الجذور والملامح, وصار اسمه البديل في الخرائط الأدميرالية (أرفند رود) منذ عام 1980, وتمددت الحدود البحرية الكويتية واستطالت, حتى اقتربت من سواحل الفاو, وزحفت الحدود البحرية الإيرانية حتى تجاوزت (رأس البيشة) واستدارت باتجاه خور عبد الله, لتقترب من الحدود البحرية الكويتية الزاحفة باتجاهنا, واختزلت المسافة بينها وبين المراصد الإيرانية المثبتة في مدخل شط العرب من جهة البحر, وانجذبت الحدود الإيرانية نحو الحدود الكويتية المتمددة فوق المسطحات المائية العراقية, حتى أصبحت المسافة المائية بين إيران والكويت اقل من (18) ميل بحري, وشيدت إيران ثلاثة موانئ جديدة لها في شط العرب, فصارت تمتلك ستة موانئ, هي: خرمشهر, وعبادان, وخسروآباد, وبول بعست, وأرفند كنار, وبندر صيادي, من دون أن نتقدم نحن بخطوة واحدة نحو تحسين سواحلنا وصيانة ضفافنا, ثم شيدت أكبر المراصد والقلاع والأبراج على امتداد ضفاف الشط, وأثثت ممراته الملاحية بالعوامات والإشارات والعلامات الإرشادية, في حين راحت الكويت تبني اكبر موانئها المحورية (ميناء مبارك) عند مقتربات ميناء أم قصر, حتى صار خور عبد الله كله كويتيا بقرار جائر تبنته القوى الاستعلائية المهيمنة على حوض الخليج بأساطيلها الحربية الجبارة, وخسر الخور هويته العراقية, وسيأتي اليوم الذي تطالبنا فيه الكويت برفع علمها على سواري السفن المتوجهة إلى ميناء أم قصر, وربما تطالبنا برفعه على سواري سفننا الخدمية المتحركة بين موانئنا النفطية وموانئنا التجارية, هذا إن ظلت موانئنا النفطية محتفظة بهويتها, وبعيدة عن المطالبات الإيرانية بضمها إلى إيران, وتنامت قوة الدوريات البحرية الكويتية وتفاخرت بعضلاتها السيليكونية, واستقوت علينا بفرقاطات التحالف, وراحت تقوم بصولاتها وجولاتها الاستفزازية ضد زوارق الصيد العراقية, وأحيانا يحلو لها مطاردتها, وإطلاق النيران الحية عليها لمنعها من العودة ثانية إلى خور عبد الله.

لقد كتبت مئات المقالات, وأعددت عشرات الدراسات, وشاركت في معظم المؤتمرات البحرية, وتكلمت كثيرا عبر الفضائيات العربية والعراقية, وتحدثت بإسهاب عن تقلص حدودنا البحرية وانكماشها وتقوقعها, وتكلمت بصوت عال عن تخلفنا البحري, وعن خسائرنا الفادحة المتكررة, وكانت النتيجة تعرضي للتهميش والتنكيل والإقصاء من قبل بعض الذين وضعتهم الأقدار في أعلى السلم الإداري, بيد أن الأقدار نفسها كانت ارحم بكثير من رياح القرارات الارتجالية المزعجة, التي حذفتهم علينا في غفلة من الزمن المعتم, فغادروا مواقعهم من دون أن يحققوا أي مكسب وطني, ومن دون أن يدركوا حجم الكارثة البحرية, ومن دون أن يشعروا بأبعادها السياسية والجغرافية والسوقية والاقتصادية, فخرجوا من الخدمة غير مأسوف عليهم, أما أنا فقد أفنيت عمري كله في إرشاد السفن عبر ما تبقى لنا من ممرات ملاحية ضيقة وقنوات بحرية ضحلة, ولم أتوقف حتى اللحظة عن ممارسة هوايتي الملاحية القديمة في عرض البحر, ومازلت أذود بقلمي المكسور وصوتي المبحوح عن حقوقنا البحرية الضائعة, وأطالب أصحاب الشأن حفظهم الله بضرورة الحفاظ على سيادتنا الوطنية في مياهنا وممراتنا البحرية, والحفاظ على ما تبقى من سواحلنا, والوقوف بوجه التجاوزات والانتهاكات المتكررة, والحد من ظاهر الزحف الحدودي عن طريق الإسراع بإقامة جزيرة صغيرة واحدة فقط داخل المياه الإقليمية العراقية, على الجانب العراقي من مدخل شط العرب, في البقعة المقابلة للعوامة رقم (3), والتي أخذت تشكل نواة لنشوء جزيرة طبيعية بدأت تظهر ملامحها تحت الماء, وبخاصة في فترة الجزر الأدنى, نتيجة لتردي أعماقها بفعل ظاهرة الترسيب والإرساب, الأمر الذي يدعونا لاستغلال المياه الضحلة في هذا الموقع, وإكمال بناء الجزيرة, التي يفترض أن لا يزيد قطرها على 200 متر فقط, أي بطول سفينة من السفن المعطوبة, وما أكثرها في شط العرب, ونقترح أن نستخدم الجزيرة كمحطة ساحلية متقدمة مأهولة, تحيط بها مجموعة من الأرصفة الخشبية أو الحديدية, ونؤثثها بالمباني الخدمية, والاستفادة منها في تقديم الخدمات للسفن المترددة على موانئنا, أو تقديم الخدمات لزوارق خفر السواحل, أو لدعم زوارق الصيد وتوفير الإسعافات الفورية والخدمات الطبية للعاملين في البحر, على أن نسعى لتثبيت موقع الجزيرة في الخرائط البحرية الدولية, لكي تصبح من المعالم الحدودية السيادية المعلنة.

