طموح بين صخور القرية

 
عن دار فضاءات للنشر والتوزيع صدرت الطبعة الأولى من رواية” طموح بين صخور القرية للكاتب اليمني علي الشيخ، وتقع الرواية في 208 صفحات من القطع المتوسط وقد صمم غلافها الفنان نضال جمهور.
تتحدث عن أحلام لنا تراودنا كطيف يمد إلينا يداه، ثم ما أن نأتيه حتى يتبدد فنلاحق طيفاً أخر من جديد ليبعث فينا الأمل ويملأ علينا دنيانا، هذا فتى يمني أتى من قرية منسية في أعالي الجبال ليبحث عن ذاته في أمة ضاعت بين متاهات الأنظمة الفاسدة التي لم ترث منها الأجيال سوى الهزائم، فتركت العراق فريسة لغزوٍ غربي غاشم سدد خنجره في خاصرتنا الشرقية ولا زلنا نعيش تبعاته حتى اليوم، تتحدث عن اليمن وسيكولوجية مجتمعه وعن شباب الأمة الذين تتبدد أحلامهم وكأنها رماد سجائر تذروه الرياح
وقد تعدت الرواية كونها كلاماً سردياً أو حكياً للمتعة والتسلية لتحمل جرعة معلومات فلسفية وسياسية واجتماعية لخصت بسرعة قرن مضى وسجلت موقفاً ثابتاً حول أهم أحداث القرن الحادي والعشرين إلى حد الآن. وهذا الحدث ليس سوى (احتلال العراق) في العام 2003 !! 

ليلى وليالي الفيسبوك

 
في روايته العاشرة الصادرة حديثا عن دار الفارابي، الموسومة بـ”ليلى وليالي الفيسبوك”، يعالج الكاتب نزار دندش قضيّة محوريّة في عالمنا المعاصر وهي طبيعة العلاقات الاجتماعيّة في مواقع التواصل الاجتماعي، وجدليّة العالمين الواقعي والافتراضي، الذي يعتبره الكاتب أمرا حتميّا لا يمكن أن ينعزل عنه الإنسان بغضّ النظر عن فئته العمريّة، لأنّه صار من صميم حياتنا الإنسانيّة، ومن رفض أن ينتمي إلى هذا العالم الذي يسمّى افتراضيّا، يكون قد فرض على نفسه انعزالا.
يتناول الروائي هذه المسألة بتشعبّاتها إلى ثلاث مسائل: “الحبّ الفيسبوكي بين الحقيقي والوهمي وقضيّة تجيير الحبّ” و”اللغة الفيسبوكية بين المباشرة والاستعارة” و”التسرّع في الزواج”، وطبعا ثمّة أمور أخرى يستعرضها ويضيء عليها كأخلاق بعض أهل القرى في التزمّت، وأخلاقيّة الشكّ وإلامَ يؤدّي في العاقات الإنسانيّة؟

