“غطيني يا صفية .. مفيش فايدة”

قبل أن ترجموني بحجارتكم التي قتلتم بها الأبرياء, وقبل أن تأخذكم العزة بالإثم فتشتموني بلعناتكم التي لا ترحم, أقول لكم وبصريح العبارة, إننا من الأقوام المشلولة المتخلفة المقهورة المدحورة المتخاذلة, وهذا ما أثبته واقعنا المر المعاش بالأرقام والدلائل والشواهد.

نحن قوم نصدق الكاذب, ونكذِّب الصادق, نأتمن الخائن ونخوِّن الأمين, نشجع الجبان حتى يتمرد, ونخذل الشجاع حتى ينهار, ونحارب الناجح حتى يفشل, ونستفز الحليم حتى يفقد عقله, نكره التنظيم ونبغض النظام, نرى المنكر فنصفق له, ونؤازر الباطل فنسانده, ونقف مع الطغاة ضد الحق, وضد الخير, وضد الصلاح. 

الاختلاف عندنا خلاف, فانقسمنا إلى مجاميع متناحرة متشاجرة متنازعة متقاتلة تميل إلى التفريق والتفرقة, والتمزيق والبهدلة, التطرف عندنا هواية, والتعصب غواية, والتنافر موهبة, والثرثرة منطق, والدين فتنة, هذا سني, وهذا شيعي, وذاك سلفي, وهذا صفوي, وهذا وهابي, وهذا صوفي, وهذا زيدي, وهذا حوثي, وهذا أحمدي, وهذا علماني, وذاك شيوعي, وهذا قومي, وذلك إخواني, وعدناني وقحطاني, وشمالي وجنوبي, وأهلاوي وزملكاوي. 

 تخندق بعضنا في خنادق معركة (صفين) ضد خليفة المسلمين, وتجحفل بعضنا مع الحجاج, واختار بعضنا الوقوف مع أبي العباس السفاح, بينما خرج المتمردون مع الخوارج, وسار البتروليون خلف سراب الناتو, وركع المتآمرون تحت أقدام البنتاغون في معابد الذل والعبودية والخيانة, هذا يسعى للتفريس, وذلك يحلم بالتتريك, وجماعة تواسي السفارديم عند حائط المبكى. 

نقلب الدنيا رأساً على عقب, إذا لعب الجزائريون كرة القدم في ملاعب مصر, أو إذا لعب المصريون في ملاعب الجزائر, فنتباهى باستهتارنا وتهورنا على بعضنا البعض, فنحرق المدرجات, ونخرج إلى الشوارع والساحات لنواصل غاراتنا الهمجية على المحال التجارية, بينما نكون كالقطط الفلبينية البليدة أمام قوافل القوات الغازية أو الفيالق الاستعمارية, نمر مرور الكرام على القواعد الحربية الأجنبية المتمركزة على أرضنا وفي مياهنا لنلوح لها بالتحية والسلام, وشر البلية ما يضحك إن كبارنا تحالفوا مع القوات المتحالفة ضدنا. 

 صار الشيخ برميل أفضل قادتنا في المرحلة الراهنة, فهو عبقري الأمة, ومفكرها ونابغتها وملهمها وقائد مسيرتها الظافرة نحو حقول الغاز والألغاز, وهو الذي بيده الحل والعقد, وهو النمرود الجديد, وشمشوم الجبار, وسوبرمان ربيعها في كل المواسم والمناسبات, وهو رامبو المثابر, وجيفارا الثائر.

زعمائنا متخصصون بالتآمر على أشقائهم وأبناء جلدتهم, متطوعون للتعاون والتنسيق والتفاهم مع أعداء الأمة, بارعون في البطش والإجرام والتعسف, متفانون في حب الدنيا, لا فرق عندهم بين المليون والمليار على موائد الروليت, خبراء في البذخ والإسراف والتبذير. 

ما الذي نرتجيه من أقطار فقدت نزاهتها وتنازلت عن عفتها فتبوأت المراكز الأولى في الفساد العالمي في عموم كوكب الأرض ؟, وما الذي نتأمله من أقطار جاهلة سارت نحو الأمية بمحض إرادتها, فأحرزت المراكز المتدنية في التعليم الجامعي ؟, وما الذي نتوقعه من أقطار خاملة انشغلت بتفسير الأحلام وقراءة الطالع, فلم تفلح في الصناعة ولا في التجارة ولا في الزراعة ولا في التعليم ولا في الرياضة ؟, دول تبيع النفط وتصدره ثم تستورده على شكل زيوت ومشتقات بأضعاف أضعاف سعر البيع, دول على الرغم من ترسانتها الحربية الهائلة وجيوشها المليونية الجرارة لم تستعرض قطعاتها إلا في المناسبات الوطنية, ولم تسجل انتصارا واحداً تسترد به ماء وجهها, ولم تنتصر في يوم من الأيام على دولة فتية صغيرة مذعورة مارقة مستهترة.    تاريخنا مزيف من الجلد للجلد, وصفحاته ملطخة بدماء الأبرياء والضحايا, راجعوه جيدا, واقرءوا ما جرى للخلفاء الراشدين من الأول إلى الرابع, وما جرى للصحابة, وأبناء الصحابة, اقرءوا كيف احرقوا جثمان محمد بن أبي بكر ونثروا رماده في النيل, وكيف ذبحوا الحسين بن علي على شاطئ الفرات وطافوا برأسه في البلدان, وكيف قتلوا مسلم بن عوسجة, وكيف رجموا الكعبة المشرفة بالمنجنيق, وكيف شنقوا عبد الله بن الزبير في مكة, وكيف اضطهدوا أمه أسماء بنت أبي بكر, وكيف صلبوا الصحابي الجليل سعيد بن جبير, واقرءوا كيف استعمرونا باسم الدين, وصادروا حقوقنا باسم الدين, واستباحوا بلادنا بالطول والعرض باسم الدين, ثم باعونا في سوق النخاسة السياسية للإنجليز والفرنسيين, واقرءوا كيف كفّروا علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب والفلك والفلسفة, واقرءوا كيف أنجب التاريخ أكثر من عشرين نسخة لأبن العلقمي, اشتركوا كلهم بتسليم مفاتيح بغداد للمغول والتتار والفرس والأتراك حتى حكمتنا دولة الخروف الأسود, ثم جاءت من بعدها دولة الخروف الأبيض, واقرءوا كيف قتل الشقيق شقيقه من اجل العرش, وكيف تآمر أبناء الأمراء على آبائهم, واقرءوا كيف ذبحوا فيصل الثاني ونساء أسرته الهاشميات اللواتي كن يرفعن المصاحف فوق رؤوسهن, وأقرءوا كيف سحلوا فيصل في الشوارع, وهم يرددون هذه الأهزوجة:

قبلك بحسين اشسوينه

جدنا أقرع كر جدك بيده

وأقرءوا كيف قتلوا العلماء والفلاسفة ابتداءً من ابن المقفع وانتهاءً بالسهروردي, وكيف خذلوا سعد زعلول. 

