في حضرة القرد الناري

الحبيب الأسود
 نودع عاما عصيبا، لنستقبل عاما نرجو أن يكون حبيبا، فلا نرى فيه ما رأينا في سلفه من تغوّل الإرهاب واتساع دائرة الدمار والخراب.
فالعام 2015 لن يترك حسرة في قلوب مودّعيه، ولن يحتاج إلى براعة شانئيه، إذ يكفيه ما كان فيه، للتأكيد على أنه كان عاما بلا قلب، لذلك نجد أنفسنا نستقبل العام الجديد 2016، وعلى ألسنتنا وفي عقولنا ذلك السؤال القديم الجديد: عامٌ بأي حال جئت يا عامُ بما مضى أم بأمر فيه أحلامُ؟
ويتسع الأمل فينا على أساس أن العام الجديد لا يمكن أن يكون أسوأ من سابقه، خصوصا من حيث الجرائم الداعشية والتدخلات الخارجية وسفك دماء الأبرياء على أيدي الجماعات الإرهابية، كما أن ما رأيناه من عذابات اللاجئين ومأساة المهجرين، وصورة الطفل أيلان التي لم تفارق الأذهان، يجعلنا نستقبل العام الجديد بكثير من الرغبة في المرح، ولو عبر الاتجاه إلى الصين، والاحتفال بعامها الجديد، والذي سيكون عام القرد، بعد وداع عام العنزة.
وقرد 2016 هو القرد الناري والذي يقال إنه نشيط جدا وزعيم ومبتكر. كما أنه صادقُ ومعبّر وواثق من نفسه ومعتز بعواطفِه ومهتم بالجنس الآخرِ جدا. كما أن عنصر النار يعطيه حيويةَ عظيمةَ، ورغبة في السيطرة، مع امتلاكه الخيال الخصب والأفكار الجديدة الرائعة.
والقرد الناري عند الصينيين مخترع لكنه ليس حذرا دائما، ولديه دافع قوي وثابت لأن يكون على قمة مجال احترافه، وهو يقبل على المنافسة ويتمسك بروحها حتى النهاية حتى يقال إن إبداعه وُلد معه، وهو محظوظ في المغامرات، قادر على تقييم المخاطر بشكل صحيح، لكن كل هذا لا ينفي عنه أنه عنيف وعاشق للنفوذ، يحب أن يتسع مجال سيطرته إلى ما هو أعلى وأبعد، لا يخفي أحيانا أنه يشك في كل من حوله، بل ويعتقد أنهم يخدعونه.
والولايات المتحدة الأميركية ذاتها ولدت في العام 1776 تحت تأثير برج القرد الناري، وهي بذلك تحمل الكثير من صفاته. وأن يكون العام القادم عام القرد الصيني، فذلك يعني أننا قد نجد مساحة للبهجة بعد أن تعبنا من نطيح الماعز وصياحها في العام الآيل للانتهاء.
أما 2016 بالتقويم الغربي فكما أشرت سلفا لن يكون أسوأ من سابقه، وإنما سيكون مثقلا بنتائج ما زرعناه في العام 2011 وسمّدناه في 2012 وبدأنا في حصاد ثماره في 2014 ثم 2015.