عصا الراعي ..حرية التعبير بين صحوة الضمير والقدرة على التغيير

       رشيد أركيلة
رواية “عصا الراعي”، للكاتب كامل حاتمي، التي تجري أحداثها في المغرب، تحكي قصة صحفي يشتغل في جريدة حكومية تخضع لأوامر النظام. بين عشية وضحاها سوف يجد الصحفي نفسه فاقدا لملكة الكتابة، أي أنه لم يعد قادرا عليها. كأنه أصيب بمرض فجأة تماما كما نصاب بزكام أو قرحة المعدة. وهذه معضلة حقيقية، فالصحفي لا يمكنه العيش دون القدرة على الكتابة، مما سيجعله يخوض سباقا ضد الساعة لاسترجاع تلك القدرة على وجه السرعة لأنه في أمس الحاجة للحفاظ على عمله.
رحلة البحث هذه ستقوده إلى التنقيب في جذور هويته حيث سينغمس في ماضيه لمعرفة من هو ومن كان وما الذي أدى به إلى العمل في صحيفة نظامية في حين أنه ينحدر من وسط يساري متجذر.
هجوم إرهابي
عندما اكتشف دراغان شيناه الصربي ـ المغربي والصحفي نجم الأنباء السباق إلى تغطية الأحداث التي تروج بالدار البيضاء، أنه فقد القدرة على الكتابة، تَمَلّكه الضجر والانزعاج. هل يبدأ حصصا للعلاج؟ فيُخيِّب آمال زوجته مرة أخرى؟ ويطفئ همومه في الكحول وممنوعات أخرى، رفقة صحبة عجيبة غريبة الأطوار؟
تتاح له فرصة أخيرة غير متوقعة، لأن الأحداث ستثور فجأة. حدث هجوم إرهابي في فندق فخم بالمدينة المغربية الدار البيضاء. بين السُّبل الإسلامية والصدمات المكبوتة، إنها فرصة دراغان لخلخلة هيكل كيانه والانكباب على البحث في الثقوب السوداء في أعماق ماضيه. تحت ظلال أشجار النخيل وقبالة الواجهة البحرية المشمسة، يختفي واقع صامت ومضطرب.
تحمله مفارقة شرسة وسخرية تهكمية، يغوص بنا كامل حاتمي في أغوار وأنفاق مغرب عميق ليجعلنا نقتفي أعقاب عملاق أشقر جذاب وغريب الأطوار يعيش في مدينة طنجة. بهذه التوطئة ارتأى الناشر تقديم الرواية.
يبحث الكاتب عن بنات الأفكار في حانة “بوغار”، هذه الحانة سيكون لها دوران: الأول هو أنه المكان الذي يجتمع فيه مع زملائه حيث يعتبر مجالا ملحقا لمكتب العمل، ففيه يتحرر ويطلق العنان لأمهات الأفكار ويبتكر مقالاته عن الأحداث الراهنة في جو حميمي بعيدا عن الأجواء الرسمية.
من جهة أخرى، فهو مكان للهروب والتصرف دون رقابة، فهناك يكثر من تناول الكحول ويدخن السجائر المخدرة. إن حانة “بوغار” أيضا مكان للغسيل، كما يتم تبيض الأموال، فمجموعة الصحفيين أولئك كانوا يستغلون تلك الأجواء للتخلص من عذاب الضمير وكأنهم يعمدون إلى تطهير أنفسهم من الكذب والبهتان اللذين يمتهنونهما في فبركة المقالات التي هي نتاج صناعة أحداث لم يعاينوها أبدا، وكتابة أشياء قد لا تحاكي الواقع وتخالف قناعاتهم أيضا. هذا هو المكان الذي سيشكل مسرحا للرواية.
اختار كامل حاتمي أن تكون الصحافة إطارا لروايته، ويرى حاتمي أن هذا التوجه يعود إلى أنه بالنظر إلى الوضع السياسي الحالي فقد طال الحديث عن حرية الصحافة وعن التطور الديمقراطي بالمغرب. نعم، فقد شهد مجال الحريات العامة عدة تطورات مقارنة مع ما كانت عليه الصحافة في ثمانينات القرن الماضي.
لكن في المقابل فإن المشهد الآن يعرف تراجعا عن عدة مكتسبات على الرغم مما يتم الترويج له من صور الديمقراطية الحديثة، فالممارسات والضغوط التي تقع على الصحافة تنم عن وجود مشكل حقيقي يستعسر معه المسار الديمقراطي. هي مقاربة أراد المؤلف أن يلامسها، لأنه موضوع يشغل باله بشكل خاص، من خلال تناول واقع هذا البلد اليوم.
الصحافة والسلطة والدين
بالعودة إلى الرواية، فهي مؤثرة تشد الأنفاس، طريفة ومضحكة في بعض الأحيان، مأساوية أحيانا أخرى وجذابة كشخصية بطلها. مع أنها من وحي الخيال إلا أن وقائعها ترسم صورة معبرة عن المغرب مكتوبة بشكل جيد بمزيج من السخرية والرقة.يشعر القارئ أنه محمول وسط مشاهد مهيبة من منحدرات وحافات طنجة قبالة جبل طارق إلى حانة “بوغار” المريبة التي تسبح في الدخان.زيغ وانسلاخ عن الأعراف والقيود المجتمعية تطلق عنانه المشروبات الروحية في حقل منيع عن الرقابة. نضحك كثيرا مع هؤلاء الصحفيين المتفانين في اللياقة السياسية.إن أحداث القصة تدور في المغرب، إلا أنها قابلة جدا للتطبيق على بلدان أخرى تشهد أحوالها عدم استقرار بسبب ما سمي بـ”الربيع العربي” وهي للاستكشاف بالضرورة!زخم من الأحداث يعالج المؤلف من خلاله موضوع السلطة وتوظيف الدين بأسلوب ساخر “مع أن السلطات الدينية نظمت صلاة وطنية كبيرة تهدف إلى درء لعنة الماء، لكن لا شيء حصل.لقد ظلت السماوات صماء بعناد لصلوات كان ربما يغلب عليها الطمع لتكون صادقة تماما”. تشكل الصحافة فيه الإطار العام وتشد خيوطه حرية التعبير المكبوتة “الخط التحريري لصحيفتنا هو أن نكون في قمة الحدث.لكن يتوجب علينا ألا ننسى واجبنا بالولاء لمؤسساتنا المقدسة والعريقة بآلاف السنين. هذه المؤسسات التي يجب أن أذكركم أن شرعيتها تاريخية ولكنها أيضا شعبية. ألم يصوت الشعب في استفتائه على الدستور الجديد بنسبة 98.5 في المئة؟” ليخلص في آخر المطاف أنه حين ثارت الشعوب العربية تمخض الجبل. وأنه حري بالقطيع أن ينصاع إلى عصا الراعي “الإسلاميون في السلطة! هل كنتم أنتم تتصورون ذلك؟ (…) بُلهاء يسيل لعابهم جعلنا ربيع الشؤم العربي هذا! لمحاسن صدفنا، فالإسلاميون لدينا معتدلون، على قدر أيدينا (…) وعندما سيغرفون بما يكفي من صندوق المقاصة وتُستنزف المالية، ستُطلق صافرة نهاية الاستراحة”.

الأهوار: ملحمة العطش والشياطين السبعة!

