الاحتلال في لميزان

أشرت في حديث سابق الى ان لأميركا فضلا لا ينكره إلا مكابر، فهي وراء إسقاط الدكتاتورية وإشاعة الحياة الديمقراطية، ولكنها بالمقابل وراء مئات السيئات، كل سيئة منها تمحو حسنات الاحتلال مجتمعة، ليس ابتداءً من بذرة الطائفية المقيتة ولا انتهاءً بجعل العراق مرتعا خصبا للإرهابيين وأصحاب الأجندات السياسية والاقتصادية والمذهبية والقومية!

وأياً كان الأمر، ونحن نقرأ ميزان الحسنات، والسيئات وكفتيه غير المتوازيتين فان المشروع الاميركي ذهب في اتجاه، والحالمون بهذا المشروع والمتأملون منه خيرا، ذهبوا في اتجاه معاكس، وخابت أحلامهم وآمالهم فبعد  مضي تسع سنوات عجاف يتساءل العراقي المرحب بالمشروع الاميركي، والرافض له، على حد سواء، ما نوع التكنولوجيا التي نقلتها الولايات المتحدة على ظهور دباباتها ومتون طائراتها وحقائب مسؤوليتها الكبار، وهم يروحون ويجيئون الى بغداد من دون استئذان وكأنها بيتهم الثاني؟ هل كانوا عاجزين عن حل مشكلة الكهرباء طوال تسع سنوات؟ ما هي البنى التحتية التي أسهموا في معالجتها او بنائها؟ ماذا قدموا في مجال الصناعة والزراعة والثقافة والحياة الجامعية؟ أين دور السينما والمسارح والملاعب الرياضية التي تم إنشاؤها على أيامهم؟ ما هي المعالم الفنية والعمرانية والسياحية والجمالية والترفيهية التي استقبلتها العاصمة والمحافظات الأخرى في ظل وجودهم؟ ما الذي تحقق على أيديهم من وعود الرفاهية والبطاقة التموينية؟! هل استعاد العراق دوره العربي والإقليمي والدولي والتاريخي والحضاري؟ وأدوات الاستفهام أمامنا ما زالت عامرة بالاسئلة ولكن اكثر الأسئلة حساسية هو: هل استطاع الأميركان كسب ود العراقيين وحبهم؟!

بل هل كانوا قادرين على ذلك ؟ أنا اعتقد أنهم كانوا قادرين على تحقيق قدر متواضع من المقبولية لو أنهم انسحبوا نهاية عام 2003 او في عام 2004 كحد اعلى اي بعد انتهاء مهمتهم (التحريرية) على حد تعبيرهم وكانوا قادرين على تحقيق تلك المقبولية لو تقدموا بالعراق خطوة واحدة ملموسة الى الأمام باتجاه خدماته وامنه وسياسته الداخلية والخارجية، ومن هنا كانت سنوات الولايات المتحدة سنوات قطيعة تامة بينها وبين الشعب العراقي معبرا عنها بنخبة المثقفين على وجه الخصوص، وقد أسعدني ما ذهب اليه أستاذي اللامع ياسين النصير في هذا المجال عندما يقول، يكفي الثقافة العراقية فخرا ان (ليس من قصيدة او قصة او مقالة مجدت ثقافة الاحتلال، ولا من أديب او مفكر وطني، ساند وجود الاحتلال) ملحق (الطريق الثقافي ـ العدد 47)، فإذا تجاوزنا لغة المثقف الى لغة ابن الشارع فاشهد، ان أطرف تعليق معبر وقفت عليه، كان في مركبة نقل عامة، حيث جرى الكلام عن الانسحاب، فقال احدهم (دفعت مردي وعصاة كردي)، وهو في حدود علمي من الأمثال الشعبية التي تستعمل عند الغضب من احد أو النفور منه أو طرده وفي حدود علمي كذلك ان المردي هو عمود خشبي طويل نسبيا، يتم اعتماده لدفع الزورق في المياه الضحلة، وخاصة الاهوار اما عصا الكردي فتمتاز بالمتانة والقوة لأنها مما يلائم المناطق الجبلية صعودا ونزولا واتكاء، وبذلك جمع هذا المثل البسيط، العراقيين من الهور الى الجبل عند موقف واحد، و(ربما) كنا نأمل ان يترك أولاد العم بوش شيئا طيبا وراءهم للذكرى علّنا نقول حينها: اذكروا محاسن موتاكم، ولكن المشكلة كما يقول أهلنا في تعابيرهم الدارجة، ان (الميت ميتنا ونعرف شلون منبوش صفحة) وانه يستحق المردي والعصا… واللعنة!!

كرامات الروح

كانوا مستثارين أمام الفضائية ،وبرنامج عن الصوفية ،والدروشة ..وصور الكرامات المذهلة ،عبر تجمع صوفي ..أو عائلة وريثة للكرامات ،والتي تنتهي الى الإمام علي كرم الله وجهه …كان من بين الحضور دكتور بالطب ،ودكتور بالليزر،ومثقف وجودي ..يتابعون سيرة عائلة كريمة وتقية وبالغة الصلاح والزهد والكرامات …تأوي الأيتام والمشردين ،وتساعد المحتاجين ..وتفتح تكياتها وجوامعها ..وتقيم وجبات الطعام الكبرى لمن يقصدها ..تنفق بلا حساب …يسأل مقدم البرنامج عن مصادر الثروات والأملاك ،،يقول احد أتباع (الطريقة)أنها من عند الله ..ومن أرباح شركات وتجارات بعض أفراد الأسرة أو الطريقة (تجارة ..وتصوف؟؟ ) ..ومن تبرعات أهل الخير…

ونصل الى تحقق الكرامات ..السيوف والخناجر والقضبان تخترق الأجساد ..تنبت وتغور في الرأس والدماغ  ،وتندفع من باطن الفم وتخرج من الرقبة ..وتثقب البطن والصدر ..ويستبطن مقدم البرنامج أسئلة وشكوك المشاهد ..ويسحب بيده (السيخ)والخنجر من العنق والرأس ..ويتأكد من حقيقة ما يرى..ويذهب الى الأبعد ويقصد الصور المقطعية (الأشعة)ويقصد الطبيب في المستشفى وتعاد الممارسة..ويجري التصوير الشعاعي ،ويفحصها الطبيب …ويرى الخناجر والقضبان تخترق وتغور في الرأس والعنق ،ويقول ان ما يراه قاتل ومميت في الحال ،وليس هناك خدعة ..

بروفسور أمريكي متخصص بالتنويم المغناطيسي عكف على تفحص ودراسة الحالة ،عندما زار المنطقة وهذه الحلقات من الذكر وتجسيد الكرامات واقر واعترف ان ما يراه ليس تنويما مغناطيسيا …ولاحيلة ولا خدعة بصرية..

دكتور الليزر،المشاهد للفضائية ،يعلق بان الأمر مثير وأجداده يفعلونها ،ومع ذلك لا يصدقها …فيما قال الطبيب بان السيخ في الهند يمارسونها ،وأنهم الذين يركضون على وجه البحر..

قال المثقف الوجودي ان المصادفات عرفته على واحد من هذه العائلة المبروكة …كان محدود المدارك ،ولا يجيد قراءة وفهم مقالة في جريدة ..فكيف له ان يفهم ويستوعب التراث الصوفي..؟؟كما يعرف منهم الكاذب والغادر وعديم الوفاء ..فكيف يستقيم التصوف والزهد إذن ؟ الجواب ..ان الأب لا يزكي الابن ..

وإذا كان الابن جشعا فانما يسيء الى نفسه ولا ينال من بركة وكرامات والده …وليؤلف المؤلفون الكتب عن المتصوفة ..وعن الأبناء العاقين …

فالطاقة الروحية جلية واضحة وقد لا تتوقف على الأديان ..وربما لا تتوقف على الأخلاق …وان العالم ليس ما نراه فقط ..وان الطاقة الروحية خارج العقل ..

وأفضل ما في الصوفية وعالم الروح أنها غير طائفية وغير متعصبة ..وتخاطب الله والله رب كل البشر. 

المالكي ليس دكتاتوراوالإعتراف سيد الأدلة

الذين اتهموا المالكي بالدكتاتور وهم رضوا بان يعملوا معه في مجلس الوزراء ينطبق عليهم المثل: اذا كان بيتك من زجاج فلا ترمي الناس بالحجارة، لاننا نعرف البعض من اصدقائهم واعوانهم انسحبوا منهم لاستئثارهم بالمال وبالقرار كما يقولون.

وفي تجربتنا الميدانية عرفنا اشياء وتفاصيل ليست لصالح من يرمون المالكي بالدكتاتورية، وتزداد خسارتهم وعزلتهم عندما يقرنون الرجل بمن كانت دكتاتوريته كبقرة بني اسرائيل صفراء فاقع لونها ولكنها لاتسر الناظرين.

