التخطيط الأستراتيجي

دراسة مقارنة بين النظرية القرآنية والنظريات الحديثة من خلال مقاربات البحث العلمي في المجال الطبي واستعراض منهج التقييم لأخلاقيات البحث الطبي مستعينة بمعاني الأداء والجودة ومفاهيمها العملية التي أصبحت جزءاً من التنظيم الإداري، فنجحت في الدول المتقدمة وقطعت شوطا، بينما ظلت عندنا عناوين من دون مضامين.لذلك تسعى هذه الدراسة لإثارة التساؤل حول ظاهرة تخلف البحث عندنا بسبب انعدام التخطيط وفقدان مفهوم الستراتيجيا في مختلف ميادين الحياة. الأداء والجودة من منظور إستراتيجي

البحث الطبي كل ما يتعلق بصحة الإنسان مريضا كان أم سليما وصحة الإنسان لا تكتمل دائرة معرفتها ما لم يعرف المحيط الذي يعيش به الإنسان، ومن هنا يدخل الاهتمام بالحيوان والنبات باعتبار البعض منهما في تماس مع الإنسان ثم المحيط الذي يسكن فيه ويتحرك والمكون من:

1- المسكن: غرف نوم، غرف جلوس، مطبخ، مرافق صحية حمام، حديقة منزل ان وجدت ولها اثر مباشر على الحالة الصحية.

2- الحي أو الحارة التي يسكن وفيها: مساكن، أزقة او شوارع ساحات او منتزهات، محلات مختلفة، أفران صمون أو خبز، مقاهي، حمامات عامة ان وجدت ولها علاقة بالصحة العامة للناس. 

3- محال خضراوات وفواكه، باعة متجولون، مكتبات ولا تخلو من علاقة بصحة الناس.

4- كراجات: سيارات تعمل على البنزين وأخرى على المازوت، وكلها ذات تأثير على صحة الناس.

5- انهار أو مبازل، برك ومستنقعات ان وجدت فهي ذات تأثير مباشر على صحة الناس.

6- مجاري منظمة صحية او مكشوفة طافحة غير منظمة كلها ذات تأثير مباشر على صحة المواطنين.

7- محطات تصفية المياه حكومية او أهلية هي ذات علاقة مباشرة بصحة الناس.

هذا فيما يتعلق بالمحيط البيئي المباشر اليومي، اما غير المباشر فهو الحيوان والنبات الذي قد يكون مباشرا لبعض سكان القرى والأرياف، وله بحث آخر.

وأخلاقيات تقييم البحوث الطبية يجب ان تتوفر وتستوفي قواعد وأصول البحث الطبي اولا، والبحث الطبي هو جزء من البحوث العلمية، وللبحوث العلمية إستراتيجيا هي عبارة عن ثوابت البحث وأهمها:-

1- التخطيط: ويرمز له P 

2- التنفيذ: ويرمز له:”D”

3- المراقبة: ويرمز لها: “C ”

4- الفعل والاستمرارية: ويرمز لها:” A ”

c…. D

ِ A……… P

وعلى هذا تكون لنا دائرة: تبدأ من التخطيط مرورا بالتنفيذ وبعدها مرحلة المراقبة، ثم تنتهي بالفعل والاستمرارية وقد يعبر عنها بالحيوية كما سنرى في مقارنة هذه الدائرة التي وضعها “ديموني” وطبقت في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وبيان مخطط الدائرة تعني:

1- الحركة المستمرة: باعتبار كل ما موجود في الكون هو حركة فلكية مسارها دائري في الاعم الأغلب، وحركة الإنسان على الأرض لا تخرج عن إطار الظاهرة الدائرية.

2- ان للحركة محطات من خلالها تعرف البداية والنهاية ويمكن متابعة مستوى الحركة في كل محطة وعلى ذلك يقوم التقويم ومعرفة الجودة من عدمها.

وحتى يكون البحث متصلا متكاملا مع مفهومنا الروحي ومعطياتنا التاريخية لابد من الإشارة الى الحقائق التالية:-

1- ان من يقرا القران: قراءة وعي وتدبر يخرج بالنتيجة التالية:-

أ- ان القران كتاب الله من اول اية كريمة فيه بعد البسملة هي “الحمد لله رب العالمين” الى آخر أية في سورة الناس وهي “من الجنة والناس” وعبر “114” سورة قرآنية مباركة و” 6236″ آية قرآنية و”70″ كلمة مع زيادة متوقعة حسب بعض المدارس اللغوية وما يزيد عن “300000” حرف قرآني مبارك وهي التي قال عنها تعالى: “ولو انما في الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم” – لقمان – 27- “قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا – الكهف – 109- كل هذه السور القرآنية وآياتها تدعونا إلى ما يلي:

التخطيط: وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”. ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون – هود – 38- “ان الذي فرض عليك القران لرادك الى معاد قل ربي اعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين – القصص – 85-

التنظيم: “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج….”-البقرة – 197- واذكروا الله في ايام معدودات فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه…” البقرة – 203- يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج…” البقرة – 189- حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين “البقرة – 238- قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم” البقرة – 263- يا أيها الذين امنوا اذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…” البقرة – 282- يا ايها الذين امنوا اوفوا بالعقود…” المائدة -1- وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص..” المائدة – 45- يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين – الأعراف – 31- ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا ان الله لا يحب كل مختال فخور” – لقمان – 18- يا أيها الذين امنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون”  الحجرات – 2-

وعلى هذا يكون التخطيط والتنظيم مشروعا قرآنيا سبق المشاريع والنظريات الحديثة في موضوع التخطيط الإستراتيجي وسنجد في الآية القرآنية المباركة في سورة آل عمران قال تعالى: “ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين” آل عمران – 140-

والحكمة والعدل الإلهي يتضح في مضامين هذه الآية المباركة فقد جعل مداولة الأيام بين الناس وليس بين المؤمنين او المتدينين او المسلمين.

وشرط المداولة هو:

1- الهدف: ان يكون الإنسان هادفا في حياته، والهدف هو من شروط النجاح.

2- التخطيط: ان يكون الإنسان مخططا، وهنا يتداخل مفهوم الهدف والتخطيط، ولكن الهدف هو البعد النظري المتصور لشيء ما. والتخطيط هو المباشرة العملية لترجمة الأفكار النظرية الى ارض الواقع والمثل المعاصر يقول: “ان البناية كانت خريطة”.

3- المباشرة والفعل “وقل اعملوا” ونظريات اليوم تسميها “التنفيذ” كما مر معنا في نظرية “ديموني” الدائرية.

4- الجدية: فالعمل لابد له من جدية وعزم وإصرار وهو باعث نفسي لابد منه ” وجاهدوا في الله حق جهاده “واتقوا الله حق تقاته” لا تردد ولا تراخي في نظرية العمل القرآنية.

5- الحيوية: وهي مقابل “ACTION” أو”ACTIVE” والحيوية هي النشاط المستمر الذي يجمع الفعل والجدية مع الأمل وعدم القنوط.

6- الاستمرارية: فمع توفر كل تلك الشروط وهي ضرورية لكن لابد من الاستمرار بذلك العمل ليكمل الوصول الى النتائج والاستمرار بالإنتاج هو من مقومات التداول للايام وتداول الأيام تعبير عن القدرة على كتابة التاريخ، وكتابة التاريخ هو التعبير عن القوة الايجابية المنتجة للبناء.