الإبداع الأدبي والفني في العراق يتحدى نيران ما بعد الربيع العربي

عبود الجابري 
طرح الربيع العربي وما بعده أسئلة جوهرية ونقاشات عميقة حول واقع الثقافة العربية التي تبيّن أن غيابها وتراجعها خلال سنوات طويلة من حكم الديكتاتوريات، ساهم في أن يكون هذا الربيع أكثر دموية وأعمق أثرا في النفوس والمدن التي حول بعضها إلى ركام. الحرب هنا وهناك، والإرهاب الذي ضرب جل الأقطار العربية يجعلاننا نتساءل عن أدوار المثقف وعن الثقافة العربية في جوهرها اليوم. ترصد واقع الثقافة وآراء مثقفي البلد الذي يعاني الحرب منذ عقود وإلى اليوم، بلد كان منارة ثقافية عربية لا بديل عنها إذا أردت أن تدخل أرض الشعر أو الأدب أو الموسيقى، هو العراق الذي أعطى الكثير للثقافة العربية، لكن الحروب التي أنهكته إضافة إلى واقع طائفي متشابك جعل دوره الريادي يخبو ويتراجع.
العراق الجريح إلى أين
لا يمكن الحديث عن المشهد الثقافي العراقي بعيدا عن العوامل التي تتحكم فيه بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا سيما العامل الأمني وانشغال مؤسسات الدولة والمواطنين بتفاصيل إنسانية تتعلق بالمعاناة الإنسانية للنازحين من المدن التي تقع تحت سيطرة داعش ومن ثمّ التربص الحثيث لأخبار استعادة تلك المدن، واللغط الكثير الذي خلفته فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العراقية 2013 من شبهات فساد وعدم ارتقاء بعض تلك الفعاليات إلى عنوان المناسبة وبؤس انتشار الكتاب المنتج في المؤسسة الثقافية الرسمية رغم الهدر الكثير للأموال وتعدّد الفعاليات التي تمّ تنفيذها في حينه.
تبدو الجهود الفردية للمبدعين العراقيين أكثر إخلاصا ودأبا في تحقيق الذات الإبداعية للفرد العراقي داخل العراق وخارجه، ويدل على ذلك أن الجوائز التي حصلت عليها أسماء مبدعة في المجالات كافة كانت نتاج جهود فردية أو جهود مؤسسات صغيرة تم إنشاؤها لخلق نوع من التوازن أو التعويض عن غياب الدور المنظم للمؤسسة الثقافية الحكومية رغم الفارق الكبير في الإمكانيات، كذلك أدّى ضعف توزيع الكتاب العراقي إلى تأسيس دور نشر حديثة تحاول أن تختط سياسات وتقاليد رصينة تفضي بالكتاب العراقي إلى أن يجد طريقه إلى القارئ العربي وأن يكون في متناوله من خلال المشاركات المنتظمة في معارض الكتاب وتوزيع الإصدارات عبر منافذ ثابتة تتولى ذلك في الأوقات الأخرى من السنة. في كردستان العراق يبدو المشهد مختلفا، ربما بسبب الاستقرار الأمني الذي منح المنطقة بنية تحتية صالحة للتخطيط بشكل أفضل، الأمر الذي أدّى إلى خلق أجندة ثقافية ثابتة للمهرجانات ومعارض الكتب، هذا الثبات الذي تفتقر إليه الفعاليات الثقافية في بغداد والمحافظات والذي يمكن أن يكون نتاجا لخلافات تمويلية بين وزارة الثقافة والحكومات المحلية لبعض المحافظات وآخرها محافظة البصرة التي تتولى دعم مهرجان المربد الشعري، تلك الخلافات التي قادت إلى تأجيل المهرجان إلى مطلع العام القادم. كما أن كثرة المهرجانات المحلية التي يتم عقدها في المحافظات، رغم سعيها إلى أن تكون متنفسا للمبدعين العراقيين وتنشيط الحراك الثقافي في البلد، إلا أنها تبدو نسخا مكررة يتمّ انتقالها من محافظة إلى أخرى، إضافة إلى ارتباط تسميات الكثير من تلك المهرجانات بمناسبات دينية، الأمر الذي يجعل موضوعاتها مرتبطة بتلك المناسبات.
مهرجانات ومعارض
لم يغب المسرح العراقي عن الساحة حتى في أحلك الظروف فهناك فرق مسرحية عاملة في جميع المحافظات العراقية تناضل لتأصيل ارتباطها بالمشاهد متحدية ما يحيط بها من تقاليد اجتماعية ودينية تمنعها من الانطلاق صوب ما يدور في أذهان القائمين عليها من مشهدية تتماشى مع تاريخ المسرح العراقي، وجاءت فعاليات الدورة الأولى من مهرجان المسرح العراقي على خشبة المسرح الوطني بعد تأهيله من آثار الدمار التي لحقت به، نتاجا حقيقيا لجهود الفنانين العراقيين هناك.
مثلما يبدو فإن مهرجان بغداد السينمائي في دورته السادسة مثل بؤرة ضوء مشعة، من خلال مشاركة 125 فيلما من 40 دولة. المهرجان الذي تنظمه منظمة سينمائيون عراقيون بلا حدود تضمن مسابقات: الفيلم الروائي الطويل، والفيلم الروائي القصير، والفيلم الوثائقي، بشراكة مستمرة منذ ثلاث سنوات مع مهرجـان كليرمون فيران الفرنسي.كذلك انطلقت في محافظة بابل، خلال شهر أبريل، فعاليات الـدورة الرابعة لمهـرجان بـابل العالمي للثقافة والفنون بمشاركة عدد كبير من المثقفين العراقيين والعرب والأجانب.وتمّ إهداء تلك الدورة إلى العاصمة بغداد تقديرا لتاريخها الفكري والثقافي تماشيا مع أعراف المهرجان بإهداء كل دورة إلى محافظة عراقية.وكان لكردستان العراق نصيبها من المهرجانات كمهرجاني السليمانية ودهوك العالميين للأفلام السينمائية، لتأتي فعاليات مهرجان كلاويز الثقافي كختام للعام الثقافي العراقي في دورته الـ19، تحت شعار “الأفكار الجريئة شعلة للتنوير”.
” أنا عراقي، أنا أقرأ”
كما كان للفن التشكيلي العراقي نشاط ملحوظ داخل العراق عبر المعارض الفنية التي كانت تقام في صالات العرض العراقية لجميع مفردات الفنون من رسم ونحت وخط، ويبدو كذلك نشاط التشكيليين العراقيين مشرفا في البلاد العربية والعالم عبر حضورهم الدائم في المعارض والمسابقات العالمية وصالات العرض.لعلّ أهم ما يمكن الإشارة إليه في الفعل الثقافي المتعلق بالكتاب داخل العراق هو تلـك المبـادرة المهمـة التـي تحمـل عنـوان “أنا عراقي، أنا أقرأ” والتي تعتبـر من المبـادرات النادرة والهادفة إلى التشجيع على القراءة عبر الكتب التي تصل إليها كتبرعات من الكتـاب والقـائمين على صنـاعة الكتاب هناك.وعدا معارض الكتب التي كانت تقام في المحافظات العراقية جميعها، كان هناك معرض بغداد الدولي الثالث للكتاب الذي نظمته وزارة الثقافة العراقية ومعرض أربيل للكتاب الذي تشرف على تنظيمه كل عام مؤسسة المدى الثقافية.
السينما في العراق
كانت السينما العراقية خلال عام 2015 رسولا يحمل ما يمكن أن يقوله العراق في المحافل العالمية، ورغم حداثة عهدها واعتمادها على إمكانيات فردية أو دعم من مؤسسات صغيرة إلا أنها حصلت على جوائز مهمة في العديد من المهرجانات العالمية عبر تقديم صورة المشهد العراقي السياسي والاجتماعي الملتبس.
الجهود الفردية للمبدعين العراقيين هي أكثر إخلاصا ودأبا في تحقيق الذات الإبداعية للفرد العراقي داخل العراق وخارجه
لقد فاز الفيلم العراقي “تحت رمال بابل” بجائزة مدينة فينيسيا (البندقية) في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2015، وفيلم “هدية أبي” للمخرج الشاب سلام سلمان، بجائزة “الدب الذهبي” كأفضل فيلم قصير من مهرجان برلين الدولي لعام 2015، أما فيلم “وطن: العراق سنة صفر” لمخرجه عباس فاضل فقد نال جائزة مهرجان السينما السويسري، وفيلم أوديسا عراقية للمخرج سمير جمال الدين حصل على جائزة نتباك التي تمنح للأفلام الآسيوية، وفيلم “صفعة” للمخرج صلاح منسي، على الجائزة الفضية في مهرجان قابس السينمائي بتونس، بعد أن حجبت الجائزة الذهبية، وحصد الفيلم العراقي “شعب بلا وطن” لمخرجه وارث كويش جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان “مزنة” للفيلم العربي الذي تحتضنه ولاية مينيسوتا الأميركية خلال النصف الأول من نوفمبر الحالي، وفاز فيلم “الرئيس” للمخرج العراقي الكردي رزكار حسين بأفضل فيلم في مهرجان دبي السينمائي في دورته الثانية عشرة في مسابقة المهر الخليجي القصير، وفاز الفيلم العراقي “صمت الراعي” لمخرجه رعد مشتت، بجائزة أحمد الحضري في مهرجان الإسكندرية السينمائي، كذلك حصل فيلم “خزان الحرب” للمخرج السينمائي يحيى العلاق على جائزة أفضل إخراج وأفضل تصوير وأفضل فيلم ثان في مهرجان أصوات السينمائي الدولي الذي أقيم في البحرين.