نحن نعرف المالكي معرفة عمل وتجربة وملاحظاتنا عليه في الحكم هي ليست ملاحظاتنا عليه قبل الحكم، وقد كتبنا بما فيه الكفاية حتى لنظن أن المالكي ليس مسرورا منها لأن هذا الامر لايعنينا بمقدار ما يعنيننا شأن الوطن والمواطن وأداء الأمانة بمواصفات من خلق الأمانة لا برغبات من يخون الامانة او يقصر فيها.

نحن نريد المسؤول ان يكون كما كان رسول الله “ص” يقف أمام الناس ويقول:  من له علي ذنب فليقتص مني. 

او كما كان يقول الخليفة ابو بكر الصديق “رض” وليت عليكم ولست بخيركم.

او كما كان عمر بن الخطاب “رض” يضرب بالدرة معاوية بن ابي سفيان ليكسر خيلائه، لانه كان كثير التبختر بالرداء الاخضر حتى عرف بصاحب الرداء الاخضر ليميز نفسه عن البقية بينما كان رسول الله لا يعرف مجلسه بين الناس لانه كان يكره ان يتميز عن الناس حتى كان الداخل الى مجلسه: يسأل ايكم رسول الله. وكان “ص” لايجلس في مكان واحد وانما يغير مجلسه في كل مرة تحاشيا للتمييز الذي اصبح اليوم ظاهرة من ظواهر الحكم والسلطة يتساوى في ذلك اصحاب النظم الديمقراطية مع اصحاب العروش من الملوك الذين اتخموا غرورا حتى حدا باحدهم إلى ان يغير عنوانه من أمير الى ملك حبا بالشهرة والمظهر.

أو كما كان علي بن ابي طالب يقول: اتركوني كاحدكم أكون اطوعكم واسمعكم “وهي الاطروحة الحقيقية للشورى التي سبقت ظهور الديمقراطيات التي سارع اليها البعض دون ان يعرف معناها او يختبر مضمونها كل ذلك حبا بالحداثة التي اصبحت موضة اكثر منها حاجة معرفية وموقف تتوازن فيه المطالب والرغبات التي تحركها فسلجة هرمونات مخلوقة لسنن الحياة التي تعلق البعض بمظاهرها الزائلة ونسي من خلقها وهو الباقي الذي لا يزول. “كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام”.

ان الملاحظة والتقويم او التقييم على معنيين هما من مفردات الكلام والكلام في تعريف الفلسفة هو :” اخراج ما في الضمير” والضمير هو المحطة التي لايشرف عليها ولا يلجها غير الله وامره وروح منه وعلى هذا الاساس يكون الكلام في مبناه الصحيح ومعناه الفصيح هو الذي يخلو من الآتي:

1-  من الحسد

2-  من الغيبة

3-  من النفاق

4-  من النميمة

5-  من الوشاية

6-  من الاغراء

7-  من التشبيب

8-  من التنابز بالألقاب “ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان”.

وعندما يخلو الكلام من تلك الشوائب يصبح على الشكل الآتي:

1-  جادا

2-  نقيا

3-  محببا

4-  حكيما

5-  صادقا

وعلى ذلك يدخل القلوب فتتالف الناس وينتظم الاجتماع فتعرف النخبة “الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه” “ويتحقق فيهم” وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن.

ونحن اليوم في المناخ السياسي والاجتماعي نفتقد لقواعد الكلام السياسي واسس الحديث الاجتماعي، فاغانينا فاسدة مائعة تختلق الغنج وتسرف في التدليك العاطفي مما يجعلها تفسد قلوب الشباب، وهذا الفساد يسبق شعارات العمل السياسي الذي تخلف عن موجة الفعل الايجابي للهرمونات فترك الباب مفتوحا لهواء العشق الذي يغزو القلوب ويخدر العقول، لذلك وقع تبادل الادوار بالخطأ بين السياسي والاجتماعي وبين العلمي والعاطفي الطارئ، وبين الفن الحقيقي والمدعى المزيف، فمنحت تسميات واصطلاحات الفن الى غير اهلها، ولذلك تنازل السياسي عن فن السياسة وهو من اعرق واجمل الفنون على مسرح الحياة التي حولها يوسف النبي “اجعلني على خزائن الارض اني بذلك حفيظ عليم”، الى عمل وتخطيط وجدية غابت عنا معالمها برغم ان الامام جعفر بن محمد الصادق قال لسائليه على ماذا بنيت امرك. قال على بنيت امري على اربع:

1-  الهدف في الحياة

2-  التخطيط للعمل

3-  الجدية

4-  الحيوية

5-  الاستمرارية وبذلك سبق نظرية “ديموني” في التخطيط الاستراتيجي.

ان التراشق بالاتهامات هي علامة الافلاس، والذين يدخلون الحكم وهم يفتقدون للخطة والهدف والجدية والحيوية والقدرة على الاستمرارية انما يكتبون على انفسهم الفشل مثلما يكتبون على عناوينهم ومن يرتبط بها فشلا مبطنا يحصدون نتائجه خيبة ويتجرعون من جراء ذلك الهزيمة التي لابد منها.

ليس كل من يخطأ في العمل الحكومي فهو دكتاتور، وليس كل من يتهم هو على حق، وليس لمن تطاله الاعترافات الا المواجهة بالصدق والحق “اجعل سفيرك بينك وبين الناس وجهك”، والاعتراف قد يكون مفتعلا كما حدث لمدحت الحاج سري مع السيد الشهيد مهدي الحكيم، ولكنه يبقى يحتفظ ببريقه القانوني مالم ننقضه بالدليل الناصع فليس كلنا يوسف حتى ياتيه الشاهد من اهله. لنحترم هويتنا الوطنية وسيادتنا بين الدول ولا نجعل للطائفية مدخلا ولا للعنصرية ماربا وبعد ذلك نحتكم للحق الذي هو محراب العقول، فنشخص الاخطاء حتى نتجاوزها وننتصر للعمل على طريقة “غبار العمل ولا زعفران البطالة”.

تفجيرات بغداد ودمشق.. صناعة فقه الكراهية

الجزء الاول 

في تفجيرات بغداد يوم الخميس 22|12|2011 المصادف 26| محرم الحرام 1433 هجرية، وتفجيرات دمشق في 23|12|2011 المصادف 27 محرم الحرام 1433 هجرية والتي راح ضحيتها في بغداد 65 شهيدا والجرحى 176 وفي دمشق 30 شهيدا و160 جريحا. ومن جراء هذه الاعتداءات الإجرامية يصاب الناس بالحيرة والذهول، ولماذا يموت الأبرياء بهذه الطريقة المتعمدة في صناعة الموت المجاني الذي أصبح خلال السنوات القليلة المنصرمة نصيبا يوميا لأهالي بغداد وبابل والأنبار وديالى والموصل والبصرة وكربلاء والنجف وصلاح الدين، واليوم اصبحت المدن السورية تتجرع مصيبة الموت في حمص ودير الزور ودرعا وادلب وحماة والجمعة الدامية كانت في دمشق.

وازاء هذه الاعتداءات البربرية التي لا تنتسب لدين ولا لخلق نرى ونسمع من يحلو له ان ينسبها زورا وبهتانا لمفاهيم الإسلام عن الشهادة والجهاد مما يزيد من حيرة عامة الناس المتعلم منهم وغير المتعلم، وازاء هذه الحيرة والغضب الذي يعتمل في نفوس الناس في العراق وسورية وغيرهما من بلاد العرب والمسلمين، ومع سكوت وصمت متعمد من قبل بعض مراكز الدعوة والتبليغ لاسيما أولئك الذين ينشرون رجالهم وشرطتهم لتحاصر الحجيج والمعتمرين في مكة والمدينة لتحصي عليهم عواطفهم ومشاعرهم تجاه رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم وأهل بيته وصحابته وتمنعهم من إظهار تلك المشاعر وهي عواطف وجدانية يسخون هم بها على أمرائهم وهم ليسوا من اهل العلم والتقوى، ويصبون جام غضبهم على من يظهر عاطفة وجدانية بريئة تجاه من يحب سواء كان ذلك الحب لرسول الله “ص” او لاهل بيته الأطهار، فتراهم يتعمدون التفتيش عن كتب الأدعية ومنعها حتى اصبح كتاب مفاتيح الجنان وهو من كتب الادعية يحاسب من يحمله ويتعرض للاهانة وأحيانا للسجن اذا امتنع من تسليمه للمطوعة الذين يتعاملون مع الحجاج بمنتهى الغلظة والجفاء.

وللوقوف على تفسير غلظة وعجرفة المطوعة في الحرم المكي المطهر وحرم المسجد النبوي الشريف، وظاهرة الانتحاريين الذين يقتلون الابرياء في مدن العراق وسورية لابد من اماطة اللثام عن الاسباب الحقيقية لصناعة الكراهية في تاريخنا، وهذه الخطوة قد يفسرها بعض المحدودين وكل المنافقين والإرهابيين على انها اثارة للطائفية زعما منهم ان من يقوم بذلك لا يريد إلا إثارة الطائفية وفتنتها وما دروا انهم في الفتنة وقعوا عندما سمحوا لأنفسهم ان يعتبروا هؤلاء الانتحاريين انما يقومون بعمل جهادي استشهادي والقسم الآخر منهم سكت ولاذ بالصمت ناسيا ان الساكت عن الحق شيطان اخرس.