أمل الياسري
سلطة قامعة، تفرض سطوتها ورعبها، على الإنسان والحياة معاً، ورغم ذلك فالأهوار لها القدرة على الإستمرار بالعطاء، في مخزون جهادي عظيم، يسكن أقاصي الذاكرة، وسط عالم مخيف خطير، تنحب الشموع فيه حزناً، على أوراق القصب والبردي، وتقيم عزاء مهيباً لأهل الجنوب، رغم انوف البعثيين إنها مملكة الأهوار.
محطات هرمة صبورة، تنتظر موتها المشرف المصحوب، برغيف خبز تنور الطين الحر، فعليه ظلت الجباه السمر، ترفض الركوع للطاغية، وكتبت ملحمة للصمود والصبر على العطش، بعد أن طال الجفاف منها، بقبضته الحديدية، وإستبداده المفرط، لكن البعث الكافر لم يستطع قتل الحياة، لأن الأهوار حسينية البقاء.
الجفاف والجفاء، هو ما تتعرض له أهوارنا، فغادرها الإنسان ظمئاً، تعباً، جائعاً، تاركاً مشحوفه، وكأنه يتجه للمسيحية، فقد ترك ديوانه المعطر، بالجلسات العشائرية، وأحاديثها الدينية والوطنية، وألتصق بحضارة المدينة، بل حتى أن الطيور تسللت لمناطق أخرى، لأن بيئتها تعاني العطش، فلا عش، ولا ماء، ولا عشب.
الأهوار منذ القدم حملت هموم الناس، ودافعت عنهم بأغلى الاثمان، فقد احتز السيف البعثي البغيض، رؤوس قصبها ونخليها الشامخ، لينزل بأهلها العقاب، وليطفئ ثورة الحق والعدل، فعاشت قصة ملؤها الحنين الى الماضي، بعيداً عن غفلة الحاضر، فنزفت ألماً لإهمال الحكومة عنها، ونسيانها في غيابت التأريخ.
شياطين سبعة، أرادت قتل الاهوار في عهد الطاغية، أولها التجفيف المتعمد بقطع المياه المغذية لها، وثانيها مشاريع الخزن الوهمية، فيراد منها تغيير مجرى الفروع النهرية، التي تصب في الاهوار، وثالثها تهجير سكانها الاحرار، ورابعها حملات القمع والسجن لرجالها، وخامسها حرق القصب، والبردي، والنخيل بحجج قبيحة.لقد قادت الزمرة العفلقية الفاسدة حملة مخطط لها، وهي تصفية العقول الفكرية ورجال الدين، وهذا سادسها، وسابعها نشر الفساد تحت مسمى الثقافة الريفية، بنشر الفرق الشعبية، وأهازيج معركته الفاشلة، ودعم البرامج الهدامة، لفكر أهل الجنوب الأصيل، ونحن على يقين بأن الناس والأهوار، رفضتهم جملة وتفصيلاً.
إن ملحمة العطش، التي عانتها الاهوار ومستمرة للآن، لهي مؤشر كارثي، تترتب تبعاته على الحياة الطبيعية في الجنوب، والتركيبة السكانية، وثقافتهم وإرثهم الحضاري المتجذر، في أقاصي أعماق التأريخ، ولهذا يجب الإلتفات لظاهرة تناقص المياه، كونها مصدراً رئيسياً للثروة السمكية، فهل العالم أحرص منا على أهوارنا؟
الاهوار تنعى نفسها، على مذابح الحرية والإنصاف، وتنادي: هل أن حريق الظلم والجفاف، سيلتهمني أم بجعبة الحكومة إجراءات، تحد من أمي وحزني؟ فمداد روحي هو الماء، الذي أختلط بالدماء والدموع، ليكتب معلقة حول العطش، ومواسم المطر، بعيون مرتقبة متلهفة للحياة، إنه نداء من شموع الاهوار!

