كيف تصبح الرياضة للجميع…؟

فكرت ذات يوم ومعي مجموعة من الأصدقاء ان نترك الكتب جانبا ونرتدي التراكسوتات الرياضية وننطلق ركضا مع محاذاة شارع قناة الجيش كانت الفكرة رومانسية، لكن النتيجة كانت مأساوية..!

لم نكن نبغي تسجيل أرقاما قياسية أو منافسة المنتخبات الوطنية، ولم يكن ضمن أهدافنا استفزاز الناس، بل رغبنا بممارسة ابسط  أنواع الحرية لتخفيض أوزاننا التي ضخمتها جلساتنا الطويلة خلف المكاتب ونحن نطالع ما أنجزه العلم وما بلغته الشعوب من ثقافة وتطور حضاري وتمدن تلمسه في ضحكات الأطفال ورياضة الكبار، ولذا قررنا ممارسة الرياضة في الهواء الطلق معتقدين ان شعبنا وريث حضارات أكد وآشور وسومر سيجد في مبادرتنا المتواضعة حقا طبيعيا وممارسة لا تثير الخجل أو السخرية، لكن ما تلقيناه من تعليقات ساخرة وصرخات استهجان وحركات صبيانية لم توجه لأشخاص يمارسون مظاهر معيبة في الشارع العام حينها قررنا التبرع بالملابس الرياضية وعدنا للقراءة ولأيام الكسل الجسدي وترك معاودة التجربة حين تتوفر الأجواء المناسبة وانتشار ثقافة الرياضة للجميع التي تمارسها كل الشعوب باستثناء شعبنا الذي له أنواع أخرى من الرياضات الشعبية..!

يبدو ان حلمنا المفقود قد عاد ولم أكن اصدق عيني- وهذا الكلام ليس إعلانا أو مجاملة- وهي ترصد المئات من أساتذة الجامعة والمفكرين وكبار الموظفين وآخرين من مهن وحرف متنوعة وهم يمارسون في حدائق ومسابح وساحات التربية الرياضية في الجادرية الرياضة للجميع ويشكلون مشهدا جميلا له دلالات ومعاني راقية نؤسس من خلالها ثقافة مجتمعية حقيقية تجسد مقولة العقل السليم في الجسم السليم، وتؤكد نجاح عمادة الكلية بإقناع النخب بترك هموم السياسة وإبعاد المفكرين عن إشكاليات الفلسفة وجدل الثقافة، وإنقاذ المتزوجين من روتين الحياة اليومية، وتوفير أجواء المودة للمتخاصمين ونزع فتيل المتطرفين وهنالك ألف فائدة للرياضة يذكرنا فيها أساتذة الرياضة حتى جعلونا نقتنع بنصائحهم و نخلع أربطة العنق ونترك كل الهموم وننزل لملاعب الكلية نمارس الرياضة الجماعية ونتمنى ان نرى كبار ساسة العراق وفي مقدمتهم السيدان المالكي وعلاوي وآخرون من الكبار وهم يتركون ولو لساعة واحدة حربهم السياسية ويمارسون مع الناس الرياضة فسيكتشفون ان لها روحا شفافة ومرونة إنسانية لا يعثرون عليها في قواميسهم السياسية واجتماعاتهم الحزبية..!

فهل سيفعلونها وللرياضة سيمارسون ومع الناس يركضون ويضحكون ولأسرار الحياة والحرية يكتشفون…؟

مالحــــوم أخنـــــوف وفكرة “ ستار أكاديمي “!

مالحوم أخنوف هو مفكر اسرائيلي ، وضعت تحت تصرفه أموال طائلة لإنتاج ونشر برامج مثيرة للانتباه تحت غطاء الفن ، وهو الغطاء الذي تتحدث به كل الفضائيات والاذاعات ، والمراكز التي تعتني بالترفيه والمتعة واستحضار وسائل اللذة ، وتقديمها لشباب العالم الاسلامي على أنها من موضات العصر والتقدم ومواكبة روح التحضر.

ستار أكاديمي اليوم : يعرف اسمه ، ويعرف عنوانه ، ولايعرف من أطلق فكرته؟ وما هي غايته؟ وما حاجة المجتمع والناس له؟

وحال هذا المصطلح أو هذا الشعار كحال غيره من المصطلحات والشعارات ، التي دخلت فضاءاتنا الثقافية ، والاعلامية ، والسياسية ، والاجتماعية ، واستقرت ، دون أن يكون لنا وقفة تأمل أو مراجعة لما يأتينا ، أو ينتشر في مجتمعنا ، ويأخذ من مشاعر شبابنا ، ويتناوله كهولنا نساء ورجالا ، دون وعي وإحساس بخطورته أن كان خطرا ، وبفائدته أن كان مفيدا ، وتلك ظاهرة التقليد التي استقرت عندنا وطغت على كل مظاهر حياتنا ، بسبب عدم وجود مصدات فكرية  ، وفلاتر وطنية ، وممانعات روحية تمتلك الحيوية ، مثلما تمتلك الفراسة التي تعيد تشكيل الهوية لصناعة موقف مشترك تتوحد فيه وعليه الحكومة وإعلامها  ، والهيئات الاجتماعية ونخبها.

ولأننا ضيعنا حسابات النخب في حياتنا ، وأعني بها “ أهل الرأي والمشورة ، وأهل الخبرة ومن يقدر الضرورة “ لذلك أصبحنا مكشوفين على كل المستويات ومنها :-

1-  المستوى الاعلامي .

2-  المستوى الثقافي .

3-  المستوى السياسي .

4-  المستوى الاقتصادي .

5-  المستوى الأمني .

6-  المستوى العسكري .

7-  المستوى الاجتماعي .

وبسبب هذا : أصبح يكتب عنا ، ولانكتب عن الآخرين لأننا لانعرف شيئا موثقا عنهم .

وأصبحنا نلبس مايصنع الآخرون ، لأننا لانصنع مانلبس ؟

وأصبحنا نأكل ماينتج الآخرون ، لأننا لاننتج مانأكل ؟

وأصبحنا نستورد مايصنع الآخرون ، لأننا لانصنع مانحتاج ؟

وأصبحنا لانقرأ ما يكتب عنا ، لأننا تركنا القراءة ، وهجرنا الكتاب!.