ثواني تعبــــرُ

ماجد الربيعي 
العُمرُ يا سَلمى 
ثوانٍ تعبرُ 
بِعُجالَةٍ تمضي 
ولا تَتَكَرَّر ُ
وأنا ٱلسَّقيمُ 
أَعُدُّهُنَّ بِحَسرَةٍ 
وأَوارَهُنَّ 
بِلُبِّ قَلبي مُسعِـــــــرُ 
خَمسٌ وخَمسون ٱستَبَقْنَ 
بِبابِ عُمري 
مُصحراتٌ يَزدَرينَ
 فَأَصبُــــــــــــــــــــــرُ
صُلِبَت على 
أعتابِهُنَّ مطامِحي 
وغَدوتُ عَصفاً
في رياحِكِ أُنثَرُ
جالَت بِهامي مُجدباتٌ بيضُ 
حاصَرنَ ٱلسَّوادَ 
لينتَصُرنَ فأُنْذَرُ 
هيَ آخرُ السنَواتِ 
ياسَلمى ذَوَت
بِضِرامِ أشواقي
وقلبُكِ مَرمَرُ
حَتفي يُلَوِّحُ لي
وَضَغطٌ قاتِلٌ
بِدماءِ أورِدَتي
يَضُجُّ وَيَهدِرُ
فأَنوءُ من كَلَلٍ
ومالي حيلَةٌ
فمَتى سُحابُكِ
فوقَ جَدبي يَمطِرُ
أوَتَعلَمينَ 
بأنَّ زَعلَكِ قاتِلي 
وٱلصَّدَّ عن 
قلبي ٱلمُتَيَّــم ِ خِنْجَرُ 
في كلِّ يومٍ 
تَعجلينَ نهايَتي 
فاُزيدُ من ولهي 
عليكِ وأَعذِرُ 
وأَقولُ ما زالَت
هُناكَ بَقيّــةٌ
لكِنني تَعِبٌ
ودَربي مُقْفِرُ
من غيرِ عينَيكِ 
الطريقُ مُلَبَّدٌ 
وبدونِ وجهِكِ 
روضُ عُمري مُصحِرُ 
سَلمى كَفى 
هذا ٱلتَمنّع ُ وٱلنَوى 
فألعُمرُ يا سَلمى 
ثوانٍ تعبرُ 

أستشعرك بقلبي

وفـاء أبو عفيفة 
أيتها الكلمات العابرة
في أمسية عارية
إلا من سحابة دخان
وفتنة مقلتين حافلتين
بالمطر والرغبات
لن ننجو من حريق أشعلناه
فوق قوسين عاجيين
على صدر نال منه الشوق
ما لم يحتسب
متى تتعاقب مواسم حضورك
ومن يعيد للأقحوان رحيقه ؟
ما عدت أقوى على تحمل المزيد
من كبرياء عاتٍ كعاصفة ثلجية
لا تستفز أصابع الجنون
لتشعل أنفاسك
وتزرعك شهقة متوهجة
في كف امرأة كغصن العود
إذا ما أغراها النوم بحلم
تركت الروح تسري في مبتغاها
لتدرك سر عناق مقدس
في أسمى ألوان الخجل والدلال
تعال نقترب قليلاً أيها الظل المبين
قبل أن تغادرنا الأرواح
وتتثاءب الحروف
دعنا نزدحم على أبواب السماء
نتجاذب أطراف الشعر
ونتبادل القبلات .!!