هل لتركيا خطة استعمارية في العراق وسوريا؟

أنور السلامي
الدولة العثمانية  الغابرة, يتراقص الأتراك على أنغامها, منذ أكثر من قرن ونصف كانت هذه الدولة شجرة عملاقة شاسعة الأطراف, الى أن قلم أغصانها الغرب فأصبحت حدودها ما عليه الآن.
لم يغمض لها جفن, بسبب الحنين الى الماضي والعودة الى التوسع الذي يأرق مضجعها, يقلبها يمينا وشمالا, باكيه على أمجادها, عازمة على استعادة أجزاء من الماضي وبأي ثمن, فما كان على الغرب إلا استغلال الجشع والشراهة التركية في التوسع, فعرض الأخير خطته المكونة من مرحلتين.
المرحلة الأولى: هو استخدام طريقة الزراعة بالتطعيم لهذه الشجرة الخبيثة, بداعش لتنمو فيها دون النظر الى العواقب, فكانت الحاضن المناسب لهذا الغصن الهجين لسنين, ثم تمددت فيما بعد وحسب الخطة, وبدعم من بعض الدول العربية الى سوريا ثم العراق. 
لم تتوقع منه هذه السرعة في النمو, فتراقصت فرحا بغصنها الجديد الذي نما, وكان الغرب صبورا على هذا الفرع, لحاجته الماسة له, في هذه المرحلة, بسبب الأزمة الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العالم, وتنتظره لتنفيذ مخططاتها في المنطقة, لان الشتاء القارص على الأبواب.
أظهرت تركيا للعالم العربي الوجه الرافض للدخول في الحرب ضد داعش, أما وجهها الأخر, فهي حريصة كل الحرص على تغذيه غصنها, ما يلزمه للديمومة في النمو, من تدريب وتسليح وتسهيل دخولهم الى الأراضي العراقية, بواسطة شراء بعض الضمائر, من أشباه الرجال المحسوبين على العملية السياسية, والمتآمرين على وحدة هذا الوطن, وللأسف تحقق بعض ما تمنوه.
المرحلة الثانية: هي توفير الغطاء السياسي أمام الشعب التركي والعالم,  بأن تركيا كانت رافضة منذ البداية التدخل في أراضي جارتيها العراق وسوريا, وليس لديها أي أطماع استعمارية في المنطقة ولكنها تعرضت الى هزة قوية في الداخل بعد التفجيرات الأخيرة المنظمة, وكذلك لمطاردة  الخطر القادم من الجنوب من عناصر حزب العمال الكردستاني, وإنها قد أجبرت على دخول الحرب في هذه المرحلة, بسبب الضغط الجماهيري الواسع عليها, لذلك هي مضطرة للتدخل الفوري لحماية أمنها القومي من الإرهاب, حينها  ستكون الفرصة مؤاتية  للتوغل في العمق العراقي وصولا الى الموصل, ولن تخرج منها لكون الحرب ستكون “لأجيال” . 
يعتقد البعض, أن الأمر فيه شيء من المبالغة, هو لا يتعدى من مجرد صدفة, وأن تركيا ليس لديها أطماع مسبقة ولها الحق في الدفاع عن نفسها.
 خارطة الشرق الأوسط الجديد, تشمل هذا المخطط الذي دبّر بليل, على السياسيين النظر بجدية للأطماع التركية في العراق, وقبول إقليم كردستان بهذا التدخل كان مخطط له منذ البداية.
إذا يجب تفويت الفرصة على الأتراك, من الطعن في الظهر, وكما قال المثل ( المؤمن لا يلدغ من نفس الجحَر مرتين).

