لا جنود.. لا عقود
الدب الروسي يتململ بين تلال الثلج التي خلفها انهيار الاتحاد السوفيتي السابق والمنظومة المحيطة به من الدول الاشتراكية، وهو إذ يستسيغ التنازل عن معادلة القطبين اللذين يتحكمان بمصير العالم، فإنه لا يستسيغ تنازل روسيا عن كونها قوة دوليّة تحتفظ بقوة لا يستهان بها وتحتفظ بالورقة الأهم في التأثير بالقرارات الأممية، متمثّلة بحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي، باعتبارها من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس، ذلك الحق الذي ورثته عن الاتحاد السوفيتي السابق.
تململُ الدبّ الروسي يزداد خلال هذه الفترة التي تشهد انهيار الأنظمة العربية القريبة من موسكو، نتيجة الحراك الشعبي الذي أنتج الربيع العربي، ما يعني، إنها بدأت تفقد حلفاءها، وبالتالي مصالحها في المنطقة التي تعد خزان الطاقة من جانب، وأهم أسواق ترويج الأسلحة من جانب آخر، وهما من أهم عوامل الصناعة والاقتصاد في العالم.
روسيا التي اعترضت على التدخل العسكري الغربي في العراق، استقرأت بشكل مبكر، أن مصالحها في العراق قد وضعت تحت رحمة واشنطن، وهل ثمة رحمة في العلاقات الدولية؟
ولقد كان لشعار وولفويتز، الذي عينه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مسؤولاً عن إعمار العراق، (لاجنود..لا عقود) وقع الصدمة في أوساط الحكومة الروسية التي أدركت بعد ضياع الفرصة، حجم خسارتها في العراق، هل كانت موسكو على حق؟.
دعونا نعيد قراءة أسماء بعض الدول التي شملتها قائمة الدول التي يحق لها المشاركة في العقود الخاصة بإعادة إعمار العراق والمموّلة من جانب الولايات المتحدة.. أفغانستان، ألبانيا، أنغولا، أذربيجان، كولومبيا، كوستاريكا، السلفادور، أريتريا، أثيوبيا، هندوراس، جزر مارشال، ميكرونيزيا، بالاو، رواندا، جزر سولومون، تونغا – قد يعتقد البعض إنها مزحة، لأن بعض هذه الدول لم تطرق أسماؤها الأسماع إلا في قائمة السيد وولفويتز، التي حرمت بالمقابل دولاً كبيرة مثل فرنسا، ألمانيا، روسيا، كندا، الصين، البرازيل، من المشاركة في تلك العقود.
المفارقة الأكبر في القائمة، إن اسم العراق يرد فيها بصفته دولة يحق لها المشاركة في إعادة الإعمار نفسها، فتصوروا!.
ووولفويتز حينها لم يبقِ الأمور على ضبابيتها، بل وجه سهامه مباشرة إلى المعترضين على التدخل العسكري الأميركي في العراق، فقد قال إن استثناء دول هو «من أجل حماية المصالح الأمنية الأساسية للولايات المتحدة»، هل كان قول ووولفويتز استفزازاً صرفاً للدول المعترضة؟ نعم؛ إذ كيف يمكن لمنع شركات روسية وألمانية ذات خبرة مديدة في العراق أن يحمي «المصالح الأمنية الأساسية للولايات المتحدة»؟
وإذا كانت الحالة العراقية قد شهدت توزيع الكعكة على حلفاء واشنطن وإن كانت دولهم (مش موجودة على الخريطة) على حد تعبير الكوميدي عادل إمام، فإنها في حالة ليبيا، منعت أقرب المقربين إليها من الاقتراب من الكعكة الليبية، وعزلت موسكو عن الخارطة الاقتصادية الليبية بتحصيل الحاصل.
روسيا ليست صديقاً وليست حليفاً للنظام السوري، هكذا يصرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ولكن روسيا صديقاً وحليفاً لمصالح روسيا في المنطقة، أليس هذا كافياً لأن تتخذ موسكو موقفاً متشدّداً ضد أي قرار دولي يطالب بتغيير النظام في سوريا؟
موسكو تطرح شعار ووولفويتز بطريقة معكوسة، عقود دون الحاجة للجنود.