ولكي نقطع الطريق على المتفلسفين والمتحذلقين من المتخوفين والمترددين, نقول لهم إننا نقترح إقامة هذه الجزيرة داخل المياه العراقية البعيدة عن أي نزاع حدودي, على أن تقام في الموقع الذي اشرنا إليه عند مدخل شط العرب, وهو الموضع المرشح للضياع, لأننا نخشى أن تنوشه مخالب الزحف الحدودي في ظل غياب السلطة البحرية العراقية, ومن نافلة القول نذكر أن إيران استفادت من حطام الرافعة العراقية (عنترة) الغارقة عند مدخل شط العرب, وحولتها منذ مدة طويلة إلى ملاذ ثابت لزوارقها, وقاعدة لانطلاق دورياتها البحرية, وجهزتها بالمعدات المتطورة, وبنت فوقها قواطع سكنية, وعززتها بأجهزة المراقبة والرصد,

فما الذي يمنعنا من إتباع الأسلوب نفسه ؟, وما الذي يمنعنا من تشييد مثل هذه القاعدة في الجهة المقابلة لها ؟, هذه الأسئلة نوجهها إلى جميع الجهات المعنية, ابتداء من مجلس محافظة البصرة, إلى قيادة قوات المنطقة الرابعة, إلى تشكيلات القوة البحرية, وإلى من يهمه الأمر, فالمقترح لا يحتمل التأجيل ولا التسويف ولا التأخير, ولا داعي للخوض في دوامات اللجان البليدة وإجراءاتها العقيمة, لأني أنا المرشد البحري الأقدم في عموم المسطحات المائية العراقية, وأدرى من غيري بشعابها وممراتها ومنعطفاتها وأسرارها, ولا أريد أن أقول فيكم كما قال أَخُو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

حافظوا على حدودنا البحرية …حفظكم الله

كنا سادة البحار والمحيطات, وكان لنا الخليج العربي كله, بسواحله ومياهه ومرافئه ومراكبه وأسماكه ونوارسه حتى عام 1920, عرفه الناس باسمنا منذ زمن بعيد, تارة يسمونه (خليج البصرة), وتارة أخرى (خليج الفرات), لكننا أضعناه وخسرناه, وخسرنا من بعده شط العرب, ثم خسرنا خور عبد الله, وانكمشت مياهنا الإقليمية, وتقزمت شيئا فشيئا بسبب إهمال حكوماتنا المتعاقبة, وتنازلاتها السخية المتوالية, وبسبب تفريطها بحقوقنا البحرية والنهرية, حتى جاء اليوم الذي خسر فيه شط العرب اسمه العريق, وهو النهر العراقي المولد والمنبع, والشريان العربي الجذور والملامح, وصار اسمه البديل في الخرائط الأدميرالية (أرفند رود) منذ عام 1980, وتمددت الحدود البحرية الكويتية واستطالت, حتى اقتربت من سواحل الفاو, وزحفت الحدود البحرية الإيرانية حتى تجاوزت (رأس البيشة) واستدارت باتجاه خور عبد الله, لتقترب من الحدود البحرية الكويتية الزاحفة باتجاهنا, واختزلت المسافة بينها وبين المراصد الإيرانية المثبتة في مدخل شط العرب من جهة البحر, وانجذبت الحدود الإيرانية نحو الحدود الكويتية المتمددة فوق المسطحات المائية العراقية, حتى أصبحت المسافة المائية بين إيران والكويت اقل من (18) ميل بحري, وشيدت إيران ثلاثة موانئ جديدة لها في شط العرب, فصارت تمتلك ستة موانئ, هي: خرمشهر, وعبادان, وخسروآباد, وبول بعست, وأرفند كنار, وبندر صيادي, من دون أن نتقدم نحن بخطوة واحدة نحو تحسين سواحلنا وصيانة ضفافنا, ثم شيدت أكبر المراصد والقلاع والأبراج على امتداد ضفاف الشط, وأثثت ممراته الملاحية بالعوامات والإشارات والعلامات الإرشادية, في حين راحت الكويت تبني اكبر موانئها المحورية (ميناء مبارك) عند مقتربات ميناء أم قصر, حتى صار خور عبد الله كله كويتيا بقرار جائر تبنته القوى الاستعلائية المهيمنة على حوض الخليج بأساطيلها الحربية الجبارة, وخسر الخور هويته العراقية, وسيأتي اليوم الذي تطالبنا فيه الكويت برفع علمها على سواري السفن المتوجهة إلى ميناء أم قصر, وربما تطالبنا برفعه على سواري سفننا الخدمية المتحركة بين موانئنا النفطية وموانئنا التجارية, هذا إن ظلت موانئنا النفطية محتفظة بهويتها, وبعيدة عن المطالبات الإيرانية بضمها إلى إيران, وتنامت قوة الدوريات البحرية الكويتية وتفاخرت بعضلاتها السيليكونية, واستقوت علينا بفرقاطات التحالف, وراحت تقوم بصولاتها وجولاتها الاستفزازية ضد زوارق الصيد العراقية, وأحيانا يحلو لها مطاردتها, وإطلاق النيران الحية عليها لمنعها من العودة ثانية إلى خور عبد الله.