اشارات عابرة .. نحن والآخر

عبد الرحمن عناد 
في أمريكا وبلدان أوربية عدة ، ينظر كثير من من مواطنيها الى القادم من الشرق، بعين الريبة والشك ، وتحمل نظراتهم العداء وحتى الاحتقار ، هكذا دون إعطاء هذا المهاجر فرصة ان يؤكد انه ذاته ضحية للإرهاب ، بكل أشكاله وعناوينه ، وانه ما كان ليقدم الى حيث جاء ، لو لم يكن مضطرا .
وبعض البعض من مواطني تلك البلدان ، لا يكتفي بنظرة العداء ، إنما يتجاوزها الى إشارات غاضبة وكلمات مسيئة ، في الباص والشارع او اي مكان عام آخر ، وقد تتطور الى إساءات اكبر وربما عدوان جسدي . 
ورفع درجات التأهب هناك الى درجات لم تصلها من قبل منذ عقود ، يعطي إشارات سلبية للطرفين ، مواطن البلد والمهاجر القادم ، ذاك ليزيد من مشاعر الكره والتطرف ، وهذا ليزيد خوفه وقلقه المشروع ، مما سيحدث وعدم ضمان المستقبل . ومثل هذا القلق يتزايد مع اتساع قواعد اليمين ، والنزعة العنصرية في تلك البلدان ، وكسبها مقاعد برلمانية اكثر وتولي مسؤوليات بلدية وسياسية .
والأمر جدير بجهد كبير مشترك ومتواصل ، من حكومات ومجتمعات الدول المضيفة ، لبذل الجهد والمال لتوعية مواطنيها ، في عملية تقبل الآخر والحاجة اليه ، وهذا ما دعت اليه قبل سنوات ، إحدى وزيرات الهجرة السويدية ، ومن المهاجرين وحكوماتهم ومنظماتهم المدنية ووسائل إعلامهم المتاحة ، وبالعمل الميداني اليومي ، لإبراز الوجه الآخر للقضية ، لإيضاح الحقائق ، 
وتبديد المخاوف ، وطرح النماذج الإيجابية من الأفراد والتجمعات والإنجازات التي يحققون . القضية ليست بالسهلة ، وتتطلب الكثير من الجهد المخلص والوقت والموارد ، وطرفا القضية مطلوب منهما المساهمة الجادة ، والأ فأن نبؤة كبلنغ ستؤكد مصداقيتها منذ قرن ونصف : ( الشرق شرق والغرب غرب ، ولن يلتقيا ) ، ويتكاثر مؤيدو نظرية هنغتون منذ عقود : ( صدام الحضارات الثقافي والديني ) . وهو ما يجد له اليوم – للأسف – القبول والتجسيد في نزوع عنصري متزايد .

