التحليل السياسي /غانم عريبي
هل نحن امام تجربتين لبنانية ومصرية في المعارضة السياسية والخدمية كالتي نشهدها ونتحرك في اجوائها والكل يحبس الانفاس من مغبة ان تتطور التظاهرات وتاخذ شكلاً مصرياً في الولاية الاولى للإخوان المسلمين؟!
كل التجارب السياسية وتظاهراتها المناهضة لتوجهات بعض الوزراء في الحكومات المبتلية بكثرة البطانة وفساد من قبلها تتشابه وتأخذ شكلها القريب إلى بعضها عندما تحتدم التظاهرات وتقترب من المباني الحكومية وبعض بيوت المسؤولين كما حصل في القصر الجمهوري للرئيس المصري حسني مبارك، او كما حصل ويحصل من تظاهرات عمالية وسياسية في الشارع اللبناني اذ عشت جانباً كبيراً أيام التسعينات من هذه التظاهرات المطلبية وكيف كانت الاطارات المشتعلة تغطي سماء بيروت او سماء السراي الحكومي!.
نحن في الحقيقة امام مطلب جماهيري كبير يجب ان نتحرك على اساس حله بعيدا عن رمي الكرة على بعضنا في التحالف الوطني، او على بعضنا البعض في البرلمان او جميعنا في الكتل السياسية التي اتفقت على تشكيل حكومة الرئيس العبادي.
يجب ان نعترف بالمشكلة اولاً، اي ان هنالك مشكلة ضاغطة على المجتمع العراقي تؤرق عليه حياته وعيشته وحركته في بلده هي مشكلة الكهرباء، ولعل التحسن الطفيف الذي طرأ على عمليات تزويد المواطن بالطاقة الكهربائية (في الكثير من المناطق ساعتان بساعتين) لكن المشكلة لا زالت متفاقمة في اغلب المحافظات العراقية.
مواطنون التقيتهم قالوا ان المشكلة ليست في الفهداوي الذي ورث واقعا كهربائياً فاشلا وخططا متلكئة وموارد مالية مسروقة وجهود كبيرة بذلت دون طائل، انما المشكلة في واقع الفساد الذي غطى المسالة منذ ان اخفق الوزراء السابقون في تلبية بناء طاقة كهربائية عبر عقود فساد واضحة صرفت من خلالها اكثر من 37 ملياردولار ذهبت هباء منثورا في جيوب المستفيدين والعملاء الوسطيين من عراقيين واجانب ولازال الحبل على الجرار!.
الفهداوي قد يتحمل جزءا من المسؤولية لكنه في الحقيقة لايتحمل المسؤولية كلها.
ان التظاهرات المطلبية التي خرجت في الشارع يجب ان نتفهم مطاليبها اولا ونقرأ مدياتها ونحاول ان ندقق في هويتها والمسؤولين عنها والقوى السياسية المستفيدة من تفاقم الاوضاع السياسية في البلاد. ولعل الاخوة المخلصين والوطنيين في شارع التظاهرات الوطنية يدركون جيدا ان البلد ديمقراطي مفتوح وان بامكان اي مواطن ان يتظاهر ويتحدث عن مطاليبه دون الحاجة الى ترخيص، لكن من حقنا ومن حق الـ34 مليون مواطن عراقي علينا ان نتحدث بصراحة مع اخوتنا المتظاهرين ونقول لهم ان هنالك من يريد الوقيعة بينهم وبين رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي!.
هذه الحكومة ليست لديها موارد كما كان للحكومات السابقة، وليس لديها امكانات كبيرة لكي تتحرك على الكهرباء كما كانت الفرص قائمة في الحكومة السابقة.. ان الحكومة الحالية تتحرك على اساس تلافي او تنظيف المجال الكهربائي الذي ورثته من السابقة والاشتغال على الملف بما اوتيت من قوة مع العلم ان المتظاهرين يعرفون ان الموارد العراقية الان لم تصل الى المستوى الذي يرشحها الوقوف على قدميها لجهة دفع رواتب الموظفين فكيف تشتغل على طموح تلبية مطالب الناس من الطاقة الكهربائية؟!.
مع ذلك يشتغل الفهداوي ورئيس الحكومة والوزارات العراقية المعنية بكل الطاقة من اجل ان لاتصل المسالة الى النزاع المجتمعي وفسح المجال امام القوى المستفيدة في الداخل من التظاهرات واستمرارها الافادة منها لاسقاط الحكومة!.
ربما يفعلها العبادي ويقدم استقالته من رئاسة الحكومة لسبيين الاول لانه يحترم ارادة الناس التي اتت به رئيسا للحكومة ويحترم قرارها الاعتراض على نهج الحكومة في التعاطي مع ملف الطاقة والثاني لان الرجل غير طامع في البقاء او طامح في التوريث!.
اذا سقطت الحكومة ستاتي حكومة اضعف منها لكنها ستاتي بطبقة مستفيدة وقوى اخرى لاتزال على « الحديدة» طامحة لان تاخذ مكانها بين وزراء جدد ثم تبدا مسبحة الفساد تكر ويبدا «المكتب الاقتصادي» لكتلة الوزير يطالبه بتفعيل العقود المالية الكبيرة على خلفية ان الحزب والكتلة السياسية والجهة الحزبية اهم من الحكومة.
على الوطنيين في التظاهرات الكهربائية الحالية ان يصنفوا التظاهر على اساس مطلبي وليس على اساس سياسي لان التصنيف السياسي ستستفيد منه القوى المضادة للحكومة ولو على خراب البلد، اما المطالب فهي واجبة التنفيذ وعلى الحكومة والرئيس والوزير المعني العمل على تهيئة الاجواء المهنية لتلبية حاجة المواطن من الطاقة الكهربائية وسد ذريعة القوى الطامحة كسر ارادة الحكومة في المضي الى التوجهات المعلنة في البرنامج الحكومي.
هنالك خيوط مؤامرة على البلد تستهدف عمليته السياسية باستثمار الغليان الشعبي المطلبي بسبب الكهرباء وتلك الخيوط لها علاقة بدول اقليمية عربية مجاورة بمشاركة البعثيين.. هذا الكلام ليس له علاقة بالتكهنات والاستنتاجات التحليلية والكلام المرسل على عواهنه المنشور عادة في الصحف المغمورة بل هي معلومات امنية على درجة كبيرة من الاهمية.
اقولها للسادة في حكومة الرئيس العبادي..اذا لم تعجلوا باطلاق ملف الاستثمار في ملف الكهرباء فان الغليان الشعبي سيتصاعد والقوى المستفيدة من التصعيد سيتوسع نشاطها والقوى الخائبة اللاجئة الهاربة في الاردن ستتصدر المشهد وستسرق تجربتنا وتدفن انجاز اسقاط النظام الدكتاتوري السابق وتعود ويعود نفس النظام يحكم العراق.
لاتصمتوا صمت القبور على ملف الكهرباء.. ليخرج الرئيس او الوزير ويتحدث الى الناس ويساهم في التخفيف من الاحتقان الاجتماعي الذي «يفور» على فوران ارتفاع درجات الحرارة.. لا تصمتوا وكانكم لستم هنا في العراق او كأن المسالة لاتعنيكم او كانها تعنيكم ولكنها ستبرد مع انخفاض درجات الحرارة للفترة القريبة القادمة!.