كتاب أم.. وثائق ناطقة
في عادتي – مما اكتب من اعمدة – انني أترك موضوع او اسم من يتناوله العمود الى آخر سطر؛ وهي طريقة لا ادعي ابتكارها.. لكني وجدتها ادعى الى المتابعة والتشويق فاتخذتها منهجا؛ ومثلما لكل قاعدة استثناء؛ فقد وجدت قلمي مرغما هذه المرة على ان يبتدئ عموده بذكر(زيد الحلي)!
هكذا..ودفعة واحدة .. وبلا مقدمات!!
أما السبب – او المناسبة – فهو صدور كتابه الفخم(50 عاما في الصحافة) الذي لا يمهلك ولو دقائق لتتركه؛ فقد نوّعه(اللعين) بطريقة (لعينة) فما ان تحزن هنا؛ حتى تفرحك الصفحة التي تلي؛ وما ان تتوقف لتتذكر كم من اسماء حاولت القصاص من نجاحك المهني او الاجتماعي؛ حتى يبادرك الحلي بضرورة ان تترك الاسماء وراء تاريخك؛ فالرهان على البياض.. وان الصحافة بقدر ما هي(صاحبة الجلالة) بقدر ما في بلاطها من جواسيس ومتآمرين وخونة للملح والزاد.
بلدان؛ وشخصيات؛ وصحف؛ ومجلات؛ ومواقف؛ وذكريات عن– ومع – زعماء صنعوا تاريخ بلدانهم؛ وأثّروا في الوعي والذاكرة؛ ولم يكن الكلام عنهم؛ على عواهنه او ادعاء مدّع؛ لكنها الصور والمقالات المستنسخة المثبّتة بالتواريخ والارقام؛ وربما يتأسف الكاتب على ضياع صورته مع الزعيم الصيني(ماوتسي تونغ) لكنني أتاسف لـ(ماو) لانه لم يكن من المحظوظين ممن شملهم توثيق الحلي زيد(وهو ما ذكرته في مداخلتي مازحا اثناء الاحتفاء بالكاتب)الذي يضرب لنا مثلا – ودرسا – في ضرورة الاحتفاظ حتى بالقصاصات التي نعتقدها لا تملك اهمية ما – في وقتها – فربما تملك مستقبلا اهمية ليست في الحسبان؛ وهذا دأب الكاتب العربي المعروف(هيكل) وما اثبته مؤلف زيد.
بعض الكتب؛ تأخذ من وقتك بلا جدوى؛ وبعض الكتب تشكّل اضافة نوعية لثقافتك؛ وتفتح آمادا واسعة لخيالك؛ خصوصا تلك الكتب التي تعنى بالـ(سيرة الذاتية) او الـ(سيرة المهنية) كهذا الكتاب(خمسون عاما في الصحافة) والذي اعتبره (سيرة صحافة) في رجل؛ فلم يكن زيد في ضمائرنا الا(رقم صعب) في المعادلة الصحفية؛ لا تشهد بذلك- فقط – المواقع التي تسلمها؛ لكن(معاركه) تقول ذلك ايضا.
في ما مضى؛ كانت(نقابة الصحفيين) تتولى الاحتفاء باصدارات كهذه؛ بل وتشتري نسخا من المطبوع؛ واحيانا تسهم في توزيعه من خلال فروعها المنتشرة في عموم البلاد؛ لكن هذا التقليد قد غاب كما يبدو – كما غابت الكثير من التقاليد الصحفية التي يؤرشفها لنا كتاب زيد الحلي- والذي يفرح ان جريدة كـ(الزمان) قد دعت الكاتب الى اقامة (حفل توقيع) باصبوحة جميلة؛ لم ادر فيها ايهما اكثر نداوة؛ باقات الورد ام الكلمات التي انسابت عفوية من فم الاصدقاء ام تلك اللحظات الحميمية التي– اسعدني– انني كنت احد شهودها .
تحية لـ(ابو ارغيدة) ودعوة لقراءة كتابه الماتع؛ فهو شهادة تحتاجها الاجيال الصحفية الجديدة.