وأصبحنا لانعرف : البحث وشؤونه ، وأصبح الآخرون يصدرون لنا البحوث التي نطالعها ونحن كسالى نتثاءب عند الصباح وفي الظهيرة ، ونسهر على : هذه ليلتي وحلم حياتي “ والليل والنهار ليس لنا ، والأحلام الحقيقية مهاجرة منا وبعيدة على مخيلتنا ، وإكتفينا بأضغاث أحلام شوهت رؤيتنا ، وسرقت خصوصياتنا وبقينا نجتر الأشعار ترديدا مدرسيا مملا ، وملهاة لاتعشقها العيون ولاتطرب لها الأسماع التي غزاها سراب التقليد ، وتغلغلت فيها تقليعات “ ستار أكاديمي “ وموضات الفيس برسلي ومن تبعها بتجديد مغلف بالحداثة ومستصحب بالتقنيات التي لازلنا فقراء معرفتها ؟ فاستوديوهات فضائياتنا تفضحنا بالتقليد ، وتسرق هويتنا بالموضة ، وتغادر تاريخنا بالغربة ، وتقدم لنا زادا لاتهضمه معداتنا ويخدر عقولنا بالمغالطة عندما تريد من برنامج “ فري “ أن يكون رائدا ، ومن يشارك فيه مميزا ، في عمل لايعرف الريادة وصناعتها ، ولا التميز وخصوصياته ، وهو بعد كل هذا وذاك إسراف في التقليد ، وخضوعا ومتابعة للآخر الذي لايريد لنا التجديد ، ويكرس كل جهوده في سبيل المحاصرة لإبقائنا خارج التاريخ ، فأينما نتجه لانجد لنا موقعا ، فكوكل ، والياهو ، وتويتر ، والفيس بوك ، مصائد الشبكة العنكبوتية التي تحاصرنا كطيور جريحة ، وتختزلنا كخراف في زريبة تطمعنا بالعلف لينتظرنا الجزار والشواء والآكلون الذين استطعموا لحومنا منذ رحلة ماجلان الفاشلة ، وما أعقبها من البحث عن التوابل الهندية فكنا اللقطة في الطريق ، ومازلنا نمشي كالبطريق ، لاهو طائر فيطير ، ولاهو بشر فيسير ؟ فأصبحنا فرجة المتفرجين ، وموضع استهزاء الساخرين وعلى رأسهم الصهاينة الذين يدعمون “ ستار أكاديمي “ مثلما دعموا غيره من المشاريع التي يقودها الجنس الذي أصبح في فضائيات دول الخليج ثقافة علنية مستباحة فيها الأذواق وملغية فيها الأسرار بين الزوج وزوجته ، فالممارسة الجنسية تقدم على الشاشات خطوة بخطوة معلنين جهالتهم ومعبرين عن دعارة لاتعرف للمرأة حياء هو كنز حياتها ونجاحها وأثمن مافي شخصيتها ، فالحديث عن “ البظر ومهبل المرأة كأماكن للتهيج الجنسي هي ثقافة “ ستار أكاديمي “ التي جمع لها شتات من الفتيات والشبان الغاوين بالحداثة والمقلدين لما يقدم لهم حبا بالظهور ، ورغبة بالتميز الذي لايعرفون له توافقا بالشعور من مجتمع حولهم ، مسلوب الإرادة ، ومعتدى عليه بالسيادة، وفاقد للصحيح والمخلص من القيادة.

ولهذا أصبح مالحوم أخنوف وغيره في ستار أكاديمي وغيرها من المسميات هم القادة في مجتمع سادت فيه البلادة ، لأنه لايعطي أهل الرأي والمشورة حق الريادة ؟

حلم رقيق

نحن الشعب الوحيد في العالم الذي أمضى ثماني سنوات من عمره غارقا قي بحر المصطلحات التي جاوزت الثلاثمائة أو يزيد. ليس ابتداء بالفراغ الدستوري وليس انتهاء بالمقابر الجماعية, وكان من الطبيعي  ان تنسحب هذه المفردات الجديدة على حياة الناس, فهي تشاطرهم أكلهم وشربهم ويقظتهم وأحلامهم, ولا استثني نفسي من هذه الحالة العامة, فكلنا نهذي واغلبنا يهرب بما لا يعرف !! وهكذا رأيت قبل أسبوعين فيما يرى النائم وكأن البلد منشغل بولادة حكومة جديدة وإنني على رأس كتلة برلمانية حصلت على 754 مقعدا من أصل 774 مقعدا برلمانيا وبذلك تمثل كتلتي الأغلبية الساحقة ووجدت نفسي مطالبا ان اعمل بمبدأ التوافق وأحاول إرضاء الأطراف المشاركة في العملية السياسية جميعها مع أنهم لا يمثلون سوى 20 مقعدا، وبحكم خبرتي الطويلة وتجربتي الغنية كما جاء في حيثيات الحلم، وما لمسته من حيف وقع على هذا المكون او ذلك فقد حرصت على ان اعمل بروح ايجابي ودافع وطني في توزيع المناصب والحقائب الوزارية, بحيث اجعل الأطراف كلها تدعو لي بالرزق والعافية وطول العمر, وأجنب البلاد في الوقت نفسه من تلك “اللغاوي” التي ترافق اي تشكيل حكومي واقطع دابر الكلام عن التهميش ولهذا بدأت التقي (شخصيا) رؤساء الكتل واسمع آراءهم ووجهات نظرهم بالتفصيل لكي لا يتهمني احد او يتهم كتلتي بالتفرد والاستئثار  بالواقع المتميزة وهذا ما فعلته حتى في توزيع السفارات حيث اعتمدت مبدأ (المحاصصة العادلة ) بديلا عن (المحاصصة الطائفية) سيئة الصيت وقد عبر ممثلو الكيانات عن ارتياحهم واثنوا على المحاصصة العادلة عظيم الثناء وهكذا أعلنت في حضورهم ان هناك نوعين من السفارات هي (السيادية) و(الخدمية) وكلاهما بالأهمية ذاتها وربما كانت السفارات الخدمية أكثر أهمية لأنها تتحرك تحت خيمة أخلاقية وذات بعد إنساني وقد حظي هذا التقسيم بموافقتهم وسرورهم حتى ان بعضهم هتف باسمي هتافات وطنية فيما اغرورقت عيون بعضهم الآخر بالدموع غرقا ثم قلت لهم (سيتولى مرشحو قائمتنا السفارات السياسية في أميركا واليابان وروسيا والصين والمملكة المتحدة وعموم بلدان العالم أما مرشحوكم فسيكونون سفراء للنوايا الحسنة والبيئة والطفولة والأغاني والسلام وعموم السفارات الخدمية ذات البعد الأخلاقي والإنساني وآمل ان يكون هذا التوزيع منصفا وعادلا وان يكون هاجسنا الأول هو خدمة الوطن لا المناصب، و الآن دعونا ننصرف إلى العمل على بركة الله!!)

في الحقيقة انتهى الاجتماع وأنا مرتاح الضمير إذ لا يمكن تحقيق صيغة أفضل من التي توصلت إليها وبما يضمن للكيان الذي أمثله(برغم ما قدمه من تنازلات) مثلما يضمن للكيانات الأخرى أعلى درجات المحاصصة العادلة، ومع ذلك غادر ممثلو الكتل والكيانات وهم في قمة الغضب من دون ان اعرف سببا واحدا لشعورهم بالظلم والتهميش كما يدعون علما أنهم حصلوا على أرقى السفارات الأهمية والأخلاقية والإنسانية؟!

ملاحظة :بهدف إرضائهم وتحقيق المصالحة الوطنية والشراكة الحقيقية فقد تنازلت لهم عن سفاراتنا وأخذت سفاراتهم و”هذا ما لا يمكن ان يحصل بالطبع إلا في الأحلام”!!

