علة النجومية

يتأكد ذلك التشاؤم القائل ان افة او علة خطيرة تلازم الكثيرين من العرب حالما يشتهرون ويكبرون ويغدون نجوما …وفي اي ميدان …بلا استثناء …انه الشغف بالذات وطفح نرجسيتها …وقد تبلغ حدود الاسفاف والتفاهات …ويمكن ان تصل بالنجم للحديث عن تفاصيل وصغائر شخصية وعائلية …كما لو يرمي الى ان يرى الناس طريقة نومه ويقظته وتصرفه في المرافق الصحية ….

برامج تلفزيونية تنجح سريعا ..ووجوه فنية تسطع      … ولكنها لا تلبث  ان تخبو وتعتم لاصابتها بلعنة النجومية العربية  … …في حين كانت درجات اخرى تنتظرهم في الافق وبين النجوم …وبذا التحقوا,عندنا بالشحاذين الذين هبطت عليهم الثروات وبالبقالين الذين كدسوا النجوم والرتب على اكتافهم …وبالعاجزين عن رعي الاغنام وعن التوفيق بين اولادهم المتعارضين ليكونوا ساسة ورجال حكم يوحدون شعبا …

نظرة الخلد في التراب غير نظرة النسر في الفضاء …والحياة ووقائعها للمناضل قبل السلطة غيرها بعد السلطة …وكذاللفنان فالنظرية غير الواقع …الا ان غير الجديرين بالنجومية مثل غير الجديرين بالثروات والكراسي والمسؤوليات ..لا يعرفون متطلبات الواقع الجديد وما تفرضه النجومية …فالنسر يرى الارض خريطة واشكال عامة …في حين يراها الانسان على الارض بتفاصيلها ..ولكل مزاياه وشروطه ومتطلباته ,,,وهذا ما لا يعرفه الكثيرون ممن صاروا نجوما …ويصابون بالدوار ..وفقدان التوازن والكثير من الثمل ….وقد تجلى هذا المرض المزمن في المرحلة العراقية على اوضح ما تكون …ورأى نجم الاحتيال وقد انتقل الى نجم في السياسة  والتحليل …انما الامتحان هو القدرة على الاحتفاظ بالنجومية وبالبقاء في الاعالي وفي فهم الواقع من تلك القمة…

ولكثرة من شغلوا  امكنة ليست لهم في السياسة والمجتمع والفن والثقافة والاقتصاد  فقد تصدر العراق قوائم الفساد في العالم وطالت ازماته وخلافات رجاله وفوضاه الهدامة … ومن يرى حال العراق السياسية يعرف ابطال ونجوم الفوضى على افضل ما يكون ….وكما لا يعبأ بعض السياسيين بحديث العالم عما يجري به ..فان نجوم الوقت لا ينتبهون الى انهم عرضة للمشاهد في كل الارض  …فخسروا وخسرنا معهم نجوما … 

ومع ذلك ,مع كل ذلك …فالامر مرهون بالمجتمع …فالناجح في محتمع فاشل في مجتمع اخر …وما يقرفنا قد يمتع ويضحك غيرنا  ..وكل مجتمع وثقافته وذوقه   …ولكن …ادا كان بوسع المشاهد ان ينتقل الى قناة اخرى تفيده وتسعده ..ماذا يفعل مع سياسي يرى في كوارث دائرته انجازات يتباهى بها كما يتباهى نجم المصادفة بمتاعبه مع معجبيه ؟؟ خسارة ان نفقد احدا ..ونتمنى الا نخسر نجوما …   

كرة ثلج

ليس معروفا على وجه الدقة تاريخا محددا لظهور اول حالة كذب في عمر البشرية ، غير ان ما تشير اليه وقائع التاريخ اذا سلمنا بوقائعيتها ان الكذب ومنذ ان وجدت اول وحدة اجتماعية ، ظل رديفا لافكاك له لظاهرة القسر بشتى تصانيفها ومسمياتها بدءا من قسر الاعراف والتقاليد مرورا بقسر المعتقدات الميثولوجية ومن ثم الدينية حتى عهد سن القوانين والتشريعات .

ولم تكن ظاهرة الكذب نتاجا خيطيا لظاهرة القسر حصرا ، بل تضافرت مولدات عدة في صنعها ، نفسية واجتماعية وبيولوجية ايضا ، غير ان ما يعنينا منها هنا تتبع اثارها السياسية وحصرا السلطوية من اجل حصر اضرارها الفادحة التي باتت تهشم في الصميم توازن وسلامة الشخصية العراقية وبالتالي النسيج الطبيعي للمجتمع العراقي .

الامر اللافت قوة وفاعلية الخطاب السلطوي السياسي عبر التاريخ في التاثير الضار لتعضيد ظاهرة الكذب، وقد حفل تاريخنا بنماذج عدة من الحكام الذين اختطوا سياقات وانماط لتلك الظاهرة بل ابدعوا في خلقها ايما ابداع وظلت المفارقة الحادة بين القول عبر انواع الدعاية السياسية لصالح الحكام والفعل عبر سلوكهم اليومي في تضاد تام لفحوى تلك الدعاية .. كما ظلت تلك المفارقة مهيمنة تاريخية دائبة الفعل والتاثير وبنحو بالغ السوء في مصائر الناس وحيواتهم .

يحكى ان رجل دين يدعي العفة والورع امام الناس ويقيم علاقة خاطئة مع احداهن في الخفاء، ذات يوم وبينما هو منهمك بفعل الخطيئة معها ، اخبرته ان  الناس باتوا  يتهمونها بعلاقتها الخاطئة معه .. رد عليها رجل الدين وهو منشغل بها : انتخي بالله ان يقتص لي ولك منهم … مع ملاحظة الوظيفة التبريرية لدين السلطة على مر التاريخ .

وبتاثير الية التشبه بالمثل فقد قدم الحاكم نفسه على الدوام مثالا ينبغي ان يحتذى بوصفه ايضا قد حذا حذو الاله ، من قبل ، في سماته جميعها حتى اختاره خليفة له على الارض، بغض النظر عن الاعتبار لتمظهرات الفكرة ذاتها وقد وجد من بعده كثرة كاثرة ممن راحت تحذوا حذوه، فانتجت فكرة الحاكم، وهو في الاغلب الاعم مستبد وطاغية/  مستبدين وطغاة صغار. الامر الذي بتنا نعايشه يوميا ايام طاغية العراق المقبور ، واصبحنا نعايش الصورة ذاتها بعد زلزال 9 / 4 / 2003 حتى اللحظة. وعند البحث المتريث عن السر في استمرارية تناسل الطغاة على اختلاف يافطاتهم وهيئاتهم سنجد ان الظاهرة ذاتها ، ظاهرة الكذب ما فتئت تتغذى وتغذي في الوقت عينه ذلك التناسل المستمر .

هل يمكن ان نقول ان لهذا الحديث صلة ما بما نحن مقبلون  عليه ، من استعدادات وتحالفات مبكرة نوعا ما بتشكيلة حكومية يجري التناحر بشأنها ويخرج من بين يديها مستقبل البلاد لاربع سنوات قابلة … في الاقل لنقل هذا ، ولكن هل ستتوقف اوضاعنا عن التدحرج نحو الهاوية ومعها هل ستتوقف عن  التدحرج والتضخم المستمر ايضا كرة ثلج الكذب ؟

 سؤال تتوقف على الاجابة عنه احوال ثلاثين مليون مصير من مصائر العراقيين .