‘فرسان وعشاق’ كتاب عن الأدب المقارن

كثيرا ما نجد الأدب العالمي متشابها في مناهله وقضاياه وحتى في أسلوبه ومضامينه أحيانا، ما يحيلنا إلى مبدأ التراكم الذي يميز الأدب عامة، وإلى مسألة تأثر آداب الشعوب ببعضها الذي قد يصل حدّ الاقتباس.
صدر عن دار الكتب التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، كتاب “فرسان وعشاق” وهو عبارة عن دراسات تطبيقية في الأدب المقارن قام بها الدكتور غسان مرتضى.
الكتاب من القطع المتوسط، وتحاول هذه الدراسات التي يضمها الكتاب أنّ تناقش بعض النماذج الأدبية التي تكشف عن وحدة التعبير الإنساني، وتشابه أساليب التفكير والتعبير بين بني البشر في مختلف أصقاع الأرض.
ويضم الكتاب مقدمة وأربعة فصول، حيث تحتوي المقدمة على عرض تاريخي يتناول نشأة علم الأدب المقارن، ويكشف النقاب عن أهم مقولاته ومفاهيمه، وتطور نظرياته في القرنين التاسع عشر والعشرين، دون خوض في التفاصيل والجزئيات المتعلقة بأزمنة ووقائع خاصة.
أمّا الفصل الأول “الأدب بين الفردية والشعبية: مدخل نظري” فيحاول الإجابة عن أسئلة أساسية مرتبطة بنظرية الأدب الشعبي، ومن بينها سؤال المصطلحات المتداخلة التي تحتاج إلى بعض الإيضاح، كمصطلحات الفلكلور والأدب الشعبي والتراث الشعبي والأدب العامي والأدب الفردي، ومن بينها أيضا السؤال عن ماهية الأدب الشعبي وخصائصه، بغية تمييزه عن الأدب الفردي، لذا لا بد من التوقف عند شخصية المبدع، وطبيعة النوع الأدبي وانتشاره، وتلقيه، ولغة الإبداع والهدف الفني، وتصوير الواقع والمواقف.
ويتناول الفصل الثاني مسألة الأصول الشعبية لفن الملحمة، وملحمية فن السيرة الشعبية، ويتخذ من سيرة البطل الشعبي الملحمي عنترة أنموذجا للدراسة، ويحاول الكشف عن ملحمية السيرة الشعبية، انطلاقا من البحث في الأصول الشعبية لفن الملحمة، كما يحاول الإجابة عن أسئلة متعددة أهمها “هل عرف العرب قديما فن الملحمة؟ وهل السيرة الشعبية مجرد تسمية عربية لما يطلق عليه علماء الأدب ومؤرخوه في الغرب فن الملحمة؟”.
ويناقش الفصل الثالث رواية “حي بن يقظان” التي أبدعها الفيلسوف العربي ابن طفيل في ضوء علم الأدب المقارن، فيتوقف عند التشابه المبالغ فيه، أو المتوهم بين رواية حي بن يقظان” و”مغامرات روبنسون كروزو” لدانييل ديفو، ويحاول الإجابة عن الأسئلة حول تأثير الرواية العربية في الإنكليزية، وهي أسئلة يسوغها تشابه العملين في بعض ملامح الإطار العام وبعض التفاصيل الجزئية، ويسوغها إضافة إلى ذلك سبق رواية ابن طفيل من الناحية الزمنية، وانتقالها إلى بعض اللغات الأوروبية قبل ظهور رواية ديفو وانتشارها.
الفصل الثاني يتناول مسألة الأصول الشعبية لفن الملحمة، وملحمية فن السيرة الشعبية، ويتخذ من سيرة البطل الشعبي الملحمي عنترة أنموذجا للدراسة أمّا الفصل الرابع والأخير فيتناول معنى “ديمومة الحب” بعد الموت، ويدرسه دراسة مقارنية، تأخذ في الاعتبار تشابهات نصوص الشعر العاطفي العالمي في تعبيرها عنه. لقد لفتت التشابهات التي تشف عنها موضوعات النصوص الأدبية ومعانيها ومواقفها وصورها انتباه العلماء منذ زمن طويل، فرأى عدد منهم في هذه التشابهات برهانا على وحدة المنشأ ونتاجا للأسطورة الأولى، أسطورة الأجداد الآريين، ورأى علماء آخرون أنها نتاج لمهاجرة النصوص وانتقالها من شعب لآخر، عبر التماس والتواصل الثقافي- الأدبي وعلاقات التأثر والتأثير.لكن يرى طرف ثالث الأمر على أنه حالة طبيعية من حالات التولد الذاتي، أفضى إليها تماثل الظواهر الروحية الثقافية في المجتمعات الواقفة على مستوى تطور واحد. لقد شكلت هذه الرؤى المتعددة وما دار حولها من بحوث ودراسات أساس بناء الأدب المقارن، ويأتي هذا الكتاب ليكون لبنة في هذا البناء، فقد حاول الإجابة عن أسئلة أساسية في نظرية الأدب المقارن، كما أنّ أول تساؤل يتبادر إلى ذهن القارئ عندما يسمع، أو يقرأ مصطلح الأدب المقارن هو “ما هو الأدب المقارن؟ ما المقصود به؟ ما تعريفه؟ ومن هو المقارن؟” أما أيسر السبل إلى الإجابة على هذه التساؤلات، فهو وضع تعريف جامع يبيّن حدود هذا المصطلح، ويكشف ماهيته ويوضح ميادينه ومقاصده. لكن تعريف الأدب المقارن يختلف اختلافا كبيرا عن تعريف مصطلحات كالنحو مثلا أو الصرف أو البلاغة أو الأدب الجاهلي. في حين ما زال وضع تعريف نهائي لمصطلح الأدب المقارن أمرا صعبا لأسباب متعددة لا مجال هنا للدخول في تفاصيلها.

ضحكة سوداء بلافتة عمياء

قيس النجم 
تاريخ حقيقي هذا الذي يدونه ابناء العراق في انتصارتهم على الدواعش في تحرير الأنبار وهذه بداية صحيحة لبناء جيش نظامي ولائه للعراق لا غير وهذه تحسب للعمل المهني المحترف، للقادة الجدد وهم يصلحون ما أفسده العطار، في زمن قائد الضرورة.
ما زالت هناك خطوات جريئة ومهمة على الحكومة إتخاذها لتكتمل الفرحة الكبيرة التي ينتظرها الخيرون من أبناء هذا البلد حتى نستقبل السنة الجديدة والعراق يسير على الطريق الصحيح، نحو بر الأمان ومن ضمنها تطبيق الرسالة المهمة التي يراد إيصالها لجميع الفرقاء ومفادها: أن زمن السكوت قد ولى، شرط أن لا تجيروا المظاهرات لحساباتكم السياسية لتثير الفوضى، لصالح أجندات تابعة لمافيات الفساد وإعادة العراق الى مربع التشظي الأول.
من المفترض في الحكم العادل أن تتم محاكمة المقصرين والفاسدين فيه طالما تسنموا مناصب حكومية وهم في حقيقيتهم تنصلوا عن مهامهم طيلة سنوات، وتاجروا بالمال الحرام وأمتلأت أرصدتهم سحتاً وزقوماً فلبئس ما أحتوت بطونهم حتى أصبح العراق مصاباً بالشلل على يد صناع الموت وتجار الحروب، فعاثوا في الأرض خراباً، بيد أنهم توقعوا نسيان ملفات الفساد في زمن الهدر والضياع بعد أن رسموا ضحكة سوداء على لافتة عمياء متناسين أن هذا الشعب عظيم!
الجرأة والشجاعة في اتخاذ القرار أمر لفتت المرجعية إليه ووضعته تحت أنظار رئيس الوزراء (حيدر العبادي)، في أكثر من خطبة، مطالبة بعدم ترقين ملفات الفساد الإداري والمالي، بل يجب السير بخطوات واثقة، من أجل تحقيق النزاهة والعدالة والشفافية والضرب بيد من حديد في عمل الحكومة، وأشارت الى ضرورة إقصاء الفاسدين، وإخراجهم من بودقة تأثير القوى السياسية المتنفذة، وإعطاء الفرصة للأقوى والأجدر والأنضج فكراً ورؤية للقيادة والسير بنا الى بر الأمان.
ختاماً: مازال الأمل يعتلي نفوس الشعب في إصلاح المنظومة الحكومية التي تعاني ممن تسنم المناصب العليا فيها، هكذا أرادوها عندما خرجت الناس في مظاهراتهم السلمية مطالبين بالإصلاح، ومحاربة الفاسدين وتقديمهم للعدالة لتكتمل فرحة الأنتصارات ولتكن سنة (2016) سنة خيرٍ وأمان علينا، في انتصاراتنا العسكرية وتحرير مدننا ومحاسبة السراق على السواء، لأن العراقيين متفائلون دائماً، حتى في أشد الظروف، فكم أنت كبير يا شعبنا الصابر.