لقد كتبت مئات المقالات, وأعددت عشرات الدراسات, وشاركت في معظم المؤتمرات البحرية, وتكلمت كثيرا عبر الفضائيات العربية والعراقية, وتحدثت بإسهاب عن تقلص حدودنا البحرية وانكماشها وتقوقعها, وتكلمت بصوت عال عن تخلفنا البحري, وعن خسائرنا الفادحة المتكررة, وكانت النتيجة تعرضي للتهميش والتنكيل والإقصاء من قبل بعض الذين وضعتهم الأقدار في أعلى السلم الإداري, بيد أن الأقدار نفسها كانت ارحم بكثير من رياح القرارات الارتجالية المزعجة, التي حذفتهم علينا في غفلة من الزمن المعتم, فغادروا مواقعهم من دون أن يحققوا أي مكسب وطني, ومن دون أن يدركوا حجم الكارثة البحرية, ومن دون أن يشعروا بأبعادها السياسية والجغرافية والسوقية والاقتصادية, فخرجوا من الخدمة غير مأسوف عليهم, أما أنا فقد أفنيت عمري كله في إرشاد السفن عبر ما تبقى لنا من ممرات ملاحية ضيقة وقنوات بحرية ضحلة, ولم أتوقف حتى اللحظة عن ممارسة هوايتي الملاحية القديمة في عرض البحر, ومازلت أذود بقلمي المكسور وصوتي المبحوح عن حقوقنا البحرية الضائعة, وأطالب أصحاب الشأن حفظهم الله بضرورة الحفاظ على سيادتنا الوطنية في مياهنا وممراتنا البحرية, والحفاظ على ما تبقى من سواحلنا, والوقوف بوجه التجاوزات والانتهاكات المتكررة, والحد من ظاهر الزحف الحدودي عن طريق الإسراع بإقامة جزيرة صغيرة واحدة فقط داخل المياه الإقليمية العراقية, على الجانب العراقي من مدخل شط العرب, في البقعة المقابلة للعوامة رقم (3), والتي أخذت تشكل نواة لنشوء جزيرة طبيعية بدأت تظهر ملامحها تحت الماء, وبخاصة في فترة الجزر الأدنى, نتيجة لتردي أعماقها بفعل ظاهرة الترسيب والإرساب, الأمر الذي يدعونا لاستغلال المياه الضحلة في هذا الموقع, وإكمال بناء الجزيرة, التي يفترض أن لا يزيد قطرها على 200 متر فقط, أي بطول سفينة من السفن المعطوبة, وما أكثرها في شط العرب, ونقترح أن نستخدم الجزيرة كمحطة ساحلية متقدمة مأهولة, تحيط بها مجموعة من الأرصفة الخشبية أو الحديدية, ونؤثثها بالمباني الخدمية, والاستفادة منها في تقديم الخدمات للسفن المترددة على موانئنا, أو تقديم الخدمات لزوارق خفر السواحل, أو لدعم زوارق الصيد وتوفير الإسعافات الفورية والخدمات الطبية للعاملين في البحر, على أن نسعى لتثبيت موقع الجزيرة في الخرائط البحرية الدولية, لكي تصبح من المعالم الحدودية السيادية المعلنة.

ولكي نقطع الطريق على المتفلسفين والمتحذلقين من المتخوفين والمترددين, نقول لهم إننا نقترح إقامة هذه الجزيرة داخل المياه العراقية البعيدة عن أي نزاع حدودي, على أن تقام في الموقع الذي اشرنا إليه عند مدخل شط العرب, وهو الموضع المرشح للضياع, لأننا نخشى أن تنوشه مخالب الزحف الحدودي في ظل غياب السلطة البحرية العراقية, ومن نافلة القول نذكر أن إيران استفادت من حطام الرافعة العراقية (عنترة) الغارقة عند مدخل شط العرب, وحولتها منذ مدة طويلة إلى ملاذ ثابت لزوارقها, وقاعدة لانطلاق دورياتها البحرية, وجهزتها بالمعدات المتطورة, وبنت فوقها قواطع سكنية, وعززتها بأجهزة المراقبة والرصد,

فما الذي يمنعنا من إتباع الأسلوب نفسه ؟, وما الذي يمنعنا من تشييد مثل هذه القاعدة في الجهة المقابلة لها ؟, هذه الأسئلة نوجهها إلى جميع الجهات المعنية, ابتداء من مجلس محافظة البصرة, إلى قيادة قوات المنطقة الرابعة, إلى تشكيلات القوة البحرية, وإلى من يهمه الأمر, فالمقترح لا يحتمل التأجيل ولا التسويف ولا التأخير, ولا داعي للخوض في دوامات اللجان البليدة وإجراءاتها العقيمة, لأني أنا المرشد البحري الأقدم في عموم المسطحات المائية العراقية, وأدرى من غيري بشعابها وممراتها ومنعطفاتها وأسرارها, ولا أريد أن أقول فيكم كما قال أَخُو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

لمن تُقرع الأجراس؟

لا نريد أن نكتب قصة قصيرة ننافس فيها ارنست همنغواي برائعته الأدبية المشهورة (لمن تقرع الأجراس), لكننا استعرنا هذا السؤال الاستفزازي ليكون عنوانا للمقالة التي سنتحدث فيها عن الرجل الذي أسهم في غرس نواة السلطة البحرية العراقية, وازدهرت في زمنه النشاطات التجارية البحرية عبر خطوط الشحن الدولية.