تصحيح المسار هو الحل .. من صراع عربي- إسرائيلي… إلى صراع عربي-عربي والذبح على الطريقة الوهابية

ليس هناك من يملك القدرة الموضوعية على نفي وجود خلافات فقهية بين مذاهب الإسلام ونحله وللإمام القرطبي رحمه الله عبارة سجلها في تفسيره ” الجامع لأحكام القرآن ” تقول : “وما زال الصحابة يختلفون في احكام الحوادث، وهم في ذلك متآلفون” فأصحاب النبي لم يكونوا وجها واحدا، فهناك من يأخذ بالنص واخر يميل الى  الرأي، لكن الجميع كانوا منصهرين في بوتقة واحدة، ونتساءل ولكن هل هناك خلاف يخشى منه ضرر ما على الامة…؟

علماء الاسلام بكل مذاهبه، يقولون بصوت واحد.. نعم هناك خلاف يخشى منه وقد اعد المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بحثا حول فقه الاختلاف موضحا انه نوعان:

الأول: اختلاف في المذاهب الفقهية وهذا لا مشكلة فيه أو حوله 

الثاني: اختلاف في المذاهب الاعتقادية وهذا هو الذي يخشى منه لأنه يتناول أصل العقيدة المتصل بالتوحيد والنبوة والبعث والعدل المعاد وفروعه وهي: الصلاة، الصوم، الزكاة الخمس، الحج، الجهاد، الامر بالمعروف، النهي عن المنكر، الموالاة للنبي واله، والبراءة من اعداء النبي وآله.

ويقول ابن ابي العز الحنفي في العقيدة الطحاوية ان رسول الله صلى الله عليه واله قال لما سأله جبريل عن الإسلام “الاسلام، ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج بيت الله الحرام ان استطعت إليه سبيلا،قال : صدقت ثم قال : فاخبرني عن الايمان ؟ قال : ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر، وتؤمن بالقضاء شره وخيره، قال صدقت قال فأخبرني عن الاحسان ؟ قال ان تعبد الله كأنك تراه فان تكن تراه فانه يراك قال: فاخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”.. رواه مسلم.

واتفق علماء المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ان اعظم الامور التي يجب تجنبها والحذر منها، بسبب ما فيها من خروج عن جوهر الاسلام، هو : الشرك بالله سبحانه وتعالى ويروي مسلم: ان الرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم قال يامعاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟، قال معاذ : الله ورسوله  أعلم. قال رسول الله ، حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله.. ان لا يعذب من لا يشرك به شيئا” رواه البخاري ومسلم .

هنا لابد من وقفه.. فنحن نريد ان ندير الخلاف فيما يعيد الامة الى حالة السواء متنبهين إلى ان هناك سيناريو معدا لتفكيك العالم الإسلامي بسكاكين ومدي وخناجر وسموم من داخل المسلمين وباسم الاسلام بإثارة السنة على الشيعة وباثارة الشيعة على السنة والامازيغ في المغرب العربي… والتلاعب بورقة الأقباط واثارة الفتن العنصرية والطائفية في اليمن وسوريا وليبيا وفي مصر أيضا.

اذن، ان قضايا الامة ومقدساتها، مهددة الآن بالتدمير الشامل نتيجة ضياع او فقدان او طمس فقه التسامح وتجاوز الخلافات البسيطة وتسييس الاجتهادات والتركيز على العنف الديني والدنيوي.

لقد بنى دعاة الطائفية ومر وجودها دعوتهم على افتراض إمكانية استخدام هذه الاختلافات البسيطة وغير المخلة بجوهر الإيمان بالاسلام وبأصوله وفروعه الاساسية والناجمة عن اجتهادات أباحها الإسلام لإحداث الفرقة تمهيدا لاشعال الفتنة الطائفية وحاولوا ممارسة شتى الأدوار وتقمصوا صفات وكينونات لم يخولهم بها احد، بل الله لم يعطها لأحد من خلقه عندما خاطب رسوله وخاتم انبيائه ” وما انت عليهم بوكيل”.

ولم يكن في اي وقت من الاوقات من غير الواضح الاهداف الكامنة خلف تلك المساعي المحفوفة بالاختراقات الحادة التي حصلت في دول عديدة في المنطقة، انطلقت في الواقع من اشتداد ازمة التعايش المذهبي او الاثني او القومي او الديني في المنطقة، حيث تمثلت تلك الخروقات بوصول حكومات لا تملك التواصل الصحيح بالشارع، وهي جزء من إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة وفق الرؤية الأميركية والإسرائيلية لتكشف بذلك عمق العلاقة القائمة بينها وبين اميركا واسرائيل وان ما كانت تزعمه من عداء وكراهية لإسرائيل واميركا، كان مجر غطاء أزيح عندما اقتضت الظروف الظهور إلى العلن كما هي ودون رتوش.

وبالطبع لم يكن من المتوقع ان يترتب على وجود حكومات او حركات كهذه غير المزيد من ألازمات والمزيد من الجروح وغير المزيد من المساعي لكسب ود وتعاطف وتأييد جانب معين من المجتمع ليكون عمقا ستراتيجيا يمكن استخدامه للوقوف بوجه القوى والكيانات والطوائف الاخرى التي تناضل وتكافح وتجاهد من اجل لقمة العيش مع الكرامة والحرية دون ان يكون هذا اللجوء ناجما عن إيمان حقيقي بهذه الطائفة او تلك، فصدام حسين الذي قال انهم جاءوا الى السلطة بمنعطف “اميريكي” يتوافق ويتطابق مع ما قاله علي صالح السعدي امين سر القيادة القطرية لحزب البعث عشية انقلاب 8 شباط 1963: “لقد جئنا بقطار أميركي” وينطبق ذلك تماما على ما حصل في سوريا وفي اليمن وليبيا وغيرها وعلى ما حصل قبل ذلك بكثير في السعودية وفي الكويت وجميع إمارات الخليج العربي وعلى ما يحصل الآن في الربيع العربي وما سيحصل غدا أيضاً.

لا اقول ذلك جزافا او افتراضا، بل هي الحقيقة التي ليس في وسع اي احد انكارها او تجاهلها هذه الحقيقة هي التي كانت ولا تزال تقف خلف الطائفية بكل طروحاتها وشعاراتها وحيثياتها واستعاراتها ولذلك فقد تنبه الكثير  من المخلصين لدينهم ولأوطانهم فتنادوا باتجاه الدعوة الى تحكيم العقل ورفض منطق الفرقة والحاجة الى فقه وفكر يدفع باتجاه مقاومة الافكار المفرقة والمكفرة بعيدا عن التعصب الاعمى الذي يضرب في قلب الامة بلا هوادة ويهدد وجودها ذاته وليس مقدساتها وحسب.

الواقع الذي لا يمكن إنكاره يؤكد ان الامة العربية والإسلامية يواجهان هجمة أميركية إسرائيلية غربية شرسة بوسائل غير تقليدية وأخرى تقليدية تعتمد على اختراق العرب والمسلمين من خلال حركات تطرف في كل المذاهب الإسلامية بلا استثناء فكلما توجد الوهابية توجد حركات أخرى لا تقل خطورة في مذاهب أخرى تحاول ان تكون الجدار الذي يرجع صدى الوهابيين وغيرهم.. ولعل الهجوم على “الصحابة” وخصوصا الخلفاء الراشدين والتعرض للسيدة عائشة بلسان ظاهره “شيعي” هو احد ابرز معالم هذا الجدار السيئ.

 ان التعددية سنة من سنن الله في كونه، والتسامح سمة العلماء الكبار،، فمثلا عندما طلب من الامام مالك ان يضع للناس كتابا سهلا يتجنب فيه المشددات والتعقيدات، وضع كتابه “الموطأ” والذي نال إعجاب العلماء في عصره، ولكن عندما اراد المنصور ان يفرض العمل بهذا الكتاب في جميع الامصار، رفض مالك، رعاية لأحوال المخالفين له في الاجتهاد وفي الرأي.