اننا نريد دراسة هذه الظاهرة دراسة موضوعية نتتبع اصولها ومنابعها ومنطلقاتها واغراضها والنتائج التي ترتبت عليها واوصلتنا لما نحن فيه من الضياع والضبابية التي جعلت من يعطى حبوب الهلوسة استشهاديا وهو لايملك اخلاق وروحية الاستشهادي الذي صنعه الاسلام على هدى من حق انساني وخدمة مجردة للشريعة التي جاءت من اجل الفقراء كل الفقراء من كل جنس ومن كل دين ” كلكم لادم وادم من تراب ” كما قال رسول الله “ص” وكما قال علي بن ابي طالب عليه السلام :” الانسان اما اخ لك في الدين او شريك لك في الخلق ”

وسنرى ان المنابع الاولى قد ارسيت في ديوان الرواية التي جمعها كتاب السير حيث كانت سيرة بن هشام وسيرة بن اسحاق واول مرة جمعت فيها كتابة السيرة كانت عام 92 هجرية وهو زمان حكم بني امية حيث كتبت الرواية بما يناسب المزاج الاموي الذي اختط لنفسه منهجا مفاده :-

1- اظهار اهل البيت عليهم السلام وكأنهم كبقية عامة الناس ليس لهم منزلة علمية، وليس لهم فضيلة تقربهم من رسول الله سوى النسب والنسب لاحجة له بدون دليل.

2- اظهار رسول الله وكأنه ليس معصوما الا بالتبليغ وبموته تنقطع صلته بالناس وبالمسلمين.

3- التعتيم على مفهوم الإمامة.

4- انكار وجود وصية لرسول الله لمن بعده.

ثم كانت سيرة ابن إسحاق سنة 152 هجرية وهي ايام حكم العباسيين الذين انحرفوا عن المنهج العلوي في الإسلام العقائدي الى منهج السلطة الزمنية التي أصبحت المساحة الجغرافية فيها اكبر من المساحة الروحية حتى قال الشاعر فيهم :-

يا ليت حكم بني مروان دام لنا

 وحكم بني العباس في النار

والدخول في ديوان الرواية واصطلاحاتها التي ازدحم فيها كل من:

1- المدلس

2- المقطوع

3- المعنعن

4- الضعيف

5- المتروك

6- المقبول

7- الحسن

ومن هو الضعيف ومن هو الجيد ومن هم رجالاته يحتاج الى بحث مفصل اهتمت به كتب الحديث الذي اصبح علما له اصوله وقواعده.

ولكنني اريد ان اضع القارئ والمتابع بصورة مختصرة مع المحافظة على اصول المنهج البحثي في صورة المواقف التي صنعت فقه الكراهية الذي كان سببا وراء ظاهرة الانتحاريين اليوم من الذين لانصيب لهم من دين او خلق.

واول من اشتغل بفقه الكراهية وتجميع لبناته المتفرقة في كتب احمد بن حنبل الذي عرف بالحشو نتيجة تفسير الاية الكريمة “عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا ” فقد وقعت فتنة كبيرة بين الحشوية واهل السنة من الاشاعرة، يقول ابن الاثير عن حوادث سنة ” 317″ هجرية وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين اصحاب ابي بكر المروذي الحنبلي وبين غيرهم من العامة ودخل كثير من الجند فيها والسبب في ذلك ان اصحاب المروذي الحنبلي قالوا في تفسير هذه الاية : ان الله يقعد النبي “ص” معه على العرش – السلفية بين اهل السنة والامامية ص 185 السيد محمد الكثيري. والشيخ ابن تيمية هو اول من اسس لفقه الكراهية وعنه اخذ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية التي ينتمي لها تنظيم القاعدة الارهابي فقهيا وروحيا.

ولد تقي الدين بن تيمية في بيت المشيخة الحنبلية بحران وعرف من افراد هذه الاسرة محمد بن الخضر بن تيمية وقد كان شيخ الحنابلة وخطيب حران طيلة حياته ثم جاء بعده ابنه عبد الغني وابن عمه عبد السلام المتوفى سنة 652 هجرية ثم انتقلت رئاسة هذا المذهب بحران الى والد احمد ابن تيمية عبد الحليم بن عبد السلام 627- 682- هجرية والذي غادرها الى دمشق فرارا من الغزو المغولي، حيث استقرت الاسرة في دمشق واستطاع ابوه ان يحصل على كرسي التدريس بجامعها، وما لبث ان اسندت له مشيخة الحديث السكرية في القصاعين – ابن تيمية : حياته، عقائده، مواقفه من الشيعة واهل البيت | صائب عبد الحميد – مركز الغدير للدراسات الاسلامية ط1 – 1994 ص 25-

تلقى ابن تيميه تعليمه الاول في حلقات أبيه لينتقل بعدها متتلمذا على يد مجموعة من المشايخ والاساتذة على رأسهم: احمد بن عبد الدائم المقدسي المحدث الحنبلي، وابن ابي اليسر التنوخي المتوفى سنة 682 هجرية كما تتلمذ على يد مجموعة من النساء المحدثات مثل زينب بنت احمد المقدسية وزينب بنت مكي الحرانية درس على يد هؤلاء جميعا وآخرين: علوم الحديث والرجال واللغة والتفسير والفقه والاصول، وقرا بنفسه ونسخ كتبا بيده منها سنن ابي داود، وكان حاد الطبع حديد الذهن قوي الحافظة برز على أقرانه ولما يجاوز العشرين من عمره، وكان ابوه يعلمه الافتاء ويدربه عليه ليعده من بعده لخلافته، وكان يرى المذهب الحنبلي امثل المذاهب الاسلامية واقربها الى السنة وابعدها عن الغريب – المدخل لدراسة الأديان والمذاهب– عبد الرزاق محمد اسود ج2 ص233.

وقد ذكر ابن العماد الحنبلي اهم الفتاوى المخالفة لفتاوى أهل السنة والجماعة وهي خمسة عشر مسالة ذكر منها: 

1- ارتفاع الحدث بالماء المعتصر كماء الورد ونحه.

2- المائع القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه حتى يتغير، حكمه حكم الكثير.

3- جواز التيمم خشية فوات الوقت مع توفر الماء

4- تارك الصلاة عمدا لايجب عليه القضاء ولا يشرع له.

5- جواز القصر في مسمى السفر طويلا كان او قصيرا.

6- من اكل في شهر رمضان معتقدا انه ليل وكان نهارا فلا قضاء عليه

7- جواز طواف الحائض ولا شيء عليها.

8- الحلف بالطلاق لايقع وعليه كفارة.

9- الطلاق المحرم لايقع.

10- الطلاق الثلاث لايقع الا واحدة. وهو بهذه خالف الخليفة عمر بن الخطاب.

ومن القضايا الخلافية المهمة هي قضية العقائد والتي ستبعث من جديد على يد تلميذه محمد بن عبد الوهاب ومنها:- 

1- تحديد مفهوم العبادة والشرك.

2- تحديد مفهوم البدعة والابتداع في الدين وحدهما.

3- التوسل والتبرك بالنبي وآثاره.

4- التوسل بالأولياء والأئمة.

5- شد الرحال لزيارة قبر النبي او قبور الاولياء.

6- البناء على القبور والصلاة عندها سواء قبور الأنبياء او الاولياء وكذا النذر لأهلها.

ولقد كان دفاعه المستميت عن يزيد بن معاوية قاتل الحسين بن علي رضي الله عنه، وقضايا اخرى هاجم فيها اهل السنة وغيرهم مثل القضايا الفلسفية والكلامية واعتراضه على بعض معتقدات الصوفية الى جانب حربه على الشيعة بشكل عام والامامية بشكل خاص – السلفية بين اهل السنة والامامية ص 221 – السيد محمد الكثيري

واهم الفتاوى التي اثارت حفيظة علماء اهل السنة والجماعة هو ما افتاه في ” حمويته ” او ” عقيدته الواسطية ” ومحاولته علاج الكم الهائل من احاديث الحشو الحنبلي وهو ما يطلق عليه اليوم مذهب السلف ” وما هو الا مذهب شيخ الاسلام ابن تيمية – كتاب السلفية ص 222.