 لقد مات (زغلول) من القهر, بعد أن أرهقته المحاولات الحثيثة لإصلاح شأن هذه الأمة, حتى أصابه اليأس والانهيار, فهمس في إذن زوجته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت: (غطيني يا صفية مفيش فايدة). 

بطاقة التموين مع حبة زيتون

ثمة معلومة لا أظنها عادية،بل وجدتها مدهشة-حقا- بالنسبة لي، تفيد بأنه (لا يمكن طي أية ورقة مهما بلغ حجمها…لأكثر من سبع طيات)،سبع طيات فقط، كما لمحت تعريفا طريفا يلخص معنى كلمة (الخ) والتي عادة ما نستعملها في الحديث أو الكتابة، تعبيرا عن تفادي كلمات متلاحقة ومتوقعة الخ…الخ .ينحصر ذلك التعريف الطريف بان (الخ) تعني (علامة توحي للآخرين،بأنك تعرف أكثر مما قلت) ولعلي من الذي لا يحبذون استعمالها، لكني أشعر بالحاجة الى استعمالها الآن سأحتاجها، كما أحتاج معلومة (طي الورقة بسبع طيات) مستذكرا أغنية (الثعلب فات فات وبذيله سبع لفات) حين كنا نرددها صغارا،أيام لم نكن نعرف أو نتعرف بعد على (مجد البطاقة التموينية) قبل وبعد قرار الغائها المباغت من قبل حكومتنا الرشيدة،بعد أن تدارست أوضاع الشعب وناقشت المشاكل المتتالية والمتفاقمة جراء ما لحق بمواد البطاقة من نقص وغش بطبيعة ونوع المواد المستوردة،ثم توالي حوادث سرقة وتخريب وتزايد(تفنن) الوصول الى الفساد الذي تسبب بـ(طيران) وزير من منصبه واتهام آخرين وتورط مسؤولين الخ…الخ من عوامل وكوامل (من كمال) أدت الى شحوب ونضوب الكثير من مفرداتها المواد والتي هي بالأساس، قوت الشعب الذي ضحى وضحى وسيضحي الخ.. الخ من أجل ان ترضى عليه الحكومة،التي قطعت دابر كل تلك المشاكل والشكوك ووضعت حدا قاطعا للظنون والعيون المتلصصة والمتربصة لسرقة قوت أفواه شعب تأتي بلاده اليوم في المرتبة الثالثة من بين أعلى دول تملك احتياط نفط في العالم، ولتطوي حكومتنا الرشيدة ورق البطاقة التموينية سبع طيات،وترمي وراءها(سبع حجارات) لكي تصبح  البطاقة- برمتها- التي رافقت حياتنا في كفاف الحصار وسنوات الحاجة والحروب والندوب وتوالي سنوات الخوف والموت والارهاب، لتمدد مرافقتها لنا لاكثر من عشرين عاما كانت فيها هذه البطاقة وثيقة مهمة من وثائق اثبات عراقيتنا الحقة، لكنها الآن في خبر كان، بفضل جرأة ذلك القرار الجرار الذي وافق عليه مجلس الوزراء بغالبية أصوات ساحقة، لم يمتنع أو يعترض فيها سوى وزير واحد فقط .!!

     ولأنكم -حتما- يا جماعة الخير…عرفتم بقيمة المبلغ المخصص للفرد الواحد من واردات النفط، مقابل ذلك الإلغاء المبرر من وجهة نظر الحكومة (هو أنا اعرف أكثر من الحكومة،ما يرددها عادل امام في مسرحية،شاهد ما شافش حاجة) بما يوفر لكل فرد ثمن (لفة فلافل) عادية، وليست ( لفة دبل أم السمسم) في اليوم الواحد!!

  سأطوي -بعد ما ورد- ورقة عمودي هذا سبع طيات هذا، لأحدثكم عن محاولة تدبير واحدة مدهشة أقدمت عليها شركة خطوط جوية امريكية (اميركان اير لاينز) لتوفر (400)اربعمائة ألف دولار في عام/1987 مقابل الاستغناء عن حبة زيتونة واحدة من كل صحن سلطة كان تقدم للمسافرين من ركابها في عموم رحلاتها، بالمناسبة احتجت -هنا- أن أذكر مثل (عرب وين.. الخ ..) من باب الاضطرار، ليس إلا.

ليلة الضحك!!

 (ربما) 3 ساعات هو الذي استغرقته حكومة الشراكة الوطنية لإلغاء البطاقة التموينية، بينما عجزت حكومة القرارات المفاجئة على مدى 3 سنوات عن إصدار قانون التقاعد الموحد، الذي ينصف شريحة اجتماعية مستضعفة، وأقولها ابتداءً، وقبل الدخول بأية تفاصيل، ان (الشركاء) كانوا أسرع من الصقر في جرح المواطن، وأبطأ من السلحفاة في تضميد جراحه! 

لم تنجح علب الماكياج المستورد في تجميل صورة (الإلغاء) وتسويغها، والقول بان عقود استيراد مفردات التموينية شابها الكثير من شبهات الفساد، هو عذر «أسوأ» من الذنب، ليس فقط لان المطلوب كما تقضي لغة المنطق والحكمة ان يتم علاج الفساد واجتثاثه بخطط علمية  واقعية مدروسة، واعتماد الاجراءات القانونية الصارمة، وانما كذلك  ـ  وهو من المضحكات المبكيات ـ ان شبهات الفساد باتت العلامة الفارقة لسلوك الدولة وعقودها، ليس ابتداء بتعاملات البنك المركزي وعقود التسليح، ولا انتهاء بعقود النفط والكهرباء، ومن يدري، فقد تكون شبهة الفساد قد طالت حتى (عقود الزواج)، ومع ذلك لم يصدر قرار بالغاء اي عقد، ما عدا العقد الذي يتعلق بخبز الناس وقوتهم، وانا على يقين من ان الذين صوتوا على قرار الالغاء، لا يأكلون من الحصة التموينية التي يأكل منها المواطنون، ولا يشربون من الماء الذي يشربونه، ولا يعرفون ان كان طحين الحصة يصمد في التنور ام انه (سيال)، ولابد ان أحدا منهم لم يذق تمن التموينية لكي يستغرب كيف يستسيغ العراقيون طعمه، ويقيني أكثر ثباتا، إنهم يجهلون ان الحصة ما عادت توزع بانتظام، وآلاف العوائل لم تتسلم نصيبها من السكر مثلا لاشهر عدة مضت وفات أوانها وضاعت على الفقراء، فهل احد سأل او تابع أو انتخى؟!