وعلى ضوء نظرية التداول في القران التي نجدها اوسع واشمل من نظرية ديموني المنتشرة والمشهورة في بلدان أمريكا وأوربا واليابان، علينا ان ننطلق لتقويم أخلاقيات البحث الطبي من خلال مراجعة مواصفات الاداء والجودة في الاعمال والنشاطات الطبية التالية:-

1- الطب العلاجي: ويتضمن طرق التشخيص: ” DIAGNOZING التي تتضمن الفحص السريري ” CLINICAL – EXAMINATION –AND-ANALYSIS

2- وهو على قسمين: دوائي وجراحي ” MEDICALTREATMENT AND SURJICALTREATMENT وقد استحدثت طرق في كل من الدوائي السريري لتقلل من الحاجة المتزايدة للعمل الجراحي كما ان العمل الجراحي ابتكر طرقا أسرع للشفاء حيث أصبحت جراحة الناظور ميسرة في الوقت وفي الجهد.

3- الطب الوقائي:” curativemedicine  ويعتمد على:-

ا‌- طب المجتمع: وكان يسمى ” الصحة العامة ” “medicalhealth ويهتم بالعادات والتقاليد الاجتماعية وعلاقتها بصحة الأفراد على مستوى الطفولة والبالغين نساء ورجلا والعجزة.

ب‌- الطبابة المدرسية: وتعتني بمراقبة صحة تلاميذ المدارس من حيث عدد تلاميذ الصف، ومساحة غرف التدريس والنوافذ، والمرافق الصحية، وحانوت المدرسة ومعرفة من يعاني من التلاميذ من الربو والحساسية او من يعاني من فتحات قلبية او مشاكل في صمامات القلب او السكري و من الروماتيزم حتى يوصي إدارة المدرسة بمعرفة أوضاعهم الصحية والتعاون مع الاهل في معرفة حالات أولادهم وكذلك معرفة حالات النطق والتخلف العقلي البسيط.

ت‌- طبابة صحة المدينة: وتراقب المطاعم والمقاهي والحمامات الشعبية العامة والفنادق، ومعامل الثلج وتعبئة المياه ومحطات تصفية المياه، والأفران، ومحلات الحلاقة، ومحلات بيع وصناعة المواد الغذائية والجزارين.

ث‌- مراكز الأمومة والطفولة: وهي خاصة بمتابعة حالة الحوامل وتثقيفهن وحالة الأطفال حديثي الولادة وما يحتاجونه من لقاحات ومن تعليمات الرضاعة وكيف ومتى يضاف الطعام الى غذاء الطفل في الأشهر الأولى من العمر، ومتابعة وتشخيص العاهات والتشوهات الخلقية ان وجدت مع مراقبة معدل النمو

ج‌- مراكز صحة الأسنان: وهي تعتني بصحة الأسنان ومراقبتها في السنوات الاولى من عمر الطفل ثم القيام بتقويم الأسنان ان كانت هناك حاجة بعد ظهور الأسنان الدائمة وإعطاء النصائح للبالغين بكيفية المحافظة على أسنانهم وتحاشي التسوس قبل وقوعه والالتهاب قبل انتشاره الى خراجات مؤذية.

ومعرفة الأداء الصحيح والجودة لكل فرع من فروع الطب ولكل مرض من الإمراض، ولكل مداخلة سريرية كانت او جراحية بما فيها الدواء والعقاقير الطبية التي تقدمها صيدليات المستشفيات الحكومية او الاهلية، لذلك يقتضي ان يضم فريق العمل في شعبة الأداء والجودة طاقم طبي متنوع الاختصاصات، يعمل ضمن جدول وزيارات منتظمة مستحضرا كل الخطوات والإجراءات والمعارف النظرية وتطبيقاتها في كل شان من شؤون الطب، حتى ياتي التقييم منصفا، وبذلك يحافظ على اخلاقيات تقييم البحوث الطبية التي تستند الى ما يلي:

1- محبة العلم والرغبة فيه.

2- محبة العاملين في الحقل الطبي وإشعارهم بروح الفريق الواحد.

3- عدم اظهار الجفوة والتسلط خلال متابعة البحوث والأعمال الطبية.

4- إبداء روح المساندة والمؤازرة والتشجيع لمن يعمل في البحوث على مستوى طلبة الدراسات العليا او الأطباء والأساتذة الباحثين حتى يكون التشجيع حافزا على زيادة وتطوير البحوث.

5- التحلي بالنظام والالتزام الدقيق بأوقات الاجتماعات والمؤتمرات والندوات حتى نحقق مفهوم القدوة.

6- الحرص على المشاركة بكتابة البحوث من قبل العاملين في لجنة متابعة أخلاقيات البحث الطبي لاسيما الفريق الاختصاصي منهم.

ويلاحظ اليوم جفاف البحث العلمي عندنا، وسبب هذا الجفاف يمكن إيجازه في ما يلي:-

1- عدم وجود بيئة حاضنة، ونعني بالبيئة الحاضنة:-

ا‌- الأسرة

ب‌- المدرسة

ت‌- الجامعة

ث‌- المؤسسة الوظيفية

ج‌-المجتمع

2- عدم وجود معالم بناء الشخصية الناجحة المتمثلة في:-

ا‌- الهدفية في الحياة

ب‌- التخطيط والبرمجة

ت‌- الجدية

ث‌- الحيوية

ج‌- القابلية على الاستمرار في العمل

فعدم وجود هذه المظاهر الايجابية في صناعة الشخصية، حل بديلها السلبي المتمثل في:-

1- الضياع

2- الاتخطيط

3- الكسل والترهل

4- عدم حب العمل والتهرب منه

5- عدم احترام الوقت ولذلك أصبحت مقولة:”الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك ” غير معمول بها وغير مكترث بها، ومن هنا اصبحنا نعاني جفاف مشاريع البحث العلمي، ولم يتوقف الامر عند ذلك وإنما اصبحنا نعاني من عدم القدرة على العمل والإنتاج ليس بمقاييس الجودة وانما بمقاييس العمل البسيط والمتواضع، ومن هنا بدأت بعض الشركات والمؤسسات تلجا مضطرة للاستعانة بالعمالة الأجنبية، واصبح المقاولون المحليون غير مرغوب بهم بعد تجربة مريرة في مجال الاعمار واعمال البنية التحتية وفي المجال الطبي اصبحت ظاهرة عدم الالتزام بأخلاقيات مهنة الطب لدى بعض الكوادر الطبية والتي من جرائها شاعت المظاهر التالية:-

أ‌- فحص المرضى في العيادات الخاصة بالجملة، مما افقد طريقة الفحص التشخيص الدقيق.

ب‌- توجيه المريض قسرا للمستشفيات الخاصة والعيادات الخاصة.

ت‌- عدم الالتزام بواجبات الردهة المرضية.

ث‌- عدم الالتزام بمواصفات النظافة باعتبارها ظاهرة حضارية وهي من المسؤوليات الأخلاقية للمهنة الطبية.

والى هنا نكون قد استعرضنا بصورة مختصرة التخطيط الإستراتيجي لمفهوم الاداء والجودة في متابعة وتقييم أخلاقيات البحث الطبي، وعرفنا ابعاد وخصائص تلك الأخلاقيات كما شرحنا بشكل مختصر العلاقة والربط بين النظرية الحديثة في التخطيط الستراتيجي ونظرية القران الكريم وهي اقدم واوسع حتى لا يظل الباحث مقطوعا عن تاريخه ومنجزاته الحضارية في إطارها المعرفي.

مصادر البحث:-

1- القرآن الكريم.

2-CECILAND-DAVIDSON TEXTBOOK

3- CLINICAL-METHODS

4- التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي – معجم المصطلحات – نن بوديل وكوني وول – 37- طبعة -2003 – الكتاب السنوي.