وفقه الكراهية الذي اسسه ابن تيمية والذي خرج فيه على المشهور من فقهاء اهل السنة والجماعة وخاصمهم وجاء بالفتاوى التي تخالف الكتاب والسنة في خمسة عشر فتوى ومن معالم الكراهية المكرسة ضد الشيعة ماقاله ابن تيمية في الصفحة -21- من كتاب منهاج السنةالنبوية في نقض كلام الشيعة القدرية –ج1 – تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم –ط1 لسنة 1406- 1986- وبتقديم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مدير جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، وفي تلك الصفحة من الكتاب يقول ابن تيمية وهو يتحدث عن كتاب ” منهاج الكرامة ” للعلامة ابن المطهر الحلي : حيث يقول : وهذا المصنف سمي كتابه ” منهاج الكرامة ” في معرفة الامامة وهو خليق بان يسمى منهاج الندامة. ثم يقول : كما ان من ادعى الطهارة وهو من الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم ” وانا اسال كل عاقل منصف ” من اعطى هذا الرجل حقا في ان يطلع على قلوب الناس ويحكم عليهم هكذا جزافا لا لشيئ الا حقدا وكراهية لاختلاف وجهات النظر. ثم يقول ابن تيمية كاشفا عن تاسيس فقه الكراهية : بل من اهل الجبت والطاغوت والنفاق يضع كل هذه الأوصاف لابن المطهر الحلي وهو يريد ان يناقش كتابه فهل هذه هي أخلاق أهل العلم…. وهل هكذا ينصف الناس. ثم يستطرد ويقول عن ابن المطهر الحلي : كان وصفه بالنجاسة والتكدير اولى من وصفه “بالتطهير” وقد ذكر الصفدي في ترجمته لابن تيمية ” الوافي بالوفيات… نسخة خطية في مكتبة البودليان باكسفورد ج16ص21 انه سمع ابن تيمية يقول : ابن النجس، يريد به ابن المطهر الحلي.

ثم يقول ابن تيمية عن مشابهة الشيعة لليهود والنصاري في مسعى منه لتأسيس الكراهة الأبدية ما هذا نصه: “ولهذا ما بينهم وبين اليهود المشابهة في الخبث، واتباع الهوى وغير ذلك من أخلاق اليهود، وبينهم وبين النصارى من المشابهة في الغلو والجهل وغير ذلك من اخلاق النصارى، ثم يعمم الحكم فيقول باطلا ومازال الناس يصفونهم بذلك. ونحن هنا نسال العقلاء واهل الدراية بالنص القرآني “قل لا اسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى” و “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا ” هل جزاء من يتبع اهل البيت وهم اهل العلم باجماع من اشتغل بالعلم واهل التضحية والجهاد في الاسلام ” اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن امن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله ” هل من ينصف علي بن ابي طالب الذي كان اول من امن بالاسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ومن نام في فراش الموت ومن كانت له الصولة في معركة بدر الكبرى ومن اثخن بالجراح في معركة احد، وكان يقول لرسول الله : والله لو حملوني على الاكف ماتركت نصرتك، ومن قتل عمرو بن ود العامري في معركة الخندق ومن فتح حصن خيبر. هل يقال لمن ينصف هذا الرجل بانه خبيث ومشابه لليهود والنصارى. هل هذا هو الوفاء للاسلام ولرسول الله من قبل ابن تيمية واتباعه الذين جاءوا اليوم ليقدموا التنازلات للصهيونية المتمثلة بدويلة اسرائيل المحتلة لارض العرب والمسلمين في فلسطين حتى اصبحوا يتسابقون في اظهار الود والوفاء ليهود الصهيونية ولقادة العقلية التوراتية في امريكا بينما يصبوا جام غضبهم على ديار المسلمين التي يسكنها الشيعة الذين لاذنب لهم سوى انهم يوالون عترة المصطفى على هدي الكتاب ومنهج رسول الله في سنته المباركة.

وساذكر هنا من باب الاختصار ماجاء به ابن تيمية من دعاوى ضد الشيعة في سبيل صناعة فقه الكراهية الذي اخذت تغرف منه الوهابية ووجد تنظيم القاعدة الوهابي ضالته في تلك الدعاوى الباطلة ومنها : –

1- يقول ابن تيمية : قالت اليهود لايصلح الملك الا في ال داود، وقالت الرافضة : لاتصلح الامامة الا في ولد علي، ولاندري ما هو وجه الممانعة اذا كان النص لابد له من رجال التقوى والعلم والعدل وقد قال النبي “ص” ” علي اقضاكم ” واذا كان النص القرآني فيه المحكم والمتشابه والعام والخاص، والقران قال لنا لايعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم ” وقد ثبت عند الصحابة المخلصين والتابعين من اهل العلم وصلحاء الامة ان اهل بيت النبوة هم علي وفاطمة والحسن والحسين وابنائهما المنصوص عليهم هم اهل الذكر واهل العلم واولي الامر.

2- ويقول ابن تيمية : وقالت اليهود : لاجهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من السماء، وقالت الرافضة : لاجهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء. وهذا محض افتراء علة قوم قضوا عمرهم في الجهاد في سبيل الله وتاريخهم منذ صدر الاسلام الاول والى يومنا هذا يشهد بعدم تخليهم عن الجهاد في سبيل الله وفتاوى علمائهم وقبل ذلك ائمتهم المعصومين تشهد بذلك وباب الجهاد في سبيل الله يحتل الحيز الاكبر في كتب الحديث والفقة ورسائله العملية فهل يجوز اتهام من هذا ديدنهم وهذه مقاومتهم في لبنان والعراق وايران والبحرين وباكستان وافغانستان بانهم ليسوا اهل جهاد في سبيل الله.

3- ويقول ابن تيمية : واليهود يؤخرون الصلاة الى اشتباك النجوم وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب الى اشتباك النجوم؟ وهذا افتراء اخر فالشيعة بناءً على نصوص من النبي عن طريق العترة الطاهرة الذين هم اعلم بكتاب الله وسنة رسول الله قد قالوا باختفاء الحمرة المشرقية وهي قضية علمية في حركة الشمس والارض والقمر والنجوم واختفاء الحمرة المشرقية ليست هي زمان اشتباك النجوم في السماء وهذا ما يعرفه اهل الفلك وعلوم الفضاء التي اصبحت ميسرة لمن يريد المتابعة والمعرفة.

4- ثم يقول ابن تيمية باطلا اخر على الشيعة حيث يقول : واليهود لايرون على النساء عدة وكذلك الرافضة. وهذه كتب الشيعة الفقهية ” المستدرك ” و ” من لايحضره الفقيه ” والمبسوط، واللمعة الدمشقية، وشرائع الاسلام في مسائل الحلال والحرام ورسائل المعاصرين من الفقهاء كلها تفرد ابوابا لفقه النساء ومنها العدة، فمن يدعي غير ذلك لايكون من اهل العلم ولا يحق له الفتوى التي تشوه الحقيقة على المسلمين كما يفعل ابن تيمية الذي خالف علماء اهل السنة ولاندري كيف اصبح شيخا للاسلام وهو بهذا المستوى من الاسفاف في الحكم والتجني الذي لايعبر عن ورع.

5- ثم يقول ابن تيمية : واليهود حرفوا التوراة وكذلك الرافضة حرفوا القران. – منهاج السنة النبوية ج1 ص 25- وهل يوجد عالم او طالب علم يسمح لنفسه بمثل هذا الافتراء على الشيعة الذين يتبعون كتاب الله وسنة رسول الله من خلال علي بن ابي طالب تلميذ القران الذي يعرف خاصه وعامه ومحكمه ومتشابهه والذي وصفه رسول الله بالاذن الواعية عندما دعا له بذلك حين نزلت الاية ” وتعيها اذن واعية ” ثم اين حرف الشيعة القران ولم تطلق هذه الاحكام جزافا. الم يكن ذلك كله هو من يصنع فقه الكراهية. ثم ماالربط بين تحريف اليهود للتوراة وقد ذكر القرآن ذلك واعتقد به الشيعة وكل فرق المسلمين. الم يكن هذا مجرد تحامل وخلق شبهة في نفوس بعض المسلمين لاسيما الذين لا يتابعون ولا يقرأون ومن في نفوسهم هوى. ثم ان رسول الله “ص” هو من كان يشرف على جمع القران ومتابعة ترتيب اياته وكان “ص” يراجع القران مع جبرائيل مرة في كل سنة الا في سنة الوداع حيث راجعه جبرئيل معه “ص” مرتين فعلم ” ص” انه نعيت اليه نفسه واخبر بذلك ابنته فاطمة عليها السلام ثم اخبرها بانها اول الاحقين به في جنة النعيم، وفي الخبر الاول بكت فاطمة وفي الخبر الثاني ضحكت ولهذا سالتها عائشة ام المؤمنين عن سبب بكائها وضحكها وهي جالسة مع النبي وكانت تراهما فاخبرتها فاطمة بذلك والخبر منقول عن عائشة ام المؤمنين، فليس صحيحا ما يشاع بين الناس من ان القران لم يجمع الا على زمن بعض الخلفاء، فالقران كان مجموعا ومرتبا ومحفوظا من قبل رسول الله “ص” وكان اهل بيته من بعده هم اعلم بالقران واحرص الناس على كتاب الله قولا وعملا وعلى هذا يكون الفهم الصحيح لكتاب الله وجمعه ” انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.