وهذا الرسول العظيم محمد صلى الله عليه واله وسلم يبيح الرؤية المتعددة والفهم المتنوع فسمح بان يكون هناك تاويل وعمل بالنص في الحديث المشهور الذي أخرجه “البخاري” في صحيحه الخاص بصلاة العصر في بني قريظة فهناك من الصحابة من اخذ بنص الحديث ولم يصل العصر الا في بني قريظة برغم مرور وقتها بينما فهم البعض الآخر ان المقصود هو الإسراع، ولهذا صلوا العصر قبل أن يصلوا بني قريظة وعندما اختلف الفريقان وذهبوا للرسول اقر تصرف كليهما فهو بهذا سمح بأكثر من رأي وفهم وللإمام النووي في شرحه القيم لصحيح مسلم يقول: 

” اجتمعت كلمة اهل العلم ان المختلف فيه لا إنكار فيه”.

هكذا هي الامة الاسلامية… لا احد في وسعه… ان ينكر حقيقة ان تنوع الاراء وتعدد اطياف البنية الفقهية هي سمة الامة الاسلامية يوم كانت لها شوكة ولنتأمل ما قاله الدكتور محمد عمارة في كتابه “الطريق الى اليقظة الاسلامية ” : ” يوم كانت للامة الاسلامية مكانة يعتد بها كان السني يجادل ويناقش “ويناضل” الشيعي، وكان ” الشيعي”  يناضل يناقش ويحاور ويجادل “السني” ولا يمنعها ذلك من ان يشتركا في محل تجاري واحد.. او يأكلا من صحن واحد فما صنعته الامة الاسلامية في قرون عديدة.. يطيح به نفر يعمل لحساب أجندات صهيونية وأميركية وغربية، نفر ضال باطل منافق مجند في خدمة اعداء العراق “ينبح ” عبر عشرات “الفضائيات” المأجورة من اجل دق الاسافين بين اخوة الدين خدمة للمشروع الصهيوني الاميركي في تحطيم الاسلام كهدف اساسي ورئيسي من اهداف الحرب على الاسلام وفي هذا الصدد نشير الى ما ذكره جورج بوش الابن بعد احداث 11 ايلول ” سبتمبر ” المصنعة اميريكيا بأيدي من يدعون الاسلام كذبا حول الحرب الصليبية وتوالي الاساءات المعتمدة للاسلام وللرسول العظيم محمد ” ص”. 

تنقل المؤلفات المحايدة والتحقيقات الصحفية والتقارير الاعلامية امورا واوضاعا لا يمكن ان تدخل العقل وتصدق يجري العمل فيها الان في المنطقة الشرقية من السعودية الاحساء والقطيف، حيث تمارس هناك اقذر واحط اساليب التفرقة والتعدي الذي يتجاوز حدود المعقول كمنع “الشيعي”  من ان يكون ” قصابا ” او صاحب ” مطعما ” باعتبار ان اكل “الشيعي” حرام !!! هل يعقل ذلك..؟ نعم يعقل عندما يكون خلف ذلك فكر صهيوني واجندات صهيونية اميركية تستهدف اغراق المسلمين بوابل من الصراعات الجانبية المدمرة، وهكذا نجد الآن كيف ان شرارة هذه الاجندات قد احرقت الاخضر واليابس، حتى تحول الصراع، من صراع “عربي إسرائيلي” الى صراع “عربي عربي”. 

بعناوين طائفية مدمرة وتجسيدا لهذا، نرى نيران الصراع في اليمن وسوريا ومصر والسعودية والبحرين والعراق وليبيا والمغرب العربي ولبنان وصارت  السيوف تقطر دما عربيا خالصا يدفعها الى المزيد ليس “الصراع” الشيعي السني وحسب، بل صراع آخر مكمل وموسع لدائرة الذبح على الطريقة الوهابية وانه صراع السلفية الجهادية مع السلفية الوهابية وصراع الاخوان مع الوهابية وصراع الوهابية المحافظة والوهابية الجديدة التي يمثلها نظام قطر..

ينقل من خليفة بن حمد امير قطر في جلسة ضمته مع عدد من اليهود والاميركيين حضرها عدد من الصحافيين الأميركيين والغربيين :

“اننا لا نتمكن من جعل التطبيع الاسرائيلي العربي ممكنا الا في ظل قناعة عربية كاملة من ان إسرائيل وجدت من اجل ان تبقى وان لا سبيل لزوالها!! وان السعي الى اقامة إسرائيل الكبرى حق تاريخي ينبغي ان لا يقاوم”.

وعندما سئل بن حمد عن مصير ” سوريا ” و ” العراق ” و ” سيناء وقناة السويس والجانب الشرقي من نهر النيل ” عندما تقوم اسرائيل الكبرى وما يترتب على ذلك من تغيير خرائط المنطقة رد قائلا :

“خرائط المنطقة ليست اشياء ثابتة، فالشرق الاوسط خلقته اتفاقيات ومعاهدات دولية تم التوصل اليها بين الحلفاء في الحرب العالمية الاولى وجرى تكريسها في الحرب العالمية الثانية.. فمن اوجد الشيء قادر على تغييره “.

هكذا اذن.. هذا ما يريدون الوصول اليه، عبر الصراع القائم الان، صراع الطوائف المذهبية.. ويعبر ذلك عن ان ما يحصل لا يمت  بأدنى صلة بالدين الإسلامي وان الصراع مطلوب لذاته تحت واجهات طائفية بدليل أن هذا الصراع يكون بلون وغطاء آخر عندما لا يكون الطرف الاخر “شيعيا” لعدم وجود الشيعة بالعدد الكافي وبالحجم المؤثر كما هو الحال مثلا  في فلسطين حيث يجري الصراع بين ” حماس وفتح ” وفي مصر بين ” المسلمين والمسيحيين ” ثم بين ” الاخوان والعلمانيين ” وفي تونس بين السلفيين انفسهم وفي سوريا بين “السنة والعلويين” وفي لبنان بين “المسلمين والمسيحيين وبين السنة والشيعة” وهكذا تعددت المسميات وظل الجوهر واحدا، هو الذبح على الطريقة الوهابية!! 

الحقائب السيادية !

في ثمانين سنة من عمر الدولة العراقية , أي ابتداء من تأسيسها لغاية 2003 تعلمنا أقل من (116) مفردة سياسية , و  في مدة لا تزيد على عشر سنوات , أي منذ عام 2003 حتى عامنا المبارك هذا , تعلمنا اكثر من (611) مفردة سياسية , بحيث لا نكاد نهضم الواحدة بطلعان الروح , و إذا بنا امام عشرة غيرها , و الأدهى من ذلك إنها شاعت على لسان الحكومة و المعارضة و وسائل الاعلام الوطنية منها و العميلة , و بات الجاهل و بائع الفرارات و الحفّافة و البروليتاري الرث و ابن السبيل , يرطن بها نكاية بشعوب المنطقة المحرومة من حرية التعبير عن الرأي , و التداول السلمي للسلطة!

 ليس من باب الحصر , و إنما من باب الأشارة , أذكر بعضا ً من هذه المفردات , على غرار : الكوتا , الشفافية , 1+3 , المجندات , الفوضى الخلاقة , ثورة البنفسج , المثلث السني , الشيعة العرب , المقابر الجماعية , الأجتثاث , الفدرالية , الاضراب المدني , الحكومة المحلية , المنطقة الخضراء , المقاومة بفرعيها الشريفة و غير الشريفة , المحاصصة , المناطق المتنازع عليها , رجال الصحوة , مجالس الأسناد , صلاحيات المركز , المادة 4 , المادة 140 , اجندة إقليمية , و غير ذلك من المفردات و المصطلحات حمل بعير!