كوبلر وسيرا والقبائل

مفتاح شعيب 
تتجه جهود تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الليبية في مسارها المرسوم دولياً، ودخلت مرحلة تذليل الصعوبات بانتظار العد العكسي لإعلان تشكيل هذه الحكومة خلال هذا الشهر، فقد بدأ رئيس الوزراء المكلف فايز السراج، مشاوراته مع القوى الحزبية والمدنية والشخصيات الفاعلة، بالتوازي مع حملة يقوم بها المبعوث الأممي مارتن كوبلر على الأطراف والوجاهات الاجتماعية والقبلية لتوفير الظروف السياسية الملائمة لولادة الحكومة المأمولة.
من غير المؤكد الجزم بأن مهمة حشد التأييد ستمر بسلاسة، فبعض الأطراف مازالت في نفوسها أشياء من التوجس والحذر؛ تعود، في الأساس، إلى الخشية من أن تنقلب الأوضاع عليهم فيفقدوا ما تمتعوا به من حضور على الساحة، كما تعود إلى ثقافة انعدام الثقة الشاملة التي ترسخت خلال مرحلة الفوضى والاقتتال، عقب الإطاحة بالنظام السابق، وقد يحتاج تغيير هذه القناعات بعضاً من الوقت حتى يأمن الجميع إلى أن مشروع حكومة الوحدة الوطنية لن يرتهن إلى مرجعيات سياسية أو قبلية على حساب البقية، وهو ما يتطلب آلة دبلوماسية تدور بسرعة كبيرة، لكسب أكثر ما يمكن من الداعمين المحليين بعد أن تحقق إجماع دولي في مجلس الأمن على ضرورة التحرك الإيجابي، لفرض واقع سياسي وأمني مختلف عن السابق.
في الطريق إلى تشكيل الحكومة الجديدة، حقق المبعوث الأممي اختراقاً مهماً، عندما حصل على موافقة رئيس البرلمان المعترف به دولياً، عقيلة صالح، على اتفاق «الصخيرات»، ولم يتبق غير قائد الجيش اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يخشى من أن يُفقده المشروع الأممي منصبه بسبب رفض الجماعات الحاكمة في طرابلس بقاءه على رأس قيادة الجيش تحت إمرة حكومة الوحدة الوطنية.
ولا يُعد إقناع حفتر من عدمه عقبة كبيرة أمام الخطة الأممية، إذا تم إقناع شيوخ القبائل في مختلف المناطق بضرورة دعم حكومة فايز السراج، ورغم الإعلان عن شروط قبلية يبدو ظاهرها طيباً مثل التوزيع العادل للحقائب الوزارية بين أقاليم ليبيا الثلاثة، برقة وفزان وطرابلس، والحفاظ على الجيش لحماية الدولة بدلاً من الميليشيات المسلحة، وتوزيع الثروات النفطية، وشفافية مشاريع إعادة الإعمار، فإن هناك آمالاً في أن تشكل استمالة الأعيان ووجهاء القبائل الضامن الأكبر لنجاح المهمة الدولية، وربما في هذا السياق تأتي الجهود الموازية التي يقوم بها الجنرال الإيطالي باولو سيرا المكلف من الأمم المتحدة بإرساء السلام ومحاربة الجماعات الإرهابية.
منذ تسلمه مهامه مع كوبلر، أقام سيرا خطوط اتصال مباشرة مع زعماء القبائل، وبعض من قادة الميليشيات المسلحة في مختلف المناطق، ضمن خطة واسعة تؤمن بأن تحقيق الاستقرار وملاحقة الجماعات الإٍرهابية، تتوفر لها حظوظ كبيرة للنجاح حين تعمل في الميدان مع من بأيديهم السلاح والسيطرة على مدن وأقاليم واسعة. 
وضمن مهمته، يتحرك الجنرال سيرا بتفويض واضح من مجلس الأمن، فما سيفشل في تحقيقه بالمفاوضات وتقديم التسهيلات قد ينفذه بطرق أخرى تتطابق مع دوره الأمني والعسكري. وبعد أسابيع من الاتصالات السرية ظهرت مؤشرات مشجعة بعد موافقة عشرات الميليشيات والزعماء القبليين على الوقوف مع حكومة فايز السراج ومساعدتها على تحقيق الوحدة الوطنية وسيادة الدولة.
أما الدور المحوري الذي تنتظره المهمة الأممية من القبائل الليبية والميليشيات المختلفة فيتعلق بتطهير البلاد من الجماعات الإرهابية، وبدا واضحاً أن هذا الاتجاه قطع خطوات طويلة أكثر من المسار السياسي، ولم يبق غير إحصاء الأهداف ومطابقتها مع ما تريده غالبية الليبيين وإرادة المجتمع الدولي.