الاحتلال في لميزان

أشرت في حديث سابق الى ان لأميركا فضلا لا ينكره إلا مكابر، فهي وراء إسقاط الدكتاتورية وإشاعة الحياة الديمقراطية، ولكنها بالمقابل وراء مئات السيئات، كل سيئة منها تمحو حسنات الاحتلال مجتمعة، ليس ابتداءً من بذرة الطائفية المقيتة ولا انتهاءً بجعل العراق مرتعا خصبا للإرهابيين وأصحاب الأجندات السياسية والاقتصادية والمذهبية والقومية!

وأياً كان الأمر، ونحن نقرأ ميزان الحسنات، والسيئات وكفتيه غير المتوازيتين فان المشروع الاميركي ذهب في اتجاه، والحالمون بهذا المشروع والمتأملون منه خيرا، ذهبوا في اتجاه معاكس، وخابت أحلامهم وآمالهم فبعد  مضي تسع سنوات عجاف يتساءل العراقي المرحب بالمشروع الاميركي، والرافض له، على حد سواء، ما نوع التكنولوجيا التي نقلتها الولايات المتحدة على ظهور دباباتها ومتون طائراتها وحقائب مسؤوليتها الكبار، وهم يروحون ويجيئون الى بغداد من دون استئذان وكأنها بيتهم الثاني؟ هل كانوا عاجزين عن حل مشكلة الكهرباء طوال تسع سنوات؟ ما هي البنى التحتية التي أسهموا في معالجتها او بنائها؟ ماذا قدموا في مجال الصناعة والزراعة والثقافة والحياة الجامعية؟ أين دور السينما والمسارح والملاعب الرياضية التي تم إنشاؤها على أيامهم؟ ما هي المعالم الفنية والعمرانية والسياحية والجمالية والترفيهية التي استقبلتها العاصمة والمحافظات الأخرى في ظل وجودهم؟ ما الذي تحقق على أيديهم من وعود الرفاهية والبطاقة التموينية؟! هل استعاد العراق دوره العربي والإقليمي والدولي والتاريخي والحضاري؟ وأدوات الاستفهام أمامنا ما زالت عامرة بالاسئلة ولكن اكثر الأسئلة حساسية هو: هل استطاع الأميركان كسب ود العراقيين وحبهم؟!

بل هل كانوا قادرين على ذلك ؟ أنا اعتقد أنهم كانوا قادرين على تحقيق قدر متواضع من المقبولية لو أنهم انسحبوا نهاية عام 2003 او في عام 2004 كحد اعلى اي بعد انتهاء مهمتهم (التحريرية) على حد تعبيرهم وكانوا قادرين على تحقيق تلك المقبولية لو تقدموا بالعراق خطوة واحدة ملموسة الى الأمام باتجاه خدماته وامنه وسياسته الداخلية والخارجية، ومن هنا كانت سنوات الولايات المتحدة سنوات قطيعة تامة بينها وبين الشعب العراقي معبرا عنها بنخبة المثقفين على وجه الخصوص، وقد أسعدني ما ذهب اليه أستاذي اللامع ياسين النصير في هذا المجال عندما يقول، يكفي الثقافة العراقية فخرا ان (ليس من قصيدة او قصة او مقالة مجدت ثقافة الاحتلال، ولا من أديب او مفكر وطني، ساند وجود الاحتلال) ملحق (الطريق الثقافي ـ العدد 47)، فإذا تجاوزنا لغة المثقف الى لغة ابن الشارع فاشهد، ان أطرف تعليق معبر وقفت عليه، كان في مركبة نقل عامة، حيث جرى الكلام عن الانسحاب، فقال احدهم (دفعت مردي وعصاة كردي)، وهو في حدود علمي من الأمثال الشعبية التي تستعمل عند الغضب من احد أو النفور منه أو طرده وفي حدود علمي كذلك ان المردي هو عمود خشبي طويل نسبيا، يتم اعتماده لدفع الزورق في المياه الضحلة، وخاصة الاهوار اما عصا الكردي فتمتاز بالمتانة والقوة لأنها مما يلائم المناطق الجبلية صعودا ونزولا واتكاء، وبذلك جمع هذا المثل البسيط، العراقيين من الهور الى الجبل عند موقف واحد، و(ربما) كنا نأمل ان يترك أولاد العم بوش شيئا طيبا وراءهم للذكرى علّنا نقول حينها: اذكروا محاسن موتاكم، ولكن المشكلة كما يقول أهلنا في تعابيرهم الدارجة، ان (الميت ميتنا ونعرف شلون منبوش صفحة) وانه يستحق المردي والعصا… واللعنة!!

كرامات الروح

كانوا مستثارين أمام الفضائية ،وبرنامج عن الصوفية ،والدروشة ..وصور الكرامات المذهلة ،عبر تجمع صوفي ..أو عائلة وريثة للكرامات ،والتي تنتهي الى الإمام علي كرم الله وجهه …كان من بين الحضور دكتور بالطب ،ودكتور بالليزر،ومثقف وجودي ..يتابعون سيرة عائلة كريمة وتقية وبالغة الصلاح والزهد والكرامات …تأوي الأيتام والمشردين ،وتساعد المحتاجين ..وتفتح تكياتها وجوامعها ..وتقيم وجبات الطعام الكبرى لمن يقصدها ..تنفق بلا حساب …يسأل مقدم البرنامج عن مصادر الثروات والأملاك ،،يقول احد أتباع (الطريقة)أنها من عند الله ..ومن أرباح شركات وتجارات بعض أفراد الأسرة أو الطريقة (تجارة ..وتصوف؟؟ ) ..ومن تبرعات أهل الخير…

ونصل الى تحقق الكرامات ..السيوف والخناجر والقضبان تخترق الأجساد ..تنبت وتغور في الرأس والدماغ  ،وتندفع من باطن الفم وتخرج من الرقبة ..وتثقب البطن والصدر ..ويستبطن مقدم البرنامج أسئلة وشكوك المشاهد ..ويسحب بيده (السيخ)والخنجر من العنق والرأس ..ويتأكد من حقيقة ما يرى..ويذهب الى الأبعد ويقصد الصور المقطعية (الأشعة)ويقصد الطبيب في المستشفى وتعاد الممارسة..ويجري التصوير الشعاعي ،ويفحصها الطبيب …ويرى الخناجر والقضبان تخترق وتغور في الرأس والعنق ،ويقول ان ما يراه قاتل ومميت في الحال ،وليس هناك خدعة ..

بروفسور أمريكي متخصص بالتنويم المغناطيسي عكف على تفحص ودراسة الحالة ،عندما زار المنطقة وهذه الحلقات من الذكر وتجسيد الكرامات واقر واعترف ان ما يراه ليس تنويما مغناطيسيا …ولاحيلة ولا خدعة بصرية..

دكتور الليزر،المشاهد للفضائية ،يعلق بان الأمر مثير وأجداده يفعلونها ،ومع ذلك لا يصدقها …فيما قال الطبيب بان السيخ في الهند يمارسونها ،وأنهم الذين يركضون على وجه البحر..

قال المثقف الوجودي ان المصادفات عرفته على واحد من هذه العائلة المبروكة …كان محدود المدارك ،ولا يجيد قراءة وفهم مقالة في جريدة ..فكيف له ان يفهم ويستوعب التراث الصوفي..؟؟كما يعرف منهم الكاذب والغادر وعديم الوفاء ..فكيف يستقيم التصوف والزهد إذن ؟ الجواب ..ان الأب لا يزكي الابن ..

وإذا كان الابن جشعا فانما يسيء الى نفسه ولا ينال من بركة وكرامات والده …وليؤلف المؤلفون الكتب عن المتصوفة ..وعن الأبناء العاقين …

فالطاقة الروحية جلية واضحة وقد لا تتوقف على الأديان ..وربما لا تتوقف على الأخلاق …وان العالم ليس ما نراه فقط ..وان الطاقة الروحية خارج العقل ..

وأفضل ما في الصوفية وعالم الروح أنها غير طائفية وغير متعصبة ..وتخاطب الله والله رب كل البشر. 

العقل السياسي

“العقل قائد والعلم رائد”، حديث شريف.

“العقل وضع الشيء في محله”، الإمام علي.

يعرف العلم بأنه الانتقال من المجهول الى المعلوم، ويعرف بأنه انطباع صورة الشيء في الذهن. 

وكل من التعريفات المذكورة أعلاه تفي بالغرض فيما نريد خصوصا إذا ابتعدنا عن الفلسفة وأغراضها العميقة إلا إذا أخذناها بمعناها التعريفي اصطلاحا: وهو ان الفلسفة هي نظم العالم نظما عقليا.

وبهذا التعريف للفلسفة وبتعريف العلم مضافا لتعريف “العقل” نكون قد اقتربنا من شواطئ المعرفة المنفتحة على معاني الحياة ومنها المعنى السياسي.

والعقل السياسي هو تخصص فرضته الحاجة الاجتماعية للدولة، فالدول تعرف بساستها، وساستها يعرفون بعقولهم، والعقول تعرف بالمواقف الحرجة.