 أقسم برأس الرجاء الصالح إن معظم هذه الكلمات و التعابير الغريبة على ذاكرتي و قاموسي اللغوي , ظلت عصية الأستيعاب على فهمي , أو إنني فهمتها بصورة مشوشة , و أحيانا ً سطحية , و لكن أكثر ما أربكني هو مصطلح (الوزارات السيادية) , فأنا إجهل حقا ً أصل هذه التسمية و فصلها و إشتقاقها , و لذلك أثارت في رأسي الكثير من الأسئلة , على غرار : هل الوزارات العراقية مقسمة الى نوعين ؟ و هل هذا التقسيم قائم على أساس طبقي أو وظيفي ؟ أم على أساس الجنس الذكوري و الأنوثي ؟ على فصيلة الدم أم على أساس اللون و البشرة و تسريحة الشعر ؟ على وفق الأنتماء العشائري أم على وفق الدرجة الحزبية ؟ و إذا كانت بعض الوزارات سيادية , فما هو الأسم المناسب للوزارات الأخرى , هل نسميها من غير سيادة أم ناقصة الأهلية ؟!

 بحكم خبرتي الحياتية , أعرف جيدا ً إن المواطنين ينظرون بعين الأهتمام و الأحترام و المحبة الى الوزارات التي توفر لهم لقمة العيش و العمل و الكهرباء و الماء , و تعبّدُ لهم الطرق و ترفع الأنقاض و تمد المجاري و تبني المؤسسات التربوية و الصحية و المساكن و المتنزهات و أماكن الترفيه , و بحكم خبرتي الصحافية أعرف إن وزارة الثقافة في أي بلد من بلدان العالم جميعها , هي الوزارة الأهم , لأنها المسؤول الأول عن بناء القاعدة الفكرية و الثقافية للأمة , فهذه القاعدة هي التي تؤسس لمعاني الأبداع و النهوض و المواطنة الحقيقية و إحترام القيم و السلوك الحضاري , و مع ذلك فأن هذه الوزارة في العراق منقوصة السيادة  , و لا أحد يريدها أو (يقلّبها) أو يسأل عنها! 

 و ما زلت حتى هذه اللحظة – برغم خبرتي الحياتية و الصحافية – أجهل لماذا تتسابق أطراف العملية السياسية سباقا ً محموما ً على (الحقائب) السيادية , و تتعالى على (حقائب) الخبز و الحقول و المسارح و الجسور , هل لأنها حقائب الناس , و كل حقيبة تهم الناس معبأة بالعقارب , و منقوصة الأهلية , و تعاني من فقر الدم , أم لكون الحقائب السيادية تهم السلطة , لأنها طافحة بالدولارات و النفط و القوة , و تعاني من تخمة الشبع , و بذلك فأن كل وزارة تابعة للسلطة , متعافية و سيادية و .. كاملة الأوصاف !! إفتوني مأجورين !

نحن بالفرن الذري

لا نيران عظيمة كالتي تستعر في العراق, وكانت أول فرن ذري بحجم بلد..  تلقمه اخطر أنواع وصنوف الطاقة التدميرية , منها الكراهية ..فأيقن العراقي انه لا يفوق أسلحة الدمار الشامل فتكا كالكراهية… وبصيغتها الحرة الطليقة والعاملة تحت العنوان المقدس …هذا فضلا عن تحول البلد ليس فقط مكبا لنفايات العالم من البضائع والسلع, بل ولكل قتلته ولصوصه وشاذيه..  مع الأهم …نفايات وأمراض وأحقاد التاريخ ..فالدين ذاته صار مكبا لمختلف النصوص والإحكام والاجتهادات الباطلة ,ووجدت التزويرات والافتراءات القديمة فرصتها وانبعثت في تربة الحقد والطمع والكراهية ..وهناك من ارتد قرونا ويعيش وقته في ممارسة كراهيته المبشرة بالجنة …

من دلائل هذا الموقد الذري إن أبطاله لا يشعرون بحرائقه ..وبعواقبه …فقط يعيشون نزواتهم وغرائزهم وينغمرون فيها ..ولا يتوقفون عند حقيقة تصدر العراق دول التزوير والفساد ..ولا يعبأون بملايين الأيتام والأرامل والفقراء ,ولا العجز عن إعادة التيار الكهربائي ,وان صرف عليه ما يكفي لإنارة ربع العالم , وبات التفجير والقتل حدثا يوميا مألوفا.

في هذا الموقد الذري برهن العراقي عن نوع معدنه.. فتميز النفيس والثمين والأصيل عن الرديء والرخيص والتافه… وتعرفنا على من كانوا أقوى من الموج ومن السنة النيران بين الساسة والمثقفين والناس البسطاء ,وبين رجال الدين ولم تخدعهم الأسماء والاضوية والتصريحات.. وكما انبثق من الطبيب الكائن الجشع,  تجلى من طبيب آخر الكائن الزاهد ,السعيد بالعطاء والتضحية ..وكذا هذا الغول الذي ربما فاجأ حتى صاحبه واعترف لنفسه انه اضعف من ان يقاوم إغراءات المال والسلطة ..وان لا تعود العشائرية فقط في عصر الإنسان الأرضي بل وسيادة قرارات الأوباش والحثالة وعناصر الشر وتجعل  من نزواتها قانونا وتقاضي الأشراف…نقول رغم كل هذا..رغم ان ما يجري كفيل بإبادة اكبر الشعوب والمجتمعات ..إبادتها على نحو بشع وعفن إلا أن العراقيين ما زالوا يعيشون ويتفاءلون ويلمحون تباشير واضوية من جهة المستقبل …وان الكراهية طاقة أيضا ,وان كانت شريرة ,وللطاقة حدود ..ولا بد ان تنفذ وتنتهي …إنما على مراكز البحث وعلماء النفس والاجتماع والإنسان ان يغتنموا الفرصة في العراق ويعاينوا على الواقع بالذي يحل بالإنسان ,وبالألفية الثالثة, عندما يعود منطق العشيرة للسيادة  ,ويتعداه الى قطاع الطرق ..وعندما يتبوأ مزورو الوثائق الدراسية الوظائف والمناصب..وعندما تتبخر المليارات من الدولارات علنا..فهي تجربة لا تتكرر وقد توصل مراكز البحث إلى حقائق وأبعاد للإنسان غير معروفة ..ويقدم العراق بوصفه مهد الحضارة, ومن الدول الثرية درسا للبشرية على مفعول الكراهية على حياة ومصير الإنسان.

أطلبوا العلم ولو كان في الطين

مدارس غارقة في الطين, ومدارس يطوقها الطين, ومدارس مطينة بستين طينة, ومدارس جدرانها من طين, وسقوفها من طين, والتعليم فيها بالرطين والترطين. 

 أنا شخصيا من الذين تعلموا ألف باء القراءة والكتابة في ستينيات القرن الماضي في مدرسة كانت إدارتها مبنية بالطين (مدرسة الخورنق الابتدائية), وصفوفها مبنية بالقصب والبردي, على شكل (صرائف), ومفردها صريفة: وتعني بيت القصب باللغة السومرية, التي تركت رواسبها في لهجتنا الجنوبية منذ اليوم الذي تعلم فيه جلجامس مبادئ الكتابة المسمارية على ألواح الطين وحتى اليوم الذي غرقنا فيه بالطين والأوحال.  

 ربما انحسرت ظاهرة مدارس الطين قليلا من أريافنا في الوقت الراهن, لكن مقاعدها وقاعاتها وممراتها وساحاتها والطرق المؤدية إليها ظلت تعاني من تراكمات كولسترول الأطيان, ولم تتخلص من ارتباطاتها الوثيقة بتراثنا الطيني, حتى ظن التلاميذ الصغار إن الطين هو الصفة المتأصلة في كروموسومات التعليم الابتدائي والثانوي في المناطق الريفية النائية, باستثناء بعض القرى التي شملتها الرعاية (الثورية) المشبعة بروح التحيز القبلي, فظهرت فيها مدارس تضاهي مدارس (ويلز) من حيث التصميم الهندسي المتكامل, ومن حيث الملاعب والمختبرات التخصصية, حيث تجد مختبر للفيزياء, وآخر للكيمياء, ومختبر للأحياء, والحاسبات, وقاعات مغلقة لكرة الطائرة وكرة السلة, بأرضيات مكسوة بالتارتان. 