أميركا «الشائخة» والنأي عن المخاطر

جاستن فوكس 
منذ عشرين عاماً، جلست الصحفية الهولندية «شيلا سيتالسينج» في مكتب الإحصائيات القومي مع أحد الاختصاصيين في علم السكان، للحديث حول الكيفية التي ستؤدي بها شيخوخة المجتمع الهولندي إلى تغيير البلاد. وتنبأ ذلك الاختصاصي في ذلك الوقت بأن الشيخوخة «ستغير المناخ السائد والعقلية التي يفكر بها المجتمع في هولندا».
وفي تقريرها المنشور حول هذا الموضوع في صحيفة «فولكسكرانت» أوضح ذلك الاختصاصي ما يعنيه بقوله «الأشياء التي تقترن بالشباب عادة مثل المجازفة، وانتهاز الفرص، والجرأة في عمل الأشياء، والغوص في الأعماق من دون تفكير، ومن دون أدوات غوص، وتبني الأشياء الغريبة، والجديدة ستغدو- نتيجة للشيخوخة- أقل انتشاراً».
وأضاف «سيتحدد المناخ العام بناء على مشاغل كبار السن مثل: تجنب الخطر، وتوخي الحذر، والمحافظة على الممتلكات، والارتياب في الغرباء، وتجنب الصخب والضجيج، مع الشكوى الدائمة منهما».
ما قاله ذلك الاختصاصي، يوفر فرضية مثيرة للاهتمام، وهي فرضية اعتقد أن الوقت الحالي هو أنسب وقت لمناقشتها على جانبي الأطلسي، فالناخبون «الجمهوريون» في الانتخابات الرئاسية الأميركية التمهيدية، بل والناخبون بشكل عام في الحقيقة، يميلون في الوقت الراهن، لأن يكونوا من كبار السن في معظم الأحيان، وهو ما يفسر تنامي مشاعر الخوف الشديد من الأجانب والارتياب فيهم، التي تخللت معظم الحملات الانتخابية حتى الآن.
وهنا قد يخطر على الذهن تساؤل: هل يمكن أن تكون شيخوخة السكان الأميركيين، هي السبب الكامن وراء كافة أشكال الظواهر الأخرى السائدة حالياً، في المجتمع الأميركي، مثل الحملات المناهضة للنمو السكاني في المدن والضواحي الباهظة الأسعار، وتضاؤل الدينامية التجارية وروح ريادة الأعمال، التي باتت سمة مميزة للبلاد منذ عام 2000 على وجه التقريب؟
ربما يكون الأمر كذلك! ولكن هناك ظواهر أخرى يجب ألا تغيب عن ذهننا في معرض تقديم إجابة محددة على ذلك التساؤل منها على سبيل المثال، أنه على الرغم من أن المجتمع الهولندي قد ازداد شيخوخة على نحو أسرع من المجتمع الأميركي- كما تشير الإحصائيات – إلا أن كبار السن الهولنديين، مازالوا يركبون الدراجات، ويتنقلون بها في كل مكان من دون ارتداء خوذات، ويتركون أطفالهم يتجولون بحرية من دون رقابة أو إشراف، ويرتحلون إلى مختلف مناطق العالم من دون خوف، وتبلغ نسبة من يعملون منهم في مشروعاتهم الخاصة ضعف مثيلتها في الولايات المتحدة، وهي ظواهر تثبت في مجملها، أن العمر ليس هو العامل الوحيد الذي يؤثر في مواقف البشر، تجاه المجازفة والإقبال على المخاطر.
أما الأدلة العلمية المتعلقة بالشيخوخة وتجنب المخاطر فهي متفاوتة، وفيما يلي تلخيص لمقالة نشرها «دان اريلي» وستة آخرون عام 2012 حول الموضوع:«هناك دراسة توصلت إلى أن الأشخاص الأكبر سناً يظهرون تجنباً للمخاطر في وثيقة التأمين على الحياة الخاصة بهم، يفوق ذلك الذي يظهره الأشخاص الأقل سناً. وعلى المنوال نفسه، هناك دراسات أخرى توصلت إلى أن المستثمرين الأكبر سناً يميلون لامتلاكهم أسهماً وسندات أقل مخاطرة، ما يميل لامتلاكه المستثمرون الأصغر سناً..مع ذلك، هناك دراسات أخرى تظهر أنه عندما يكون الموقف التقاعدي للأشخاص مؤمناً، فإن الأشخاص الأكبر سناً يميلون لاستثمار نسبة أكبر من أموالهم في أصول خطرة».
وهناك دراسات تزعم أنها تقيس نسبة تجنب المخاطر من قبل الدول المختلفة وجدت أن الهولنديين يعتبرون من ضمن أقل شعوب الأرض تجنباً للمخاطر، في حين أن معدل تجنب الخطر في الولايات المتحدة كان ضمن الجانب الأعلى.
لست متأكداً بشأن المدى الذي يمكن أن أذهب إليه في الاعتماد على نتائج هذه الدراسات، ولكن يبدو أن هناك العديد من المؤشرات على أن المواطنين الأميركيين الذين اشتهر عنهم عدم تحمل المسؤولية والميل للإقدام على المجازفة، باتوا الآن أقل رغبة في القفز في المجهول، مقارنة بما كانوا عليه من قبل. هل يمكننا أن ننسب كل ذلك إلى شيخوخة السكان؟ على الأرجح أن الإجابة ستكون بالنفي.