على أن القضية الأهم من ذلك كله: هل تستحق البطاقة التموينية الأسف او اهتمام المواطن وحزنه، إن بقيت أو اختفت -على الرغم من ان حزنهم عظيم على اصابعهم البنفسجية ـ فالذي صمد من مفرداتها هو (الرز والطحين والزيت والسكر) وخزينة الدولة تفيض بالدولارات بحيث أصبحت توزع  خيراتها، جزاها الله خيرا، على الشعوب المحتاجة، بينما كانت التموينية في ظل النظام المقبور، وفي ظل خزينة خاوية أنفقها الدكتاتور على حروبه تضم (الرز والطحين والزيت  والسكر والشاي والصابون وملح الطعام ومساحيق الغسيل والفاصوليا والعدس والبقوليات) واحيانا الشخاط وأمواس الحلاقة، والغريب ان تلك التموينية الدسمة، لم تتلكأ، وليس المقصود هنا، المقارنة، وانما التذكير، وان كان التذكير الأشد مرارة، هو ان الاسعار التجارية لمفردات البطاقة بعد إلغائها سترتفع الى عنان السماء، ولن تستطيع الأجهزة التنفيذية والرقابية السيطرة على ألاعيب السوق، طالما الرشوة والضمائر الغائبة هي المهيمنة، وبالتالي فان تعويض المواطن بمبلغ الصدقة البالغ (15) الف دينار، ليس مخجلا فقط، بل هو اقرب إلى (النكتة) التي تشبه نكتة والدتي العفوية، التي صدرت عنها ليلة الإعلان عن اجتثاث التموينية، فقد كانت شديدة الفرح بمبلغ التعويض، حتى انها فكرت بتوزيع (خبز العباس)، ودعت للحكومة بطول العمر والعافية، ظنا منها، أن هذا المبلغ يتسلمه المواطن بصورة يومية وليس شهرية !! يا الهي كم ضحكنا تلك الليلة !!

“غطيني يا صفية .. مفيش فايدة”

قبل أن ترجموني بحجارتكم التي قتلتم بها الأبرياء, وقبل أن تأخذكم العزة بالإثم فتشتموني بلعناتكم التي لا ترحم, أقول لكم وبصريح العبارة, إننا من الأقوام المشلولة المتخلفة المقهورة المدحورة المتخاذلة, وهذا ما أثبته واقعنا المر المعاش بالأرقام والدلائل والشواهد.

نحن قوم نصدق الكاذب, ونكذِّب الصادق, نأتمن الخائن ونخوِّن الأمين, نشجع الجبان حتى يتمرد, ونخذل الشجاع حتى ينهار, ونحارب الناجح حتى يفشل, ونستفز الحليم حتى يفقد عقله, نكره التنظيم ونبغض النظام, نرى المنكر فنصفق له, ونؤازر الباطل فنسانده, ونقف مع الطغاة ضد الحق, وضد الخير, وضد الصلاح. 

الاختلاف عندنا خلاف, فانقسمنا إلى مجاميع متناحرة متشاجرة متنازعة متقاتلة تميل إلى التفريق والتفرقة, والتمزيق والبهدلة, التطرف عندنا هواية, والتعصب غواية, والتنافر موهبة, والثرثرة منطق, والدين فتنة, هذا سني, وهذا شيعي, وذاك سلفي, وهذا صفوي, وهذا وهابي, وهذا صوفي, وهذا زيدي, وهذا حوثي, وهذا أحمدي, وهذا علماني, وذاك شيوعي, وهذا قومي, وذلك إخواني, وعدناني وقحطاني, وشمالي وجنوبي, وأهلاوي وزملكاوي. 

 تخندق بعضنا في خنادق معركة (صفين) ضد خليفة المسلمين, وتجحفل بعضنا مع الحجاج, واختار بعضنا الوقوف مع أبي العباس السفاح, بينما خرج المتمردون مع الخوارج, وسار البتروليون خلف سراب الناتو, وركع المتآمرون تحت أقدام البنتاغون في معابد الذل والعبودية والخيانة, هذا يسعى للتفريس, وذلك يحلم بالتتريك, وجماعة تواسي السفارديم عند حائط المبكى. 

نقلب الدنيا رأساً على عقب, إذا لعب الجزائريون كرة القدم في ملاعب مصر, أو إذا لعب المصريون في ملاعب الجزائر, فنتباهى باستهتارنا وتهورنا على بعضنا البعض, فنحرق المدرجات, ونخرج إلى الشوارع والساحات لنواصل غاراتنا الهمجية على المحال التجارية, بينما نكون كالقطط الفلبينية البليدة أمام قوافل القوات الغازية أو الفيالق الاستعمارية, نمر مرور الكرام على القواعد الحربية الأجنبية المتمركزة على أرضنا وفي مياهنا لنلوح لها بالتحية والسلام, وشر البلية ما يضحك إن كبارنا تحالفوا مع القوات المتحالفة ضدنا. 

 صار الشيخ برميل أفضل قادتنا في المرحلة الراهنة, فهو عبقري الأمة, ومفكرها ونابغتها وملهمها وقائد مسيرتها الظافرة نحو حقول الغاز والألغاز, وهو الذي بيده الحل والعقد, وهو النمرود الجديد, وشمشوم الجبار, وسوبرمان ربيعها في كل المواسم والمناسبات, وهو رامبو المثابر, وجيفارا الثائر.

زعمائنا متخصصون بالتآمر على أشقائهم وأبناء جلدتهم, متطوعون للتعاون والتنسيق والتفاهم مع أعداء الأمة, بارعون في البطش والإجرام والتعسف, متفانون في حب الدنيا, لا فرق عندهم بين المليون والمليار على موائد الروليت, خبراء في البذخ والإسراف والتبذير. 