سرقة بوابة الشرق قصة حقيقية بطلها القرصان بريمر

ارتبط اسم الشرق العظيم منذ زمن بعيد بأشهر عمليات السطو والنهب والسلب والاختلاس, فكنوز الشرق وثرواته لا تنضب ولا تتبدد ولا تقدر بثمن, فهي الأغنى والأغلى والأعلى في كل المقاييس, وربما كانت رواية (سرقة قطار الشرق) هي الأقرب للذاكرة السينمائية, التي جسدتها سلسلة الأفلام الأمريكية بالأسود والأبيض, فأغرت استوديوهات هوليود, ودفعتها لإرسال ابنها البار (بريمر) ليتسلل إلى البوابة الشرقية للوطن العربي, ويتقمص دور (علي بابا) في النسخة الأخيرة للفيلم الهوليودي الملون, ويعتمر طاقية الإخفاء, ويسطو على كنوز بغداد وخزائنها, فيصبح في غضون عام واحد من أكبر الَنشّالين السياسيين على وجه الأرض منذ بدء الخليقة, ويسرق (17) مليار دولار , مليار ينطح مليارا من الأموال, التي وردت تفاصيلها في تقرير مؤلف من خمسين صفحة, أعدته لجنة النزاهة في البرلمان العراقي, ورفعته إلى مكتب الأمم المتحدة في العراق, لغرض عرضه أصوليا على المراجع العليا في الأمم المتحدة, في محاولة لتخطي قرارات مجلس الأمن الدولي, التي تمنع العراق من إقامة دعاوى قضائية ضد سلطات الاحتلال الأمريكي, ويقول التقرير أن تلك الأموال نُقلت جوا من الولايات المتحدة إلى العراق للمساعدة في إعادة إعمار البلاد, وكانت تحت تصرف (بريمر البربري).

تقول صحيفة (لوس انجلوس تايمز) في تقرير زلزالي كتبه (بول ريختر) بلغت قوته سبع درجات بمقياس والده (ريختر), قال فيه: أن الأموال شحنت إلى العراق عندما كان يمر بأحلك الظروف الأمنية, وكانت محشوة بأكياس وعلب وصناديق, تقدر أوزانها الإجمالية بـ (336) طنا, ووصلت الشحنة النقدية الورقية إلى بغداد, عن طريق الجو, بطائرات نقل عسكرية طراز (سي 130), لكن الأموال فُقدت واختفت وتلاشت في مثلث (بريمر), من دون أن تمر بمثلث (برمودة), ولم يُعرف مصيرها حتى الآن.

والعجيب بالأمر ان هذه الفضيحة المالية, التي ارتكبها القرصان الأمريكي (بريمر بابا), جاءت متوافقة ومتطابقة من حيث الزمن والمبلغ مع الأموال المسروقة من البنوك الكازاخستانية, والبالغة (17) مليار دولار أيضا, وتعادل الميزانية الاستثنائية التي حصل عليها الجيش الإسرائيلي عام  2009, وتعادل أيضا قيمة العجز المالي في الميزانية السعودية العامة لسنة 2009, وتتساوى رقميا مع الميزانية التونسية المهدورة والضائعة عام 2009 والبالغة (17) مليار دينار تونسي, وتتساوى رقميا أيضا مع قيمة الخسائر المصرية التي أفصح عنها وزير المالية عام 2009, والبالغة (17) مليار جنيه مصري.

فهل تطايرت أوراق هذه المبالغ الضخمة كلها في الجو, وذهبت في مهب الريح لتهبط في أماكن مجهولة من جزر الواق واق ؟

وهل سمعتم من قبل بشحنة مالية بهذا الحجم وبهذا الوزن وبهذه القيمة نُقلت في ظروف صعبة وغامضة عن طريق الجو إلى منطقة غير مستقرة أمنيا, ومشتعلة بالنزاعات والانفجارات ؟, ثم ما سر المليارات السبعة عشر المفقودة في كازاخستان ومصرستان وتونستان وسعودستان وعراقستان ؟

وهل لهذا التوافق الرقمي والنقدي العجيب للأموال المنهوبة والمسروقة من كنوز الشرق علاقة مع ميزانية الجيش الإسرائيلي, والتي بلغت (17) مليار دولار بالتمام والكمال ؟, أغلب الظن أن الجواب سنجده عند كهنة البيت الأبيض, وسيُفصَح عنه في يوم من الأيام بعد مضي (17) مليار شهر ؟. . .

باقات الورد لاتكفي ياسعادة السفير..!

مازال الفنان القدير محمد غني حكمت يصارع المرض وحيدا في عمان ولم تقف معه سوى رفيقة حياته أم ياسر، واكتفى سيادة السفير العراقي بزيارة خجولة وباقة ورد يتيمة.

  لايحتاج أي منصف لسرد سيرة ابداعات هذا الفنان الكبير الذي تزين أعماله النحتية أبرز ساحات بغداد وعمان والمنامة وعواصم أخرى ومنها باريس التي تحتفظ ببوابة عملاقة في مدخل منظمة اليونسكو تحمل لمسات هذا العملاق الذي لم تتحسس خطواته حكومتنا الوطنية وهو يرقد في عمان دون أن تتحرك الرئاسات الثلاثة وتقيم الدنيا ولا تقعدها لإنقاذ حياة رجل إرتبط اسمه بتاريخ المدينة وله في أرواح العراقيين وذاكرتهم أكثر من حكاية ، كيف لا وهو الذي حول كل تراثنا الحضاري والاسلامي والشعبي بشقيه الواقعي والاسطوري إلى ابداعات فنية تسكن معنا  في الساحات العامة وفي بيوتنا، وتحكي لنا تشكيليا تاريخنا وتصف أيامنا وليالينا ،عاداتنا وتقاليدنا وتثير في نفوسنا روح  الثبات والإيمان بالمستقبل وتفجر في دواخلنا الأمل والعشق لمدينة السلام التي يحاول أن يزحف عليها الظلام فيرتد حين يرى كهرمانة والسندباد وبساط الريح والمتنبي وما يتدفق منهما من دفق لمياه عذبة صافية تطفىء نيران الحقد والإرهاب والجهل والتخلف.

 هذا هو محمد غني حكمت الذي تحتشد الملايين تحت نصب الحرية في قلب بغداد الذي حمل بصماته وبصمات زميله الراحل جواد سليم، ولكن سيادة الرئيس ومعالي رئيس الوزراء لايذكرانه بكلمة ود تطيب خاطره وتنعش معنوياته فقد يحز في نفس الانسان أن يرعاه ملوك ومسؤولون كبار من دول الجوار ولايسأل قادتنا عن عمالقة البلاد من مفكرين وفنانين ومبدعين بعد أن استحوذ الساسة ولوحدهم على كل اهتمامات البلاد والعباد..!

 نأمل أن تصحا الرئاسات وتعتذر من الشعب إهمالها لفنان كبير مثل محمد غني حكمت الذي أبى وهو على فراش المرض إلا وأن يستكمل أربعة مشاريع عملاقة عن صمود بغداد أنجزها وهو بين الحياة والموت وفاء لمدينته وأهله الطيبين الذين أحبهم وأحبوه وأمدوه بالقوة والرؤى ولم يبخل عليهم في ابداعات سيخلدها التاريخ طويلا…. سلاما أبا ياسر وتأكد إن الرئيس سيتشرف حين يمد لك البساط الأحمر ويستقبلك مثل مظفر النواب فأمثالكم يشرفون الرئاسات وتكبر باستقبالكم والعكس صحيحا ايضا ،ونحن بانتظار صحوتهم عاجلا وليس آجلا، وإلا فإن التاريخ لم ولن يرحمكم ويرحمنا لأننا فرطنا برموزنا ومعالم نهضتنا ومشاعل حريتنا ونبض ذكرياتنا.

رحلة الفضاء الأولى الإسراء والمعراج

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير |سورة الإسراء -1-.

تفتخر الأمم والشعوب برحلاتها الفضائية، مثلما تفتخر بروادها.

ولكن لااحد يدري ان اول رائد حقيقي للفضاء المعجز هو محمد بن عبد الله رسول الله “ص” وخاتم الانبياء والمرسلين.