*رئيس لجنة البحوث الطبية ورئيس لجنة متابعة وتقييم أخلاقيات البحث الطبي.

الاحتلال في الميزان

آن الأوان بعد تسع سنوات من الاحتلال، ان نضع أمريكا وسياستها في الميزان، وان تكون أحكامنا هادئة وعلى أعلى قدر من الموضوعية لنقول ما لها وما عليها، وهي تعلن عن انسحاب آخر غزاتها، وسواء شئنا أم أبينا، فلا بد من الاعتراف بأن زحزحة النظام الدكتاتوري كان ضرباً من المستحيل –على الرغم من نضال الشعب العراقي وشهدائه وتضحياته– لولا ذلك الحشد العسكري الهائل الذي لملمته الولايات المتحدة ، وأسقطت به حكما عشائريا وراثيا، كان مقدرا له ان يكون الأطول من نوعه على مر التاريخ! 

وشئنا أم أبينا، فان أميركا تبقى صاحبة الفضل الأول في نشر مفهوم الحرية ومبادئ الديمقراطية التي منحتنا هذا الكم الفائض عن الحاجة من حريات التعبير عن الرأي والصحافة والفضائيات والأحزاب والانتخابات والتظاهر والمطالبة بالأقاليم ونقد الحكومة وانتقاد الوزراء من دون محاذير أمنية او مركبات مضللة تزور بيوتنا آخر الليل أو ساعة الفجر، وعلى يد هذا المحتل انطلقت حناجرنا المكبوتة والمحرومة، تهذي ليل نهار بالشفافية والمظلومية والكوتا والأقليات والأغلبية والحكومات المحلية والدستور والتعددية والعلمانية والأحزاب الدينية والبعث الصدامي والمقابر الجماعية والقاعدة وحقوق الإنسان والمفصولين السياسيين، وهي مفردات ومصطلحات لا علم لنا بها من قبل ولا دراية! 

نعم نحن مدينون لأمريكا بهذا كله ولولاهم ظلت لغتنا مؤطرة بتعابير النخوة والرجعة والزحف الكبير والقائد الضرورة والأستاذ الفاضل وليخسأ الخاسئون. 

ولخضنا حروبا جديدة ومعارك طاحنة مع مزيد من الجوع والحصار والعزلة العربية والإقليمية والدولية، غير ان للاحتلال بالمقابل وجها آخر، فهو وحريته وديمقراطيته وسياسته، يتحملون المسؤولية بهذا القدر أو ذاك، ان لم تكن المسؤولية كاملة في بعض الأحيان، عن مئات السيئات التي قادت البلد الى الهاوية، فتحت سلطتهم وأعينهم، أصبح العراق ساحة للمصالح والأجندات والصراعات الإقليمية، وكأنه فريسة (مباحة) للوحوش الضارية تتقاسم لحمه بالاتفاق مرة وبالقوة مرة أخرى، حتى طعمت فيه وحوش مستضعفة كانت الى الأمس القريب من آكلات النبات فإذا بها في ظل الاحتلال تكشف عن أنياب وخالب وشهوة عدوانية وعدائية لتمزيق الجسد العراقي وامتصاص دمه، وتحت سلطتهم واحتلالهم وأمرهم تمت الإطاحة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، وفتحت حدودنا على مصاريعها، تدخل منها وتخرج متى تريد، أفواج المسلحين الإرهابيين والبارود والأصابع والأحزمة والدولارات، وبأمرهم وحدهم زرعت فسائل المحاصصة والطائفية ونمت وترعرعت وأتت ثمرها المر، الذي ان سيحرق الأخضر واليابس، لولا الحكماء والعقلاء والمخلصون من علية القوم، وقبل ذلك لولا وقفة الشعب نفسه، حيث فطن مبكرا الى ما يراد به، وان معاركه الطائفية ستنطلق اول ما تنطلق من أسرّة النوم الزوجية، فؤاد الفتنة، وبصق الثمرة، وأبطل مفعول الفتيل الأميركي، وفي أثناء وجودهم احتل العراق مرتبة دولية لا يحسد عليها في الغش والتزوير والفساد، وفي أثناء وجودهم كذلك، تجاوز شهداؤنا شهداء الجزائر مضرب المثل، وأصبحنا نمتلك جيشا من اليتامى والأرامل والمعوقين يغطي عين الشمس و… وللحديث صلة! 

                                    

ليس كل ما يعرف يقال

(ليس كل ما يعرف يقال

ولا كل ما يقال ينشر

وليس كل ما ينشر جاء أوانه

ولا كل ما ينشر حضر أهله) 

                                 – الامام علي (ع) –

 بلاغة القول وعبقرية التأمل بأختزال العمق وسمة الافصاح وسعة الحكمة وقدرة الانشغال الروحي بمكامن الأتيان بالنافع والمفيد من أجل عظمة الانسان واعلاء شأنه،، يتوهج قول مثل هذا ويتحد مع أفاق العلم من وحي براعة الايجاز الذي تفرد فيه الامام علي (ع) لكي يصل تخوم نظرية شاء فيها الاعلام عبر عموم وسائله الاتصالية ان يستعين بهذا الاجتراح وان يقيم كامل وعيه وافتراضاته عليها ،، من يتأمل ويتفحص ويتمحص جواهر ما تحمل تلك الحكم والارآء سيجد مجددا سمو فهم حضاري حي ومتواصل بما أفاضت به عبارات الامام من قبل أكثر من ألف عام وعام ولم تزل تختزل كل التماعات الوعظ ومعابر السياسة بجميع أبعادها المعروفة وما تريد ان تخلص اليه نظريات ومناهج الاعلام وطروحات وآليات وسائل الاتصال التقليدي والحديثة وما بعد الحداثة وقبل وبعد ما جرى للعالم قبل وبعد ما أصطلح عليه سياسيا واعلاميا بـ(الحرب الباردة) وسلسلة توافد وتصدير المصطلحت والمفاهيم الواردة الى الان ،، وبشكل أعمق في قواميس العولمة وأسانيد وأعمدة اعلامها المتطورة جدا جدا .

نعم ..( ليس كل ما يعرف يقال) ،، قدرة مفتاح كبير لحل الكثير من المشاكل والصعوبات وتجاوز وتفادي الأزمات وواجب أختيار الوقت والظرف والمكان المناسب للقول والبوح وفرض الحجة بالبرهان واليقين الذي يعتمل في رؤى ونفوس وعقول هؤلاء العظماء وهم يمنحون الحياة نقاء الوهج والدفق وثبات الموقف،، هل تتأملون ثراء وأزاهير الجوهر ودوافع الفكر المتوقد بالمعرفة في روح ثريا النص الوارد في هذا المقال الذي أزعم لنفسي ان تتمرى هي الاخرى في عظمة الطرح الذي أستفاد منه العالم في مجمل ما ورد وأضاء وأستقى معلوماته ومعارفه فيما بقينا نحن – للاسف – نردده كما لوكان من لبنات خبراء الاعلام الغربي أو الامريكي،، ويعرف من سلك مناهج ونظريات الدراسة الاكاديمية في مجال الاعلام ووسائل الاتصال كم كانت عبارة تتكرر( ليس كل ما يعرف يقال) وتساق نمطا وطريقة بل أساس ومنهج راسخ في نجاح الغايات والسبل  كون أصل العبارة يمثل العمود الفقري لكل نظرياتها واستراتيجياتها؟! .