المعركة السعودية مع داعش

باسل محمد
قيام السلطات السعودية أخيراً، باعتقال عدد كبير من عناصر موالية لتنظيم “داعش” وصل الى 430 يمثل عملاً شجاعاً في الحرب على هذا التنظيم الارهابي الأسود ويجب أن يحظى هذا العمل بدعم واسع داخلي سعودي واقليمي.في المعلومات، المعتقلون هم عناصر قريبة من هيئات دينية سعودية معروفة بتشددها مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي اتجاهات فكرية دينية تنتمي الى مدرسة الفكر الوهابي الذي يميل الى التطرف والتكفير والغلو في الدين وبالتالي تعني هذه الخطوة – أي اعتقال 430 عنصراً – أن السلطات السعودية – وبالتحديد وزير الداخلية محمد بن نايف وهو ولي العهد السعودي – باتت تتعامل مع ملف “داعش” بواقعية وببعد نظر لأن معظم الهيئات الدينية المتشددة في السعودية هي حواضن لداعش سواء في تصدير الانتحاريين في مناطق نفوذه في العراق وسوريا أو في التمويل فضلاً عن الدعم الفكري عبر قنوات فضائية تروج لفكر داعشي أو لفكر قريب منه.بدقة، يوجد داخل القيادة السعودية، انقسام بين موقفين، الموقف الأهم والمتقدم هو الموقف الذي يقوده الوزير محمد بن نايف ويؤيد التعامل بحزم مع كل الهيئات الدينية السعودية لأن كل الخلايا الافتراضية لداعش في المملكة يمكنها أن تنمو من داخل هذه الهيئات، كما يرى فريق نايف ان المواجهة مع هذه الهيئات يجب أن تكون استباقية لأن هذا ضروري لاجتثاث اي تمرد مؤثر للمتشددين في المملكة قبل 
وقوعه.بنظرة ستراتيجية، المعركة في السعودية مع المتشددين وكل الهيئات الدينية التي تتميز بغلو المواقف، حتمية ومصيرية ولا مفر منها ولذلك على القيادة السعودية أن لا تنقسم بشأن طريقة التعامل مع هذا الملف لأن الانقسام هو قوة لمؤيدي “داعش” المنتشرين في الهيئات الدينية المتشددة وفي بيئات اجتماعية 
سعودية.للأهمية، كل المواقف السياسية داخل القيادة السعودية التي تؤيد عدم مواجهة المتشددين والتفريق بينها وبين “داعش” ترتكب خطأ فادحاً لأن هؤلاء المتشددين سينضمون لاحقاً الى تنظيم الارهابي البغدادي عندما تشتد الحرب على “داعش” أو في حال حقق التنظيم المزيد من التوسع لا سمح الله في المنطقة.من الناحية العملية، كل المتدينين الذين يتبنون أفكاراً متشددة في السعودية هم مشاريع دواعش وهؤلاء يرون في الحرب الدائرة في اليمن مع الحوثيين وفي الحرب الدائرة في العراق وسوريا، دافعاً ليكونوا بصف “داعش” لأن الموضوع من وجهة نظر هؤلاء يخضع لحسابات طائفية تكفيرية.بالنسبة للموقف السياسي العراقي وهذا مهم للغاية، فان على القيادة العراقية أن تؤمن بأن التعاون مع القيادة السعودية مسألة حيوية لأن في العراق توجد قيادة تنظيم “داعش” بزعامة البغدادي وفي السعودية توجد مصادر التمويل والدعم والايديولوجيا الفكرية، كما توجد عمليات وشبكات تجنيد مشتركة بين البلدين وبالتالي معركة السعودية ضد “داعش” داخل المملكة هي معركة عراقية والعكس صحيح.بعمق، كل الهيئات الدينية المتشددة في السعودية لها صلات مالية وايديولوجية مع معظم الجماعات السياسية الدينية والهيئات الدينية في العالمين العربي والاسلامي وحتى مع المسلمين في اوروبا وهذا أمر له أبعاد ودلالات خطيرة في ما اذا تمكن تنظيم مثل “داعش” الذي يتغنى بعنوان “الخلافة الاسلامية” أن يستثمر كل هذه الشبكات المعقدة والواسعة في العلاقات ولذلك يجب على دول المنطقة، وبينها العراق والسعودية أن تعيد النظر في رؤيتها حول علاقة جماعات أو هيئات دينية توصف بالمعتدلة بداعش لأن كل المعلومات الاستخباراتية على سبيل المثال لا الحصر تشير الى بلورة تحالف عسكري بين جناح في كتائب عز الدين القسام التابع لحركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة وجماعة الاخوان المصرية و”داعش” في منطقة سيناء المصرية، كما أن بعض التقارير ذكرت أن “داعش” يجري اتصالات مع مختلف الجماعات الدينية في المغرب العربي بهدف مبايعة البغدادي وهذا ما يفسر تصاعد الهجمات في تونس والجزائر ولذلك لا بد من اعادة تقييم الجماعات الدينية وتصنيفها.بطريقة واضحة، يجب فتح حوارات عميقة بين الدول وبين كل الجماعات الدينية أو كل الجماعات السياسية التي تحمل تسميات دينية اسلامية داخل كل دولة وبشكل جماعي للاتفاق على نقطتين رئيسيتين، الاولى تتعلق برسم دور محوري لهذه الجماعات للتصدي لداعش وفكره لأن معظم هذه الجماعات لا تظهر مواقف معلنة وشفافة منه، وهذا ما يطرح شكوكا حول جديتها في القضاء على هذا التنظيم. 
النقطة الثانية، ترتبط بشكل أساسي بعمل مركز لمعرفة ان كانت هناك اتجاهات في هذه الجماعات لديها اتصالات أو ميول لداعش لأن هذا الأخير ربما يستخدم هذه الاتجاهات في مرحلة قادمة من المعركة الواسعة الدائرة في المنطقة ضده.على سبيل المثال أيضاً، الاخوان المسلمون في تونس ومصر والجزائر وحتى الأردن بدؤوا يعانون من انقسامات بين متعاطف مع “داعش” وبين محايد ولا اقول ضد “داعش” ولذلك فان فرضية أن كل الجماعات السياسية الدينية هي مناطق جاذبة لفكر “داعش” أو محبة له أو ربما تريد مبايعته هي فرضية صحيحة الى أن يثبت العكس.بنظرة سياسية، معظم الهيئات الدينية في السعودية ومعظم الجماعات السياسية الدينية في بقية الدول العربية لديها مشاكل أو حساسيات مع أنظمة الحكم القائمة وهناك دول كمصر والجزائر، الجماعات الدينية السياسية فيها تخوض معارك مع النظام السياسي ولذلك ليس مستبعداً أن يتم اللجوء الى “داعش” والارتماء بحضنه لتصفية هذه الخلافات والمعارك والحساسيات.