ومما يزيد الأمر حيرة وحزنا، ان ذكرى تلك الرحلة الفضائية تمر علينا كل سنة في ” 27″ من شهر رجب، ولا تحتفل بها فضائيات الأنظمة التي يعيش بعضها على نعمة الاسلام، ويحرص بعضها على الانتساب الى الألقاب الإسلامية التي تعطيهم هيبة واحتراما في نفوس الناس ويكتفون بذلك.

والقران الكريم كتاب الإسلام، ودستور البشرية الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو من صرح وكشف عن ثلاث رحلات فضائية هي :-

1-  رحلة الاسراء والمعراج للرسول محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وهي رحلة فضائية تامة ذهابا وايابا بواسطة البراق وبقدرة الله سبحانه وتعالى، وكانت على مرحلتين :-

ا‌-     المرحلة الاولى من مكة المباركة ومسجدها الحرام الى القدس ومسجدها الاقصى.

ب‌-   المرحلة الثانية : من المسجد الأقصى الى آفاق السماوات العليا حيث العرش وهو قدس الأقداس، ومن هناك نستمع الى القصة العجيبة التي ترويها لنا الآيات القرآنية من سورة النجم:-

ا‌-     والنجم اذا هوى *

ب‌-      ماضل صاحبكم وماغوى *

ت‌- وماينطق عن الهوى *

ث‌-   ان هو الا وحي يوحى *

ج‌- علمه شديد القوى *

ح‌- ذومرة فاستوى *

خ‌- وهو بالافق الاعلى *

د‌-    ثم دنا فتدلى *

ذ‌-    فكان قاب قوسين او ادنى *

ر‌-  فاوحى الى عبده ما اوحى *

ز‌-  ما كذب الفؤاد ماراى *

س‌-    افتمارونه على ما يرى *

ش‌-   ولقد رآه نزلة اخرى *

ص‌- عند سدرة المنتهى *

ض‌-    عندها جنة المأوى *

ط‌-    اذ يغشى السدرة ما يغشى *

ظ‌-        ما زاغ البصر وما طغى *

ع‌- لقد رأى من آيات ربه الكبرى *

ثمانية عشر اية مباركة تحكي قصة المشاهدة العجيبة، والوصول المعجز الى حيث سدرة المنتهى، والى حيث ” قاب قوسين او ادنى ” والى حيث ” جنة الماوى ” و ” ما يغشى السدرة ” و ” الايات الكبرى”.

كل هذه المعاني والمصطلحات لم نشتغل عليها، ولم ندخلها في مدارسنا لتكون موضع شوق وطموح لطلابنا ومحطة تامل وتفكر بدل ان نحشو ادمغتهم بالمعلومات التاريخية المتكررة، والمواد البعيدة عن واقع الحياة، حتى بدانا نخرج اجيالا مشلولة مخدرة ليس لديها تطلع، وغير قادرة على ان تصبح من اهل المشاريع.

ولم ندخل تلك المعلومات المشوقة الى مختبراتنا ومراكز بحوثنا لنتابع مسيرة التواصل مع هدي السماء التي قالت لنا :” يامعشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا لاتنفذون الا بسلطان، …..” يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران – الرحمن – 35-

ولم نتوقف عند فيض هذه المعلومات الالهية، وهي ذخيرة علمية وهدية سماوية لم نحسن استثمارها والعمل على هدي رافتها بنا وتحذيرها لنا حتى لانقع في غلواء المكابرة التي منيت بها رحلات الفضاء اليوم وصرفت عليها مليارات من الدولارات، والكثير من ابناء البشرية الفقراء بامس الحاجة لها ” يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ” وهذا ما توصلت اليه بعض رحلات الفضاء التي لم تكن لديها مثل هذه المعلومة، فسرعة الرياح حول المريخ مثلا تصل الى “500” كيلو متر بالساعة، وهو مما يجعل السفن الفضائية تواجه صعوبات ومخاطر لايمكن تلافيها في كثير من الاحيان، مع مايترتب عليها من خسائر فادحة.

2-  رحلة الفضاء التي ارتفع فيها عيسى عليه السلام الى السماء، ولم يعد وينتظر نزوله مع المهدي المنتظر، وهو وعد الهي لايجادل فيه الا من سفه نفسه.

3-  الرحلة الفضائية التي تم بواسطتها احضار عرش بلقيس ملكة سبا من مملكة بلقيس في اقصى جنوب الجزيرة العربية الى ارض كنعان في فلسطين حيث مقر نبي الله سليمان قال تعالى :” قال الذي عنده علم من الكتاب انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما راه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءاشكر ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم – النمل -40-

والذي عنده علم من الكتاب استحضر عرش بلقيس بسرعة كسرعة الضوء او مافوق تلك السرعة، وهو ما تحدثت عنه اخيرا نظرية ” السفر في الزمان ” لانشتاين، وهذا الرجل العالم في فيزياء الكم هو الذي وضع نظرية ” انبساط الوقت ” بناء على معلومة وصلته مفادها ان نبي الاسلام محمد بن عبد الله “ص” عندما ارتفع بقدرة الله الى السماء في رحلة الاسراء والمعراج لامس ردائه ابريقا من الماء كان الى جانبه فانسكب الماء من الابريق، وعندما رجع النبي من تلك الرحلة الفضائية المعجزة، كان ابريق الماء لايزال ينسكب منه الماء. مما يعني : ان تلك الرحلة الفضائية المباركة لرسول الله قد استغرقت ثوان.؟ وان المشاهدات التي تحدثت عنها سورة النجم ” ما كذب الفؤاد ماراى ” هي مشاهدات حقيقية، ولكنها نورانية تقربها لنا سرعة الضوء وتعطينا عنها فكرة تظل دونها الاسرار التي لايعرفها الا الله والراسخون في العلم ” وان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون ” و ” تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة “، وبعد ان اصبح حساب السنوات الضوئية معروفا عند علماء الفضاء، الا ان نورانية الحركة، ومعنى الشهود، والمشاهدة القلبية التي تعتمد على سيولة النور ونور النور الذي قال عنه تعالى : ” الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كانها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيئ عليم – النور – 35-

هذه اضاءة مختصرة لنراجع انفسنا على صدى ذكرى اول رحلة فضائية في تاريخ البشرية، حتى لانظل نعتقد ان كاكارين الروسي هو اول رائد فضاء، مع تقديرنا للجهود البشرية في هذا المجال مثلما لايصح الاعتقاد ان اول من نزل على القمر كان امريكيا، ورسولنا “ص” قد كشفت له اسرار الكواكب والنجوم، مثلما كشفت له اسرار الفضاءات ” ماكذب الفؤاد ما راى ” وتلك مناسبة ذهبية وعيد حقيقي للعلم والفضاء الذي ينتظر منا الكثير.

“الحيف يدعو إلى السيف”.. العراق بين احتلالين.. ثورة العشرين تحدياً

 د. علي التميمي

من عام 1917 حيث الاحتلال البريطاني للعراق، الى عام 2003 والاحتلال الأمريكي، ما الذي تغير في العراق كدولة؟ وما الذي تغير في العراق كمجتمع؟ أما الذي تغير في العالم فهو كثير وكبير. ولكن يهمنا في مناسبة ذكرى ثورة العشرين ان نتحدث عن العراق الدولة، وعن العراق المجتمع.