ويعد تكامل المعنى راسخا في سياق ما يرد متواليا في فقرات تلك الحكمة العظيمة متواصلا بثقة احكامها باطار فكري – معرفي سبق فيه الامام (ع) ما قبله ومن تلاه للآن،، نبوغا وفراسة واشعاعا أردنا الخوض فيه تذكيرا وشرحا واجبا لما ترك لنا فطاحل أمتنا وعلمائنا الافذاذ من علم ودقة ووضوح معرفة،، حتى ليلح السؤال في أصل هذا المقال مستفسرا،، لماذا نبقى مندهشين مذهولين – ليوم الدين- بأقوال الغرب والآخرين بحيث تدور وتتسع في افلاك الكون فيما تظل لوامع فطاحلنا سابحة في افلاك ضيقة وهي الأعمق والأصدق والأدل؟!

  اسمعوا ايضا – بعد كل ما ورد – صدق وصدى مقولة أخرى للامام علي (ع) ينادينا بها : (علموا أولادكم غيرما تعلمتم واعدوهم لزمان غير زمانكم) اي معنى واية رؤيا تنوء بها هذه الحكم ومعجزات البلاغة ونصاعة التفكير.. وخير ما انهي به مقالي حكمة اهالها تختصر جوهر الأيمان كله يقول فيها كرم الله وجهه: (تعددت السبل الى الله كتعدد أنفاس الخلق).

عواصف ما بعد الإنسحاب

 عندما كتبنا عن دكتاتورية الاحتلال واثاره كنا نريد الانتباه والحذر الى ما بعد الانسحاب ، والاحداث المتسارعة التي وقعت في الايام القليلة المنصرمة ستليها احداث اخرى لاتقل عنها تطرفا وغرابة.

والسبب في ذلك يعود للبناء الهش والتجميع العشوائي لمكونات العملية السياسية ومشروع الحكم لما بعد 2003 وهيمنة الاحتلال على مفردات الاخراج الكيدي المتعمد لسيناريو الحكم، حيث اصبح مجلس الحكم سيئ الصيت هو الحاضنة التي فقست وانتشر ماخرج منها في مؤسسات الدولة التي ظلت تعاني كساحا ازداد تشوها عندما التحقت بها عناصر واضيفت لها اجنحة لم يكتمل زغبها ، والجناح لايرفرف إلا بالريش، والطائر لايطير إلا بجناحين ، وطائر الحكومة عندنا ظل بجناح واحد يعاني ريشه من التساقط ، وجناحه الاخر ظل زغبا لم يكتمل.

هذه صورة حقيقية وليست افتراضية ولا هي من مخيلات شاعرية.

ولهذه الصورة الحزينة المؤلمة حكاية: تقف وراءها جميع الاحزاب ، والكتل ، والعشائر، والمنظمات، واغلب الشخصيات التي تتعاطى العمل السياسي بعقلية نفعية ، جسدتها كل من:-

1-  تكاثر الفضائيات الفاشلة 

2-  تكاثر الاحزاب الوهمية 

3-  تكاثر المنظمات الطفيلية 

4-  تكاثر الشعارات المغرية 

5-  تكاثر الصحف التي لايقرأها العاملون بها 

6-  تكاثر المؤتمرات التي ينتظر روادها الطعام ولا الكلام 

ولهذه المشهد العراقي الحافل بالمفاجآت غير السارة بذور لم يحسن جمعها واختيارها ، ثم لم تحسن زراعتها وهي:-

1-  دستور اعتمدت فيه الثغرات المعطلة بنوايا الاحتلال بعيدة الامد .

2-  انتخابات مشحونة بالاخطاء والتزوير الذي حشدت له قداسة هي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف.

3-  قوائم انتخابية حشرت فيها اكداس الاسماء كما تكدس البضاعة المهربة على عجل.

هذه المحاور هي بعض الاسباب الكبرى لمرض العملية السياسية ومشروعها في العراق، فثغرات الدستور، والقداسة المفتعلة، ودكتاتورية القوائم هي العلل الكبرى التي زرعت واسست كساح العملية السياسية التي انجبت ولادات خديجية، ومشوهة لا تقوى على الرضاعة الطبيعية دون بقائها في حاضنة الاوكسجين، فكانت الحاضنة ما قبل الانسحاب هو الاحتلال وما بعد الانسحاب تمثل اثار الحاضنة بحضور السفير الامريكي في بغداد اجتماعات القائمة العراقية التي لم يحسن من فيها الادارة منذ انتخابات عام 2010 والى الان.

والسبب الآخر المخفي لكساح الحكم والعملية السياسية هو ما ينطوي عليه البناء النفسي والعقلي والروحي للفرد العراقي ومنظومته الاجتماعية وما تعرض له ذلك البناء من اهتزاز القيم وتدمير قنوات التواصل عبر تاسيس الدولة العراقية الحديثة منذ العام 1921 والتي اختصرتها مرحلة عام 1968-2003  فكانت المرحلة الممثلة لتدمير القيم والاجهاز على الموروث التاريخي بحماقة فاقت جميع المراحل.

وواقع الفرد والمنظومة الاجتماعية العراقية اليوم يتصف بما يلي:-

1-  فقدان القدرة على التفكير كعملية معرفية، والاستثناء موجود ولكنه قليل ونادر.

2-  طغيان المنفعة الشخصية على المنفعة العامة.

وهذه الظاهرة تشمل كل الطبقات وكل المهن والحرف والاختصاصات، وهي من اكبر معوقات البناء والاصلاح لانها تشكل اوسع ابواب الفساد.

3-  اختزان الخوف والرعب من الاقوى، ولذلك اصبحت السلطة الزمنية ومن حولها جاذبة للطمع في تفادي الخوف والرعب الذي ينعكس في سلوك من طمع في مجاورة السلطة ليتحول الى الة قمع ومصدر رعب لمن هم ليسوا في السلطة من الرعية . وميكانيكية هذا التجميع العشوائي المتناقض هو الرصيد المتعطش للمظهر والتسلط للحالة الحزبية عموما واحزاب السلطة خصوصا ، بحيث اصبحت مقولة ” ينقلب السحر على الساحر متحققة ” ولكن لا احد من تلك الاحزاب يعترف بالحقيقة المرة . ومحاولات البعض منهم لعلاج هذه الظاهرة لم تكن على مستوى ” وداوني بالتي كنت هي الداء” وانما كانت على طريقة من قال :-

وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها

           تاتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها 

4-  اختزان النفاق ومفردات الانانية والحسد وهي من مظاهر النفس المريضة ، وهذا الاختزان يطفح على حركات الافراد مواقفا وكلاما وايمائة وصمتا . وهذه الظاهرة منتشرة في كل الحواضن التي يمكن تقسيمها على الشكل الاتي:-

ا‌-الحواضن الاجتماعية وهي :-

الاسرة

القبيلة

ب‌-    الحواضن السياسية وهي:-

الحزب

الكتلة

المنظمة

الحكومة

البرلمان

وهذا الانتشار المرضي لهذه الظاهرة المرضية الاجتماعية والسياسية تقتضي مواجهتها من قبل اهل الحكمة والرأي لا ان تترك في تناول وتداول من هم ليسوا اهلا للطبابة الروحية الاجتماعية والسياسية لان ذلك سيعرضنا للمزيد من العواصف السياسة التي لاتجلب لنا سوى توقف عجلة الانتاج والبناء والتقدم للحاق ركب الامم والشعوب التي عرفت كيف تعوض ما فاتها من خبرة ومن وقت ضائع.