ما الذي نرتجيه من أقطار فقدت نزاهتها وتنازلت عن عفتها فتبوأت المراكز الأولى في الفساد العالمي في عموم كوكب الأرض ؟, وما الذي نتأمله من أقطار جاهلة سارت نحو الأمية بمحض إرادتها, فأحرزت المراكز المتدنية في التعليم الجامعي ؟, وما الذي نتوقعه من أقطار خاملة انشغلت بتفسير الأحلام وقراءة الطالع, فلم تفلح في الصناعة ولا في التجارة ولا في الزراعة ولا في التعليم ولا في الرياضة ؟, دول تبيع النفط وتصدره ثم تستورده على شكل زيوت ومشتقات بأضعاف أضعاف سعر البيع, دول على الرغم من ترسانتها الحربية الهائلة وجيوشها المليونية الجرارة لم تستعرض قطعاتها إلا في المناسبات الوطنية, ولم تسجل انتصارا واحداً تسترد به ماء وجهها, ولم تنتصر في يوم من الأيام على دولة فتية صغيرة مذعورة مارقة مستهترة.    تاريخنا مزيف من الجلد للجلد, وصفحاته ملطخة بدماء الأبرياء والضحايا, راجعوه جيدا, واقرءوا ما جرى للخلفاء الراشدين من الأول إلى الرابع, وما جرى للصحابة, وأبناء الصحابة, اقرءوا كيف احرقوا جثمان محمد بن أبي بكر ونثروا رماده في النيل, وكيف ذبحوا الحسين بن علي على شاطئ الفرات وطافوا برأسه في البلدان, وكيف قتلوا مسلم بن عوسجة, وكيف رجموا الكعبة المشرفة بالمنجنيق, وكيف شنقوا عبد الله بن الزبير في مكة, وكيف اضطهدوا أمه أسماء بنت أبي بكر, وكيف صلبوا الصحابي الجليل سعيد بن جبير, واقرءوا كيف استعمرونا باسم الدين, وصادروا حقوقنا باسم الدين, واستباحوا بلادنا بالطول والعرض باسم الدين, ثم باعونا في سوق النخاسة السياسية للإنجليز والفرنسيين, واقرءوا كيف كفّروا علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب والفلك والفلسفة, واقرءوا كيف أنجب التاريخ أكثر من عشرين نسخة لأبن العلقمي, اشتركوا كلهم بتسليم مفاتيح بغداد للمغول والتتار والفرس والأتراك حتى حكمتنا دولة الخروف الأسود, ثم جاءت من بعدها دولة الخروف الأبيض, واقرءوا كيف قتل الشقيق شقيقه من اجل العرش, وكيف تآمر أبناء الأمراء على آبائهم, واقرءوا كيف ذبحوا فيصل الثاني ونساء أسرته الهاشميات اللواتي كن يرفعن المصاحف فوق رؤوسهن, وأقرءوا كيف سحلوا فيصل في الشوارع, وهم يرددون هذه الأهزوجة:

قبلك بحسين اشسوينه

جدنا أقرع كر جدك بيده

وأقرءوا كيف قتلوا العلماء والفلاسفة ابتداءً من ابن المقفع وانتهاءً بالسهروردي, وكيف خذلوا سعد زعلول. 

 لقد مات (زغلول) من القهر, بعد أن أرهقته المحاولات الحثيثة لإصلاح شأن هذه الأمة, حتى أصابه اليأس والانهيار, فهمس في إذن زوجته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت: (غطيني يا صفية مفيش فايدة). 

واذكروا «أموال» موتاكم

علينا أن نتفق -سلفا- بأن ثمة فرقا كبيرا بين موت وموت، فثمة موت (سريري) وآخر (افتراضي)، فهنالك من الناس من يتمنى الرحيل عن مطامع الدنيا ولذائذها الزائلة، تواقا مؤمنا في الوصول إلى عتبة دار الآخرة لمواجهة ربه بقلب خاشع ودود من فرط ما يحمل من نفحات الأيمان ورحمة وعظمة الخالق الكريم، وغيرهم من يموت لمجرد أن يترك منصبه أو يغادره متخليا -شاء أم آبى- عن كل منافع ومدافع وامتيازات مجد ذلك العرش وإغراءات المنصب، الذي جعل الكثير ممن يشملهم هذا الداء الفتاك أن (يتبسمروا)- بامتياز وإقبال منقطع النظير- على كراسي السلطة ومناقب الرئاسة، حتى ولو دفعوا بشعوبهم -جميعا- نحو الجحيم والهاوية، من أجل أن يبقوا -مدى الحياة- فوق قمة الهرم… ولنا في تأريخ أمتنا العربية المعاصر ما يؤكد ويزيد من عزم أمثال هؤلاء على الاحتفاظ بسرايا ذلك (المجد اللعين) حتى بعد ترك كراسيهم بفعل هبوب رياح الغضب الشعبي والجماهيري ونتائج عواصف التغيير الحتمي التي اجتاحت عالم اليوم، لتزحفت على عدد من الدول العربية، من التي ابتلت بقادة ووجوه أرادت أن تعمر أبدا، وأن تورث السلطة وتسلم  مقود الحكم لمن بعدهم من القادة الأبناء والأحفاد حتى (سابع ظهر).

  ولأن أموال العرب كانت وستبقى مشروع نهب دائم وتفريط قائم على المخاتلة في طبيعة الادخار وطريقة الاستثمار وحجم تواجدها في بنوك أوربية وعالمية، بموافقات وتوصيات قادة هذه الأمة -بكل تأكيد-، فأن اللعنة ستستمر -على ما يبدو-  حتى بعد موت ورحيل بعضهم من الناحية (الافتراضية) كذلك (السريرية) ممن شملتهم لوائح ما سميت بـ(ثورات الربيع العربي) جراء عمليات نهب وتهريب وتبذير للمال العام، من قبلهم ومن قبل من تعاون ومن قبل السراق الذين تسنى لهم الاستحواذ عليها بشتى الوسائل والطرق اللامشروعة، بكل الاعراف والاحوال… والا ما الذي دعا وزارة الخارجية السويسرية،أن تلعن -قبل فترة قريبة- وعلى لسان رئيس إدارة القانون الدولي بتلك الوزارة المدعو (فالانتين تسيلفيغر) الذي تقدم بأحدث وأجدد البيانات عن مصير هذه الأموال المجمدة منذ أوائل عام/2011موضحا:(أن سويسرا جمدت نحو مليار فرنك سويسري،أي بما يعادل- مليار فارزة صفر سبعة دولار- من أموال منهوبة،مرتبطة بديكتاتوريات سابقة في اربع دول في قلب ثورات الربيع العربي،هي مصر/ليبيا/سوريا/وتونس) حسب نص الخبر الذي نشرته وتابعت تداعياته وكالات أنباء عالمية،فيما نبقى نحن -من تتحرق قلوبنا حطبا وعقولنا استغرابا- في حيرة نوبات من التفكير المضني والمتعب في فهم وتفسير عجائب وغرائب،ما يحصل لنا حتى بعد رحيل من أبتلينا بهم احياء وأمواتا في نفوس شعوبهم ووقائع ما تركوا من مصائب ونكبات وأمراض، ولمن يقول:(وأذكروا محاسن موتاكم) سنقول: نعم وسنذكر ايضا (أموال) أولئك القادة والرؤساء،ممن تركوا ثروات شعوبهم الجائعة، لقيمات (من اللقمة) سائغة في أفواه بنوك تلك الدول المترفة حد الرخاء والتخمة.!!