والمواقف الحرجة التي تواجه العراق بعد الانسحاب الأمريكي كثيرة أهمها:

1- كيفية مواجهة آثار الانسحاب.

2- كيفية مواجهة ما بعد الانسحاب على المستويات التالية:

أ‌-  المستوى الداخلي وتفاعلاته وهي:

الحزبية

العشائرية

 الطائفية

ب‌- المستوى الإقليمي ومواقف دول الجوار التي يميزها الواقع التالي:

دول صديقة

دول غير صديقة

دول متحاملة

دول متآمرة

ج- المستوى العالمي وتتباين مواقف الدول فيه على الشكل الآتي:

دول طامعة

دول تبحث عن استثمارات

دول كيدية

والعقل السياسي مطلوب منه القدرة على الفرز ورسم خريطة طريق لكل تلك التضاريس السياسية المحيطة بالعراق مع معرفة كل متطلبات المناخ الداخلي والتي تعاني ترسبات مرحلة 1968- 2003، وتفاعلات مرحلة ما بعد 2003 ومنها:

1- مرحلة الاحتلال وآثاره.

2- مرحلة الإرهاب ومخلفاته.

3- مرحلة الفساد ونتائجه.

4- مرحلة الانتخابات وإفرازاتها.

5- مرحلة إقليم كردستان وتطبيقاته غير الدستورية.

هذه المراحل لم تصبح من الماضي وإنما هي تشكل تحديا حقيقيا للعقل السياسي العراقي.

والعقل السياسي العراقي ليس ملكا لحزب أو عشيرة أو طائفة وإنما هو صناعة معرفية للقاسم المشترك للحيثيات التالية:

1- الهوية الوطنية.

2- السيادة العراقية.

3- الكرامة العراقية.

واستحضار هذه المعاني تتضاءل أمامه المسميات والعناوين التي تكاثرت في المراحل السابقة ومازال تكاثرها يمثل زناد الفتنة لأنها نشأت وترعرعت بالمواصفات التالية:

1- المزاجية الفردية

2- الامتيازات العائلية

3- النعرات الطائفية

4- الخصومات العشائرية

5- المراهقة الحزبية

والحديث بقوة العقل لا قوة السلاح والحوار بالتي هي أحسن لا بالتشنج والعصبية، والصراحة على طريقة “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته”، وحسن الظن من خصائص الفطن، والمسامحة هوية النفس الكبيرة، والصبر ميدان العقل والروح والنفس، والطاعة سلوك نحو التسامي وهجران الأنانية، والتواضع يرفع صاحبه، والاستماع الجيد مفتاح الانفتاح على الآخر، والصمت تجاه المبهم من الأمور حكمة، ومعرفة السؤال نصف الجواب.

بهذه الذخيرة المعرفية يكون العقل السياسي حاضرا، وعند حضوره لا تبقى مغاليق الأمور مبهمة، وعندها تبدأ مشاريع العمل ويحل الأمل وتتفتح أزاهير الحقول، وتنضج الثمار، فيشبع من به حاجة، ويرتوي العطشى، وتهدأ النفوس وتتواصل القلوب على طريقة “القلوب سواقي”. هذا المشهد ينتظر العراقيين ولكن بعد أعمال العقل وإبعاد الجهل.

alitamimi5@yahoo.com

التخطيط الأستراتيجي

دراسة مقارنة بين النظرية القرآنية والنظريات الحديثة من خلال مقاربات البحث العلمي في المجال الطبي واستعراض منهج التقييم لأخلاقيات البحث الطبي مستعينة بمعاني الأداء والجودة ومفاهيمها العملية التي أصبحت جزءاً من التنظيم الإداري، فنجحت في الدول المتقدمة وقطعت شوطا، بينما ظلت عندنا عناوين من دون مضامين.لذلك تسعى هذه الدراسة لإثارة التساؤل حول ظاهرة تخلف البحث عندنا بسبب انعدام التخطيط وفقدان مفهوم الستراتيجيا في مختلف ميادين الحياة. الأداء والجودة من منظور إستراتيجي

البحث الطبي كل ما يتعلق بصحة الإنسان مريضا كان أم سليما وصحة الإنسان لا تكتمل دائرة معرفتها ما لم يعرف المحيط الذي يعيش به الإنسان، ومن هنا يدخل الاهتمام بالحيوان والنبات باعتبار البعض منهما في تماس مع الإنسان ثم المحيط الذي يسكن فيه ويتحرك والمكون من:

1- المسكن: غرف نوم، غرف جلوس، مطبخ، مرافق صحية حمام، حديقة منزل ان وجدت ولها اثر مباشر على الحالة الصحية.

2- الحي أو الحارة التي يسكن وفيها: مساكن، أزقة او شوارع ساحات او منتزهات، محلات مختلفة، أفران صمون أو خبز، مقاهي، حمامات عامة ان وجدت ولها علاقة بالصحة العامة للناس. 

3- محال خضراوات وفواكه، باعة متجولون، مكتبات ولا تخلو من علاقة بصحة الناس.

4- كراجات: سيارات تعمل على البنزين وأخرى على المازوت، وكلها ذات تأثير على صحة الناس.

5- انهار أو مبازل، برك ومستنقعات ان وجدت فهي ذات تأثير مباشر على صحة الناس.

6- مجاري منظمة صحية او مكشوفة طافحة غير منظمة كلها ذات تأثير مباشر على صحة المواطنين.

7- محطات تصفية المياه حكومية او أهلية هي ذات علاقة مباشرة بصحة الناس.

هذا فيما يتعلق بالمحيط البيئي المباشر اليومي، اما غير المباشر فهو الحيوان والنبات الذي قد يكون مباشرا لبعض سكان القرى والأرياف، وله بحث آخر.

وأخلاقيات تقييم البحوث الطبية يجب ان تتوفر وتستوفي قواعد وأصول البحث الطبي اولا، والبحث الطبي هو جزء من البحوث العلمية، وللبحوث العلمية إستراتيجيا هي عبارة عن ثوابت البحث وأهمها:-

1- التخطيط: ويرمز له P 

2- التنفيذ: ويرمز له:”D”

3- المراقبة: ويرمز لها: “C ”

4- الفعل والاستمرارية: ويرمز لها:” A ”

c…. D

ِ A……… P

وعلى هذا تكون لنا دائرة: تبدأ من التخطيط مرورا بالتنفيذ وبعدها مرحلة المراقبة، ثم تنتهي بالفعل والاستمرارية وقد يعبر عنها بالحيوية كما سنرى في مقارنة هذه الدائرة التي وضعها “ديموني” وطبقت في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وبيان مخطط الدائرة تعني:

1- الحركة المستمرة: باعتبار كل ما موجود في الكون هو حركة فلكية مسارها دائري في الاعم الأغلب، وحركة الإنسان على الأرض لا تخرج عن إطار الظاهرة الدائرية.

2- ان للحركة محطات من خلالها تعرف البداية والنهاية ويمكن متابعة مستوى الحركة في كل محطة وعلى ذلك يقوم التقويم ومعرفة الجودة من عدمها.

وحتى يكون البحث متصلا متكاملا مع مفهومنا الروحي ومعطياتنا التاريخية لابد من الإشارة الى الحقائق التالية:-

1- ان من يقرا القران: قراءة وعي وتدبر يخرج بالنتيجة التالية:-

أ- ان القران كتاب الله من اول اية كريمة فيه بعد البسملة هي “الحمد لله رب العالمين” الى آخر أية في سورة الناس وهي “من الجنة والناس” وعبر “114” سورة قرآنية مباركة و” 6236″ آية قرآنية و”70″ كلمة مع زيادة متوقعة حسب بعض المدارس اللغوية وما يزيد عن “300000” حرف قرآني مبارك وهي التي قال عنها تعالى: “ولو انما في الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم” – لقمان – 27- “قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا – الكهف – 109- كل هذه السور القرآنية وآياتها تدعونا إلى ما يلي:

التخطيط: وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”. ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون – هود – 38- “ان الذي فرض عليك القران لرادك الى معاد قل ربي اعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين – القصص – 85-

التنظيم: “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج….”-البقرة – 197- واذكروا الله في ايام معدودات فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه…” البقرة – 203- يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج…” البقرة – 189- حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين “البقرة – 238- قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم” البقرة – 263- يا أيها الذين امنوا اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…” البقرة – 282- يا ايها الذين امنوا اوفوا بالعقود…” المائدة -1- وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص..” المائدة – 45- يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين – الأعراف – 31- ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا ان الله لا يحب كل مختال فخور” – لقمان – 18- يا أيها الذين امنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون”  الحجرات – 2-

وعلى هذا يكون التخطيط والتنظيم مشروعا قرآنيا سبق المشاريع والنظريات الحديثة في موضوع التخطيط الإستراتيجي وسنجد في الآية القرآنية المباركة في سورة آل عمران قال تعالى: “ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين” آل عمران – 140-

والحكمة والعدل الإلهي يتضح في مضامين هذه الآية المباركة فقد جعل مداولة الأيام بين الناس وليس بين المؤمنين او المتدينين او المسلمين.