على الجميع ان يعترفوا بسوء التخطيط وفساد البناء مع اختلاف النسب والمقادير، فالاعتراف بالخطا فضيلة ، ورحم الله من اهدى الي عيوبي، والبداية الصحيحة هي المباركة فلنبحث عنها وما عداها هو الضياع فلا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.

وقت … الحقيقة

هذا وقت الحقيقة ، وكشف الاوراق وتجلي الطباع … ونشر المخبوء ، ويشبه يوم القيامة، الناس فيه عرايا الا من اعمالهم ومكنونات قلوبهم .. ولا وقت ، بعد ، للمداراة والزوغان والمداهنة … ولا وقت لاستعارة الاردية وارتداء الاقنعة .. وعلى الذئب ان يخلع اهاب الحمل.. وعلى الاشعث في الغابة ان يخلع بدلته الانكليزية… وعلى الجلف الغليظ القاتل ان يخلع عنه ملامح الشاعر.. وعلى المتصوف الزاهد ان يميط عن شلالات اللعاب من زاويتي فمه على الكرسي.. ان يكون الجميع هم انفسهم وليسوا اقنعتهم وادوارهم التمثيلية … ان يكون السياسي هو.. وليس امامه غير ان يكون نفسه… واذا قيل ان الانسان يوهم نفسه بشخصية يفترضها لنفسه يصدقها ويعمل بوحيها .. فإنه في السياسة ومغانمها .. وفي عراق اليوم الذي يسحر السياسي وعلى مسافات كونية فإن المرء يعود الى اصل اصله وجوهر جوهره … يعود الى ما رضعه ، وما جبل عليه وما نشأ معه  فهو في ساعة يكون او لا يكون… تبعا لطبعه وتكوينه.. فالعراق في اللحظة المثيرة .. والسياسي في غياب عما هو خارج هدفه .. وربما هو في قبضة طبعه .. طبعه الجيد او الفاسد .. وينتظره النعيم او الجحيم ،، ينتظره التبريك ، أو اللعنة .. ينتظره الصعود البهي ، أو النزول المظلم .. ينتظره التاريخ أو مزبلته .. تنتظره قلوب العراقيين ، أو احذيتهم الغاضبة..

أمام الشعب ايضا ان يرى نفسه ويسبر اسرارها وخفاياها .. وان يستعد للمفاجأة .. فالسياسي بكل صنوفه هو من نتاجه ومن صنع يده.. ولتصح القاعدة مرة اخرى من ان المجتمعات تقترف الجريمة التي تستحقها … وتجترح العظمة التي تناسبها..

المعروف ان رجال العصابات يختلفون في النهاية ،، ولكنهم يقتتلون بضراوة إذا غادرهم الرئيس…  والمرتجى ألا تظهر العملية السياسية العراقية على انها من عمل عصابة وقد غادرتها الدبابة الامريكية .. وتجعل العراقيين يترحمون على منظرها في الشارع .. ويتمنون عودة ايامها… والاعتراف بعد فوات الاوان ان من احترفوا السياسة قد يصلحون لمهن وحرف لا تكون السياسة من بينها .. ما داموا يجهلون ابسط وأول واجبات السياسة في اضافة بصماتهم على تمتين روح العائلة الوطنية .. والعثور على الضائع والمنسي ودمجه في العائلة الكبرى… وهنا تظهر كل اخلاق وطباع وقناعات ثم نظرة السياسي  الى السياسة .. وما اذا كانت معنى لمن لا معنى له ، أو رسالة تضيف معنى لحياة الشعب وتوسع من جدرانه وتقوي من سقوفه..

العراق في موقف.. والخاسر من لا يكون عند مستوى الموقف..

ليس كل ما يعرف يقال

(ليس كل ما يعرف يقال

ولا كل ما يقال ينشر

وليس كل ما ينشر جاء أوانه

ولا كل ما ينشر حضر أهله) 

                                 – الامام علي (ع) –

 بلاغة القول وعبقرية التأمل بأختزال العمق وسمة الافصاح وسعة الحكمة وقدرة الانشغال الروحي بمكامن الأتيان بالنافع والمفيد من أجل عظمة الانسان واعلاء شأنه،، يتوهج قول مثل هذا ويتحد مع أفاق العلم من وحي براعة الايجاز الذي تفرد فيه الامام علي (ع) لكي يصل تخوم نظرية شاء فيها الاعلام عبر عموم وسائله الاتصالية ان يستعين بهذا الاجتراح وان يقيم كامل وعيه وافتراضاته عليها ،، من يتأمل ويتفحص ويتمحص جواهر ما تحمل تلك الحكم والارآء سيجد مجددا سمو فهم حضاري حي ومتواصل بما أفاضت به عبارات الامام من قبل أكثر من ألف عام وعام ولم تزل تختزل كل التماعات الوعظ ومعابر السياسة بجميع أبعادها المعروفة وما تريد ان تخلص اليه نظريات ومناهج الاعلام وطروحات وآليات وسائل الاتصال التقليدي والحديثة وما بعد الحداثة وقبل وبعد ما جرى للعالم قبل وبعد ما أصطلح عليه سياسيا واعلاميا بـ(الحرب الباردة) وسلسلة توافد وتصدير المصطلحت والمفاهيم الواردة الى الان ،، وبشكل أعمق في قواميس العولمة وأسانيد وأعمدة اعلامها المتطورة جدا جدا .

نعم ..( ليس كل ما يعرف يقال) ،، قدرة مفتاح كبير لحل الكثير من المشاكل والصعوبات وتجاوز وتفادي الأزمات وواجب أختيار الوقت والظرف والمكان المناسب للقول والبوح وفرض الحجة بالبرهان واليقين الذي يعتمل في رؤى ونفوس وعقول هؤلاء العظماء وهم يمنحون الحياة نقاء الوهج والدفق وثبات الموقف،، هل تتأملون ثراء وأزاهير الجوهر ودوافع الفكر المتوقد بالمعرفة في روح ثريا النص الوارد في هذا المقال الذي أزعم لنفسي ان تتمرى هي الاخرى في عظمة الطرح الذي أستفاد منه العالم في مجمل ما ورد وأضاء وأستقى معلوماته ومعارفه فيما بقينا نحن – للاسف – نردده كما لوكان من لبنات خبراء الاعلام الغربي أو الامريكي،، ويعرف من سلك مناهج ونظريات الدراسة الاكاديمية في مجال الاعلام ووسائل الاتصال كم كانت عبارة تتكرر( ليس كل ما يعرف يقال) وتساق نمطا وطريقة بل أساس ومنهج راسخ في نجاح الغايات والسبل  كون أصل العبارة يمثل العمود الفقري لكل نظرياتها واستراتيجياتها؟! .

ويعد تكامل المعنى راسخا في سياق ما يرد متواليا في فقرات تلك الحكمة العظيمة متواصلا بثقة احكامها باطار فكري – معرفي سبق فيه الامام (ع) ما قبله ومن تلاه للآن،، نبوغا وفراسة واشعاعا أردنا الخوض فيه تذكيرا وشرحا واجبا لما ترك لنا فطاحل أمتنا وعلمائنا الافذاذ من علم ودقة ووضوح معرفة،، حتى ليلح السؤال في أصل هذا المقال مستفسرا،، لماذا نبقى مندهشين مذهولين – ليوم الدين- بأقوال الغرب والآخرين بحيث تدور وتتسع في افلاك الكون فيما تظل لوامع فطاحلنا سابحة في افلاك ضيقة وهي الأعمق والأصدق والأدل؟!