سجلت (مصلحة الموانئ العراقية), وهو الاسم الأقدم للشركة العامة لموانئ العراق, في المدة من 17/7/1958 إلى 10/2/1963 قفزات نوعية هائلة, وحققت مكاسب مادية ومعنوية لم يحققها احد من قبل, وتسلقت سلم المجد حتى ارتقت إلى المرتبة الأولى عالميا من حيث الكفاءة والأداء, واتفق الناس على اختلاف مشاربهم على أن الموانئ العراقية بلغت أوج عظمتها في عصرها الذهبي أبان إدارة اللواء الركن مزهر الشاوي, الذي حفر اسمه في سجل الوطنية والشرف والتميز, وكانت أيامه صفحة مشرقة من صفحات التاريخ العراقي الزاخر بالخير والعطاء, فقد أسهمت انجازات هذا الرجل العملاق, في تفجير الإبداعات الوطنية المخلصة, وتنفيذ المشاريع الهندسية الساندة لعمل الموانئ, وبناء المجتمع العمالي المتحضر, ونجح في إرساء قواعد السلوك الإداري المتمرد على الأطر التقليدية والسياقات الروتينية, وأصبحت الموانئ العراقية بجهوده مؤسسة وطنية شبه مستقلة. وقادرة على الإنفاق على مشاريعها من مواردها الذاتية في كل الاتجاهات التطويرية, على وفق المعايير القياسية العالمية التي شجعت على استقطاب شركات خطوط الشحن البحري, واستقبال السفن الحديثة, ما أدى إلى إنعاش النشاطات التجارية عبر منافذنا البحرية, وتحقيق المزيد من المكاسب المالية, التي عادت بالنفع والخير والفوائد الجمة على جميع مرافق الموانئ والعاملين فيها. وسجلت رؤيته الثاقبة نجاحات لا تحصى في تحقيق النهضة الشاملة, وفي إدارة شؤون (مصلحة الموانئ العراقية) وفقا للمنهج الاقتصادي القويم. هذه كانت الأسس والركائز التي قام عليها كيان الموانئ العراقية بإشراف الوطني المبدع مزهر الشاوي, لتبدأ مرحلة الانتماء الاجتماعي للعاملين فيها , بإعدادهم وتأهيلهم علميا ومهنيا على نفقتها, وذلك بفتح مجالات التعليم البحري العالي لأبناء عمال الموانئ خارج العراق , وفي أرقى الجامعات والمعاهد البحرية الدولية. واستطاع أن يوفر العيش الكريم للطبقة العاملة. فقد كان مزهر الشاوي سباقا في تأسيس نظام الإسكان والتعمير, مستعينا بموارد الموانئ, ودعا إلى استثمارها في الأراضي المملوكة لها في كل ما يعود بالنفع على العاملين فيها, فشيد الأحياء السكنية الحديثة, وضمن لها أسباب الاستقرار, ووفر لها البنية الأساسية من طرق, ومدارس, وأسواق, ومساجد, وجمعيات تعاونية, وملاعب حديثة, وأحواض سباحة, وحدائق ومتنزهات, ومكتبات عامة, ونواد ترفيهية, ودور سينما, ووسائل الرعاية الصحية المجانية .

