المصالحة الوطنية.. الأدباء أنموذجا
الاختلاف في وجهات النظر بين جميع الأجناس؛ كان- وسيبقى – المحرك الأساس للإبداع في شتى مجالات الحياة؛ وفي المقدمة منها الفكر والثقافة؛ ولذلك فإن الأمم المتقدمة تحيط علماءها وادباءها بالكثير من الحماية؛ خوفا من(الآخر) الموتور؛ باعتبار ان رجالات الفكر مداميك المستقبل الواعد؛ ولا اريد ان استنطق التاريخ؛ لكن لنا في الامة الالمانية اقرب دليل معاصر؛ فمن المعروف ان(غونتر غراس) كان احد الشبيبة الهتلرية؛ بل ومن النازيين الاصلاء؛ ومع ذلك فإن أحدا لم يتعرض له حين سقط الحزب النازي؛ ولم يهجّر او يجتث او يهمّش؛ وكان موقف الالمان منه هو البداية الصحيحة للمصالحة مع (الذات) قبل المصالحة مع(الآخر) بل ما زال الالمان يحتفون به وبتجربته؛ وكانوا وراءه في الحصول على جائزة نوبل؛ مع تأكيدنا أن غراس لم تتلطخ يداه بدماء ابناء شعبه (وهل من اديب يفعل ذلك؟!!).
في تاريخنا الأدبي الكثير من الامثلة الناصعة التي كانت تجسد روح العراقيين السمحاء؛ ففي قمة احتراب الشيوعيين والبعثيين والقوميين والتي وصلت الى حد التصفيات الجماعية؛ كانت اماسي اتحاد الادباء تعج بمشاركات الشيوعيين والبعثيين والقوميين؛ وكان حميد سعيد وسامي مهدي(وفي قمة ارتفاع الحس البوليسي) هما من انقذا الكثير من المثقفين العراقيين- غير المروضين- من براثن الشرطة ايام حكم البعث؛ وانا اذكر هنا حميدا وسامي؛ باعتبارهما من تسلما مناصب وظيفية عليا؛ وكان لهما صوت شفيع لدى السلطة آنذاك؛ وربما لهذا السبب دفعا الثمن فيما بعد؛ حيث اركنا جانبا حتى بات رفاقهما يتجنبون الاتصال بهم!!
لا احد ينكر ان هناك استثناءات موتورة في هذا المشهد؛ لكن تضامن الادباء والكتاب قلل من اضرارهم ما امكن ذلك؛ وبقيت حديقة اتحاد الادباء الحاضنة النظيفة لفسيفساء الفكر والثقافة .
اليوم؛ وبعد أن فشل السياسيون- وبامتياز- في تحقيق اية مصالحة؛ لا مع انفسهم ولا مع المختلفين معهم؛ عليهم ان يستعينوا بتجارب المثقفين؛ وان تكون الخطوة الاولى في الدعوة الصادقة لعودة كل ادباء وكتّاب ومفكري العراق المتناثرين على خرائط العالم؛ لاسيما وان بغداد تستعد لأن تكون عاصمة الثقافة العربية؛ وان يفتح العراق الجديد صفحة جديدة كتلك التي فتحها الالمان؛ فالوطن يحتاج الى اصوات ادبائه النظيفة حد الاوكسجين؛ ومن كان في رقبته دم او حق عام فالقضاء هو الفيصل؛ فلا أحد فوق الدم أو الحق العام.
بلادنا؛ والمنطقة- إقليميا وعالميا- تمر بالمتغيرات التي كان ابسط اوجهها الحراك الشعبي؛ والازمات المتوقعة اقتصاديا وسياسيا مقبلة؛ ولا يمكن لنا اجتياز مخاضتها الا بإعلاء صوت العقل؛ والتمسك بثوابت المحبة والحوار البناء؛ اذا لم يكن من اجلنا فمن اجل اجيالنا المقبلة على الأقل .
قد يستطيع المتحزبون اجتثاث بعضهم البعض؛ لكن ولا مرة – وعلى امتداد تاريخ العراق– اجتث الادباء ادباء مثلهم؛ والذي يعتقد ان الثقافة العراقية على الهامش؛عليه ان يعيد حساباته ففي قلب الهامش يكمن النبض الحقيقي للتعايش والتسامح الاكثر انتشارا في المشهد الإنساني.