  اسمعوا ايضا – بعد كل ما ورد – صدق وصدى مقولة أخرى للامام علي (ع) ينادينا بها : (علموا أولادكم غيرما تعلمتم واعدوهم لزمان غير زمانكم) اي معنى واية رؤيا تنوء بها هذه الحكم ومعجزات البلاغة ونصاعة التفكير.. وخير ما انهي به مقالي حكمة اهالها تختصر جوهر الأيمان كله يقول فيها كرم الله وجهه: (تعددت السبل الى الله كتعدد أنفاس الخلق).

عواصف ما بعد الإنسحاب

 عندما كتبنا عن دكتاتورية الاحتلال واثاره كنا نريد الانتباه والحذر الى ما بعد الانسحاب ، والاحداث المتسارعة التي وقعت في الايام القليلة المنصرمة ستليها احداث اخرى لاتقل عنها تطرفا وغرابة.

والسبب في ذلك يعود للبناء الهش والتجميع العشوائي لمكونات العملية السياسية ومشروع الحكم لما بعد 2003 وهيمنة الاحتلال على مفردات الاخراج الكيدي المتعمد لسيناريو الحكم، حيث اصبح مجلس الحكم سيئ الصيت هو الحاضنة التي فقست وانتشر ماخرج منها في مؤسسات الدولة التي ظلت تعاني كساحا ازداد تشوها عندما التحقت بها عناصر واضيفت لها اجنحة لم يكتمل زغبها ، والجناح لايرفرف إلا بالريش، والطائر لايطير إلا بجناحين ، وطائر الحكومة عندنا ظل بجناح واحد يعاني ريشه من التساقط ، وجناحه الاخر ظل زغبا لم يكتمل.

هذه صورة حقيقية وليست افتراضية ولا هي من مخيلات شاعرية.

ولهذه الصورة الحزينة المؤلمة حكاية: تقف وراءها جميع الاحزاب ، والكتل ، والعشائر، والمنظمات، واغلب الشخصيات التي تتعاطى العمل السياسي بعقلية نفعية ، جسدتها كل من:-

1-  تكاثر الفضائيات الفاشلة 

2-  تكاثر الاحزاب الوهمية 

3-  تكاثر المنظمات الطفيلية 

4-  تكاثر الشعارات المغرية 

5-  تكاثر الصحف التي لايقرأها العاملون بها 

6-  تكاثر المؤتمرات التي ينتظر روادها الطعام ولا الكلام 

ولهذه المشهد العراقي الحافل بالمفاجآت غير السارة بذور لم يحسن جمعها واختيارها ، ثم لم تحسن زراعتها وهي:-

1-  دستور اعتمدت فيه الثغرات المعطلة بنوايا الاحتلال بعيدة الامد .

2-  انتخابات مشحونة بالاخطاء والتزوير الذي حشدت له قداسة هي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف.

3-  قوائم انتخابية حشرت فيها اكداس الاسماء كما تكدس البضاعة المهربة على عجل.

هذه المحاور هي بعض الاسباب الكبرى لمرض العملية السياسية ومشروعها في العراق، فثغرات الدستور، والقداسة المفتعلة، ودكتاتورية القوائم هي العلل الكبرى التي زرعت واسست كساح العملية السياسية التي انجبت ولادات خديجية، ومشوهة لا تقوى على الرضاعة الطبيعية دون بقائها في حاضنة الاوكسجين، فكانت الحاضنة ما قبل الانسحاب هو الاحتلال وما بعد الانسحاب تمثل اثار الحاضنة بحضور السفير الامريكي في بغداد اجتماعات القائمة العراقية التي لم يحسن من فيها الادارة منذ انتخابات عام 2010 والى الان.

والسبب الآخر المخفي لكساح الحكم والعملية السياسية هو ما ينطوي عليه البناء النفسي والعقلي والروحي للفرد العراقي ومنظومته الاجتماعية وما تعرض له ذلك البناء من اهتزاز القيم وتدمير قنوات التواصل عبر تاسيس الدولة العراقية الحديثة منذ العام 1921 والتي اختصرتها مرحلة عام 1968-2003  فكانت المرحلة الممثلة لتدمير القيم والاجهاز على الموروث التاريخي بحماقة فاقت جميع المراحل.

وواقع الفرد والمنظومة الاجتماعية العراقية اليوم يتصف بما يلي:-

1-  فقدان القدرة على التفكير كعملية معرفية، والاستثناء موجود ولكنه قليل ونادر.

2-  طغيان المنفعة الشخصية على المنفعة العامة.

وهذه الظاهرة تشمل كل الطبقات وكل المهن والحرف والاختصاصات، وهي من اكبر معوقات البناء والاصلاح لانها تشكل اوسع ابواب الفساد.

3-  اختزان الخوف والرعب من الاقوى، ولذلك اصبحت السلطة الزمنية ومن حولها جاذبة للطمع في تفادي الخوف والرعب الذي ينعكس في سلوك من طمع في مجاورة السلطة ليتحول الى الة قمع ومصدر رعب لمن هم ليسوا في السلطة من الرعية . وميكانيكية هذا التجميع العشوائي المتناقض هو الرصيد المتعطش للمظهر والتسلط للحالة الحزبية عموما واحزاب السلطة خصوصا ، بحيث اصبحت مقولة ” ينقلب السحر على الساحر متحققة ” ولكن لا احد من تلك الاحزاب يعترف بالحقيقة المرة . ومحاولات البعض منهم لعلاج هذه الظاهرة لم تكن على مستوى ” وداوني بالتي كنت هي الداء” وانما كانت على طريقة من قال :-

وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها

           تاتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها 

4-  اختزان النفاق ومفردات الانانية والحسد وهي من مظاهر النفس المريضة ، وهذا الاختزان يطفح على حركات الافراد مواقفا وكلاما وايمائة وصمتا . وهذه الظاهرة منتشرة في كل الحواضن التي يمكن تقسيمها على الشكل الاتي:-

ا‌-الحواضن الاجتماعية وهي :-

الاسرة

القبيلة

ب‌-    الحواضن السياسية وهي:-

الحزب

الكتلة

المنظمة

الحكومة

البرلمان

وهذا الانتشار المرضي لهذه الظاهرة المرضية الاجتماعية والسياسية تقتضي مواجهتها من قبل اهل الحكمة والرأي لا ان تترك في تناول وتداول من هم ليسوا اهلا للطبابة الروحية الاجتماعية والسياسية لان ذلك سيعرضنا للمزيد من العواصف السياسة التي لاتجلب لنا سوى توقف عجلة الانتاج والبناء والتقدم للحاق ركب الامم والشعوب التي عرفت كيف تعوض ما فاتها من خبرة ومن وقت ضائع.

على الجميع ان يعترفوا بسوء التخطيط وفساد البناء مع اختلاف النسب والمقادير، فالاعتراف بالخطا فضيلة ، ورحم الله من اهدى الي عيوبي، والبداية الصحيحة هي المباركة فلنبحث عنها وما عداها هو الضياع فلا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.