وكثف جهوده من اجل تحسين أوضاع الفقراء قولا وعملا ومنهجا. ومازالت النصب التذكارية للحجر الأساسي في المدن والأحياء السكنية, وبخاصة في الأبلة, والكندي, وحطين, وحي طارق, وحي الشهداء, والحي المركزي, والجبيلة, والنجيبية, ودور شارع اليرموك, ودور أم قصر, ودور الفاو وغيرها, تشهد لهذا الرجل النبيل بالشكر والامتنان والعرفان. ولا نغالي إذا قلنا أن مدينة المعقل في البصرة كانت تعد من المناطق السياحية النادرة في عموم العراق كله. وكان الناس يقصدونها من الدول الخليجية القريبة للاستمتاع بمتنزهاتها ومناظرها الخلابة, وفي مقدمتها حدائق الأندلس , وحدائق الجمهورية, وجزيرة السندباد, ومتنزه البيت الصيني, ومشتل الداودية, ومشتل المطار, ومتنزه الشاطئ. وكانت هذه المتنزهات تعبق في المساء بشذى ملكة الليل, وتضوي بأريج أزهار النرجس والقرنفل والبنفسج. وبينما كانت النهضة الداخلية تتواصل من اجل إنعاش أوضاع الموانئ, وتنمية معيشة عمالها. كان مزهر الشاوي يواصل حصد النجاحات المينائية على المستوى العالمي. فقد برز دوره في تحسين سمعة الموانئ العراقية في المحافل الدولية. وتجسد هذا الدور من خلال تقديم أفضل الخدمات البحرية للسفن الوافدة, والتوسع في بناء الأرصفة الجديدة, وتجهيزها بأحدث المعدات والسقائف والرافعات. ومن خلال قيامه بالتعاقد على بناء السفن الخدمية, التي شملت الحفارات والساحبات البحرية, وسفن التنوير والمسح الهيدروغرافي, وتطوير عمل منظومات الاتصال اللاسلكية وأجهزة المراقبة الملاحية, وشراء حوض التسفين (اجنادين). وذهب – رحمه الله – إلى ابعد من ذلك عندما سارع إلى تجهيز عمال الأرصفة بأحدث الأدوات والمعدات المستخدمة في مناولة البضائع. وعمد إلى تعميم الزي الموحد على عمال الأرصفة, وتجهيزهم بالملابس الشتوية والصيفية المستوردة من أرقى مؤسسات الأزياء, وحرص على تزويدهم بأحذية السلامة من معامل (باتا) اللندنية, ووفر لهم الدراجات الهوائية من معامل شركة (فيليبس), لتسهيل انتقالهم من والى مواقع عملهم. وحرص مزهر الشاوي على مد جسور التعاون مع إدارات المواني الخليجية الفتية, ومساعدتها في مراحل البناء والتعمير كافة.

وتمكنت الموانئ في زمنه من إقامة قواعد كبيرة لورش الصيانة وإصلاح السفن, وإقامة المعامل الإنتاجية الصغيرة اللازمة لتغطية احتياجات مشاريع الموانئ, وشكلت تلك المعامل والورش حجر الزاوية في تكامل البنيان المينائي, وفي تنويع القطاعات الإنتاجية. فظهرت إلى الوجود معامل الإسفلت, ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية (الباور هاوس), ومعامل السباكة, ومعامل صيانة العوامات البحرية, ومعامل الخياطة, وورش الصيانة البحرية, وورش تعبيد الطرق, وورش إنشاء أبراج الفنارات البحرية, ومعامل صيانة وتصليح السيارات والآليات, والمطابع الحديثة, ومعامل إنتاج الثلج, ومصانع المشروبات الغازية, التي كانت توزع مع قوالب الثلج بأسعار رمزية على دور العاملين بالموانئ.

وحظي النشاط الرياضي باهتمام ودعم مزهر الشاوي الذي تبنى استراتيجيه شاملة للنهضة الرياضية والشبابية, تكللت ببناء اكبر ملاعب كرة القدم في مدة الستينيات, وبناء صالات متكاملة لألعاب القوة, والعاب الساحة والميدان. وحققت فرق الموانئ الرياضية في زمنه أعلى الأرقام والنتائج على الصعيد المحلي والعربي والعالمي, وخير دليل على تلك المكاسب الرياضية هو الوسام الاولمبي الوحيد الذي حققه الرباع الدولي عبد الواحد عزيز في اولمبياد (روما), وعلى الرغم من كل الذي تناولته هنا, مازلت اشعر بالتقصير لعدم تمكني من تغطية قصة الازدهار الذي حققته الموانئ العراقية في زمن الأستاذ والشاعر والوطني المخلص, اللواء الركن مزهر الشاوي, الرجل النبيل الذي نقش اسمه في نفوس الفقراء, والذي ستقرع له الأجراس احتراما وتقديرا وتكريما ووفاء وعرفانا.

لمن تُقرع الأجراس؟

لا نريد أن نكتب قصة قصيرة ننافس فيها ارنست همنغواي برائعته الأدبية المشهورة (لمن تقرع الأجراس), لكننا استعرنا هذا السؤال الاستفزازي ليكون عنوانا للمقالة التي سنتحدث فيها عن الرجل الذي أسهم في غرس نواة السلطة البحرية العراقية, وازدهرت في زمنه النشاطات التجارية البحرية عبر خطوط الشحن الدولية.