وشرط المداولة هو:

1- الهدف: ان يكون الإنسان هادفا في حياته، والهدف هو من شروط النجاح.

2- التخطيط: ان يكون الإنسان مخططا، وهنا يتداخل مفهوم الهدف والتخطيط، ولكن الهدف هو البعد النظري المتصور لشيء ما. والتخطيط هو المباشرة العملية لترجمة الأفكار النظرية الى ارض الواقع والمثل المعاصر يقول: “ان البناية كانت خريطة”.

3- المباشرة والفعل “وقل اعملوا” ونظريات اليوم تسميها “التنفيذ” كما مر معنا في نظرية “ديموني” الدائرية.

4- الجدية: فالعمل لابد له من جدية وعزم وإصرار وهو باعث نفسي لابد منه ” وجاهدوا في الله حق جهاده “واتقوا الله حق تقاته” لا تردد ولا تراخي في نظرية العمل القرآنية.

5- الحيوية: وهي مقابل “ACTION” أو”ACTIVE” والحيوية هي النشاط المستمر الذي يجمع الفعل والجدية مع الأمل وعدم القنوط.

6- الاستمرارية: فمع توفر كل تلك الشروط وهي ضرورية لكن لابد من الاستمرار بذلك العمل ليكمل الوصول الى النتائج والاستمرار بالإنتاج هو من مقومات التداول للايام وتداول الأيام تعبير عن القدرة على كتابة التاريخ، وكتابة التاريخ هو التعبير عن القوة الايجابية المنتجة للبناء.

وعلى ضوء نظرية التداول في القران التي نجدها اوسع واشمل من نظرية ديموني المنتشرة والمشهورة في بلدان أمريكا وأوربا واليابان، علينا ان ننطلق لتقويم أخلاقيات البحث الطبي من خلال مراجعة مواصفات الاداء والجودة في الاعمال والنشاطات الطبية التالية:-

1- الطب العلاجي: ويتضمن طرق التشخيص: ” DIAGNOZING التي تتضمن الفحص السريري ” CLINICAL – EXAMINATION –AND-ANALYSIS

2- وهو على قسمين: دوائي وجراحي ” MEDICALTREATMENT AND SURJICALTREATMENT وقد استحدثت طرق في كل من الدوائي السريري لتقلل من الحاجة المتزايدة للعمل الجراحي كما ان العمل الجراحي ابتكر طرقا أسرع للشفاء حيث أصبحت جراحة الناظور ميسرة في الوقت وفي الجهد.

3- الطب الوقائي:” curativemedicine  ويعتمد على:-

ا‌- طب المجتمع: وكان يسمى ” الصحة العامة ” “medicalhealth ويهتم بالعادات والتقاليد الاجتماعية وعلاقتها بصحة الأفراد على مستوى الطفولة والبالغين نساء ورجلا والعجزة.

ب‌- الطبابة المدرسية: وتعتني بمراقبة صحة تلاميذ المدارس من حيث عدد تلاميذ الصف، ومساحة غرف التدريس والنوافذ، والمرافق الصحية، وحانوت المدرسة ومعرفة من يعاني من التلاميذ من الربو والحساسية او من يعاني من فتحات قلبية او مشاكل في صمامات القلب او السكري و من الروماتيزم حتى يوصي إدارة المدرسة بمعرفة أوضاعهم الصحية والتعاون مع الاهل في معرفة حالات أولادهم وكذلك معرفة حالات النطق والتخلف العقلي البسيط.

ت‌- طبابة صحة المدينة: وتراقب المطاعم والمقاهي والحمامات الشعبية العامة والفنادق، ومعامل الثلج وتعبئة المياه ومحطات تصفية المياه، والأفران، ومحلات الحلاقة، ومحلات بيع وصناعة المواد الغذائية والجزارين.

ث‌- مراكز الأمومة والطفولة: وهي خاصة بمتابعة حالة الحوامل وتثقيفهن وحالة الأطفال حديثي الولادة وما يحتاجونه من لقاحات ومن تعليمات الرضاعة وكيف ومتى يضاف الطعام الى غذاء الطفل في الأشهر الأولى من العمر، ومتابعة وتشخيص العاهات والتشوهات الخلقية ان وجدت مع مراقبة معدل النمو

ج‌- مراكز صحة الأسنان: وهي تعتني بصحة الأسنان ومراقبتها في السنوات الاولى من عمر الطفل ثم القيام بتقويم الأسنان ان كانت هناك حاجة بعد ظهور الأسنان الدائمة وإعطاء النصائح للبالغين بكيفية المحافظة على أسنانهم وتحاشي التسوس قبل وقوعه والالتهاب قبل انتشاره الى خراجات مؤذية.

ومعرفة الأداء الصحيح والجودة لكل فرع من فروع الطب ولكل مرض من الإمراض، ولكل مداخلة سريرية كانت او جراحية بما فيها الدواء والعقاقير الطبية التي تقدمها صيدليات المستشفيات الحكومية او الاهلية، لذلك يقتضي ان يضم فريق العمل في شعبة الأداء والجودة طاقم طبي متنوع الاختصاصات، يعمل ضمن جدول وزيارات منتظمة مستحضرا كل الخطوات والإجراءات والمعارف النظرية وتطبيقاتها في كل شان من شؤون الطب، حتى ياتي التقييم منصفا، وبذلك يحافظ على اخلاقيات تقييم البحوث الطبية التي تستند الى ما يلي:

1- محبة العلم والرغبة فيه.

2- محبة العاملين في الحقل الطبي وإشعارهم بروح الفريق الواحد.

3- عدم اظهار الجفوة والتسلط خلال متابعة البحوث والأعمال الطبية.

4- إبداء روح المساندة والمؤازرة والتشجيع لمن يعمل في البحوث على مستوى طلبة الدراسات العليا او الأطباء والأساتذة الباحثين حتى يكون التشجيع حافزا على زيادة وتطوير البحوث.

5- التحلي بالنظام والالتزام الدقيق بأوقات الاجتماعات والمؤتمرات والندوات حتى نحقق مفهوم القدوة.

6- الحرص على المشاركة بكتابة البحوث من قبل العاملين في لجنة متابعة أخلاقيات البحث الطبي لاسيما الفريق الاختصاصي منهم.

ويلاحظ اليوم جفاف البحث العلمي عندنا، وسبب هذا الجفاف يمكن إيجازه في ما يلي:-

1- عدم وجود بيئة حاضنة، ونعني بالبيئة الحاضنة:-

ا‌- الأسرة

ب‌- المدرسة

ت‌- الجامعة

ث‌- المؤسسة الوظيفية

ج‌-المجتمع

2- عدم وجود معالم بناء الشخصية الناجحة المتمثلة في:-

ا‌- الهدفية في الحياة

ب‌- التخطيط والبرمجة

ت‌- الجدية

ث‌- الحيوية

ج‌- القابلية على الاستمرار في العمل

فعدم وجود هذه المظاهر الايجابية في صناعة الشخصية، حل بديلها السلبي المتمثل في:-

1- الضياع

2- الاتخطيط

3- الكسل والترهل

4- عدم حب العمل والتهرب منه

5- عدم احترام الوقت ولذلك أصبحت مقولة:”الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك ” غير معمول بها وغير مكترث بها، ومن هنا اصبحنا نعاني جفاف مشاريع البحث العلمي، ولم يتوقف الامر عند ذلك وإنما اصبحنا نعاني من عدم القدرة على العمل والإنتاج ليس بمقاييس الجودة وانما بمقاييس العمل البسيط والمتواضع، ومن هنا بدأت بعض الشركات والمؤسسات تلجا مضطرة للاستعانة بالعمالة الأجنبية، واصبح المقاولون المحليون غير مرغوب بهم بعد تجربة مريرة في مجال الاعمار واعمال البنية التحتية وفي المجال الطبي اصبحت ظاهرة عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الطب لدى بعض الكوادر الطبية والتي من جرائها شاعت المظاهر التالية:-

أ‌- فحص المرضى في العيادات الخاصة بالجملة، مما افقد طريقة الفحص التشخيص الدقيق.

ب‌- توجيه المريض قسرا للمستشفيات الخاصة والعيادات الخاصة.

ت‌- عدم الالتزام بواجبات الردهة المرضية.

ث‌- عدم الالتزام بمواصفات النظافة باعتبارها ظاهرة حضارية وهي من المسؤوليات الأخلاقية للمهنة الطبية.

والى هنا نكون قد استعرضنا بصورة مختصرة التخطيط الإستراتيجي لمفهوم الاداء والجودة في متابعة وتقييم أخلاقيات البحث الطبي، وعرفنا ابعاد وخصائص تلك الأخلاقيات كما شرحنا بشكل مختصر العلاقة والربط بين النظرية الحديثة في التخطيط الستراتيجي ونظرية القران الكريم وهي اقدم واوسع حتى لا يظل الباحث مقطوعا عن تاريخه ومنجزاته الحضارية في إطارها المعرفي.