حكومة الأغلبية أم حكومة الشراكة الوطنية..؟

تبدو مخاضات العملية السياسية في العراق أنها تستهلك مبررات وجودها المحشور في نفق الاحتلال منذ أن قبل المدعون وليمة السيد بريمر مأخوذين بوهج المكان المسكون بسرقة حقوق الشعب العراقي ومصادرة حريته. كان المحتل عارفا بخفايا المكان ورمزيته، بينما كان المدعون مشغوفين بالمظهر والعناوين الجديدة التي تنتظرهم لذلك سهل على إدارة الاحتلال اصطيادهم ليصبحوا ممثلي زور على كل من:1- السيادة المصادرة 2- الوطنية غير المتحققة 3- الدستور الملغوم بالمخاطر الفاضحة وفي مقدمتها التقسيم من خلال إرساء ما يسمى بـ”المناطق المتنازع عليها” والتصويت على الدستور الذي أسس لولادة الديمقراطية الميتة بشهادة وفاة سميت “المحاصصة” 4- الانتخابات المخترقة بالتزوير الذي أصبح سهل المنال لأحزاب السلطة والصانعة للتعطيل من خلال بوسطة القائمة الانتخابية التي ترجمت بهلوانية الانتخابات منذ لحظة ولادتها برعاية الاحتلال الذي لم يكن سوى وصي على الفوضى. من جراء ذلك كله ظهر العرج والعوق في العمل السياسي لما بعد 2003 لذلك لم نشهد ولادة عملية سياسية حقيقية، ولم نشهد ظهور مشروع سياسي عراقي، حتى ان الاصوات الوطنية التي شخصت الخطأ مبكرا وحاولت التصحيح وجهت اليها التهم وامطرت بسيل من التحريض الذي وصل الى هدر الدم الذي سرب الى الحواشي التي اعدت للفتنة. والذين سخروا اعلام الحكومة والسلطة للترويج لمدعيات كل من :- 1- كتابة الدستور 2- اجراء الانتخابات 3- تأليف مفوضية الانتخابات 4- تشكيل حكومات سميت بمجلس الحكم ثم الحكومة المؤقتة ثم الحكومة الانتقالية ثم الحكومة التي تلتها والتي لم تكن دائمية الا بالاسم. 5- المصالحة الوطنية وحين انجلت الغبرة، ظهر ان تلك لم تكن سوى مدعيات فارغة لم تجلب للشعب العراقي سوى مزيد من المعاناة وضياع فرص البناء والتقدم. فلا الدستور الذي تفاخروا به هم متفقون عليه. ولا الانتخابات التي مدحوها اولا وجدوا انفسهم يطعنون بنزاهتها مما اضاع مصداقيتها ومصداقيتهم. ولا المفوضية التي بالغوا في امانتها ونزاهتها ثم عادوا ليطعنوا بها علنا ويحاكموها، وبذلك سجلت احزاب السلطة فشلا يمتد على كل مساحات العمل السياسي مصحوبا بفشل متفاقم النتائج على صعيد العمل الحزبي الخاص بكل واحد منهم. 

والمصالحة الوطنية التي أهدرت من اجلها ملايين الدولارات من خلال زوار عمان ودمشق وبيروت والقاهرة ثم لندن والإمارات لم تتحول الى مشروع عمل تتواجد فيه الكفاءات والأرقام الوطنية التي لم تعد موجودة في أحزاب السلطة من كتلها الى حكوماتها التي لا يعرف بعض اعضائها تحرير امر إداري يكتسب احترام العاملين من الموظفين في مؤسسات الدولة. مثلما لا يعرف البعض منهم كيفية مواصلة تعليمه للحصول على الشهادة الجامعية وما فوقها دون ان يعرض نفسه للمساءلة القانونية اذ كيف يتسنى لمن هو عضو في مجلس النواب او الحكومة او مجالس المحافظات ان يسجل طالبا في الماجستير او الدكتوراه والسنة التحضيرية تتطلب حضورا يوميا. فهل ترك مثل هذا العضو حضور جلسات مجلس النواب ليحضر محاضرات السنة التحضيرية، وهذا تقصير في عمل وطني ائتمنه عليه الشعب. ام هل ظل مواظبا على حضور جلسات مجلس النواب واعمال لجانه ولم يحضر محاضرات السنة التحضيرية فكيف اجتازها وعبر الى سنة البحث التي تحتاج هي الاخرى جهدا مضنيا في المكتبة والتفرغ لكتابة الرسالة. نحن امام ظاهرة تسقيطية للافراد والاحزاب والحكومة والمشاريع الوطنية بسبب سلوك شخصي يسرق الدولة ويستغل المسؤولية للمنافع الشخصية والدول لا تبنى على هذا المستوى من التراجع من حسابات العقد الاجتماعي الذي يمنح الدولة قدرة وشرعية على اصدار القوانين ومنح الجنسية وشهادة الجنسية وجواز السفر ضمن السياقات الدولية المعمول بها لا كما ذهب البعض لإدخال الدولة في معمعة التكثير من اللغات في الوثائق الرسمية مما يحمل الدولة مزيدا من اعباء الكلفة المالية ومزيدا من الوقت في انجاز المعاملات التي تعمد الدول المتقدمة للتقليل منها واختصارها لصالح المواطن الذي يطمح الى الشعور بالدولة التي توفر له الراحة والضمان مثلما توفر له السيادة والاطمئنان. وغياب الرؤى التي تعطي الدولة وزنا في السياسة الدولية مثلما تعطيها قبولا ورضا داخليا ينعكس على زيادة انتاجية المواطن العراقي من خلال تعزيز التلاحم بين ابناء الوطن الواحد. 

وهذا الغياب هو الذي جعل قائمة دولة القانون لم تحسن الخيار الدستوري عند ظهور نتائج الانتخابات عام 2010 فدخلت في مماطلة من اجل كرسي الحكم عبرت عن عدم خبرتها في الفقه الدستوري والفهم الوطني، وعملية ائتلافها مع اطراف اخرى من لون واحد عرف بالتحالف الوطني الذي ولد ضعيفا في سبيل الفوز بلقب القائمة الاكبر حتى يتسنى لها تشكيل الحكومة اوقعها في خطا سياسي كبير لازالت تعاني منه بل هو من اوصلها الى طريق مسدود اليوم وضيع عليها حتى فرصة تشكيل حكومة اغلبية كما صرح بذلك السيد نوري المالكي، ولو ان قائمة دولة القانون تركت الفرصة للقائمة العراقية لتشكيل الحكومة وفق السياق الدستوري لما استطاعت القائمة العراقية تحقيق الحصول على “163” صوتا في ذلك الظرف وبالتالي سيرجع التكليف لقائمة دولة القانون لتشكيل الحكومة ولما دخلنا في تلك المماحكة التي افسدت النفوس وادخلت البلاد في تشتت وضياع من نتائجه ما نحن فيه اليوم، ان الدعوة الى تشكيل حكومة اغلبية هي دعوة صحيحة لو ان العلاقة بين حزاب السلطة وكتلها حافظت على توازنها، ولكن والحال وصلت الى هذا التشرذم الذي لا يتفق على اصدارات القضاء، ولا يتوقف عند حدود المخاطر التي تهدد الوطن، وامثلتها اصبحت واضحة للعيان، فنحن بناء على ذلك مقبلون على عواصف سياسية لا يحمد عقباها، ومن هنا فقدت الشراكة مصداقيتها لوجود من يتحالف مع الإرهاب ضد الوطن ووجود من يبيع الوطن لأهوائه ورغباته التي عرفت بعض دول الجوار استثمارها، وعليه فلا حكومة الشراكة متحققة، ولا حكومة الأغلبية ممكنة من خلال هذا الطاقم الفاشل، ويبقى مفتاح الانتخابات بالقائمة الفردية سواء كان العراق دائرة واحدة وهو الأفضل او عدة دوائر بشرط خلوها من التزوير، حتى نحصل على كفاءات حقيقية من خلالها تبدأ عملية إعادة كتابة الدستور وتشكيل حكومة من خلال القائمة الأكثر فوزا بالانتخابات وهذه العملية هي الأخرى تحتاج الى مزيد من التروي والحكمة.