أما الدولة التي ولدت في أحضان الاحتلال البريطاني فبرغم كل ما قيل عنها، ولاسيما ان القائلين عنها قارنوها بما بعدها، وهذا صحيح من جانب، ومن جانب آخر ينطوي على مصادره، لا يمكن سلامة البحث مع وجودها.

ورغم دهاء وخبرة البريطانيين التي اكتسبوها عبر مدة طويلة من الاستعمار والذي جعل بلادهم تسمى “بريطانيا العظمى”، إلا ان روح الإبداع وصفاء الوطنية لا تنتقل بالواسطة وعبر الآخرين، ولكنها تحتاج الحضور للمكون الوطني، وهذا المكون في حالات الاحتلال والاستعمار، يكون مبعدا، ولذلك يتقدم عليه رموز السمسرة والنفاق، ومن جراء ذلك تأخذ الأمور منحى سطحيا يكتفي بالشكليات، لذلك تكون حركة الدولة متخشبة غير مرنة فتضمر الحيوية، وينمو الخداع والغش ليصنع شكلا ظاهريا لا يثمر إبداعا، ولا تختمر فيه وطنية.

ولذلك كانت الدولة العراقية في ظل الاحتلال تنشا مشوهة لا تنتمي الى جذورها، ولا تستقي من نبع ينابيعها، فظهرت التربية متلونة بمزاج من يخدم سلطة الاحتلال، وظهرت الصحة متخمة بالتقليد الذي جعل المهنة تركض لاهثة وراء الشكل وتنسى المضمون والمنطلق الذي يتعبد بالنص القرآني: “واذا مرضت فهو يشفين” ويستدل بالنص النبوي: “ما انزل الله من داء إلا وجعل له دواء فتداووا يا عباد الله”.

وبدل من ان تزرع بذور تناسب التربة العراقية في التربية مثلا: قدموا لها مقولات لم يكن لصاحبها إرثا فكريا او معرفيا، وإنما هو من رعايا الاحتلال الذين دجنهم على خدمة التاج البريطاني، قبل ان يتواصلوا مع القواعد الشعبية بهمومها وحاجاتها، ونتيجة الفراغ الذي تركته السلطنة العثمانية، وجد الطامعون بالألقاب والمناصب فرصة للظهور ولو بالتتويج البريطاني، فكان فيصل بن الشريف حسين ملكا على العراق الذي نقلوا عنه مقولة: “لو لم أكن ملكا لكنت معلما”. وقدمت للمدارس العراقية على أنها تشجيع للعلم، ولكن بعد هذه المقولة المخدرة، لم يشهد العراق مشروعا تربويا وعلميا يعبر عن صدق تلك الشعارات.

وإذا كانت الصناعة العراقية حالها حال التربية والصحة والثقافة والزراعة، لم تشهد توجها حقيقيا لاكتساب الخبرات وتطوير المهارات وادخال المكننة خصوصا بعد الاكتشاف المبكر للنفط في حقول بابا كركر العراقية، ومن يعتبر مشاريع مجلس الإعمار في العهد الملكي هي من طليعة المشاريع التي نهضت بالعراق، ينسى ان الدولة اية دولة، لابد لها من تقديم الخدمات، والكلام هنا في نوعية الخدمات، وحجم الحاجة الوطنية لها، لا تلك الخدمات التي تقدم على طريقة الشاعر:-

وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها

 تأتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها

فالبلد كان خاليا من كل المشاريع الخدمية التي كان لابد منها، والبلد الذي اكتشف النفط فيه في العشرينيات من القرن الماضي لم تظهر مشاريع مجلس الاعمار الا في الخمسينيات، وبناء الطرق لم يبدأ إلا في نهاية الخمسينيات “طريق حلة – ديوانية” على سبيل المثال وضع الحجر الأساس في العام 1957 م.

والمنطقة الوسطى والجنوبية التي كانت تعاني من انتشار مرض التدرن، لم يؤسس فيها مستشفى متخصص لعلاج أمراض السل إلا عندما بادر الحاج عبد الرزاق مرجان لإنشاء مستشفى للأمراض الصدرية على نفقته الخاصة في مدينة الحلة عام 1957.

والمنطقة الشمالية التي كانت تعاني من أمراض الملاريا، وتضخم الغدة الدرقية بسبب المياه الكبريتية التي تصب في نهر دجلة عند الموصل فتؤدي الى اختزال اليود في الجسم، مما يؤدي الى تضخم الغدة الدرقية، ولم يفكر احد في ايجاد مصحات خاصة للمواطن.

والأمية ظلت متفشية بين المواطنين…. ومن ملاحظة كل ذلك وغيره يمكن الاستنتاج بان ثورة العشرين التي قام بها الشعب العراقي من خلال طلائع العشائر التي تحمل شعورا وطنيا متاصلا من خلال رصيد ثقافي شعبي يتصل بتاريخ العراق وما وقع فيه من احداث وثورات كانت تتحرك طبقا لبوصلة السماء التي أخذت من مشاعر الناس وهجا لا يرتفع الى مستواه اي رصيد او وهج اخر. ومن الامثلة الحية على ذلك هو ما لثورة الامام الحسين من رصيد تعبوي جماهيري قل نظيره تاريخيا، وبشريا.

ومن مصاديق الحس الشعبي المعبأ بذلك الرصيد الذي يحتوي على قيمة عليا من الافكار والمفاهيم، حيث وقف احد الشعراء الشعبيين يوما في حفل جماهيري عشائري يمدح احد رؤساء العشائر، فبلغ واخطأ في المعنى والمفهوم، فما كان من الجمهور الحاضر والمستمع الا ان رد عليه غاضبا طالبا منه عدم الاستمرار في الهوسة التي تتضمن خطا. حيث قال: –

هذا الما جابت حوى من امثاله….. مشيرا الى رئيس العشيرة الممدوح بما لا يتناسب مع وجود الانبياء وفي مقدمتهم النبي محمد “ص” الذي لا يجوز ان يقارن بهم احد من عامة الناس.

هذا الحس المحمل بثقل التاريخ ومفاهيمه، هو الذي حرك العشائر العراقية للثورة ضد الانجليز وعملائهم، واذا كانت ثورة العشرين قد انطلقت من عشائر الرميثة بقيادة شعلان ابو الجون، وقامت معها بقية عشائر العراق، وهذه الظاهرة لم تدرس بعين التحليل الاجتماعي جيدا، فالعراق في تلك الفترة لم تكن المدن فيه قد وصلت الى حاضنات حضرية تتمثل فيها مكونات سكانية متعددة تنشط فيها مؤسسات او منظمات مهنية وغيرها، وانما كانت مدن عانت من تهميش حكام السلاطين العثمانيين فبقيت بدون حواضر مهمة حتى العاصمة بغداد بالرغم من تغني الأتراك بالمثل التركي عن بغداد والذي يعود الى زمن بغداد ايام العصر العباسي، حيث يقول المثل التركي: “لا مدينة كبغداد”.

ولذلك كانت مضارب العشائر العراقية تشتمل على حيوية ونشاط يلفت الانتباه اكثر مما هو عليه في المدن التي لازالت في طور النمو البطيء. وكانت مضايف العشائر تشهد اجتماعات ولقاءات تفرضها العادات والطقوس، مما يجعلها محط انظار الناس. ولذلك كانت مظاهر الغطرسة البريطانية منظورا إليها بعين الكبرياء العشائرية التي تستمد من معتقداتها الدينية ما يجعلها تأنف من الرضوخ والاستكانة.

