طعام الأم نكهة خاصة عند الأبناء
المستقبل العراقي /نوال العبيدي
تبقى لطعام الأم نكهة لا تقارن بغيرها، هذا ما يؤكده كثير من الأبناء والبنات الذين يجدون في مأكولات أمهاتهم طعما لا يتوفر بأي أطعمة أخرى.
هذا الرأي أجمع عليه أبناء أم عصام، الذين يحرصون على الاجتماع في بيت العائلة لتناول ما لذ وطاب من يدي ست الحبايب، وفق قول أحد أبنائها عصام.
يقول عصام “لمذاق الطعام الذي تعده أمي نكهة خاصة”، ورغم أن زوجته تتقن الطبخ، إلا أنه يستلذ بما تطهوه والدته وإن كانت أكلة بسيطة.
علياء ابنة أم عصام تؤكد أن يوم الخميس بمثابة “عيد” لأنها تقصد بيت أهلها وتتناول طعاما من إعداد والدتها؛ حيث تقول “لا يوجد طعام أشهى وألذ من طعام أمي، فيه نكهة لا أجدها في أي مكان آخر، أشعر بسعادة كبيرة وأنا أتناوله”.
وتجد أم ابراهيم متعة كبيرة حينما تطبخ لأبنائها، خصوصا أنهم يقضون الوقت على المائدة “يتغزلون” بفنون طبخها، خصوصا المأكولات التي يشتهونها، وهم دائمو المجيء عندها حتى بعد زواجهم لتناول وجبة الغداء أو العشاء بشكل شبه يومي، لافتة الى أنها تعلمت الطهي من والدتها التي تتقن الأكلات الطيبة.
وتضيف “الطهي حالة عاطفية خاصة، يمكن أن تجعل من وجبة بسيطة جدا غاية في اللذة إذا ما تم إعدادها بحب ونفس”.
ويبين سليمان الركابي أنه لم يستطع أن يحب طعام زوجته في بداية زواجهما لأنه كان يقارنه بطعام والدته دوما، لكنه مع مرور الوقت بدأ يدرك أن المرأة التي تحبه تبذل جهدها لتقدم له الطعام الذي يحب.
الركابي يتذكر أيام العزوبية، قائلا “لم أكن أدرك في بداية شبابي صعوبة تلك المقارنة بين أمي وزوجتي التي تحاول إجادة الطهي من أجلي”، متابعا “لكن والدتي نبهتني إلى أنه يجب أن أكف عن تلك المقارنة، وبدأت بالفعل أشجع زوجتي وأمتدح طعامها فصارت تطبخ بشكل جيد”، ومع ذلك ما يزال الخليلي يعترف “طعام أمي ألذ وأشهى”.
وتلك ليس حال الركابي وحده، وإنما حال أبناء وبنات كثيرين يعشقون طعام أمهاتهم ولا يرون ما هو أفضل منه، فتقول هالة رشدان “أنا لا أعرف الطبخ ولا علاقة لي به، لكنني أحب طعام أمي ولا يمكنني الأكل إلا من يديها، وأشعر أن أمي هي الأفضل في إعداد الطعام”.
أما إيهاب محمد فيحرص على أن لا يزعج زوجته ويصارحها بأن طعامها لا يعجبه، فهو اعتاد أن يذهب إلى بيت والدته بشكل شبه يومي ليتناول من طبيخها بعد أن ينهي عمله، وحينما يعود لمنزله يبحث عن أي حجة ومعظمها تكون بأنه تناول الطعام في الشركة، حتى لا يضايق زوجته التي لا يحب طعامها.
ويقول ايهاب إنه حاول كثيرا أن يقول لها بطريقة غير مباشرة ملاحظاته عن طعامها، إلا أن النكهة بقيت كما هي ولم تتغير، لذلك أصبح يتناول الطعام عند والدته، ولا يهتم بطعام بيته.
بينما ليلى أحمد تؤكد أن طعامها لا يشبه أبدا طعام أمها، مع أنها تستخدم المكونات والطريقة نفسها، لكن تبقى النكهة في طعام والدتها مميزة ومختلفة، وهو ما يؤكده أشقاؤها حينما يكونون في زيارة لديها.
في حين تشير السيدةأم ايمن إلى أن الطعام “نفس”، ما يعني أن هناك خصوصية بين الأشخاص في إعداده، ويعتاد الأبناء بالعادة على طعام والدتهم، حتى وإن لم يكن أطيب من غيره، غير أنه يبقى المميز لديهم.
خبير التراث كمال لطيف سالم ، يبين “لم يعد تناول الطعام يعبر عن الرغبة في الأكل وسد الجوع فقط وإنما هو وسيلة تعبير عن الحب والتقدير وكرم الضيافة”.
ويلفت إلى أن الاجتماع عند الأم وتناول وجبة طعام أعدت بالطريقة ذاتها المعتاد عليها يجعلها أشهى وألذ، وخصوصا أن الأمهات يملكن “نفسا” لا مثيل له، ومذاق طعام الأم يحمل الذكريات والأيام القديمة والجماعات العائلية.
وغالبا من تكون العاطفة، وفق سالم ، ظاهرة في الوجبات المعدة للأبناء وللأهل والضيوف المقربين، فالمرأة تجتهد في أن تكون دقيقة في وصفات الطبخ التي تعدها لأحبتها في محاولة لإسعادهم، لذا تكون الوجبة مميزة ويلاحظ المحيطون بها تميزها لأنها أكثر إتقانا وجودة.
من جهته، يبين اختصاصي علم الاجتماع د. عبد المنعم صبيح ، بأن الزوجة من الممكن أن “تشعر بالقهر” حين تجد زوجها يصرح لها بأنه يفضل طعام أمه على طعامها، وقد “تثور عليه”.
لكن على الزوجة، وفق صبيح، أن تطمئن وألا تحسب أنها وحدها التي يشتكي زوجها من طبخها، فمعظم الرجال كذلك، ليس في البلاد العربية وحدها بل في الغرب أيضا.
فقد أظهرت دراسة في بريطانيا أن معظم الرجال يفضلون الطعام الذي تعده أمهاتهم على طعام زوجاتهم؛ إذ قالت الدراسة إن الأمهات عادة يحضرن وجبات تقليدية بأيديهن ولا يعتمدن كثيرا على الأطعمة الجاهزة أو تلك التي تسخن بالمايكروويف على العكس من بعض الزوجات الشابات.
وينظر بأن هذه الدراسة جعلت الرجل يلتمس العذر لزوجته حين يعلم أنه ليس وحده الذي يفتقد طعام أمه، وتلتمس المرأة العذر لزوجها حين تعلم أنه ليس وحده الذي يفضل طبخ أمه على طبخها.
وعلى الرجال، وفق الدراسة، ألا يظلموا زوجاتهم في هذا الشأن، فالأمهات قديما لسن جميعهن كن يعملن خارج بيوتهن، وكن متفرغات لرعاية أزواجهن وأولادهن، وهذا التفرغ تفتقده نساء اليوم.