سجلت (مصلحة الموانئ العراقية), وهو الاسم الأقدم للشركة العامة لموانئ العراق, في المدة من 17/7/1958 إلى 10/2/1963 قفزات نوعية هائلة, وحققت مكاسب مادية ومعنوية لم يحققها احد من قبل, وتسلقت سلم المجد حتى ارتقت إلى المرتبة الأولى عالميا من حيث الكفاءة والأداء, واتفق الناس على اختلاف مشاربهم على أن الموانئ العراقية بلغت أوج عظمتها في عصرها الذهبي أبان إدارة اللواء الركن مزهر الشاوي, الذي حفر اسمه في سجل الوطنية والشرف والتميز, وكانت أيامه صفحة مشرقة من صفحات التاريخ العراقي الزاخر بالخير والعطاء, فقد أسهمت انجازات هذا الرجل العملاق, في تفجير الإبداعات الوطنية المخلصة, وتنفيذ المشاريع الهندسية الساندة لعمل الموانئ, وبناء المجتمع العمالي المتحضر, ونجح في إرساء قواعد السلوك الإداري المتمرد على الأطر التقليدية والسياقات الروتينية, وأصبحت الموانئ العراقية بجهوده مؤسسة وطنية شبه مستقلة. وقادرة على الإنفاق على مشاريعها من مواردها الذاتية في كل الاتجاهات التطويرية, على وفق المعايير القياسية العالمية التي شجعت على استقطاب شركات خطوط الشحن البحري, واستقبال السفن الحديثة, ما أدى إلى إنعاش النشاطات التجارية عبر منافذنا البحرية, وتحقيق المزيد من المكاسب المالية, التي عادت بالنفع والخير والفوائد الجمة على جميع مرافق الموانئ والعاملين فيها. وسجلت رؤيته الثاقبة نجاحات لا تحصى في تحقيق النهضة الشاملة, وفي إدارة شؤون (مصلحة الموانئ العراقية) وفقا للمنهج الاقتصادي القويم. هذه كانت الأسس والركائز التي قام عليها كيان الموانئ العراقية بإشراف الوطني المبدع مزهر الشاوي, لتبدأ مرحلة الانتماء الاجتماعي للعاملين فيها , بإعدادهم وتأهيلهم علميا ومهنيا على نفقتها, وذلك بفتح مجالات التعليم البحري العالي لأبناء عمال الموانئ خارج العراق , وفي أرقى الجامعات والمعاهد البحرية الدولية. واستطاع أن يوفر العيش الكريم للطبقة العاملة. فقد كان مزهر الشاوي سباقا في تأسيس نظام الإسكان والتعمير, مستعينا بموارد الموانئ, ودعا إلى استثمارها في الأراضي المملوكة لها في كل ما يعود بالنفع على العاملين فيها, فشيد الأحياء السكنية الحديثة, وضمن لها أسباب الاستقرار, ووفر لها البنية الأساسية من طرق, ومدارس, وأسواق, ومساجد, وجمعيات تعاونية, وملاعب حديثة, وأحواض سباحة, وحدائق ومتنزهات, ومكتبات عامة, ونواد ترفيهية, ودور سينما, ووسائل الرعاية الصحية المجانية .

وكثف جهوده من اجل تحسين أوضاع الفقراء قولا وعملا ومنهجا. ومازالت النصب التذكارية للحجر الأساسي في المدن والأحياء السكنية, وبخاصة في الأبلة, والكندي, وحطين, وحي طارق, وحي الشهداء, والحي المركزي, والجبيلة, والنجيبية, ودور شارع اليرموك, ودور أم قصر, ودور الفاو وغيرها, تشهد لهذا الرجل النبيل بالشكر والامتنان والعرفان. ولا نغالي إذا قلنا أن مدينة المعقل في البصرة كانت تعد من المناطق السياحية النادرة في عموم العراق كله. وكان الناس يقصدونها من الدول الخليجية القريبة للاستمتاع بمتنزهاتها ومناظرها الخلابة, وفي مقدمتها حدائق الأندلس , وحدائق الجمهورية, وجزيرة السندباد, ومتنزه البيت الصيني, ومشتل الداودية, ومشتل المطار, ومتنزه الشاطئ. وكانت هذه المتنزهات تعبق في المساء بشذى ملكة الليل, وتضوي بأريج أزهار النرجس والقرنفل والبنفسج. وبينما كانت النهضة الداخلية تتواصل من اجل إنعاش أوضاع الموانئ, وتنمية معيشة عمالها. كان مزهر الشاوي يواصل حصد النجاحات المينائية على المستوى العالمي. فقد برز دوره في تحسين سمعة الموانئ العراقية في المحافل الدولية. وتجسد هذا الدور من خلال تقديم أفضل الخدمات البحرية للسفن الوافدة, والتوسع في بناء الأرصفة الجديدة, وتجهيزها بأحدث المعدات والسقائف والرافعات. ومن خلال قيامه بالتعاقد على بناء السفن الخدمية, التي شملت الحفارات والساحبات البحرية, وسفن التنوير والمسح الهيدروغرافي, وتطوير عمل منظومات الاتصال اللاسلكية وأجهزة المراقبة الملاحية, وشراء حوض التسفين (اجنادين). وذهب – رحمه الله – إلى ابعد من ذلك عندما سارع إلى تجهيز عمال الأرصفة بأحدث الأدوات والمعدات المستخدمة في مناولة البضائع. وعمد إلى تعميم الزي الموحد على عمال الأرصفة, وتجهيزهم بالملابس الشتوية والصيفية المستوردة من أرقى مؤسسات الأزياء, وحرص على تزويدهم بأحذية السلامة من معامل (باتا) اللندنية, ووفر لهم الدراجات الهوائية من معامل شركة (فيليبس), لتسهيل انتقالهم من والى مواقع عملهم. وحرص مزهر الشاوي على مد جسور التعاون مع إدارات المواني الخليجية الفتية, ومساعدتها في مراحل البناء والتعمير كافة.