ومن مظاهر الاستعلاء البريطاني الذي رفضته حاسة الفرز العشائري، ما كانت تتعامل به القنصلية البريطانية مع الشريف حسين والد الملك فيصل الذي نصب ملكا على العراق، ووالده تم نفيه الى قبرص، وكان الملك فيصل يرسل حوالة شهرية الى والده في قبرص مقدارها “مئة دولار”، وكان البريد وإدارة السكك الحديد بيد البريطانيين ويعاونهم في ذلك بعض الموظفين والعمال الهنود، مما سهل عليهم التلاعب بالبريد الذي لم يكن وطنيا وبالسكك الحديد التي كانت تخدم مصالحهم، وهو تماما ما يشبه ما حصل في الإدارة الامريكية للعراق بعد “2003” من ايام كارنر وبريمر ومن اثار تلك المرحلة اختفاء ” 17″ مليار دولار أمريكي”.

والملك فيصل الاول الذي انعم عليه البريطانيون بالتاج العراقي المنقوص السيادة، واجه نفس المصير الذي واجهته حكومات ما بعد “2003” من انتقاص السيادة.

فعندما كان الشريف حسين يقيم منفيا في قبرص، أخروا عنه ذات مرة وصول الراتب الذي يرسله له ولده الملك في العراق، مما اضطر الشريف حسين الذي رفض بائع الخضرة تجهيزهم دون تقديم سعر الفاكهة نقدا. ان يذهب الى القنصلية البريطانية في قبرص ليستقرض مبلغا من المال لحين وصول الحوالة. وكان كاتب القنصلية يهوديا فقال للشريف حسين في معرض أهانته ما الضمان. فقدم الشريف حسين خنجره الذهبي، فما كان من الكاتب اليهودي الا ان زاح الخنجر بقلمه زيادة بالاحتقار، وقدم له المائة دولار. وهذا الموقف اثر على نفسية الشريف حسين فعندما رجع الى بيته اصيب بانفجار دماغي، ونقل الى عمان وتوفي هناك متاثرا من ذلك الموقف.

ولقد حدث في زمن الاحتلال الأمريكي للعراقيين شعبا وحكومة من الإذلال والهوان اكثر مما حدث لهم أيام الاحتلال البريطاني بالرغم من النفي الذي تعرض له البعض من رؤساء العشائر والشخصيات الى الهند، ففي عهد الاحتلال الأمريكي الذي تختلف اسبابه عن الاحتلال البريطاني ولكن تتوحد اهدافهما، فالاحتلال الامريكي حاصر بيت احد اعوانه وادلائه بالدبابات، وقطع عنه وعن حزبه ما كان يعطيه من مساعدات شهرية، وقام بالاعتداء على احد شخصيات الحزب الإسلامي، وهو الامين العام للحزب، وقام بمسلسل الاهانة والإذلال باعتقال احد شخصيات الاحزاب الدينية على الحدود وقاموا باستجوابه لمدة ” 12″ ساعة مع الاعتداء والضرب وتوجيه الإهانات، وبعدها قدم السفير الامريكي زلماي خليل زاده اعتذارا شفويا لا قيمة له تجاه ما قامت به عناصرهم من الاهانة والإذلال.

والعجيب ان كل هذا حدث مع أطراف تؤيدهم وتسير في مشروعهم دون ان يصدر من تلك الأطراف ما يعبر عن الرفض والتحدي كما صدر عن عشائر العراق في ثورة العشرين.

صحيح ان الظروف اختلفت وأسباب الاحتلال اختلفت، ولكن الإباء والكرامة لن تختلف في مفاهيمها، ولكن الرجال اختلفوا.

شعار ثورة العشرين:-

“الطوب احسن لو مكواري” وهذا الشعار هو التحدي الذي واجه به ثوار ثورة العشرين جحافل الجيش البريطاني ومرتزقته، والطوب يعني = المدفع، والمكوار يعني = قضيب من الخيزران مكسوا رأسه بالقير على شكل كرة دائرية، وكان شائعا عند ابناء العشائر في تلك الايام كسلاح شعبي بسيط، ورغم بساطة سلاحهم إلا ان معنوياتهم كانت كبيرة واصرارهم على الدفاع عن بلدهم وشرفهم كان الاكبر، وهذا الامر هو من مواريث التغذية الدينية التي تقوم على شحن النفوس بالعزيمة التي تضاعف من قوة المقاتلين، وهذا الارث كان المسجد يغذيه باستمرار عبر حضور متناوب بالذكرى التي تمر عبر حياة النبي “ص” وجهاده، وعبر سلسلة الائمة الاطهار وعلى راسهم الامام علي بن ابي طالب عليه السلام مثال الشجاعة الذي قال عنه بن ابي الحديد المعتزلي شعرا:-

ياقالع الباب التي عن قلعها

 عجزت اكف أربعون وأربع

ولذلك عرف الامام علي: بانه قالع باب خيبر. وهو الذي قيل له: كيف كنت تصرع ابطال العرب. قال مانازلت رجلا الا واعانني على نفسه. وهو القائل لعمر بن الخطاب “رض” عندما استشاره في الحرب مع الفرس. فقال له: ما كنا نحارب بالكثرة. ولكن بالنصر والعدة. وقبل ذلك كان النص القرآني الذي يتردد على المنابر: ” ان تكونوا مائة تغلبوا مئتين” و ” ان تكونوا الفا تغلبوا الفين “. و ” ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة…” وقوله تعالى: ” اذ تقول للمؤمنين الن يكفكم ان يمدكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين – ال عمران – 164-

وكانت الاشعار المدوية تهز مشاعر ابناء العشائر والقرويين وابناء المدن وهم يحضرون احتفالات ثورة الامام الحسين حيث تقول تلك الاشعار:-

 من جانب المحراب يمضي ركبنا

 للنور لامن جانب الماخور

فكان المسجد مرجعا ثوريا، ومثلما كان في ثورة العشرين يرفع راية الجهاد الذي تقدمه المجتهدون من العلماء، مثلما عاد المسجد اليوم مرجعا للحركات التحررية في عواصم العالم العربي والاسلامي، واذا كان البعض يراهن خاسرا على فصل الدين عن السياسة، وذلك لعدم معرفتهم بطبيعة الدين وقيمومته الكونية، وعدم معرفتهم بالسياسة ومحركاتها الوجدانية المرتبطة بالاحسن والاصلح والاتم، تلك الثلاثية التي لاتطمئن الا بالعدالة ومسوغاتها المرتكزة على تفاصيل الكتاب والميزان، ولا كتاب احصى لحاجات البشرية وتنوعات الكون احسن من كتاب الله الذي اعتبره الله نورا للانسان مثلما اعتبر النبي برهانا للحق قال تعالى: ” ياايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا ” – النساء – 174-.

ان مرجعية التظاهرات اليوم في العالم العربي والاسلامي تتضح من خلال رفعها لشعار ” الله ” ثم ” الوطن ” وبما ان الوطن صناعة ربانية قال تعالى ” والارض وضعها للانام “، فمن هنا يفهم الاجماع على مرجعية ” المسجد ” بعيدا عن اسماء الافراد باعتباره بيتا من بيوت الله، يظل هو الملاذ عبر كل الازمات التي تعصف بالشعوب، حيث تتهاوى وتتراجع كل المرجعيات الوضعية امام السنة الكونية ونظامها العام قال تعالى:” لمن الملك اليوم لله الواحد القهار” و “كل من عليها فان” هذه الحقيقة هي الجواب النهائي على كل الأسئلة التي لم تجد جوابا شافيا عبر احتدام الصراعات ونشوب الخلافات.