من المؤسف له ان الحشرات والديدان والزواحف والقوارض الريفية ظلت عندنا على طبيعتها المتخلفة, ولم يتحسن سلوكها في الألفية الثالثة, فاتخذت من مدارسنا الطينية ملاذا استراتيجيا لها, فتكاثرت وتناسلت وترعرعت في أركان مدارسنا وزواياها وثقوبها, ولن تنفع معها أقوى المبيدات.  

لم نكن فيما مضى نحس بتطفلها على محرمات مدرستنا, فهي في نظرنا تعيش في بيئتها الطبيعية التي ننتمي نحن إليها, بل كنا بشقاوتنا نلهو معها في فترات الاستراحة, فنطارد (أبو بريص) ونحاصره في شقوق الجدران الطينية, ثم نأتي بكميات من الطين من أقرب بركة من برك المدرسة لنسد عليه الثغور, ونفرض عليه السبات القسري. 

أحيانا تمزح معنا البراغيث السود, فتتسلل تحت جواربنا القطنية, وتسرق منا متعة دروس النشيد, وأحيانا نتنافس مع الأرانب البرية في سباق الضاحية, فنطاردها عبر بساتين النخيل والحناء, وأحيانا تسرح قطعان الأغنام والأبقار وتمرح في ساحة مدرستنا في ظاهرة لم تحدث حتى في شبه القارة الهندية.  

لم يكن معلم الأحياء بحاجة إلى الكثير من الجهد والعناء حتى يوضح لنا دورة حياة الكائنات البرمائية, فالضفادع متواجدة دائما معنا في مستنقع المدرسة, أما حيوان (الهيدرا) فكان منتشرا في السواقي الضحلة القريبة من سياج المدرسة, وهو من الحيوانات البدائية (الجوفمعوية), كنا نوخز لوامسه الشعرية البيضاء بأقلام الرصاص فتنكمش وتتكور في قعر الساقية. 

 كانت مدارسنا من طين ولم تكن آذاننا من عجين, أما اليوم فقد صارت الفضائيات العربية والأجنبية هي النوافذ التي يطل منها التلاميذ على العالم الخارجي, فينظرون إلى المدارس التركية الحديثة والأمريكية المتطورة والخليجية بجنائنها الجميلة وألعابها المسلية, فيقارنون أوضاعهم البائسة مع مدارس العالم, فتنفطر قلوبهم الصغيرة من القهر, فيحسون بالدونية لافتقارهم إلى ابسط المستلزمات, التي ينبغي توفرها في مدارسهم السومرية الطينية. 

http://www.youtube.com/watch?v=MjbOG7b5fig

جربنا الدوام المدرسي الثنائي, ثم جربنا الثلاثي, حتى جاء اليوم الذي سمعنا فيه بالدوام الرباعي, أربع مدارس في بناية متهالكة واحدة, فاكتظت قاعات الدروس بالطلاب, وكادت تنفجر بأعدادهم المتزايدة. 

يفترشون الأرض كما الهنود الحمر, ويبتهلون إلى الله لإنزال الأمطار على مدرستهم حتى تمتلئ مستنقعاتها بالمياه وتغرق في المحيط الطيني مثلما غرقت التيتانيك في المحيط الأطلسي, فيحصلون على عطلة مجانية طارئة تضاف إلى جدولهم المثقل بالعطل الرسمية والدينية والكيفية والمزاجية، والله يستر من الجايات.

تصحيح المسار هو الحل .. من صراع عربي- إسرائيلي… إلى صراع عربي-عربي والذبح على الطريقة الوهابية

ليس هناك من يملك القدرة الموضوعية على نفي وجود خلافات فقهية بين مذاهب الإسلام ونحله وللإمام القرطبي رحمه الله عبارة سجلها في تفسيره ” الجامع لأحكام القرآن ” تقول : “وما زال الصحابة يختلفون في احكام الحوادث، وهم في ذلك متآلفون” فأصحاب النبي لم يكونوا وجها واحدا، فهناك من يأخذ بالنص واخر يميل الى  الرأي، لكن الجميع كانوا منصهرين في بوتقة واحدة، ونتساءل ولكن هل هناك خلاف يخشى منه ضرر ما على الامة…؟

علماء الاسلام بكل مذاهبه، يقولون بصوت واحد.. نعم هناك خلاف يخشى منه وقد اعد المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بحثا حول فقه الاختلاف موضحا انه نوعان:

الأول: اختلاف في المذاهب الفقهية وهذا لا مشكلة فيه أو حوله 

الثاني: اختلاف في المذاهب الاعتقادية وهذا هو الذي يخشى منه لأنه يتناول أصل العقيدة المتصل بالتوحيد والنبوة والبعث والعدل المعاد وفروعه وهي: الصلاة، الصوم، الزكاة الخمس، الحج، الجهاد، الامر بالمعروف، النهي عن المنكر، الموالاة للنبي واله، والبراءة من اعداء النبي وآله.

ويقول ابن ابي العز الحنفي في العقيدة الطحاوية ان رسول الله صلى الله عليه واله قال لما سأله جبريل عن الإسلام “الاسلام، ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج بيت الله الحرام ان استطعت إليه سبيلا،قال : صدقت ثم قال : فاخبرني عن الايمان ؟ قال : ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر، وتؤمن بالقضاء شره وخيره، قال صدقت قال فأخبرني عن الاحسان ؟ قال ان تعبد الله كأنك تراه فان تكن تراه فانه يراك قال: فاخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”.. رواه مسلم.

واتفق علماء المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ان اعظم الامور التي يجب تجنبها والحذر منها، بسبب ما فيها من خروج عن جوهر الاسلام، هو : الشرك بالله سبحانه وتعالى ويروي مسلم: ان الرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم قال يامعاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟، قال معاذ : الله ورسوله  أعلم. قال رسول الله ، حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله.. ان لا يعذب من لا يشرك به شيئا” رواه البخاري ومسلم .

هنا لابد من وقفه.. فنحن نريد ان ندير الخلاف فيما يعيد الامة الى حالة السواء متنبهين إلى ان هناك سيناريو معدا لتفكيك العالم الإسلامي بسكاكين ومدي وخناجر وسموم من داخل المسلمين وباسم الاسلام بإثارة السنة على الشيعة وباثارة الشيعة على السنة والامازيغ في المغرب العربي… والتلاعب بورقة الأقباط واثارة الفتن العنصرية والطائفية في اليمن وسوريا وليبيا وفي مصر أيضا.

اذن، ان قضايا الامة ومقدساتها، مهددة الآن بالتدمير الشامل نتيجة ضياع او فقدان او طمس فقه التسامح وتجاوز الخلافات البسيطة وتسييس الاجتهادات والتركيز على العنف الديني والدنيوي.

لقد بنى دعاة الطائفية ومر وجودها دعوتهم على افتراض إمكانية استخدام هذه الاختلافات البسيطة وغير المخلة بجوهر الإيمان بالاسلام وبأصوله وفروعه الاساسية والناجمة عن اجتهادات أباحها الإسلام لإحداث الفرقة تمهيدا لاشعال الفتنة الطائفية وحاولوا ممارسة شتى الأدوار وتقمصوا صفات وكينونات لم يخولهم بها احد، بل الله لم يعطها لأحد من خلقه عندما خاطب رسوله وخاتم انبيائه ” وما انت عليهم بوكيل”.