مصادر البحث:-

1- القرآن الكريم.

2-CECILAND-DAVIDSON TEXTBOOK

3- CLINICAL-METHODS

4- التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي – معجم المصطلحات – نن بوديل وكوني وول – 37- طبعة -2003 – الكتاب السنوي.

*رئيس لجنة البحوث الطبية ورئيس لجنة متابعة وتقييم أخلاقيات البحث الطبي.

الاحتلال في الميزان

آن الأوان بعد تسع سنوات من الاحتلال، ان نضع أمريكا وسياستها في الميزان، وان تكون أحكامنا هادئة وعلى أعلى قدر من الموضوعية لنقول ما لها وما عليها، وهي تعلن عن انسحاب آخر غزاتها، وسواء شئنا أم أبينا، فلا بد من الاعتراف بأن زحزحة النظام الدكتاتوري كان ضرباً من المستحيل –على الرغم من نضال الشعب العراقي وشهدائه وتضحياته– لولا ذلك الحشد العسكري الهائل الذي لملمته الولايات المتحدة ، وأسقطت به حكما عشائريا وراثيا، كان مقدرا له ان يكون الأطول من نوعه على مر التاريخ! 

وشئنا أم أبينا، فان أميركا تبقى صاحبة الفضل الأول في نشر مفهوم الحرية ومبادئ الديمقراطية التي منحتنا هذا الكم الفائض عن الحاجة من حريات التعبير عن الرأي والصحافة والفضائيات والأحزاب والانتخابات والتظاهر والمطالبة بالأقاليم ونقد الحكومة وانتقاد الوزراء من دون محاذير أمنية او مركبات مضللة تزور بيوتنا آخر الليل أو ساعة الفجر، وعلى يد هذا المحتل انطلقت حناجرنا المكبوتة والمحرومة، تهذي ليل نهار بالشفافية والمظلومية والكوتا والأقليات والأغلبية والحكومات المحلية والدستور والتعددية والعلمانية والأحزاب الدينية والبعث الصدامي والمقابر الجماعية والقاعدة وحقوق الإنسان والمفصولين السياسيين، وهي مفردات ومصطلحات لا علم لنا بها من قبل ولا دراية! 

نعم نحن مدينون لأمريكا بهذا كله ولولاهم ظلت لغتنا مؤطرة بتعابير النخوة والرجعة والزحف الكبير والقائد الضرورة والأستاذ الفاضل وليخسأ الخاسئون. 

ولخضنا حروبا جديدة ومعارك طاحنة مع مزيد من الجوع والحصار والعزلة العربية والإقليمية والدولية، غير ان للاحتلال بالمقابل وجها آخر، فهو وحريته وديمقراطيته وسياسته، يتحملون المسؤولية بهذا القدر أو ذاك، ان لم تكن المسؤولية كاملة في بعض الأحيان، عن مئات السيئات التي قادت البلد الى الهاوية، فتحت سلطتهم وأعينهم، أصبح العراق ساحة للمصالح والأجندات والصراعات الإقليمية، وكأنه فريسة (مباحة) للوحوش الضارية تتقاسم لحمه بالاتفاق مرة وبالقوة مرة أخرى، حتى طعمت فيه وحوش مستضعفة كانت الى الأمس القريب من آكلات النبات فإذا بها في ظل الاحتلال تكشف عن أنياب وخالب وشهوة عدوانية وعدائية لتمزيق الجسد العراقي وامتصاص دمه، وتحت سلطتهم واحتلالهم وأمرهم تمت الإطاحة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، وفتحت حدودنا على مصاريعها، تدخل منها وتخرج متى تريد، أفواج المسلحين الإرهابيين والبارود والأصابع والأحزمة والدولارات، وبأمرهم وحدهم زرعت فسائل المحاصصة والطائفية ونمت وترعرعت وأتت ثمرها المر، الذي ان سيحرق الأخضر واليابس، لولا الحكماء والعقلاء والمخلصون من علية القوم، وقبل ذلك لولا وقفة الشعب نفسه، حيث فطن مبكرا الى ما يراد به، وان معاركه الطائفية ستنطلق اول ما تنطلق من أسرّة النوم الزوجية، فؤاد الفتنة، وبصق الثمرة، وأبطل مفعول الفتيل الأميركي، وفي أثناء وجودهم احتل العراق مرتبة دولية لا يحسد عليها في الغش والتزوير والفساد، وفي أثناء وجودهم كذلك، تجاوز شهداؤنا شهداء الجزائر مضرب المثل، وأصبحنا نمتلك جيشا من اليتامى والأرامل والمعوقين يغطي عين الشمس و… وللحديث صلة! 

                                    

العقل السياسي

“العقل قائد والعلم رائد”، حديث شريف.

“العقل وضع الشيء في محله”، الإمام علي.

يعرف العلم بأنه الانتقال من المجهول الى المعلوم، ويعرف بأنه انطباع صورة الشيء في الذهن. 

وكل من التعريفات المذكورة أعلاه تفي بالغرض فيما نريد خصوصا إذا ابتعدنا عن الفلسفة وأغراضها العميقة إلا إذا أخذناها بمعناها التعريفي اصطلاحا: وهو ان الفلسفة هي نظم العالم نظما عقليا.

وبهذا التعريف للفلسفة وبتعريف العلم مضافا لتعريف “العقل” نكون قد اقتربنا من شواطئ المعرفة المنفتحة على معاني الحياة ومنها المعنى السياسي.

والعقل السياسي هو تخصص فرضته الحاجة الاجتماعية للدولة، فالدول تعرف بساستها، وساستها يعرفون بعقولهم، والعقول تعرف بالمواقف الحرجة.

والمواقف الحرجة التي تواجه العراق بعد الانسحاب الأمريكي كثيرة أهمها:

1- كيفية مواجهة آثار الانسحاب.

2- كيفية مواجهة ما بعد الانسحاب على المستويات التالية:

أ‌-  المستوى الداخلي وتفاعلاته وهي:

الحزبية

العشائرية

 الطائفية

ب‌- المستوى الإقليمي ومواقف دول الجوار التي يميزها الواقع التالي:

دول صديقة

دول غير صديقة

دول متحاملة

دول متآمرة

ج- المستوى العالمي وتتباين مواقف الدول فيه على الشكل الآتي:

دول طامعة

دول تبحث عن استثمارات

دول كيدية

والعقل السياسي مطلوب منه القدرة على الفرز ورسم خريطة طريق لكل تلك التضاريس السياسية المحيطة بالعراق مع معرفة كل متطلبات المناخ الداخلي والتي تعاني ترسبات مرحلة 1968- 2003، وتفاعلات مرحلة ما بعد 2003 ومنها:

1- مرحلة الاحتلال وآثاره.

2- مرحلة الإرهاب ومخلفاته.

3- مرحلة الفساد ونتائجه.

4- مرحلة الانتخابات وإفرازاتها.

5- مرحلة إقليم كردستان وتطبيقاته غير الدستورية.

هذه المراحل لم تصبح من الماضي وإنما هي تشكل تحديا حقيقيا للعقل السياسي العراقي.

والعقل السياسي العراقي ليس ملكا لحزب أو عشيرة أو طائفة وإنما هو صناعة معرفية للقاسم المشترك للحيثيات التالية:

1- الهوية الوطنية.

2- السيادة العراقية.

3- الكرامة العراقية.

واستحضار هذه المعاني تتضاءل أمامه المسميات والعناوين التي تكاثرت في المراحل السابقة ومازال تكاثرها يمثل زناد الفتنة لأنها نشأت وترعرعت بالمواصفات التالية:

1- المزاجية الفردية

2- الامتيازات العائلية

3- النعرات الطائفية

4- الخصومات العشائرية

5- المراهقة الحزبية

والحديث بقوة العقل لا قوة السلاح والحوار بالتي هي أحسن لا بالتشنج والعصبية، والصراحة على طريقة “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته”، وحسن الظن من خصائص الفطن، والمسامحة هوية النفس الكبيرة، والصبر ميدان العقل والروح والنفس، والطاعة سلوك نحو التسامي وهجران الأنانية، والتواضع يرفع صاحبه، والاستماع الجيد مفتاح الانفتاح على الآخر، والصمت تجاه المبهم من الأمور حكمة، ومعرفة السؤال نصف الجواب.

بهذه الذخيرة المعرفية يكون العقل السياسي حاضرا، وعند حضوره لا تبقى مغاليق الأمور مبهمة، وعندها تبدأ مشاريع العمل ويحل الأمل وتتفتح أزاهير الحقول، وتنضج الثمار، فيشبع من به حاجة، ويرتوي العطشى، وتهدأ النفوس وتتواصل القلوب على طريقة “القلوب سواقي”. هذا المشهد ينتظر العراقيين ولكن بعد أعمال العقل وإبعاد الجهل.

alitamimi5@yahoo.com