ان ثورة العشرين كانت ببساطتها قريبة من مفهوم الكون ومرجعية المسجد وقيمومة الدين، استجابة للفطرة التي لا تحتاج الى تعقيدات المطالب الفلسفية بمقدار ما تحتاج الى الشفافية والوضوح والاقتراب من نداء الروح ” ومالي لااعبد الذي فطرني واليه ترجعون ” و ” لكم دينكم ولي دين ” اطروحة سبقت كل الديمقراطيات، وعلمت العفوية التي جعلت ابنة فلاح جنوبي من ميسان تتغلب على حنكة المبشر القادم مع الاحتلال البريطاني عندما سال فلاحا بسيطا: هل الميت احسن ام الحي. فقال الفلاح: الحي احسن. فقال المبشر الانجليزي: فاذن عيسى احسن من محمد. لان عيسى حي ومحمد ميت. فما كان من الفلاح الجنوبي الذي كانت معه ابنته وهي طفلة صغيرة ورثة الملابس: ان قال للمبشر ببساطة الفطرة وبدون تكلف: فاذن سكينة واشار الى طفلته: افضل من مريم. فصعق المبشر ولاذ بالصمت. تلك كانت حيلة الاحتلال ومكره: امام بساطة الفطرة وطيبة فلاح الجنوب وهم جنود ثورة العشرين التي امتازت بالتحدي. فهل لنا اليوم من ذلك النموذج ولو ببراءة سكينة وبساطة والدها الفلاح.

اعتقد اننا نمتلك الكثير ولكن علينا حسن الاختيار والصدق في النوايا والتوجهات.

خان جغان

في حياتي  الصحفية التي تقرب من خمسة عقود ، لم ألتق رجلا بكفاءة الباحث التراثي العراقي الدكتور عبد الله البغدادي فقد كان الرجل  غزير المادة، دقيق المعلومات، سهل اللغة الى جانب طريقة في العرض شيقة (آمل أن لا يحصل خطأ مطبعي وتظهر شبقة) لعل الطريق الطريف في هذه الشخصية المغتربة منذ عام 1979 التي ترددت على البلد بين الحين والحين الآخر انها كانت شديدة الاهتمام بالاضافات والتعليقات الجانبية وغالبا ما تلجأ إلى لازمة يكثر ترددها وهي الشيء بالشيء يذكر أو أحيانا عبارة (وبهذه المناسبة) .

آخر محاضرة ألقاها البغدادي كانت في تموز الماضي على قاعة المسرح الو طني  التي غصت بالحضور وكانت تحت عنوان ( الخانات العراقية .. فنادق من طراز خاص) وقد تناول  الرجل ابتداء خان مرجان ومن أين جاءت التسمية؟ وفي أية سنة تم بناؤها؟ وما هي الخصائص الفنية والمعمارية التي إنفرد بها وكم عدد غرفة؟ … الخ

وتوقف  قليلا وشرب جرعة ماء ثم واصل كلامه (وبهذه المناسبة فقد أدى الخان عدة وظائف في أثناء مسيرته الطويلة) وتحدث بالتفصيل عن طبيعة تلك الوظائف قبل ان يختم حديثه بجملة ظريفة جعلتنا نبتسم بحزن ( أما الآن فتم اجتثاث الخان وأصبح عاطلا عن العمل ) ! هكذا كان المحاضر البغدادي يمتلك أسلوبا ممتعا في التنوع والتقلب بين الجد والهزل ، وبين المعلومة والمزحة ، وبين الماضي والحاضر ، وهو أسلوب يشد المستمع ويدفع عنه الملل ، وربما تعلم هذه الطريقة من (الخارج) لاننا في الداخل لانحسن التنوع ونكره التغيير في كل شيء حتى ان الواحد منا اذا جلس على الكرسي لن يغادره إلا بالعين الحمراء!  

كانت الساعات معه تمر مرور الدقائق  وهو يتنقل من خان مرجان الى الخانات الاخرى ، النص والاسكندرية والنبكة والمحمودية والضاري .. الخ وهو يأتي على وثائق ومعلومات وأحداث طريفة او مؤلمة لم نسمع بها ، وفي قرارة نفسي  كنت أتمنى على محاضري  الجامعات ، وعلى بعض اعضاء البرلمان والمحللين السياسيين الذين يعشقون الفضائيات لو تعلموا من هذا العراقي المغترب فنون الخطاب والمحاضرة والحديث حتى لانهرب من المسلسلات التركية والأفلام الهندية !

الوقفة الأخيرة كانت عند (خان جغان) حيث أسهب على عادته في أدق التفاصيل الجغرافية والتاريخية والمعمارية ، وكيف كان هذا الخان مفتوح البوابة  على مصراعيها يدخله منهب ودب بلا حساب ولاسؤال ولا رقيب ولهذا صار مضرب المثل ، فإذا دخل موظف على المدير من غير ! استئذان او موعد سابق صرخ في وجهه (هاي شنو افندي … خان جغان ) ولكن المشكلة على حد تعبيره إن جنود الاحتلال الذين يقتحمون منازل المواطنين ويصرخ أحدهم (شنو هاي .. قابل بيوتنا خان جغان] ، يصعب عليهم فهم العبارة ، وربما يتصورون ان تسمية (خان جغان) شتيمة قاسية تستوجب تقييد اليدين إلى الخلف ووضع الرأس في كيس [وبهذه المناسبة فمهما قيل عن الجنود الاميركيين فإنهم شفافون جدا حتى أكياسهم تتمتع بأعلى مواصفات الشفافية] ، المهم حين انتهى الرجل من حديثه عن آخر الخانات لم ينس ترديد العبارة الأثيرة لديه [أيها السيدات والسادة الأفاضل … الشيء بالشيء يذكر فإن حالة العراق أشبه بحالة خان جغان و ..] وأجهش بالبكاء بحيث لم استطع التعرف على وجه الشبه بينهما ، لان المحاضر غادر المنصة مختنق الصوت ، وقد حاولت الاستعانة بالحضور ، نظرت إلى الصف الذي أمامي ، إلى اليمين واليسار ، الى الصف الذي ورائي ، كان الجميع قد أجهشوا بالبكاء إلا أنا (ثور الله بأرض الله) ، لا ادري ماذا يدور حولي ، ولذلك رحت أبكي بأعلى صوتي ، والشيء بالشيء يذكر ، فإن المثل يقول : الحشر مع الناس عيد !!

 

ثقافة الاستحواذ

عرفت العرب قديما المرادفة الكاملة بين ان يكون العربي رجلا فحلا وان يكون قاطع طريق. وظلت هذه المرادفة متسلطة على العقل العربي منذ العصور التي سميت بعد ظهور الاسلام ب(العصور الجاهلية)، مرورا بالغزوات المتكررة والفتوحات التي حملت (راية العرب) الى اقصى جغرافيا الارض المعروفة آنذاك، الأمر الذي يفخر به حتى اليوم العروبيون على تنوع طروحاتهم، وصولا الى الظاهرة الأنموذج، والتي شهدها عراق مابعد أنعطافة 9/4 ومازلنا نعاني ذيولها حتى الساعة، الظاهرة التي تمثلت بماسموه(الحواسم) تيمنا بأسم آخر معركة خاضها(بطل التحرير) المقبور..