وقت … الحقيقة

هذا وقت الحقيقة ، وكشف الاوراق وتجلي الطباع … ونشر المخبوء ، ويشبه يوم القيامة، الناس فيه عرايا الا من اعمالهم ومكنونات قلوبهم .. ولا وقت ، بعد ، للمداراة والزوغان والمداهنة … ولا وقت لاستعارة الاردية وارتداء الاقنعة .. وعلى الذئب ان يخلع اهاب الحمل.. وعلى الاشعث في الغابة ان يخلع بدلته الانكليزية… وعلى الجلف الغليظ القاتل ان يخلع عنه ملامح الشاعر.. وعلى المتصوف الزاهد ان يميط عن شلالات اللعاب من زاويتي فمه على الكرسي.. ان يكون الجميع هم انفسهم وليسوا اقنعتهم وادوارهم التمثيلية … ان يكون السياسي هو.. وليس امامه غير ان يكون نفسه… واذا قيل ان الانسان يوهم نفسه بشخصية يفترضها لنفسه يصدقها ويعمل بوحيها .. فإنه في السياسة ومغانمها .. وفي عراق اليوم الذي يسحر السياسي وعلى مسافات كونية فإن المرء يعود الى اصل اصله وجوهر جوهره … يعود الى ما رضعه ، وما جبل عليه وما نشأ معه  فهو في ساعة يكون او لا يكون… تبعا لطبعه وتكوينه.. فالعراق في اللحظة المثيرة .. والسياسي في غياب عما هو خارج هدفه .. وربما هو في قبضة طبعه .. طبعه الجيد او الفاسد .. وينتظره النعيم او الجحيم ،، ينتظره التبريك ، أو اللعنة .. ينتظره الصعود البهي ، أو النزول المظلم .. ينتظره التاريخ أو مزبلته .. تنتظره قلوب العراقيين ، أو احذيتهم الغاضبة..

أمام الشعب ايضا ان يرى نفسه ويسبر اسرارها وخفاياها .. وان يستعد للمفاجأة .. فالسياسي بكل صنوفه هو من نتاجه ومن صنع يده.. ولتصح القاعدة مرة اخرى من ان المجتمعات تقترف الجريمة التي تستحقها … وتجترح العظمة التي تناسبها..

المعروف ان رجال العصابات يختلفون في النهاية ،، ولكنهم يقتتلون بضراوة إذا غادرهم الرئيس…  والمرتجى ألا تظهر العملية السياسية العراقية على انها من عمل عصابة وقد غادرتها الدبابة الامريكية .. وتجعل العراقيين يترحمون على منظرها في الشارع .. ويتمنون عودة ايامها… والاعتراف بعد فوات الاوان ان من احترفوا السياسة قد يصلحون لمهن وحرف لا تكون السياسة من بينها .. ما داموا يجهلون ابسط وأول واجبات السياسة في اضافة بصماتهم على تمتين روح العائلة الوطنية .. والعثور على الضائع والمنسي ودمجه في العائلة الكبرى… وهنا تظهر كل اخلاق وطباع وقناعات ثم نظرة السياسي  الى السياسة .. وما اذا كانت معنى لمن لا معنى له ، أو رسالة تضيف معنى لحياة الشعب وتوسع من جدرانه وتقوي من سقوفه..

العراق في موقف.. والخاسر من لا يكون عند مستوى الموقف..

العنف في سوريا الحقيقة المغيبة

دعا النبي موسى عليه السلام ربه ان يوقف ذم الناس له.

فقال الله: يا موسى هذا لم اجعله لي.

فقال موسى: الهي بك اقتدي وأنت أسوة لي في حياتي.

وأقوال الناس شتى: اغلبهم يمدحون من هوى أنفسهم ويذمون من هوى أنفسهم.

وهم من قال عنهم ربهم وخالقهم: “وأكثرهم للحق كارهون”.

والعنف في سوريا: أصبح مقولة إعلامية، تضافرت لها جهود وأموال وفضائيات نصبت في المنطقة لحصاد ما يريده المخططون من الذين لبسوا أقنعة الوطن والقبيلة والدين زورا.

ومقولة العنف في سوريا أصبحت شراكا للعينات التالية:

1- لأنظمة التبعية وهي معروفة.

2- للمبتدئين في السياسة وهم كثر خصوصا في قوائم الأحزاب ومن نحا نحوهم.

3- للمثقفين من الذين استعجلوا ميادين التحليل والتعليق وعناوين الخبرة واصطلاحات الستراتيجيا.

4- لعامة الناس من متابعي الأخبار والحوادث والمشاهد والذين يتفاعلوا معها من دون معرفة خلفياتها ومضامين وقائعها الحقيقية.

وهكذا أصبحت مقولة العنف في سوريا على صورة ما يلي:

1- ضبابية.

2- سوداوية.

3- مقززة.

4- منفرة.

5- تحمل بذور الشك.

6- تحمل إحساس الريبة.

ولان العنف سلوكا مشوبا بالرفض إجماعا في النفس البشرية، لذلك عندما يتهم من يتهم بالعنف تسارع إليه كل المعاني التي ذكرناها آنفا، ويصبح محاطا بالكراهية وان لم يكن يستحقها.

في التاريخ الإنساني تعرضت بعض الشخصيات القيادية الصالحة للكراهية بدون حق.

وفي التاريخ البشري منحت بعض الشخصيات ولاءً لا تستحقه.

والعنف في سوريا اليوم على مستوى الاصطلاح أصبح عابرا للدين والسياسة والاجتماع والحكم.

وانقسمت حوله اثنيات ومذاهب وطوائف وشعوب ودول. 

وسيكون ذلك تأسيسا لمحاور جديدة، مثلما سيكون امتحانا لمن يعمل في السياسة ولمن يمارس تداول الرأي.

العنف في سوريا واضح المعالم، لوضوح أطرافه وهم:-

1- أفراد يسيرهم اغراء المال، وتحركهم جاهليات طائفية.

2- جماعات أعلنت ولاءها للأجنبي، مثلما أعلنت عداءها للمقاومة الوطنية الشريفة التي انتصرت على اسرائيل في حرب عام 2006 وحرب عام 2008 مثلما أعلنت عداءها لمن يدعم المقاومة ولمن يؤيدها.

3- عصابات تمارس اغتصاب النساء وقتلهن والاعترافات من قبلهم لا تترك لعاقل مبررا لعدم معرفة هوية هذا العنف ومن يقف وراءه.

4- عصابات تقتل على الهوية وتحرق مباني الدولة وممتلكات الناس، وهذه الحالة أصبحت موثقة وشاشات الفضائيات عرضت الكثير منها مما لا يدع مجالا لصحة وقوعها.

5- عصابات تقوم بقطع الطرق وسرقة المارة من المسافرين.

هذه هي أطراف صناعة العنف في سوريا، وحالة من هذا النوع وهذا الإجرام بالضرورة تستدعي قيام سلطات النظام السوري من القيام بالرد على مثل تلك الأعمال الوحشية لاسيما وان مطالبة الشعب السوري للحكومة بردع المعتدين هي الأخرى واضحة وحقيقية.

ان العنف في سوريا لم يكن وسيلة لمطالب معارضة تحترم شعبها والمعارضة التي ترتضي لنفسها السكوت عن تلك الجرائم لا يمكن ان تدخل قاموس العمل السياسي المعارض والمقاوم.

والذين يريدون الوقوف مع حق الشعوب وحق المعارضة يتحملون مسؤولية أخلاقية في رفض ما وقع من عنف همجي مدمر في المدن السورية، ويتحملون مسؤولية وطنية في معرفة وتشخيص من يقوم بالعنف ومن يمثله. ومتى كان الجيش وقوى الأمن في اية دولة يتهمون بالعنف عندما يقومون بملاحقة وردع عناصر الجريمة والاعتداء على أرواح وممتلكات الناس، ولماذا يسكت عن الحالات التي قمعت في تظاهرات لندن وتظاهرات وول ستريت في أمريكا بينما يبادر البعض لاتهام النظام السوري بالعنف وهو يمارس حقا قانونيا ودستوريا في مكافحة الجريمة وفوضى العصابات التي دمرت كل شيء.