ميانمار وفنزويلا.. الأقوياء ينتقمون

جاكسون ديل 
قبل ربع قرن، افترضت حكومة بولندا الشيوعية أن بإمكانها السماح بإجراء انتخابات حرة بينما تقوم بالتلاعب في الهيكل القانوني المحيط بها، حتى تظل في السلطة حتى في حالة خسارتها. وكان هذا سوء تقدير فادح. فالتصويت اللاحق لحركة «التضامن المعارضة» كان ساحقاً لدرجة أنه أقنع النظام على التنازل عن السلطة على الرغم من القواعد التي أسسها. وهكذا، أثبتت بولندا قوتها الطبيعية من التصويت الشعبي الحاسم – وحددت المعضلة التي كافحتها الحكومات الاستبدادية منذ ذلك الحين.
 وهناك على وجه الخصوص نظامان يواجهان الآن ما قد يطلق عليه معضلة الشيوعيين البولنديين. النظام العسكري لميانمار، المعروفة باسم بورما، و«الاشتراكيين البوليفاريين» كما يطلقون على أنفسهم في فنزويلا، وكل منهما نظم انتخابات في خريف هذا العام بحيث إنهم حتى لو خسروا، فإن الهياكل الدستورية والسياسية التي أنشؤوها لضمان سلطتهم ستنقذهم. وقد كتب جنرالات ميانمار أحكاما دستورية تمنحهم ربع مقاعد البرلمان، فضلا عن السيطرة على وزارات قوية، بغض النظر عن نتائج الانتخابات. وفي كاراكاس، فإن نظام «تشافيستا» (أو مؤيدي شافيز) لنيكولاس مادورو قال لنفسه إنه سيظل في الرئاسة، وأن الجيش والمحاكم في جانبه حتى وإن خسرت الأغلبية في الجمعية الوطنية.
ولم يحسب أي منهما أنه سيُسحق من قبل المعارضة. لكن الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية لزعيمة المعارضة «أون سان سو تشي» فازت ب 390 مقعداً، من إجمالي 498 مقعداً مطروحاً لانتخابات المجلس التشريعي ذو الغرفتين. وبالمثل، كان أداء ائتلاف المائدة المستديرة للوحدة الديمقراطية جيداً، حيث حصل على 112 من إجمالي 167 مقعدا في الجمعية الوطنية. وكلاهما قام بنسف الحواجز الماضية التي افترضت الأنظمة أنها ستحتويهم. وكانت الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية (إن إل دي) لديها الأصوات لانتخاب الرئيس القادم لميانمار بنفسها. أما المائدة المستديرة للوحدة الديمقراطية (إم يو دي) فقد حظيت بثلثي الأغلبية، ما يعني إن بإمكانها إعادة صياغة الدستور الفنزويلي وتقصير الفترة المتبقية لمادورو أو تعريضه للاستفتاء.
فما العمل؟ من الرائع مشاهدة نظامين يحاولان المناورة للخروج من الزاوية التي أربكت البولنديين – لا سيما أنهما تبنا استراتيجيات مضادة تقريبا. وحتى الآن يحاول جنرالات ميانمار المضي في مسار التفاوض، على أمل عقد صفقة تحفظ لهم امتيازاتهم. أما كبار أنصار شافيز في فنزويلا، في المقابل، يبدو أنهم عازمون على تقويض أو مقاومة انتصار المعارضة بروح فدائية – على أمل أنهم قادرون على الفوز في الصراع على السلطة.
وحتى الآن، فإن نهج ميانمار يبدو وكأنه يؤتي بثماره. صحيح أن «أون سان سو» تقول إنها ستختار الرئيس القادم، لأنها ممنوعة من تولي المنصب، والسيطرة على الحكومة من «فوق». لكن كبار المسئولين في الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية يقولون أيضا إنهم سيتحركون ببطء لتحدي امتيازات الجيش، بما في ذلك سيطرته على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
ومنذ انتخابات السادس من ديسمبر، دعا رئيس المجلس الوطني إلى اجتماع «الكونجرس الشعبي» غير المنتخب ونصبه في مبنى البرلمان. وألمح مادورو أن الجمعية الوطنية المنتهية ولايتها، والتي ستظل في منصبها حتى الخامس من يناير، ربما تنقل صلاحياتها إلى «كونجرس» جديد. وفي الوقت نفسه، سارع الحزب الحاكم الأسبوع الماضي لتعيين 13 عضوا جديدا في المحكمة العليا، التي كانت بالفعل تحت سيطرة الحكومة.