علة النجومية

يتأكد ذلك التشاؤم القائل ان افة او علة خطيرة تلازم الكثيرين من العرب حالما يشتهرون ويكبرون ويغدون نجوما …وفي اي ميدان …بلا استثناء …انه الشغف بالذات وطفح نرجسيتها …وقد تبلغ حدود الاسفاف والتفاهات …ويمكن ان تصل بالنجم للحديث عن تفاصيل وصغائر شخصية وعائلية …كما لو يرمي الى ان يرى الناس طريقة نومه ويقظته وتصرفه في المرافق الصحية ….

برامج تلفزيونية تنجح سريعا ..ووجوه فنية تسطع      … ولكنها لا تلبث  ان تخبو وتعتم لاصابتها بلعنة النجومية العربية  … …في حين كانت درجات اخرى تنتظرهم في الافق وبين النجوم …وبذا التحقوا,عندنا بالشحاذين الذين هبطت عليهم الثروات وبالبقالين الذين كدسوا النجوم والرتب على اكتافهم …وبالعاجزين عن رعي الاغنام وعن التوفيق بين اولادهم المتعارضين ليكونوا ساسة ورجال حكم يوحدون شعبا …

نظرة الخلد في التراب غير نظرة النسر في الفضاء …والحياة ووقائعها للمناضل قبل السلطة غيرها بعد السلطة …وكذاللفنان فالنظرية غير الواقع …الا ان غير الجديرين بالنجومية مثل غير الجديرين بالثروات والكراسي والمسؤوليات ..لا يعرفون متطلبات الواقع الجديد وما تفرضه النجومية …فالنسر يرى الارض خريطة واشكال عامة …في حين يراها الانسان على الارض بتفاصيلها ..ولكل مزاياه وشروطه ومتطلباته ,,,وهذا ما لا يعرفه الكثيرون ممن صاروا نجوما …ويصابون بالدوار ..وفقدان التوازن والكثير من الثمل ….وقد تجلى هذا المرض المزمن في المرحلة العراقية على اوضح ما تكون …ورأى نجم الاحتيال وقد انتقل الى نجم في السياسة  والتحليل …انما الامتحان هو القدرة على الاحتفاظ بالنجومية وبالبقاء في الاعالي وفي فهم الواقع من تلك القمة…

ولكثرة من شغلوا  امكنة ليست لهم في السياسة والمجتمع والفن والثقافة والاقتصاد  فقد تصدر العراق قوائم الفساد في العالم وطالت ازماته وخلافات رجاله وفوضاه الهدامة … ومن يرى حال العراق السياسية يعرف ابطال ونجوم الفوضى على افضل ما يكون ….وكما لا يعبأ بعض السياسيين بحديث العالم عما يجري به ..فان نجوم الوقت لا ينتبهون الى انهم عرضة للمشاهد في كل الارض  …فخسروا وخسرنا معهم نجوما … 

ومع ذلك ,مع كل ذلك …فالامر مرهون بالمجتمع …فالناجح في محتمع فاشل في مجتمع اخر …وما يقرفنا قد يمتع ويضحك غيرنا  ..وكل مجتمع وثقافته وذوقه   …ولكن …ادا كان بوسع المشاهد ان ينتقل الى قناة اخرى تفيده وتسعده ..ماذا يفعل مع سياسي يرى في كوارث دائرته انجازات يتباهى بها كما يتباهى نجم المصادفة بمتاعبه مع معجبيه ؟؟ خسارة ان نفقد احدا ..ونتمنى الا نخسر نجوما …   

كرة ثلج

ليس معروفا على وجه الدقة تاريخا محددا لظهور اول حالة كذب في عمر البشرية ، غير ان ما تشير اليه وقائع التاريخ اذا سلمنا بوقائعيتها ان الكذب ومنذ ان وجدت اول وحدة اجتماعية ، ظل رديفا لافكاك له لظاهرة القسر بشتى تصانيفها ومسمياتها بدءا من قسر الاعراف والتقاليد مرورا بقسر المعتقدات الميثولوجية ومن ثم الدينية حتى عهد سن القوانين والتشريعات .

ولم تكن ظاهرة الكذب نتاجا خيطيا لظاهرة القسر حصرا ، بل تضافرت مولدات عدة في صنعها ، نفسية واجتماعية وبيولوجية ايضا ، غير ان ما يعنينا منها هنا تتبع اثارها السياسية وحصرا السلطوية من اجل حصر اضرارها الفادحة التي باتت تهشم في الصميم توازن وسلامة الشخصية العراقية وبالتالي النسيج الطبيعي للمجتمع العراقي .

الامر اللافت قوة وفاعلية الخطاب السلطوي السياسي عبر التاريخ في التاثير الضار لتعضيد ظاهرة الكذب، وقد حفل تاريخنا بنماذج عدة من الحكام الذين اختطوا سياقات وانماط لتلك الظاهرة بل ابدعوا في خلقها ايما ابداع وظلت المفارقة الحادة بين القول عبر انواع الدعاية السياسية لصالح الحكام والفعل عبر سلوكهم اليومي في تضاد تام لفحوى تلك الدعاية .. كما ظلت تلك المفارقة مهيمنة تاريخية دائبة الفعل والتاثير وبنحو بالغ السوء في مصائر الناس وحيواتهم .

يحكى ان رجل دين يدعي العفة والورع امام الناس ويقيم علاقة خاطئة مع احداهن في الخفاء، ذات يوم وبينما هو منهمك بفعل الخطيئة معها ، اخبرته ان  الناس باتوا  يتهمونها بعلاقتها الخاطئة معه .. رد عليها رجل الدين وهو منشغل بها : انتخي بالله ان يقتص لي ولك منهم … مع ملاحظة الوظيفة التبريرية لدين السلطة على مر التاريخ .