أردوغان ومتوالية الفشل

حازم مبيضين
بإعلانه انتهاء عملية السلام مع الكرد، يكون أردوغان قطع خطوة واسعة في درب الفشل الذي يمضي فيه مسرعاً إلى الهاوية، ولعل تحذير “الأطلسي” له من عواقب استهداف المقاتلين الكرد الذين يقاتلون “داعش”، ونسف الحوار السياسي مع كرد بلاده، مؤشر على المصير المنتظر لزعيم حزب العدالة والتنمية، بعد خسارة حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، خصوصاً وأن الرئيس التركي السابق عبدالله غول، أبرز شركاء مسيرته السياسية، انقلب عليه مطالبا البرلمان بالعمل على وقف الحرب وإراقة الدماء، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية، بدل العمل على إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، يحميها 5 آلاف مقاتل من التركمان السوريين، الذين سيعمل على تدريبهم وتسليحهم لحماية هذه المنطقة، وهي عملية رفضتها الأحزاب التركية المعارضة، مؤكدة أن العودة إلى استخدام ورقة التركمان مجدداً في الشرق الأوسط، فاشلة وتستوجب الحذر.
انقلب السحر على الساحر، فالذين كانت تساندهم أنقرة في ضرب سوريا والعراق، انقلبوا ضدها متوعدين بفتح إسطنبول، بعد أن مكنهم أردوغان من كل أسباب القوة والدمار، وحكومته اليوم تحاول إرسال رسالة إلى الداخل التركي مفادها أنها تعلمت من درس الانتخابات، فقررت قطع الصلة مع تنظيم “داعش” الذي استفادت منه، خاصة في تهريب البترول، وهي تتعهد بأن ضرباتها الجوية التي استهدفت الكرد ليست إلا مجرد البداية، وهي تأمل الحصول على موافقة دولية على استئناف الحرب بينها وبين الأقلية الكردية، وتستهدف بذلك قطع الطريق أمام المعارضة العلمانية، وهي تستعيد سيطرتها على الرأي العام التركي.
يرى البعض ان هنالك انتفاضة صعقت عقل الرئيس التركي، فأرسل طيرانه الحربي إلى أجواء سوريا والعراق، متيقناً من الفشل الذريع في الاعتماد على “داعش” لتحارب الكرد نيابة عنه, بعد أن كان تحدي الحلفاء الغربيين، وامتنع عن التعاون معهم للقضاء على الدواعش، باعتبارهم أعداء لطموحات الكرد، بينما حسمت المعارك النتيجة لصالح الكرد، فاكتسبت حركتهم في تركيا شعبية سهّلت لهم الدخول إلى البرلمان بقوة، وتعاطفاً دولياً برز في دعم طيران التحالف للكرد السوريين في حربهم ضد الدواعش، وهو ما اعتبره أردوغان تهديداً للأمن القومي لبلاده، فتخلى مرغماً عن تكتيكاته قصيرة النظر، ومتبعاً ستراتيجية تهدف لمنع نشوء كيان كردي عند حدوده مع سوريا.
تقوم معادلة أردوغان اليوم، على أساس رأس “داعش” مقابل رأس الكرد السوريين، وخصوصاً مؤيدي “العمال الكردستاني”، وهي معادلة أملتها عدة عوامل، أبرزها سعيه لتجاوز معضلة تشكيل الحكومة، بخلق أزمة خارجية تستحوذ على الاهتمام، وتصويب العلاقات مع الغرب، والسعي ربما لإعادة إحياء الطموحات العثمانية، وهي معادلة ليست مرشحة للنجاح، إن صحت الأنباء عن حفر “داعش” أنفاقاً وخنادق، تسمح لها بالتواصل مع خلايا نائمة للتنظيم، مؤهلة للقيام بعمليات انتحارية داخل تركيا، كما أن إعادة تأجيج الحرب ضد الكرد ليست غير طريق مفروش بالدم والخراب.
ما يؤكد نوايا أردوغان العدوانية ضد الكرد، أن طائراته شنّت هجمات واسعة على جبال قنديل في العراق، حيث مواقع حزب العمال الكردستاني، ويأتي هذا التصعيد للتغطية على فشله في تمرير القانون الرئاسي الذي عوّل عليه لتوطيد وتوسيع صلاحياته المطلقة، وليس سراً أن الوضع الكردي الجديد كان سبب تحجيم “العدالة والتنمية”، ما دفع أردوغان لرفض تشكيل حكومة وحدة وطنية مع احزاب المعارضة، واللجوء بدل ذلك إلى انتخابات مبكرة، يأمل الفوز فيها معتمداُ على أصوات الحركة القومية المتطرفة، الرافضة لمشروع السلام مع الكرد، ويشاركونه المخاوف من احتمال انتصار الكرد في نهاية المطاف، ما سيشجعهم على المطالبة بالحكم الذاتي، ولعله اليوم يسعى لتمكين سوريا والعراق من العودة دولتين متماسكتين وقويتين، وقادرتين على حل أزمات أقليات الداخل “الكرد” بينما يواصل التفاوض مع الكرد الأتراك.
إذا نجح أردوغان بإقناع الحلفاء الغربيين بإطلاق يد جيشه في المناطق الكردية السورية، نظير التعاون معهم للقضاء على “داعش”، فإن على الكرد السوريين التهيؤ ليكونوا أكبر الخاسرين في مجمل التغييرات التي ستطرأ على المنطقة، فالمؤكد أن التدخل التركي ليس استجابة لمصالح المعارضة السورية، وهو موجه ضد الكرد والانتصارات التي حققوها ضد القوى الإرهابية، ومن المتوقع أن يتصدى المواطنون كرداً وعرباً ضد ذلك، كما أنه من المتوقع أن تشهد تركيا انتفاضةً توقف عجلة الحياة المدنية، وربما ينتقل الوضع إلى حرب أهلية.
ساذج من يظن بأن “مذبحة سوروج” هي دافع أردوغان لإعلان الحرب على “داعش”, وهي حليفته وذراعه الضاربة في العراق وسوريا, فهو يسعى لإنشاء مناطق آمنة وحظر طيران في سوريا، ويكشف ذلك أن الموقف التركي, بعد اتفاق فيينا, يسعى لفرض قواعد جديدة للعب, بعد أن بدأ نجم أردوغان وحزبه في الأفول.
كرد تركيا يأملون بحل القضية الكردية حلاً سياسياً عادلاً، لكنهم يملكون خيارات أخرى ربما تصل عبر البندقية، إلى إعلان الحكم الذاتي على غرار ما جرى في العراق، ويأملون أن تلقى خطوة كهذه دعم أبناء أمتهم، وتفهماً دولياً مسانداً، بينما يسعى أردوغان إلى انتخابات مبكرة، إن لم يتمكن من تشكيل حكومة حرب، تواجه الكرد داخل وخارج تركيا، وهو بذلك سيواجه عدوين لم يكن يتوقعهما، “داعش” من جهة والكرد من الجهة الأخرى.
حرب أردوغان المعلنة ضد “داعش” ليست غير ستار مفضوح لحربه ضد الكرد وطموحاتهم القومية.