ولم يكن في اي وقت من الاوقات من غير الواضح الاهداف الكامنة خلف تلك المساعي المحفوفة بالاختراقات الحادة التي حصلت في دول عديدة في المنطقة، انطلقت في الواقع من اشتداد ازمة التعايش المذهبي او الاثني او القومي او الديني في المنطقة، حيث تمثلت تلك الخروقات بوصول حكومات لا تملك التواصل الصحيح بالشارع، وهي جزء من إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة وفق الرؤية الأميركية والإسرائيلية لتكشف بذلك عمق العلاقة القائمة بينها وبين اميركا واسرائيل وان ما كانت تزعمه من عداء وكراهية لإسرائيل واميركا، كان مجر غطاء أزيح عندما اقتضت الظروف الظهور إلى العلن كما هي ودون رتوش.

وبالطبع لم يكن من المتوقع ان يترتب على وجود حكومات او حركات كهذه غير المزيد من ألازمات والمزيد من الجروح وغير المزيد من المساعي لكسب ود وتعاطف وتأييد جانب معين من المجتمع ليكون عمقا ستراتيجيا يمكن استخدامه للوقوف بوجه القوى والكيانات والطوائف الاخرى التي تناضل وتكافح وتجاهد من اجل لقمة العيش مع الكرامة والحرية دون ان يكون هذا اللجوء ناجما عن إيمان حقيقي بهذه الطائفة او تلك، فصدام حسين الذي قال انهم جاءوا الى السلطة بمنعطف “اميريكي” يتوافق ويتطابق مع ما قاله علي صالح السعدي امين سر القيادة القطرية لحزب البعث عشية انقلاب 8 شباط 1963: “لقد جئنا بقطار أميركي” وينطبق ذلك تماما على ما حصل في سوريا وفي اليمن وليبيا وغيرها وعلى ما حصل قبل ذلك بكثير في السعودية وفي الكويت وجميع إمارات الخليج العربي وعلى ما يحصل الآن في الربيع العربي وما سيحصل غدا أيضاً.

لا اقول ذلك جزافا او افتراضا، بل هي الحقيقة التي ليس في وسع اي احد انكارها او تجاهلها هذه الحقيقة هي التي كانت ولا تزال تقف خلف الطائفية بكل طروحاتها وشعاراتها وحيثياتها واستعاراتها ولذلك فقد تنبه الكثير  من المخلصين لدينهم ولأوطانهم فتنادوا باتجاه الدعوة الى تحكيم العقل ورفض منطق الفرقة والحاجة الى فقه وفكر يدفع باتجاه مقاومة الافكار المفرقة والمكفرة بعيدا عن التعصب الاعمى الذي يضرب في قلب الامة بلا هوادة ويهدد وجودها ذاته وليس مقدساتها وحسب.

الواقع الذي لا يمكن إنكاره يؤكد ان الامة العربية والإسلامية يواجهان هجمة أميركية إسرائيلية غربية شرسة بوسائل غير تقليدية وأخرى تقليدية تعتمد على اختراق العرب والمسلمين من خلال حركات تطرف في كل المذاهب الإسلامية بلا استثناء فكلما توجد الوهابية توجد حركات أخرى لا تقل خطورة في مذاهب أخرى تحاول ان تكون الجدار الذي يرجع صدى الوهابيين وغيرهم.. ولعل الهجوم على “الصحابة” وخصوصا الخلفاء الراشدين والتعرض للسيدة عائشة بلسان ظاهره “شيعي” هو احد ابرز معالم هذا الجدار السيئ.

 ان التعددية سنة من سنن الله في كونه، والتسامح سمة العلماء الكبار،، فمثلا عندما طلب من الامام مالك ان يضع للناس كتابا سهلا يتجنب فيه المشددات والتعقيدات، وضع كتابه “الموطأ” والذي نال إعجاب العلماء في عصره، ولكن عندما اراد المنصور ان يفرض العمل بهذا الكتاب في جميع الامصار، رفض مالك، رعاية لأحوال المخالفين له في الاجتهاد وفي الرأي.

وهذا الرسول العظيم محمد صلى الله عليه واله وسلم يبيح الرؤية المتعددة والفهم المتنوع فسمح بان يكون هناك تاويل وعمل بالنص في الحديث المشهور الذي أخرجه “البخاري” في صحيحه الخاص بصلاة العصر في بني قريظة فهناك من الصحابة من اخذ بنص الحديث ولم يصل العصر الا في بني قريظة برغم مرور وقتها بينما فهم البعض الآخر ان المقصود هو الإسراع، ولهذا صلوا العصر قبل أن يصلوا بني قريظة وعندما اختلف الفريقان وذهبوا للرسول اقر تصرف كليهما فهو بهذا سمح بأكثر من رأي وفهم وللإمام النووي في شرحه القيم لصحيح مسلم يقول: 

” اجتمعت كلمة اهل العلم ان المختلف فيه لا إنكار فيه”.

هكذا هي الامة الاسلامية… لا احد في وسعه… ان ينكر حقيقة ان تنوع الاراء وتعدد اطياف البنية الفقهية هي سمة الامة الاسلامية يوم كانت لها شوكة ولنتأمل ما قاله الدكتور محمد عمارة في كتابه “الطريق الى اليقظة الاسلامية ” : ” يوم كانت للامة الاسلامية مكانة يعتد بها كان السني يجادل ويناقش “ويناضل” الشيعي، وكان ” الشيعي”  يناضل يناقش ويحاور ويجادل “السني” ولا يمنعها ذلك من ان يشتركا في محل تجاري واحد.. او يأكلا من صحن واحد فما صنعته الامة الاسلامية في قرون عديدة.. يطيح به نفر يعمل لحساب أجندات صهيونية وأميركية وغربية، نفر ضال باطل منافق مجند في خدمة اعداء العراق “ينبح ” عبر عشرات “الفضائيات” المأجورة من اجل دق الاسافين بين اخوة الدين خدمة للمشروع الصهيوني الاميركي في تحطيم الاسلام كهدف اساسي ورئيسي من اهداف الحرب على الاسلام وفي هذا الصدد نشير الى ما ذكره جورج بوش الابن بعد احداث 11 ايلول ” سبتمبر ” المصنعة اميريكيا بأيدي من يدعون الاسلام كذبا حول الحرب الصليبية وتوالي الاساءات المعتمدة للاسلام وللرسول العظيم محمد ” ص”. 

تنقل المؤلفات المحايدة والتحقيقات الصحفية والتقارير الاعلامية امورا واوضاعا لا يمكن ان تدخل العقل وتصدق يجري العمل فيها الان في المنطقة الشرقية من السعودية الاحساء والقطيف، حيث تمارس هناك اقذر واحط اساليب التفرقة والتعدي الذي يتجاوز حدود المعقول كمنع “الشيعي”  من ان يكون ” قصابا ” او صاحب ” مطعما ” باعتبار ان اكل “الشيعي” حرام !!! هل يعقل ذلك..؟ نعم يعقل عندما يكون خلف ذلك فكر صهيوني واجندات صهيونية اميركية تستهدف اغراق المسلمين بوابل من الصراعات الجانبية المدمرة، وهكذا نجد الآن كيف ان شرارة هذه الاجندات قد احرقت الاخضر واليابس، حتى تحول الصراع، من صراع “عربي إسرائيلي” الى صراع “عربي عربي”. 

بعناوين طائفية مدمرة وتجسيدا لهذا، نرى نيران الصراع في اليمن وسوريا ومصر والسعودية والبحرين والعراق وليبيا والمغرب العربي ولبنان وصارت  السيوف تقطر دما عربيا خالصا يدفعها الى المزيد ليس “الصراع” الشيعي السني وحسب، بل صراع آخر مكمل وموسع لدائرة الذبح على الطريقة الوهابية وانه صراع السلفية الجهادية مع السلفية الوهابية وصراع الاخوان مع الوهابية وصراع الوهابية المحافظة والوهابية الجديدة التي يمثلها نظام قطر..