لا يمكن ان يقال لنظام مهما كان تاريخه ان يتوقف عن ملاحقة عناصر الجريمة وهي صارخة: ان يقال له توقف. ويتهم بممارسة العنف، ويسكت عن العصابات التي أصبحت جرائمها عنفا لا يحتاج الى دليل.

ان بعض المسؤولين وبعض السياسيين في العراق يقعون في الخطأ الفادح وغير المبرر عندما يتحدثون عن ثنائية العنف في سورية فينتصرون للإرهاب. وعصابته، ويتغاضون عن حق الشعب السوري المتظاهر في الساحات والشوارع رافضا للتدخل الخارجي ولعصابات الإرهاب التي لم تكن معارضة صاحبة مطالب بمقدار ما أصبحت طائفية تختزن الكراهية للجميع.

ان للشعب السوري حقا على الشعب العراقي لأنه احتضن بكل محبة من لجأ إليه في ظروف قاسية من العراقيين عبر كل المراحل واليوم عندما يقف بعض المسؤولين وبعض السياسيين من بعض الأحزاب بالتنديد بالنظام السوري فقط دون التنديد بجرائم العصابات الإرهابية التي أصبح إرهابها دراية وليس رواية، ثم لا ينددون بموقف المعارضة التي باعت ولائها للخارج الضامن الحقيقي للأمن الاسرائيلي على حساب الحق الفلسطيني والعربي.

ان شرخا في الصف الوطني العراقي يسعى البعض لتأسيسه بدوافع طائفية تعافها الذائقة الوطنية العراقية، وبدوافع ومصالح حزبية وعنصرية لم تعد تمتلك حضورا في افق التمدن الإنساني، وهذا الشرخ يتحمل مسؤوليته من لا يكون منصفا في رؤيته لاحداث سورية والعراق، ومن يكون متحيزا ومتحرفا لمواقف عرفت بعدائها للمقاومين وللوطنيين ولروح هذه الأمة وتاريخها.

قطــر .. بوسطجـي إسرائيلـي مطيـع

وشهد شاهد جديد من أحفاد يهود بني قينقاع على عمق العلاقات القطرية الإسرائيلية، وربما كان هذا الشاهد أقوى الشهود حجة، وأرجحهم دليلاً، وأفصحهم لساناً في التحدث عن الملفات السرية بين الكيانين المتعانقين خلف حائط المبكى، فكشف للناس عن موقع البذرة الخبيثة المدفونة تحت شجرة الزوايا الست، والرؤوس الستة، والإضلاع الستة. 

 الشاهد الجديد، يهودي يحمل الجنسية الإسرائيلية، واسمه الحقيقي (سامي ريفيل)، عمل في الخفاء مشرفا عاما على مشروع (إطلاق  الفضائيات العربية التحريضية) المتخصصة بتصنيع الفتن الطائفية، وتعليبها في الدوحة، وتصديرها مجانا إلى العالم العربي بمغلفات مغرية ومحتويات مسمومة، ثم انتقل الشاهد نفسه ليعمل مديرا لمكتب المصالح الإسرائيلية في قطر، ويعود له (الفضل) في بناء القواعد المتينة، التي رست عليها سفن التعاون والتنسيق المشترك، ورسمت مسارات برامج التفكيك والتقسيم والتجزئة، وهزت أركان المدن العربية كلها من (نواكشوط) إلى (درعا)، ومن طرابلس إلى طرابلس.  

يقول (ريفيل) في كتابه، الذي صدر حديثا بعنوان ((قطر وإسرائيل. . ملف العلاقات السرية))، يقول: (كان من الصعب علينا نسج خيوط العلاقات الحميمة مع قطر لولا المساعدات السخية، التي قدمتها لنا الشركات القطرية الكبيرة)، ويقول في مقدمة الكتاب: (أن السبب الرئيس لانفتاحنا مع قطر، يعود إلى الأدوار المنوطة بها، للعمل كساعي بريد في المنطقة، وتكليفها بنقل الرغبات الإسرائيلية من الباب إلى الباب، والقيام بخدمة الزبائن والعملاء من الراغبين بالعمل السري تحت عناوين تمويهية، أو بواجهات مزدوجة، فضلا عن دورها الخفي في نقل رسائل التهديد والوعيد إلى الجماعات والكيانات والأقطار غير المتعاونة مع التطلعات الإسرائيلية). 

اختارت الثعالب القطرية الدخول إلى أوكار الذئاب، فاستذأبت على العرب، منذ اليوم الذي بنت فيه أكبر القواعد الحربية الامريكية، فكانت تلك القواعد بوابتها لولوج الأوكار الصهيونية بخطوات مسعورة متعجلة، وعبثا حاولت مصر كبح جماحها، خصوصا بعد أن قطعت قطر شوطا كبيرا في هذا المضمار، حتى ارتمت تماماً في أحضان الدوائر السرية المريبة، وغرقت في صفقات الغاز والألغاز بتصريح رسمي أطلقه الأمير نفسه بعد ثلاثة أشهر من توليه الحكم، قال فيه: (عندنا خطط مستقبلية لتفعيل مشاريع الغاز بين قطر وإسرائيل والأردن)، وكان الأمير أول من طالب العرب برفع الحصار الاقتصادي على تل أبيب. .

صدر الكتاب باللغة العبرية، وترجمه إلى العربية الأستاذ (محمد البحيري)، وتبنت دار نشر مصرية (مكتبة جزيرة الورد) طباعته وتوزيعه، واشتمل على مجموعة كبيرة من الإسرار، حملت معها كم هائل من المفاجآت. . 

أكد المؤلف في أكثر من واقعة على المحاولات القطرية الدءوبة لتحريض تل أبيب على السعودية، فقناة الجزيرة، منذ بداياتها، تحاول كسب تأييد المشاهد، لذا تجدها تبحث دائما عن دولة عربية كبيرة ذات سيادة ومكانة رفيعة لمهاجمتها والانقضاض عليها، فوجدت ضالتها في مصر، وهي الآن في طريقها لاستخدام أدواتها السيئة ضد السعودية. 

يذكر المؤلف في كتابه بعض الوقائع المضحكة، التي تعكس حقيقة الرغبات القطرية لتدمير اقتصاد المنطقة، وإتلاف حقولها، وإفشال مزارعها الحيوانية والإنتاجية، ومن نافلة القول نورد هنا ما أشار إليه الكاتب عن دور قطر في التنسيق مع الحقول الإسرائيلية لتشييد اكبر المزارع الحديثة المتخصصة بتربية الأبقار والعجول، وإنتاج الألبان ومشتقاتها، ومن ثم توزيعها وبيعها بأبخس الأسعار من اجل توجيه ضربة قاصمة للمنتجات السعودية. .

وتحدث المؤلف بإسهاب عن ميكانيكية عمل قناة الجزيرة ودورها التخريبي في بث الفرقة، وتأجيج النعرات الطائفية، واختلاق الخلافات، وصناعة الأخبار الملفقة والمواقف المفبركة، التي يراد منها زعزعة الأمن والاستقرار، وإشغال الرأي العربي العام بالأمور المقلقة، والتركيز على الأمور التي تمس الحريات في الشرق الأوسط، وبث المؤتمرات والندوات المناهضة للحكومات العربية، التي يتزعمها المنشقون، ويبدو أن عقد النقص عند حكام قطر، وإحساسهم بعقدة الحجم، دفعهم للبحث عن دور كبير في تأسيس هذه القناة المشبوهة، وتوظيف أموالهم ومؤسسات في تفعيل دوار البوسطجي، والمراسل البريدي، والساعي المطيع المكلف بنقل الرسائل الإسرائيلية والخطابات الأمريكية المشفرة. 

والله يستر من الجايات