وتمكنت الموانئ في زمنه من إقامة قواعد كبيرة لورش الصيانة وإصلاح السفن, وإقامة المعامل الإنتاجية الصغيرة اللازمة لتغطية احتياجات مشاريع الموانئ, وشكلت تلك المعامل والورش حجر الزاوية في تكامل البنيان المينائي, وفي تنويع القطاعات الإنتاجية. فظهرت إلى الوجود معامل الإسفلت, ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية (الباور هاوس), ومعامل السباكة, ومعامل صيانة العوامات البحرية, ومعامل الخياطة, وورش الصيانة البحرية, وورش تعبيد الطرق, وورش إنشاء أبراج الفنارات البحرية, ومعامل صيانة وتصليح السيارات والآليات, والمطابع الحديثة, ومعامل إنتاج الثلج, ومصانع المشروبات الغازية, التي كانت توزع مع قوالب الثلج بأسعار رمزية على دور العاملين بالموانئ.

وحظي النشاط الرياضي باهتمام ودعم مزهر الشاوي الذي تبنى استراتيجيه شاملة للنهضة الرياضية والشبابية, تكللت ببناء اكبر ملاعب كرة القدم في مدة الستينيات, وبناء صالات متكاملة لألعاب القوة, والعاب الساحة والميدان. وحققت فرق الموانئ الرياضية في زمنه أعلى الأرقام والنتائج على الصعيد المحلي والعربي والعالمي, وخير دليل على تلك المكاسب الرياضية هو الوسام الاولمبي الوحيد الذي حققه الرباع الدولي عبد الواحد عزيز في اولمبياد (روما), وعلى الرغم من كل الذي تناولته هنا, مازلت اشعر بالتقصير لعدم تمكني من تغطية قصة الازدهار الذي حققته الموانئ العراقية في زمن الأستاذ والشاعر والوطني المخلص, اللواء الركن مزهر الشاوي, الرجل النبيل الذي نقش اسمه في نفوس الفقراء, والذي ستقرع له الأجراس احتراما وتقديرا وتكريما ووفاء وعرفانا.

أبواق التكفير والفتنة

من الحقائق المفزعة, التي لم يستشعرها الناس بعد, أن الفضائيات العربية تكاثرت بالانشطار, كما تتكاثر الخلايا السرطانية الخبيثة, حتى بلغ تعدادها (700) قناة فضائية, تبثها (398) هيأة, منها (372) هيأة تابعة للقطاع الخاص, و(26) هيأة حكومية فقط, تبث برامجها على (17) قمراً اصطناعياً, منها (نور سات), و(نايل سات), و(عرب سات), على ترددات (عرب شتات), و(عرب سبات).

إن هذه الأرقام قد ترصد أحد وجوه الحقيقة, لكن الحقيقة المرة قد تأتي حين تجتمع الوجوه كلها لتدق نواقيس الخطر, وتحذر الناس من تسونامي التشرذم, الذي يوشك أن يندلع ويتفجر قريبا من قيعان البحار الفاسدة.

كان من المفترض أن تكون هذه القنوات عاملا ايجابياً من عوامل التثقيف والتوعية, ووسيطاً إعلاميا نحو بناء المجتمعات المتحضرة, لكنها للأسف الشديد راحت تزرع ألغام التعتيم في حقول الظلام, وتنثر بذور الجهل في ليل التخلف الدامس, فتحول معظمها إلى منابر لنشر ثقافة الترفيه الرخيص, وتسفيه عقول الناس, أو لترويج السحر والشعوذة, ونشر الغيبيات المنبعثة من مستنقعات الدجل والخرافة, ناهيك عن انضمام الكثير منها إلى الجحافل التي تطوعت, في هذه المرحلة القلقة الحرجة, للقيام بمهام الشحن والتحريض, وإثارة النعرات الطائفية, وإنتاج فقه التفكك والتباعد والتناحر, وظهرت علينا فضائيات (دينية) تخلت نهائيا عن رسالتها الإعلامية, وذهبت بعيداً في تطرفها, فانغمست في البحث عمّا يفرق الناس, لا عمّا يجمعهم ويلم شملهم, ووصل الأمر ببعضها إلى درجة التحريض على القتل على الهوية, وانحرفت أبواق الفتنة باتجاه نشر الكراهية والبغضاء, ووجهت بوصلة النزاع باتجاه أكثر المراحل قتامة في التاريخ الإسلامي, وظهرت علينا فضائيات طائفية من كل لون وصنف ونوع, فضائيات سنية تكفيرية موتورة, وأخرى شيعية مغالية إلى درجة التخريف والإسفاف, وثالثة تتستر بالحياد الفكري لإخفاء تعصبها وتطرفها, فاشتركت جميعها في خلق حالة خطيرة من الاحتقان والتراشق, وتبادل الاتهامات بين طائفتي السنة والشيعة, وإذكاء نيران الأحقاد الدفينة, من دون أن تعير اهتماماً بما حل بالأمة من ويلات ونكبات ومصائب, أو بما يحاك ضدها من مؤامرات معادية للإسلام والمسلمين, فلا الفضائيات الشيعية المتشنجة خدمت منهج أهل البيت, ولا الفضائيات السنية المتعصبة خدمت السلفيين, بينما تتلقى هذه الفضائيات الدعم والإسناد لتواصل بث سمومها, وتستمد قوتها من الأموال الطائلة التي تتلقاها في الخفاء, فهناك دائما من يدفع لهؤلاء, ويغدق عليهم العطاء, ليسخنوا الأجواء تمهيدا لارتكاب اكبر مجزرة طائفية تستهدف الإسلام نفسه, كما استهدفت الكنيسة في أوربا عقب الاقتتال الكاثوليكي البروتستانتي.