وبتاثير الية التشبه بالمثل فقد قدم الحاكم نفسه على الدوام مثالا ينبغي ان يحتذى بوصفه ايضا قد حذا حذو الاله ، من قبل ، في سماته جميعها حتى اختاره خليفة له على الارض، بغض النظر عن الاعتبار لتمظهرات الفكرة ذاتها وقد وجد من بعده كثرة كاثرة ممن راحت تحذوا حذوه، فانتجت فكرة الحاكم، وهو في الاغلب الاعم مستبد وطاغية/  مستبدين وطغاة صغار. الامر الذي بتنا نعايشه يوميا ايام طاغية العراق المقبور ، واصبحنا نعايش الصورة ذاتها بعد زلزال 9 / 4 / 2003 حتى اللحظة. وعند البحث المتريث عن السر في استمرارية تناسل الطغاة على اختلاف يافطاتهم وهيئاتهم سنجد ان الظاهرة ذاتها ، ظاهرة الكذب ما فتئت تتغذى وتغذي في الوقت عينه ذلك التناسل المستمر .

هل يمكن ان نقول ان لهذا الحديث صلة ما بما نحن مقبلون  عليه ، من استعدادات وتحالفات مبكرة نوعا ما بتشكيلة حكومية يجري التناحر بشأنها ويخرج من بين يديها مستقبل البلاد لاربع سنوات قابلة … في الاقل لنقل هذا ، ولكن هل ستتوقف اوضاعنا عن التدحرج نحو الهاوية ومعها هل ستتوقف عن  التدحرج والتضخم المستمر ايضا كرة ثلج الكذب ؟

 سؤال تتوقف على الاجابة عنه احوال ثلاثين مليون مصير من مصائر العراقيين .

واذكروا «أموال» موتاكم

علينا أن نتفق -سلفا- بأن ثمة فرقا كبيرا بين موت وموت، فثمة موت (سريري) وآخر (افتراضي)، فهنالك من الناس من يتمنى الرحيل عن مطامع الدنيا ولذائذها الزائلة، تواقا مؤمنا في الوصول إلى عتبة دار الآخرة لمواجهة ربه بقلب خاشع ودود من فرط ما يحمل من نفحات الأيمان ورحمة وعظمة الخالق الكريم، وغيرهم من يموت لمجرد أن يترك منصبه أو يغادره متخليا -شاء أم آبى- عن كل منافع ومدافع وامتيازات مجد ذلك العرش وإغراءات المنصب، الذي جعل الكثير ممن يشملهم هذا الداء الفتاك أن (يتبسمروا)- بامتياز وإقبال منقطع النظير- على كراسي السلطة ومناقب الرئاسة، حتى ولو دفعوا بشعوبهم -جميعا- نحو الجحيم والهاوية، من أجل أن يبقوا -مدى الحياة- فوق قمة الهرم… ولنا في تأريخ أمتنا العربية المعاصر ما يؤكد ويزيد من عزم أمثال هؤلاء على الاحتفاظ بسرايا ذلك (المجد اللعين) حتى بعد ترك كراسيهم بفعل هبوب رياح الغضب الشعبي والجماهيري ونتائج عواصف التغيير الحتمي التي اجتاحت عالم اليوم، لتزحفت على عدد من الدول العربية، من التي ابتلت بقادة ووجوه أرادت أن تعمر أبدا، وأن تورث السلطة وتسلم  مقود الحكم لمن بعدهم من القادة الأبناء والأحفاد حتى (سابع ظهر).

  ولأن أموال العرب كانت وستبقى مشروع نهب دائم وتفريط قائم على المخاتلة في طبيعة الادخار وطريقة الاستثمار وحجم تواجدها في بنوك أوربية وعالمية، بموافقات وتوصيات قادة هذه الأمة -بكل تأكيد-، فأن اللعنة ستستمر -على ما يبدو-  حتى بعد موت ورحيل بعضهم من الناحية (الافتراضية) كذلك (السريرية) ممن شملتهم لوائح ما سميت بـ(ثورات الربيع العربي) جراء عمليات نهب وتهريب وتبذير للمال العام، من قبلهم ومن قبل من تعاون ومن قبل السراق الذين تسنى لهم الاستحواذ عليها بشتى الوسائل والطرق اللامشروعة، بكل الاعراف والاحوال… والا ما الذي دعا وزارة الخارجية السويسرية،أن تلعن -قبل فترة قريبة- وعلى لسان رئيس إدارة القانون الدولي بتلك الوزارة المدعو (فالانتين تسيلفيغر) الذي تقدم بأحدث وأجدد البيانات عن مصير هذه الأموال المجمدة منذ أوائل عام/2011موضحا:(أن سويسرا جمدت نحو مليار فرنك سويسري،أي بما يعادل- مليار فارزة صفر سبعة دولار- من أموال منهوبة،مرتبطة بديكتاتوريات سابقة في اربع دول في قلب ثورات الربيع العربي،هي مصر/ليبيا/سوريا/وتونس) حسب نص الخبر الذي نشرته وتابعت تداعياته وكالات أنباء عالمية،فيما نبقى نحن -من تتحرق قلوبنا حطبا وعقولنا استغرابا- في حيرة نوبات من التفكير المضني والمتعب في فهم وتفسير عجائب وغرائب،ما يحصل لنا حتى بعد رحيل من أبتلينا بهم احياء وأمواتا في نفوس شعوبهم ووقائع ما تركوا من مصائب ونكبات وأمراض، ولمن يقول:(وأذكروا محاسن موتاكم) سنقول: نعم وسنذكر ايضا (أموال) أولئك القادة والرؤساء،ممن تركوا ثروات شعوبهم الجائعة، لقيمات (من اللقمة) سائغة في أفواه بنوك تلك الدول المترفة حد الرخاء والتخمة.!!