ينقل من خليفة بن حمد امير قطر في جلسة ضمته مع عدد من اليهود والاميركيين حضرها عدد من الصحافيين الأميركيين والغربيين :

“اننا لا نتمكن من جعل التطبيع الاسرائيلي العربي ممكنا الا في ظل قناعة عربية كاملة من ان إسرائيل وجدت من اجل ان تبقى وان لا سبيل لزوالها!! وان السعي الى اقامة إسرائيل الكبرى حق تاريخي ينبغي ان لا يقاوم”.

وعندما سئل بن حمد عن مصير ” سوريا ” و ” العراق ” و ” سيناء وقناة السويس والجانب الشرقي من نهر النيل ” عندما تقوم اسرائيل الكبرى وما يترتب على ذلك من تغيير خرائط المنطقة رد قائلا :

“خرائط المنطقة ليست اشياء ثابتة، فالشرق الاوسط خلقته اتفاقيات ومعاهدات دولية تم التوصل اليها بين الحلفاء في الحرب العالمية الاولى وجرى تكريسها في الحرب العالمية الثانية.. فمن اوجد الشيء قادر على تغييره “.

هكذا اذن.. هذا ما يريدون الوصول اليه، عبر الصراع القائم الان، صراع الطوائف المذهبية.. ويعبر ذلك عن ان ما يحصل لا يمت  بأدنى صلة بالدين الإسلامي وان الصراع مطلوب لذاته تحت واجهات طائفية بدليل أن هذا الصراع يكون بلون وغطاء آخر عندما لا يكون الطرف الاخر “شيعيا” لعدم وجود الشيعة بالعدد الكافي وبالحجم المؤثر كما هو الحال مثلا  في فلسطين حيث يجري الصراع بين ” حماس وفتح ” وفي مصر بين ” المسلمين والمسيحيين ” ثم بين ” الاخوان والعلمانيين ” وفي تونس بين السلفيين انفسهم وفي سوريا بين “السنة والعلويين” وفي لبنان بين “المسلمين والمسيحيين وبين السنة والشيعة” وهكذا تعددت المسميات وظل الجوهر واحدا، هو الذبح على الطريقة الوهابية!! 

الحقائب السيادية !

في ثمانين سنة من عمر الدولة العراقية , أي ابتداء من تأسيسها لغاية 2003 تعلمنا أقل من (116) مفردة سياسية , و  في مدة لا تزيد على عشر سنوات , أي منذ عام 2003 حتى عامنا المبارك هذا , تعلمنا اكثر من (611) مفردة سياسية , بحيث لا نكاد نهضم الواحدة بطلعان الروح , و إذا بنا امام عشرة غيرها , و الأدهى من ذلك إنها شاعت على لسان الحكومة و المعارضة و وسائل الاعلام الوطنية منها و العميلة , و بات الجاهل و بائع الفرارات و الحفّافة و البروليتاري الرث و ابن السبيل , يرطن بها نكاية بشعوب المنطقة المحرومة من حرية التعبير عن الرأي , و التداول السلمي للسلطة!

 ليس من باب الحصر , و إنما من باب الأشارة , أذكر بعضا ً من هذه المفردات , على غرار : الكوتا , الشفافية , 1+3 , المجندات , الفوضى الخلاقة , ثورة البنفسج , المثلث السني , الشيعة العرب , المقابر الجماعية , الأجتثاث , الفدرالية , الاضراب المدني , الحكومة المحلية , المنطقة الخضراء , المقاومة بفرعيها الشريفة و غير الشريفة , المحاصصة , المناطق المتنازع عليها , رجال الصحوة , مجالس الأسناد , صلاحيات المركز , المادة 4 , المادة 140 , اجندة إقليمية , و غير ذلك من المفردات و المصطلحات حمل بعير!

 أقسم برأس الرجاء الصالح إن معظم هذه الكلمات و التعابير الغريبة على ذاكرتي و قاموسي اللغوي , ظلت عصية الأستيعاب على فهمي , أو إنني فهمتها بصورة مشوشة , و أحيانا ً سطحية , و لكن أكثر ما أربكني هو مصطلح (الوزارات السيادية) , فأنا إجهل حقا ً أصل هذه التسمية و فصلها و إشتقاقها , و لذلك أثارت في رأسي الكثير من الأسئلة , على غرار : هل الوزارات العراقية مقسمة الى نوعين ؟ و هل هذا التقسيم قائم على أساس طبقي أو وظيفي ؟ أم على أساس الجنس الذكوري و الأنوثي ؟ على فصيلة الدم أم على أساس اللون و البشرة و تسريحة الشعر ؟ على وفق الأنتماء العشائري أم على وفق الدرجة الحزبية ؟ و إذا كانت بعض الوزارات سيادية , فما هو الأسم المناسب للوزارات الأخرى , هل نسميها من غير سيادة أم ناقصة الأهلية ؟!

 بحكم خبرتي الحياتية , أعرف جيدا ً إن المواطنين ينظرون بعين الأهتمام و الأحترام و المحبة الى الوزارات التي توفر لهم لقمة العيش و العمل و الكهرباء و الماء , و تعبّدُ لهم الطرق و ترفع الأنقاض و تمد المجاري و تبني المؤسسات التربوية و الصحية و المساكن و المتنزهات و أماكن الترفيه , و بحكم خبرتي الصحافية أعرف إن وزارة الثقافة في أي بلد من بلدان العالم جميعها , هي الوزارة الأهم , لأنها المسؤول الأول عن بناء القاعدة الفكرية و الثقافية للأمة , فهذه القاعدة هي التي تؤسس لمعاني الأبداع و النهوض و المواطنة الحقيقية و إحترام القيم و السلوك الحضاري , و مع ذلك فأن هذه الوزارة في العراق منقوصة السيادة  , و لا أحد يريدها أو (يقلّبها) أو يسأل عنها! 

 و ما زلت حتى هذه اللحظة – برغم خبرتي الحياتية و الصحافية – أجهل لماذا تتسابق أطراف العملية السياسية سباقا ً محموما ً على (الحقائب) السيادية , و تتعالى على (حقائب) الخبز و الحقول و المسارح و الجسور , هل لأنها حقائب الناس , و كل حقيبة تهم الناس معبأة بالعقارب , و منقوصة الأهلية , و تعاني من فقر الدم , أم لكون الحقائب السيادية تهم السلطة , لأنها طافحة بالدولارات و النفط و القوة , و تعاني من تخمة الشبع , و بذلك فأن كل وزارة تابعة للسلطة , متعافية و سيادية و .. كاملة الأوصاف !! إفتوني مأجورين !

نحن بالفرن الذري

لا نيران عظيمة كالتي تستعر في العراق, وكانت أول فرن ذري بحجم بلد..  تلقمه اخطر أنواع وصنوف الطاقة التدميرية , منها الكراهية ..فأيقن العراقي انه لا يفوق أسلحة الدمار الشامل فتكا كالكراهية… وبصيغتها الحرة الطليقة والعاملة تحت العنوان المقدس …هذا فضلا عن تحول البلد ليس فقط مكبا لنفايات العالم من البضائع والسلع, بل ولكل قتلته ولصوصه وشاذيه..  مع الأهم …نفايات وأمراض وأحقاد التاريخ ..فالدين ذاته صار مكبا لمختلف النصوص والإحكام والاجتهادات الباطلة ,ووجدت التزويرات والافتراءات القديمة فرصتها وانبعثت في تربة الحقد والطمع والكراهية ..وهناك من ارتد قرونا ويعيش وقته في ممارسة كراهيته المبشرة بالجنة …

من دلائل هذا الموقد الذري إن أبطاله لا يشعرون بحرائقه ..وبعواقبه …فقط يعيشون نزواتهم وغرائزهم وينغمرون فيها ..ولا يتوقفون عند حقيقة تصدر العراق دول التزوير والفساد ..ولا يعبأون بملايين الأيتام والأرامل والفقراء ,ولا العجز عن إعادة التيار الكهربائي ,وان صرف عليه ما يكفي لإنارة ربع العالم , وبات التفجير والقتل حدثا يوميا مألوفا.