أكتاف خالتي بنية

نعيم عبد مهلهل

تحمل خالتنا الريفيات جمالية عفة العشب الطري على وسائد المطر ، وهن في مقاس الذكريات لوحات زينية رسمها أكثر فناني الطبيعة حرفة ، وربما في ليالي القمر المنزلق على اجفان الراديو في ليل الاهوار وهو يصدح بهدوء اغنية مديح الخالات : خاله شكو بصوت زهور حسين تسكننا رجفة الحنين لخالتي ( بنيه ) التي هرمت من كد الحقول وشتال الرز واعتناءها بطفولتنا يوم يجيء الصيف ونذهب بطفولتنا سياحا الى بستان جدي ، وكان كتفيها أجمل اراجيح حياتي عندما تهمس لي : ايها الطفل الحِضريّْ ، أبناء المدينة لايعرفون المشي في طين حقول الرز سأحملكَ على كتفي لترى السماء قريبة فقد تطير بفضاءاتها ذات يوم.
تقع اهوار غلوين قرب ناحية العكيكة في الحافة الشمالية للحقول التي يزرع فيها جدي العنبر بعد أن يجاهد كثيراً في إقناع أهل المشخاب ليبيعوا له بذوره ، فتشم نسائم القصب وهي تحتضن رائحة ( التمن ) حيث لا احد يسميه بهذا الاسم سوى العراقيون ويُقال انهم قرأوه بالخطأ على الاكياس التي حملت الرز الهندي ايام الاحتلال البريطاني ، وجيء بها بسفن الى ميناء الفاو وكانت ماركتها ( TEN MAN  ) أي عشرة رجال  فترجمها الحمالون بالخطأ وتصوروا اسم الماركة هو ما يطلق على الرز في الهند وإنكلترا فمشى الاسم ( تمن ) القريب من لفظ ( تين مان ).
بين عطر الرز العنبر وأكتاف خالتي بنية لاح لبصري لأول مرة في حياتي مدى الماء والقصب الذي يغطي الاهوار ، وعندما سألتها وأنا مرتبع فوق كتفيها كما المحفة التي يحملون فيها هيلاسلاسى إمبراطور الحبشة :
خالتي ، هناك على مد النظر ، لا يوجد نخل ، ولابيوت طين ، فقط الماء والقصب.؟
قالت: تلك الاهوار أيها الصغير ولا تصل إليها سوى المشاحيف .
ــ إلا يذهب اليها جدي.؟
ــ كلا ، فنحن نزرع النخل والرز والقمح ، وهم يربون جاموس ويبيعون القيمر.
ــ وما الفرق.؟
ــ الفرق أن حياتهم أصعب وأجمل من حياتنا.
ظلت تلك المقارنة تضرب في رأسي بصدى سحر ذلك المنظر المتسع ، وانا امسك أجفاني وكمن يتأمل من فوق سفينة سندبادية عالم تفتح زرقته الروح ، وتخيلت ضفائر خالتي ( بنيه ) شراعا امسكه كي لا أطير وهي تمشي معي في الحقل الموحل وتتحاشى بمهارة دايات الرز فلا تدوسها، وعندما تنزلني خالتي من كتفيها يضيع ذلك الافق ويختفي وسط سعف النخيل ذلك المدى المفتوح مثل نوافذ سماء لا حجم لها سوى أجنحة الطيور وقد صار بالنسبة لي كل شيء يوم الحقتني شهادة تخرجي من دار المعلمين لأعيش أجمل اعوام الوظيفة معلما في قرية حين أرى الأمهات فيها يحملن أطفالهن على أكتافهم وهن يحصدن القصب او يوصلن قطعان جواميسهن إلى الماء ثم يعدن معهن الى دفء المواقد أتذكر سفينة الحنان ، كتف خالتي بنيه ، وأتخيل نبض قلبها وسائد اتكئ عليها وانا أتمنى في مقدمة تلك السفينة ان أصل يوما ما بمشحوف صغير إلى ذلك العالم المكتسي بالخضرة والزرقة معا.
والآن وقد تحقق الحلم ، أتذكر خالتي في عمرها الطويل وأتمنى لو أن امهر نجار في هذا العالم يصنع لي مجسما صغيرا لسفينة السندباد كي اهديها إليها..!