حكومة الأغلبية أم حكومة الشراكة الوطنية..؟

تبدو مخاضات العملية السياسية في العراق أنها تستهلك مبررات وجودها المحشور في نفق الاحتلال منذ أن قبل المدعون وليمة السيد بريمر مأخوذين بوهج المكان المسكون بسرقة حقوق الشعب العراقي ومصادرة حريته. كان المحتل عارفا بخفايا المكان ورمزيته، بينما كان المدعون مشغوفين بالمظهر والعناوين الجديدة التي تنتظرهم لذلك سهل على إدارة الاحتلال اصطيادهم ليصبحوا ممثلي زور على كل من:1- السيادة المصادرة 2- الوطنية غير المتحققة 3- الدستور الملغوم بالمخاطر الفاضحة وفي مقدمتها التقسيم من خلال إرساء ما يسمى بـ”المناطق المتنازع عليها” والتصويت على الدستور الذي أسس لولادة الديمقراطية الميتة بشهادة وفاة سميت “المحاصصة” 4- الانتخابات المخترقة بالتزوير الذي أصبح سهل المنال لأحزاب السلطة والصانعة للتعطيل من خلال بوسطة القائمة الانتخابية التي ترجمت بهلوانية الانتخابات منذ لحظة ولادتها برعاية الاحتلال الذي لم يكن سوى وصي على الفوضى. من جراء ذلك كله ظهر العرج والعوق في العمل السياسي لما بعد 2003 لذلك لم نشهد ولادة عملية سياسية حقيقية، ولم نشهد ظهور مشروع سياسي عراقي، حتى ان الاصوات الوطنية التي شخصت الخطأ مبكرا وحاولت التصحيح وجهت اليها التهم وامطرت بسيل من التحريض الذي وصل الى هدر الدم الذي سرب الى الحواشي التي اعدت للفتنة. والذين سخروا اعلام الحكومة والسلطة للترويج لمدعيات كل من :- 1- كتابة الدستور 2- اجراء الانتخابات 3- تأليف مفوضية الانتخابات 4- تشكيل حكومات سميت بمجلس الحكم ثم الحكومة المؤقتة ثم الحكومة الانتقالية ثم الحكومة التي تلتها والتي لم تكن دائمية الا بالاسم. 5- المصالحة الوطنية وحين انجلت الغبرة، ظهر ان تلك لم تكن سوى مدعيات فارغة لم تجلب للشعب العراقي سوى مزيد من المعاناة وضياع فرص البناء والتقدم. فلا الدستور الذي تفاخروا به هم متفقون عليه. ولا الانتخابات التي مدحوها اولا وجدوا انفسهم يطعنون بنزاهتها مما اضاع مصداقيتها ومصداقيتهم. ولا المفوضية التي بالغوا في امانتها ونزاهتها ثم عادوا ليطعنوا بها علنا ويحاكموها، وبذلك سجلت احزاب السلطة فشلا يمتد على كل مساحات العمل السياسي مصحوبا بفشل متفاقم النتائج على صعيد العمل الحزبي الخاص بكل واحد منهم. 

والمصالحة الوطنية التي أهدرت من اجلها ملايين الدولارات من خلال زوار عمان ودمشق وبيروت والقاهرة ثم لندن والإمارات لم تتحول الى مشروع عمل تتواجد فيه الكفاءات والأرقام الوطنية التي لم تعد موجودة في أحزاب السلطة من كتلها الى حكوماتها التي لا يعرف بعض اعضائها تحرير امر إداري يكتسب احترام العاملين من الموظفين في مؤسسات الدولة. مثلما لا يعرف البعض منهم كيفية مواصلة تعليمه للحصول على الشهادة الجامعية وما فوقها دون ان يعرض نفسه للمساءلة القانونية اذ كيف يتسنى لمن هو عضو في مجلس النواب او الحكومة او مجالس المحافظات ان يسجل طالبا في الماجستير او الدكتوراه والسنة التحضيرية تتطلب حضورا يوميا. فهل ترك مثل هذا العضو حضور جلسات مجلس النواب ليحضر محاضرات السنة التحضيرية، وهذا تقصير في عمل وطني ائتمنه عليه الشعب. ام هل ظل مواظبا على حضور جلسات مجلس النواب واعمال لجانه ولم يحضر محاضرات السنة التحضيرية فكيف اجتازها وعبر الى سنة البحث التي تحتاج هي الاخرى جهدا مضنيا في المكتبة والتفرغ لكتابة الرسالة. نحن امام ظاهرة تسقيطية للافراد والاحزاب والحكومة والمشاريع الوطنية بسبب سلوك شخصي يسرق الدولة ويستغل المسؤولية للمنافع الشخصية والدول لا تبنى على هذا المستوى من التراجع من حسابات العقد الاجتماعي الذي يمنح الدولة قدرة وشرعية على اصدار القوانين ومنح الجنسية وشهادة الجنسية وجواز السفر ضمن السياقات الدولية المعمول بها لا كما ذهب البعض لإدخال الدولة في معمعة التكثير من اللغات في الوثائق الرسمية مما يحمل الدولة مزيدا من اعباء الكلفة المالية ومزيدا من الوقت في انجاز المعاملات التي تعمد الدول المتقدمة للتقليل منها واختصارها لصالح المواطن الذي يطمح الى الشعور بالدولة التي توفر له الراحة والضمان مثلما توفر له السيادة والاطمئنان. وغياب الرؤى التي تعطي الدولة وزنا في السياسة الدولية مثلما تعطيها قبولا ورضا داخليا ينعكس على زيادة انتاجية المواطن العراقي من خلال تعزيز التلاحم بين ابناء الوطن الواحد. 

وهذا الغياب هو الذي جعل قائمة دولة القانون لم تحسن الخيار الدستوري عند ظهور نتائج الانتخابات عام 2010 فدخلت في مماطلة من اجل كرسي الحكم عبرت عن عدم خبرتها في الفقه الدستوري والفهم الوطني، وعملية ائتلافها مع اطراف اخرى من لون واحد عرف بالتحالف الوطني الذي ولد ضعيفا في سبيل الفوز بلقب القائمة الاكبر حتى يتسنى لها تشكيل الحكومة اوقعها في خطا سياسي كبير لازالت تعاني منه بل هو من اوصلها الى طريق مسدود اليوم وضيع عليها حتى فرصة تشكيل حكومة اغلبية كما صرح بذلك السيد نوري المالكي، ولو ان قائمة دولة القانون تركت الفرصة للقائمة العراقية لتشكيل الحكومة وفق السياق الدستوري لما استطاعت القائمة العراقية تحقيق الحصول على “163” صوتا في ذلك الظرف وبالتالي سيرجع التكليف لقائمة دولة القانون لتشكيل الحكومة ولما دخلنا في تلك المماحكة التي افسدت النفوس وادخلت البلاد في تشتت وضياع من نتائجه ما نحن فيه اليوم، ان الدعوة الى تشكيل حكومة اغلبية هي دعوة صحيحة لو ان العلاقة بين حزاب السلطة وكتلها حافظت على توازنها، ولكن والحال وصلت الى هذا التشرذم الذي لا يتفق على اصدارات القضاء، ولا يتوقف عند حدود المخاطر التي تهدد الوطن، وامثلتها اصبحت واضحة للعيان، فنحن بناء على ذلك مقبلون على عواصف سياسية لا يحمد عقباها، ومن هنا فقدت الشراكة مصداقيتها لوجود من يتحالف مع الإرهاب ضد الوطن ووجود من يبيع الوطن لأهوائه ورغباته التي عرفت بعض دول الجوار استثمارها، وعليه فلا حكومة الشراكة متحققة، ولا حكومة الأغلبية ممكنة من خلال هذا الطاقم الفاشل، ويبقى مفتاح الانتخابات بالقائمة الفردية سواء كان العراق دائرة واحدة وهو الأفضل او عدة دوائر بشرط خلوها من التزوير، حتى نحصل على كفاءات حقيقية من خلالها تبدأ عملية إعادة كتابة الدستور وتشكيل حكومة من خلال القائمة الأكثر فوزا بالانتخابات وهذه العملية هي الأخرى تحتاج الى مزيد من التروي والحكمة.