فبعد ان انفجر غيظ الناس وأخذ بالتمادي، ربما بسبب أمضاء الحاجة الماسة، او طلبا للأقتصاص والثأر من ممتلكات(السلطة)، حسب مستوى وعيهم البسيط، السلطة التي استحوذت على كل شيء ولم تترك للناس أي شيء، وبغض النظر عن كل ماقيل ويقال في تفسير تلك الظاهرة، بعد الانفجار ذاك راحت كل حقوق الدولة، التي هي في المحصلة النهائية، المال العام لاغير، نهبا لكل من يمد يده اليها، وبلغت الشراهة لدى الكثير مبلغا اجراميا متخصصا، اذا ما اخذنا بالحسبان مافعله النظام المدفور من اطلاق سراح كل ارباب السوابق من عتاة المجرمين واللصوص وشذاذ الافاق، قبل اندحاره بزمن وجيز.

وبالنظر للفوضى التي ضربت اطنابها في طول البلاد وعرضها، والتي جاءت نتيجة لسياسات الحاكم المدني(بريمر) سيء الصيت، وبوحي من نظرية (توماس فريدمان) نظرية (الفوضى الخلاقة) وقد الحقت سلسلة من الكوارث الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية بمعيشة العراقي اليومية، ومازال هذا العراقي، المغلوب على حظه، يكابد أضرارها، بالنظر لتلك الفوضى سيغدو واضحا لدينا حقيقة اننا لن ننتهي من ثقافة الغنيمة التي ماأنفكت تشكل الدافع الاول في سلوك المواطن والمسؤول، إن لم نخضع جميعا الى سلطة قانون، يعضده الدستور وتقيمه وتحميه حكومة قوية بأذرع امنية خالصة الولاء للوطن وحده دون غيره.. والمخيب للامال بتنا نصدم بالاخبار التي تشيرالى ان وزارتي الدفاع والداخلية الوزارتان اللتان تحتلان المرتبة الاولى في التجاوز على الممتلكات العامة !! حسب ماذكر مصدر مسؤول في امانة بغداد قبل ايام …

حيث قامت الوزارتان المذكورتان بالاستحواذ على عدد من الابنية الخاصة بوزارات وجهات رسمية اخرى، وايضا اقامة منشأآت تابعة لهما على اراض تابعة للدولة وبصورة غير رسمية، الأمر الذي يكرس وبنحو مؤلم احباط المواطن وخيبته من النتائج المعاكسة بالضبط لما كان يتمناه من الحالة العراقية الجديدة التي فتحت امامه افاق احلامه المغيبة والمقتولة طوال ما يقرب الثلاثين سنة، من عمر تسلط الطاغية الاحمق على مصائر العراقيين .

يعرف جميع العراقيين الاوضاع المربكة والمعقدة التي عاشتها كل الاجهزة الوليدة للحكومات العراقية، مثلما يعرفون ما أكتنف التشكيل الجديد والهيكلة الجديدة لمفاصل الدولة والحكومة على حد سواء من مشكلات جمة كان لنظام المحاصصة الحظ الاوفر في خلقها، حتى غدا هيكل الحكومة وما يندرج تحت لوائها اشبه ب(شركة مساهمة) مؤسسيها والمساهمين المستفيدين الوحيدين من عوائدها ليس بينهم قطعا اي مواطن عراقي يبات جائعا ومن دون مأوى ويعايش الرعب كل ساعات يومه بفعل الارهاب وغيره.

ولكن ذات المواطن لم يزل يحتفظ بالامل بذمة الشرفاء والامناء في انجاز المهمة الوطنية العظمى لخلق عراق آمن مستقر مرفه يتنعم بخيراته الفائضة، وكل ذلك، كما يؤمن ذات المواطن ايمانا راسخا، لن يتجسد على ارض الواقع من دون سلطة قانون يعضدها الدستور، بعيدا عن ثقافة الاستحواذ والغنيمة.

باقات الورد لاتكفي ياسعادة السفير..!

مازال الفنان القدير محمد غني حكمت يصارع المرض وحيدا في عمان ولم تقف معه سوى رفيقة حياته أم ياسر، واكتفى سيادة السفير العراقي بزيارة خجولة وباقة ورد يتيمة.

  لايحتاج أي منصف لسرد سيرة ابداعات هذا الفنان الكبير الذي تزين أعماله النحتية أبرز ساحات بغداد وعمان والمنامة وعواصم أخرى ومنها باريس التي تحتفظ ببوابة عملاقة في مدخل منظمة اليونسكو تحمل لمسات هذا العملاق الذي لم تتحسس خطواته حكومتنا الوطنية وهو يرقد في عمان دون أن تتحرك الرئاسات الثلاثة وتقيم الدنيا ولا تقعدها لإنقاذ حياة رجل إرتبط اسمه بتاريخ المدينة وله في أرواح العراقيين وذاكرتهم أكثر من حكاية ، كيف لا وهو الذي حول كل تراثنا الحضاري والاسلامي والشعبي بشقيه الواقعي والاسطوري إلى ابداعات فنية تسكن معنا  في الساحات العامة وفي بيوتنا، وتحكي لنا تشكيليا تاريخنا وتصف أيامنا وليالينا ،عاداتنا وتقاليدنا وتثير في نفوسنا روح  الثبات والإيمان بالمستقبل وتفجر في دواخلنا الأمل والعشق لمدينة السلام التي يحاول أن يزحف عليها الظلام فيرتد حين يرى كهرمانة والسندباد وبساط الريح والمتنبي وما يتدفق منهما من دفق لمياه عذبة صافية تطفىء نيران الحقد والإرهاب والجهل والتخلف.

 هذا هو محمد غني حكمت الذي تحتشد الملايين تحت نصب الحرية في قلب بغداد الذي حمل بصماته وبصمات زميله الراحل جواد سليم، ولكن سيادة الرئيس ومعالي رئيس الوزراء لايذكرانه بكلمة ود تطيب خاطره وتنعش معنوياته فقد يحز في نفس الانسان أن يرعاه ملوك ومسؤولون كبار من دول الجوار ولايسأل قادتنا عن عمالقة البلاد من مفكرين وفنانين ومبدعين بعد أن استحوذ الساسة ولوحدهم على كل اهتمامات البلاد والعباد..!

 نأمل أن تصحا الرئاسات وتعتذر من الشعب إهمالها لفنان كبير مثل محمد غني حكمت الذي أبى وهو على فراش المرض إلا وأن يستكمل أربعة مشاريع عملاقة عن صمود بغداد أنجزها وهو بين الحياة والموت وفاء لمدينته وأهله الطيبين الذين أحبهم وأحبوه وأمدوه بالقوة والرؤى ولم يبخل عليهم في ابداعات سيخلدها التاريخ طويلا…. سلاما أبا ياسر وتأكد إن الرئيس سيتشرف حين يمد لك البساط الأحمر ويستقبلك مثل مظفر النواب فأمثالكم يشرفون الرئاسات وتكبر باستقبالكم والعكس صحيحا ايضا ،ونحن بانتظار صحوتهم عاجلا وليس آجلا، وإلا فإن التاريخ لم ولن يرحمكم ويرحمنا لأننا فرطنا برموزنا ومعالم نهضتنا ومشاعل حريتنا ونبض ذكرياتنا.