في هذا الموقد الذري برهن العراقي عن نوع معدنه.. فتميز النفيس والثمين والأصيل عن الرديء والرخيص والتافه… وتعرفنا على من كانوا أقوى من الموج ومن السنة النيران بين الساسة والمثقفين والناس البسطاء ,وبين رجال الدين ولم تخدعهم الأسماء والاضوية والتصريحات.. وكما انبثق من الطبيب الكائن الجشع,  تجلى من طبيب آخر الكائن الزاهد ,السعيد بالعطاء والتضحية ..وكذا هذا الغول الذي ربما فاجأ حتى صاحبه واعترف لنفسه انه اضعف من ان يقاوم إغراءات المال والسلطة ..وان لا تعود العشائرية فقط في عصر الإنسان الأرضي بل وسيادة قرارات الأوباش والحثالة وعناصر الشر وتجعل  من نزواتها قانونا وتقاضي الأشراف…نقول رغم كل هذا..رغم ان ما يجري كفيل بإبادة اكبر الشعوب والمجتمعات ..إبادتها على نحو بشع وعفن إلا أن العراقيين ما زالوا يعيشون ويتفاءلون ويلمحون تباشير واضوية من جهة المستقبل …وان الكراهية طاقة أيضا ,وان كانت شريرة ,وللطاقة حدود ..ولا بد ان تنفذ وتنتهي …إنما على مراكز البحث وعلماء النفس والاجتماع والإنسان ان يغتنموا الفرصة في العراق ويعاينوا على الواقع بالذي يحل بالإنسان ,وبالألفية الثالثة, عندما يعود منطق العشيرة للسيادة  ,ويتعداه الى قطاع الطرق ..وعندما يتبوأ مزورو الوثائق الدراسية الوظائف والمناصب..وعندما تتبخر المليارات من الدولارات علنا..فهي تجربة لا تتكرر وقد توصل مراكز البحث إلى حقائق وأبعاد للإنسان غير معروفة ..ويقدم العراق بوصفه مهد الحضارة, ومن الدول الثرية درسا للبشرية على مفعول الكراهية على حياة ومصير الإنسان.

أطلبوا العلم ولو كان في الطين

مدارس غارقة في الطين, ومدارس يطوقها الطين, ومدارس مطينة بستين طينة, ومدارس جدرانها من طين, وسقوفها من طين, والتعليم فيها بالرطين والترطين. 

 أنا شخصيا من الذين تعلموا ألف باء القراءة والكتابة في ستينيات القرن الماضي في مدرسة كانت إدارتها مبنية بالطين (مدرسة الخورنق الابتدائية), وصفوفها مبنية بالقصب والبردي, على شكل (صرائف), ومفردها صريفة: وتعني بيت القصب باللغة السومرية, التي تركت رواسبها في لهجتنا الجنوبية منذ اليوم الذي تعلم فيه جلجامس مبادئ الكتابة المسمارية على ألواح الطين وحتى اليوم الذي غرقنا فيه بالطين والأوحال.  

 ربما انحسرت ظاهرة مدارس الطين قليلا من أريافنا في الوقت الراهن, لكن مقاعدها وقاعاتها وممراتها وساحاتها والطرق المؤدية إليها ظلت تعاني من تراكمات كولسترول الأطيان, ولم تتخلص من ارتباطاتها الوثيقة بتراثنا الطيني, حتى ظن التلاميذ الصغار إن الطين هو الصفة المتأصلة في كروموسومات التعليم الابتدائي والثانوي في المناطق الريفية النائية, باستثناء بعض القرى التي شملتها الرعاية (الثورية) المشبعة بروح التحيز القبلي, فظهرت فيها مدارس تضاهي مدارس (ويلز) من حيث التصميم الهندسي المتكامل, ومن حيث الملاعب والمختبرات التخصصية, حيث تجد مختبر للفيزياء, وآخر للكيمياء, ومختبر للأحياء, والحاسبات, وقاعات مغلقة لكرة الطائرة وكرة السلة, بأرضيات مكسوة بالتارتان. 

من المؤسف له ان الحشرات والديدان والزواحف والقوارض الريفية ظلت عندنا على طبيعتها المتخلفة, ولم يتحسن سلوكها في الألفية الثالثة, فاتخذت من مدارسنا الطينية ملاذا استراتيجيا لها, فتكاثرت وتناسلت وترعرعت في أركان مدارسنا وزواياها وثقوبها, ولن تنفع معها أقوى المبيدات.  

لم نكن فيما مضى نحس بتطفلها على محرمات مدرستنا, فهي في نظرنا تعيش في بيئتها الطبيعية التي ننتمي نحن إليها, بل كنا بشقاوتنا نلهو معها في فترات الاستراحة, فنطارد (أبو بريص) ونحاصره في شقوق الجدران الطينية, ثم نأتي بكميات من الطين من أقرب بركة من برك المدرسة لنسد عليه الثغور, ونفرض عليه السبات القسري. 

أحيانا تمزح معنا البراغيث السود, فتتسلل تحت جواربنا القطنية, وتسرق منا متعة دروس النشيد, وأحيانا نتنافس مع الأرانب البرية في سباق الضاحية, فنطاردها عبر بساتين النخيل والحناء, وأحيانا تسرح قطعان الأغنام والأبقار وتمرح في ساحة مدرستنا في ظاهرة لم تحدث حتى في شبه القارة الهندية.  

لم يكن معلم الأحياء بحاجة إلى الكثير من الجهد والعناء حتى يوضح لنا دورة حياة الكائنات البرمائية, فالضفادع متواجدة دائما معنا في مستنقع المدرسة, أما حيوان (الهيدرا) فكان منتشرا في السواقي الضحلة القريبة من سياج المدرسة, وهو من الحيوانات البدائية (الجوفمعوية), كنا نوخز لوامسه الشعرية البيضاء بأقلام الرصاص فتنكمش وتتكور في قعر الساقية. 

 كانت مدارسنا من طين ولم تكن آذاننا من عجين, أما اليوم فقد صارت الفضائيات العربية والأجنبية هي النوافذ التي يطل منها التلاميذ على العالم الخارجي, فينظرون إلى المدارس التركية الحديثة والأمريكية المتطورة والخليجية بجنائنها الجميلة وألعابها المسلية, فيقارنون أوضاعهم البائسة مع مدارس العالم, فتنفطر قلوبهم الصغيرة من القهر, فيحسون بالدونية لافتقارهم إلى ابسط المستلزمات, التي ينبغي توفرها في مدارسهم السومرية الطينية. 

http://www.youtube.com/watch?v=MjbOG7b5fig

جربنا الدوام المدرسي الثنائي, ثم جربنا الثلاثي, حتى جاء اليوم الذي سمعنا فيه بالدوام الرباعي, أربع مدارس في بناية متهالكة واحدة, فاكتظت قاعات الدروس بالطلاب, وكادت تنفجر بأعدادهم المتزايدة. 

يفترشون الأرض كما الهنود الحمر, ويبتهلون إلى الله لإنزال الأمطار على مدرستهم حتى تمتلئ مستنقعاتها بالمياه وتغرق في المحيط الطيني مثلما غرقت التيتانيك في المحيط الأطلسي, فيحصلون على عطلة مجانية طارئة تضاف إلى جدولهم المثقل بالعطل الرسمية والدينية والكيفية والمزاجية، والله يستر من الجايات.