صخرتان من أرض القناة

فاطمة ناعوت
في صدارة غرفة مكتبي، تقف بشموخ وعِزّة صخرتان صغيرتان بيضاوان فوق رفٍّ من رفوف مكتبة التذكارات في بيتي. هما من أثمن ما أقتني من نفائس وكنوز. عُمر الصخرتين أركيولوچيًّا، ربما يعود لملايين السنين، لكن عمرهما في حوزتي يعود إلى عام، إلا قليلا.الاثنين 11 أغسطس 2014.  زيارتي الأولى لمشروع القناة. أقف فوق أرض، لم تعد موجودة الآن. كتبتُ يومئذ في جريدة «الوطن»: “أقفُ الآن فوق رمال، لن تعود موجودة بعد شهور قليلة. تحت قدمي صفحةُ ماء تتكوّن في هذه اللحظة في رحم الأرض، لتولد من باطنها بعد شهور قليلة، فتغدو حُلمًا مصريًّا رسمته عقولٌ نابهة، وواقعًا جميلا صنعته سواعدُ عفيّة، ومستقبلا آمنًا لأجيال قادمة ستقفُ بفخر وتقول: هذا صنعه أجدادي المصريون العظماء. اتصل بي يومها صحفي من مجلة «الكواكب» يسألني: كيف سيتناول الشعراءُ والأدباء ذلك المشروع إبداعيًّا؟ فقلتُ له إن أية قصيدة، مهما بلغت من براعة صوغ، غيرُ قادرة على رسم الصورة أكثر من زيارة المشروع ورؤيته رأي العين. هنا قصيدة حية تحكي كيف يبدأ حلمٌ في التحقق فور الحلم به. كيف تبدأ السواعد المصرية في العمل والحفر والبناء، فور توقيع القرار بخاتم جمهورية مصر العربية، وتصديق الرئيس وصنّاع القرار. كيف تمرُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام لترسم وجهًا آخر لخارطة مصر الجديدة. كيف تتولد قناة مائية باشّة مشرقة في صحراء جافة عبوس. كيف تتخلّق فوق الرمال الصفراء، صفحةُ من المياه الصافية المتلألئة ستحمل عما قريب سفنًا وحاويات عملاقة تجوب لتنقل خيرات العالم إلى العالم؛ فيشكرنا العالمُ الذي سيفيد من حلمنا وجهدنا الثري.  السبت 6 سبتمبر 2014. تاريخ زيارتي الثانية للمشروع. في أقل من شهر أوفى رجالُنا ما وعدوا، قبل الموعد الذي ضربوه لأنفسهم. حين سألتُ في المرة الأولى”: “متى نرى المياه؟» قال العميد العراقي: «بعد شهرين. تعالي يوم 11 أكتوبر وخذي حفنة ماء من القناة الجديدة.” لكن تباشير المياه ظهرت بعد شهر واحد، لأنه جيشنا العظيم. هم رجالٌ نزعوا من قاموسهم كلمات لا محلّ لها من دنيا الانضباط: “تأخير، فشل، نصف نصف….” رجالٌ لا يعرفون إلا مقولة: “Failure is NOT an Option”؛ «الإخفاق غير مطروح»، شعار رحلات الفضاء المكوكية.  أتأملُ الرمال الصفراء المشرقة مثل نُثار الذهب، وأفكر في أنها لن تكون موجودةً بعد برهة. لهذا جمعتُ بعضَها في قنينة صغيرة. ثم أختلستُ صخرتين صغيرتين من نتاج الحفر كأنما قطعٌ من خام الألماس. وعند عودتي لبيتي في المساء، أزحتُ صخرة صغيرة انتزعتُها من «سور برلين» كتذكار يشهد بوجوده قبل أن يسقط وتتوحّد الألمانيتان، ووضعت صخرتي بلادي في مكتبة «التذكارات» التي أحفظ فيها كنوزي وأسراري وتآريخَ العالم.  منذ كثير وكثير من السنوات، ظللتُ أحلُم بأن يتوحّد المصريون على حُلمٍ. مشروعٌ قومي نصطفُّ خلفه ويكون محورَ أحاديثنا ومادةَ ترقّبنا للغد. طالما حسدتُ الستينيين على اصطفافهم حول مشروع «قناة السويس» الذي لم أعشه. كان المصريون من شمال مصر إلى جنوبها يتحدثون عنه، لهذا كان ذاك الجيل مثقفًا وممتلئًا لأنه كان «مشغولا» بحلم مصري. جيلي لم يعش هذه اللحظات ولا الجيل اللاحق، لهذا تفشّت الأمراضُ المجتمعية كالطائفية والتحرش والفوضى والكسل والشكلانية، لأننا «فارغون من الحلم». الآن، أصبح لنا حلمُنا الخاص، وآن لنا أن «ننشغل» بصناعة الغد الذي أثق أنه سيكون نقيًّا من تلك الأدران التي أهلكتنا، وأهلكتْ مصر. 
يا جيشَ مصرَ العظيم، عِشْ أبدَ الدهر، احمِ ظهرَ مصرَ، وشيّدْ مستقبلَها، واصنعْ لنا الأمل.