المستقبل العراقي/هيفاءالخفاجي
رغم انشغالاتها في العمل وواجبات المنزل، غير أن أم خالد لا تتوانى عن متابعة وتقصي المناسبات الاجتماعية لكل من حولها من معارف وأقارب، حتى تقوم بتقديم “الواجب”، وتجنب العتاب أو الخلافات مع المحيطين.
وتقول أم خالد إن الشخص بطبيعته الاجتماعية والتشاركية يتوجب عليه أن يشارك الآخرين مناسباتهم سواء أكانت أفراحا أو أتراحا، ليشاركه الآخرون الأحداث والمناسبات التي تحدث معه.
غير أنها لا تخفي كمية العبء النفسي والاجتماعي والمادي الواقع عليها وعلى أسرتها جراء ذلك، خاصة فيما يتعلق بتقديم الهدايا، و”النقوط”، في بعض الأحيان، وكذلك ترك البيت والأطفال لفترة من الوقت لتأدية تلك الواجبات، مع وجود بعض الأشخاص الذين لا يرغبون بتواجد الأطفال في مناسباتهم.
المجاملات في المناسبات
وتعد المجاملات في المناسبات الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان، كون الشخص الذي يعيش في مجتمع فيه نوع من الترابط والتكافل الاجتماعي، يسعى أفراده إلى أن يكونوا بجانب بعضهم بعضا في مختلف المواقف، رغم ما قد يسببه ذلك من وجود التزامات كبيرة وجديدة في حياة الإنسان مع دخوله في علاقات اجتماعية جديدة.
وهذا ما يؤكده ناظم جمال، وهو موظف متزوج ولديه طفل؛ إذ يرى أنه ومنذ زواجه اضطر إلى تكوين شبكة علاقات جديدة تضم الكثير من الأصدقاء وأقارب الزوجة، وعلاقاتها الممتدة مع قريباتها وصديقاتها، ما أدى إلى زيادة العبء المادي عليه من ناحية التكلف في حال الزيارات والمباركة في المناسبات الاجتماعية.
ويقول جمال إنه يعمل بعد العودة من وظيفته، بعمل آخر في أحد المحال التجارية، فلا يجد الوقت الكافي للذهاب في زيارات أمست شبه يومية في حياته، مشيراً إلى أنه لا يرفض التزاور وتبادل تأدية الواجبات، إلا أنها أمست أكثر عبئاً على المواطنين في ظل ظروف اقتصادية “صعبة” يعانيها جل الناس.
الخوف من العتاب والخصومة
وفي السياق ذاته، تعتقد رانيا خليل أن خوف الناس من العتاب والخصومة، هو الدافع الرئيس للذهاب في تأدية الواجبات الاجتماعية؛ إذ إن مجتمع النساء من النوع الذي يدقق في معرفة كل تفاصيل المناسبات، ومن يقوم بتأدية الواجب أو لا، لذلك تؤكد أنها على استعداد أن تضحي بوقتها ووقت عائلتها في سبيل تأدية الواجبات اليومية، خاصة فيما يتعلق بأقاربها وأقارب زوجها.
وتبين خليل أنها في حال قررت عدم المشاركة في أي من المناسبات الاجتماعية، فإن تحفيز المحيطين حولها من أخواتها أو ووالدتها يجعلونها تشارك، بحجة أن التواصل مع الآخرين يأتي ضمن إطار الواجب وصلة الرحم والأقارب، رغم معرفتها بأن زوجها يمتعض كثيراً من كثرة تبادل الزيارات، وعادة ما يتسبب ذلك بحدوث مشاكل فيما بينهم.
للعلاقات الاجتماعية وجهان
ولا يمكن فصل تلك العلاقات التي تحدث في المناسبات عن استمرارية الحياة الاجتماعية في المجتمع أياً كانت طبيعته، سواء أكان مجتمعا قرويا أو حضريا، لذلك تبين اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة لبنى كامل، أن التواصل الاجتماعي بين الناس حالة طبيعية للمجتمع المتكامل، وتشكل تأسيساً للعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، وله جانب سلبي وآخر إيجابي ينعكس على الفرد، بحسب تعامله مع الأشخاص، بحيث أنها تزيد من الترابط والتواصل بينهم، وتكون سلبية في حال أدت إلى وجود عبء كبير على الإنسان.
أما من الناحية النفسية، فقد بين اختصاصي علم النفس الدكتور خليل العبيدي، أن الإنسان بطبعه النفسي والاجتماعي يميل إلى التعبير عن الفرح والحزن مع الآخرين عن طريق مشاركتهم في الحدث الواقع لديهم، سواء أكان مفرحاً أو محزناً، ولهذا التواصل الفكري آثاره على الإنسان، من حيث تبادل الفرح والمشاركة في تخفيف الأحزان.
كما أن الشخص المقابل لتلك المجاملة، يكون قد تكونت لديه صورة نفسية إيجابية عن المجتمع المحيط به، بحسب العبيدي، مما يزيد من أواصر المحبة والألفة بين الأفراد، والمجتمع ككل، وبطبيعة الإنسان النفسي بحاجة إلى من يقف بجانبه ويدعمه نفسياً في المواقف التي تمر به بين الحين والآخر، بعيداً عن التكلف الاجتماعي والمادي.
القرابة والتواصل الاجباري!!
بيد أن شهد السبتي تعتقد :”أن الإنسان لا يستطيع أن يكون بعيداً عن التكلف في المجاملات الاجتماعية وتأدية الواجبات، خاصة أن البعض منا يضطر إلى أن يقوم بواجب تجاه أشخاص لا يحبهم ولا توجد بينهم “مودة”، إلا أن طبيعة علاقة القرابة هي التي تدفع الإنسان لأن يشارك، على حساب نفسيته وحالته المادية في بعض الأحيان.”
“التواصل الإجباري تجاه أقارب الزوج أو الزوجة هو أكثر الأمور صعوبة”، تقول السبتي، التي تتحدث عن تجربتها الشخصية من خلال اضطرارها إلى أن تقوم بتأدية الواجبات الاجتماعية كافة تجاه أقارب زوجها، رغم عدم وجود ترابط فكري بينهم، وذلك لأن زوجها “ربط بين مشاركته بمناسبات أهلها بمشاركتها بما يحدث عند أقاربه من أحداث اجتماعية”.
هذه “المعادلة” جعلت من السبتي تعبر عن “استيائها” من تأدية الواجبات بمختلف النواحي، وتشير إلى أنها أمست تبتعد عن العلاقات الاجتماعية بشكل عام تجنباً للمشاركة في مناسبات لا ترغب بالذهاب إليها، ما انعكس سلباً على تواصلها مع المجتمع المحيط وعدم مشاركة البعض لها في مناسباتها الشخصية.
وهنا، يبين العبيدي:” أن الإنسان يسعى من خلال علاقاته إلى زيادة التآلف والتواصل مع الآخرين، لذلك قد يتجاوب مع رغبات البعض في تسيير القرارات لصالحهم حتى لا يفقد مودتهم وديمومة العلاقة بينهم”.