إن من يتابع ما تبثه الفضائيات المتطرفة من سموم وأحقاد سيكتشف بنفسه بأن هناك قوى خفية تعمل على تأجيج الصراع الطائفي, وتسعى لتشويه صورة الإسلام, وإظهارنا أمام العالم كأمة ممزقة متناحرة مفككة.

ختاما نقول: ألا يكفينا ما يجتاحنا من أخطار خارجية لنغذيها بما تضيفه إلينا أبواق الفتنة من عبوات فكرية ناسفة, قد تفجر الأوضاع في حرب طائفية محتملة, لا تبقي ولا تذر, وليس فيها منتصر وإن غلب.

أبواق التكفير والفتنة

من الحقائق المفزعة, التي لم يستشعرها الناس بعد, أن الفضائيات العربية تكاثرت بالانشطار, كما تتكاثر الخلايا السرطانية الخبيثة, حتى بلغ تعدادها (700) قناة فضائية, تبثها (398) هيأة, منها (372) هيأة تابعة للقطاع الخاص, و(26) هيأة حكومية فقط, تبث برامجها على (17) قمراً اصطناعياً, منها (نور سات), و(نايل سات), و(عرب سات), على ترددات (عرب شتات), و(عرب سبات).

إن هذه الأرقام قد ترصد أحد وجوه الحقيقة, لكن الحقيقة المرة قد تأتي حين تجتمع الوجوه كلها لتدق نواقيس الخطر, وتحذر الناس من تسونامي التشرذم, الذي يوشك أن يندلع ويتفجر قريبا من قيعان البحار الفاسدة.

كان من المفترض أن تكون هذه القنوات عاملا ايجابياً من عوامل التثقيف والتوعية, ووسيطاً إعلاميا نحو بناء المجتمعات المتحضرة, لكنها للأسف الشديد راحت تزرع ألغام التعتيم في حقول الظلام, وتنثر بذور الجهل في ليل التخلف الدامس, فتحول معظمها إلى منابر لنشر ثقافة الترفيه الرخيص, وتسفيه عقول الناس, أو لترويج السحر والشعوذة, ونشر الغيبيات المنبعثة من مستنقعات الدجل والخرافة, ناهيك عن انضمام الكثير منها إلى الجحافل التي تطوعت, في هذه المرحلة القلقة الحرجة, للقيام بمهام الشحن والتحريض, وإثارة النعرات الطائفية, وإنتاج فقه التفكك والتباعد والتناحر, وظهرت علينا فضائيات (دينية) تخلت نهائيا عن رسالتها الإعلامية, وذهبت بعيداً في تطرفها, فانغمست في البحث عمّا يفرق الناس, لا عمّا يجمعهم ويلم شملهم, ووصل الأمر ببعضها إلى درجة التحريض على القتل على الهوية, وانحرفت أبواق الفتنة باتجاه نشر الكراهية والبغضاء, ووجهت بوصلة النزاع باتجاه أكثر المراحل قتامة في التاريخ الإسلامي, وظهرت علينا فضائيات طائفية من كل لون وصنف ونوع, فضائيات سنية تكفيرية موتورة, وأخرى شيعية مغالية إلى درجة التخريف والإسفاف, وثالثة تتستر بالحياد الفكري لإخفاء تعصبها وتطرفها, فاشتركت جميعها في خلق حالة خطيرة من الاحتقان والتراشق, وتبادل الاتهامات بين طائفتي السنة والشيعة, وإذكاء نيران الأحقاد الدفينة, من دون أن تعير اهتماماً بما حل بالأمة من ويلات ونكبات ومصائب, أو بما يحاك ضدها من مؤامرات معادية للإسلام والمسلمين, فلا الفضائيات الشيعية المتشنجة خدمت منهج أهل البيت, ولا الفضائيات السنية المتعصبة خدمت السلفيين, بينما تتلقى هذه الفضائيات الدعم والإسناد لتواصل بث سمومها, وتستمد قوتها من الأموال الطائلة التي تتلقاها في الخفاء, فهناك دائما من يدفع لهؤلاء, ويغدق عليهم العطاء, ليسخنوا الأجواء تمهيدا لارتكاب اكبر مجزرة طائفية تستهدف الإسلام نفسه, كما استهدفت الكنيسة في أوربا عقب الاقتتال الكاثوليكي البروتستانتي.

إن من يتابع ما تبثه الفضائيات المتطرفة من سموم وأحقاد سيكتشف بنفسه بأن هناك قوى خفية تعمل على تأجيج الصراع الطائفي, وتسعى لتشويه صورة الإسلام, وإظهارنا أمام العالم كأمة ممزقة متناحرة مفككة.

ختاما نقول: ألا يكفينا ما يجتاحنا من أخطار خارجية لنغذيها بما تضيفه إلينا أبواق الفتنة من عبوات فكرية ناسفة, قد تفجر الأوضاع في حرب طائفية محتملة, لا تبقي ولا تذر, وليس فيها منتصر وإن غلب.