الأقاليم مفخخات الدستور
الدستور ضرورة تنظيمية للدولة، والدولة ضرورة شرعية لتنظيم الاجتماع، والاجتماع ضرورة نفسية لاحتضان الأفراد.والأفراد ضرورة لتوزيع الأدوار…. والأدوار ضرورة عقلية لاحتضان المهن…. والمهن ضرورة اقتصادية للإنتاج….والإنتاج ضرورة للتوزيع… والتوزيع يكشف هوية الفكر.. والفكر ضرورة لبناء الحضارة…والحضارة تحتاج مباركة السماء قال تعالى: “ولو ان أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء”.
والأقاليم مصطلح فكري سياسي وهو من مستحضرات الفكر الغربي المصدرة للدول الضعيفة بنوايا وغايات خلق الإرباك.
ولفظ الإقليم غير مستعمل وغير شائع في أميركا والدول الأوربية باستثناء إقليم الباسك في اسبانيا الذي لا يزال يعاني قلقا سياسيا واجتماعيا.
والأمصار مصطلح إسلامي ولد مع ظهور تنظيم الدولة المركزية باعتبار المركزية ضرورة تنظيمية ذات بعد عقلي ينتمي لمركزية الكون، والكون منظم تنظيما عقليا قائما على الحرية الملتزمة.
وتمصير الكوفة والبصرة والفسطاط كان قائما على المشورة التي تمنح الولاية تنظيم المال والاجتماع والجند وعمال الخدمة والقضاء والتجار والصناعات، ولذلك ظلت الأمصار والولايات متماسكة بقوة الضوابط الشرعية التي تعبر عن الفكر الذي يصنع طاقة التوجه والعمل والإنتاج، وكانت صياغات الفكر منتشرة في فضاءات المناخات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فعندما تقلص الانتشار الفكري وضعفت مولداته الروحية عند السلطة انعكس ذلك على الأفراد الذين خسروا الحضور الفكري للمعصوم الذي يقول: “إذا كانت الجدران تفصل ما بيننا وبينكم فما الفرق بيننا” وذلك عندما جاء احدهم الى احد الأئمة الأطهار من أهل البيت عليهم السلام وعندما طرق الباب خرجت له جارية فأراد الرجل ان يختبر علم الإمام وهل ان الله يكرمه بفتح مغالق الغيب له: فمد يده الى صدر الجارية. فجاءه جواب الإمام من داخل المنزل: إذا كانت الجدران تحول بيننا وبينكم فما الفرق بيننا. فعلم الرجل ان الإمام من أهل الفضل عند الله، ولذلك كان الإمام علي بن أبي طالب يقول: قولوا فينا ما شئتم ولكن نزهونا من الربوبية.
ومثلما عمل الفكر الوهابي الذي لا ينتمي الى فكر السماء الذي ارتضى الإسلام دينا للبشرية وجعل مفردات العصمة مفاتيح الخلاص من ظلمات الجهل وضلال العقول.
ومثلما كان الفكر الوهابي هو الصانع الحقيقي لمفخخات الأفكار عبر سفر الرواية التي ألغموها بالموضوع والمنتحل والمدسوس حتى أصبحت الأمة أسيرة الفتنة المستحكمة التي لا تطفئها إلا إطلالة المهدي المنتظر المستجمع لشرائط الولاية بغير ما فسر تعسفا للناس من ان “أولي الأمر” هو كل من حكم، وكل من وصل للسلطة الزمنية حتى لو كان بوسائل البطش والدمار، والمقولة التي اعتقلت تاريخ الحاكمية الاسلامية لصالح الظالمين هي: ” لا تخرجوا على الحاكم الا ان يظهر الكفر البواح”.
من تلك الأجواء الملغومة بالنوايا التي اختارت الوهابية فصيلا معتمدا عليه أميركيا وصهيونيا لتفريق وحدة المسلمين وإضعافهم تغلغلت افكار الوهابية عبر أموال البترول العربي الى بعض أساتذة الجامعات الدينية في العالم العربي والإسلامي، مثلما تغلغلت بلحاظ قرب مصادر الرواية الى كل من التنظيمات التالية:
1- تنظيم الإخوان المسلمين الذي يعول عليه العثمانيون الجدد في بلاد الشام.
2- تنظيم حزب التحرير المفرط بالرواية ذات المناخات الأموية.
3- بعض تنظيمات السلفية.
4- بعض أئمة الجمعة والجماعة ممن يرجعون في مصادرهم الى تخوم الرواية المتعارضة مع كتاب الله وسنة رسوله “ص” والمصادرة لحق أهل البيت وهم عدل الكتاب وأحد الثقلين الذين هم الترجمة الحقيقية: للراسخين في العلم، وأهل الذكر، وأولي الأمر.
ومثلما ألغم التاريخ الإسلامي بالرواية الموضوعة كذلك الغم وفخخ الدستور العراقي بمفخخات الأفكار مثل :-
1- مصطلح الأقاليم الذي كان يراد منه تقسيم العراق فهو مشروع للتقسيم ودعوة للفرقة بين العراقيين الذين لم يكونوا بحاجة لمثل هذه المصطلحات بمقدار حاجتهم للحرية والمساواة والكرامة والعيش الكريم وخدمات متوفرة وقانون يحمي حقوقهم ودولة ترعى شؤونهم وتعيدهم الى حاضنة المجتمع الدولي.
2- مصطلح المناطق المتنازع عليها: وهو من المصطلحات التي وضعت برعاية المحتل لتصنع الاختلاف في كل شيء وهي صيغة غير موجودة في كل فدراليات العالم المعاصر.
3- وهناك الكثير من الألغام الأخرى المبثوثة في مواد الدستور مثل :-
ا- فتح مكاتب للأقاليم في السفارات العراقية.
ب- إصدار جواز السفر باللغة الكردية.
ت- إصدار عملة ورقية بلغة الإقليم.
وهناك محاولات التفاف من قبل البعض لتفتيت الوحدة الوطنية وهوية العراق الواحدة من خلال ما يلي :-
1- وجود ممثل لإقليم كردستان في بغداد.
2- جعل تطبيق المادة 140 متوقفا حصرا على مدينة كركوك.
3- المناداة بكركوك قدس كردستان.
4- الاستفراد بإنتاج النفط في الإقليم.
5- الاستفراد بموارد وسلطة المنافذ الحدودية في الإقليم.
6- جعل البيشمركة جيشا داخل الجيش الفدرالي.
7- فتح حدود الإقليم للأحزاب الكردية غير العراقية.
8- السعي لفتح ممثليات للإقليم في بعض دول الخليج وفي بعض الدول الاسكندينافية.
9- محاولة إظهار علم الإقليم ممثلا لمجموع ” 45″ مليون كردي وهي مخالفة دستورية وسيادية.
10- الإصرار على منصب رئيس الجمهورية باعتباره حقا قوميا للأكراد.
هذه وغيرها هي من صنعت شهية العمل بالأقاليم بدون معرفة ولا خبرة سياسية مما جعل البلاد تغلي على بركان من الانفجارات المؤقتة بحسب العلاقة بالمركز لا بحسب حاجة الوطن وسيادته، وما جرى أخيرا في صلاح الدين هو التعبير عن مفخخات الدستور الذي لم يكتبه خبراء العراق وأهل العلم والكفاءة وإنما ترك في لحظة غزو احتلالي غاشم الى محدودي الفكر والمعرفة من طلاب السلطة على حساب الوطن وسيادته.