في بيتنا دكتاتور!

الكثير من المفردات السياسية التي نرددها في حياتنا اليومية ، هي من الموروث الذي تلقيناه بصورته الحالية ، ويحتاج اليوم الى تعديل او اعادة نظر ، فالدكتاتورية كما وصلت مثلا هي اعلى مراحل الظلم التي ينضوي تحتها الكثير من الدلالات وفي مقدمتها (التفرد) بالسلطة والقرار والراي ، وما يتبع ذلك من تكميم للافواه واعتماد منطق القوة الناشمة لفرض قناعة الفرد او الجماعة على الاخرين . 

وقد رسخت في أذهاننا معالم الدكتاتور على انه : عنوان الشجاعة العدائية والجبروت وعدم الاكتراث ، وباختصار فهو (بطل سلبي) ومن هنا فان صدام حسين على سبيل المثال، كان دكتاتوراً في ضوء المعايير والمواصفات التي اتينا على  ذكرها ، وبالمعنى التقليدي الذي ورثناه ، غير ان القراءة النفسية المتأنية لشخصية الدكتاتور تكشف عن واقع اخر ، وعن حقيقة مغايرة لما تعارفنا عليه، فليس هناك من هو اكثر جبنا ولارعبا من الدكتاتور لان (التفرد) بحد ذاته سواء كان في السلطة ام في القرار ام في الرأي  ، ولايعدو عن كونه خللا في مقومات الشخصية ، كونه يعبر عن خوف داخلي من افضلية الاخر وهذه الافضلية تتعارض مع الطبيعة النرجسية للدكتاتوري من ناحية وتضخم روح العداء عنده من ناحية اخرى!! 

ان استعراض السيرة الذاتية لاي دكتاتور تقدم مئات الادلة على وساوس الخوف التي تسيطر عليه ، حتى من شركائه في السلطة ، بل ومن اقرب المقربين اليه لان الخوف في كثير من الاحيان ، هو مظهر من مظاهر الجبن، فانه يعمد الى مواجهة الاخر، (الخصم المفترض حقا او باطلا) باسلوب يتسم به الضعفاء ، وذلك باللجوء الى المراوغة والافتراء  والتهم الكيدية وتزوير الحقائق ولو كان على اي قدر من الشجاعة الحقيقية والاعتداء بالنفس لتبنى اسلوب المنازعة الشريفة ، ومن هنا فان السجل السياسي للدكتاتور (عادة) ما يكون حافلا بالمؤامرات المفتعلة والمكايد الرخيصة التي تطال على حد سواء ، خصومه الحقيقيين ، وشركاءه في الحكم ، واتباعه المخلصين ويجب ان لانستغرب بعد ذلك ولا اصدقاء باستثناء مستشاريه وموظفي مكتبه وافراد حمايته ، الذين يضيفون الى علته علة جديدة ، وهم يرسمون له عبر اقلام النفاق الملونة صورة وردية لشخصيته وعلى وفق هذا المنطق تصرف هتلر واعدم ثلاثة ارباع قادته وبالمنطق ذاته تمت الاطاحة بعبد الخالق السامرائي ، ولم يخرج عن هذا الاسلوب حكم الحجاج وستالين وشاوشيسكو!!! 

ان حمى الخوف بمرور الوقت تتصاعد طرديا مع تمسك الدكتاتور بالسلطة .

ومعها تتنوع اساليب المكر والتصفية، وتاريخ البشرية قديما وحديثا يؤكد يومنا هذا المليء بالشواهد فإقصاء  الخصم عن الطريق ولو كان ابا او اخا او ولي عهد او ولي نعمة، قائم على قدم وساق مادامت الاعذار متوفرة.. 

والاعترافات المطلوبة جاهزة ، والتهم معدة سلفا ، ومادام شهود الزور والمتاجرون بضمائرهم يقبضون الثمن، وبناء على ماتقدم ارى إن مفهوم الدكتاتور يتعدى حدود التفرد الى دائرة اوسع تشمل عقدة الخوف الداخلي من الاخر، (الافضل او الاكفا) وهذا واقع دكتاتور المانيا وايطاليا واسبانيا وليبيا والعراق، ومن ماتلاهم او جاء قبلهم او باقي بعدهم ، اناس يخشون ظنهم ولايحسنون الا العذر والطعن في الظهر و.. 

أستاد كافي رجاء.. وين الجديد .. هذا الكلام كلنا نعرفه 

العفو مولانا .. كلامي بس من باب التذكير والتنبيه!! 

تنويه : الدكتاتور يمكن ان يكون حاكما او محكوما ويمكن ان يكون في بيت كل واحد هنا بصورة طفل او عجوز او رجل او امر اة او زوج او زوجة مع الاخذ بنظر الاعتبار ان النساء هن الاشد دكتاتورية حسب اخر احصائية لمنظمة ليدز فيرست البرياطنية لذا اقتضت الاشارة!! 

أرقام عراقية تجاهلتها غينيس

بات من المؤكد ان مؤسسة غينيس للأرقام القياسية تغافلت أو تجاهلت بعض الأرقام القياسية العراقية النادرة, وربما أهملتها مع سبق الإصرار والإنكار, فالأرقام التي سنتحدث عنها هنا لا مثيل لها في عموم أقطار السماوات والأرض, ولم تكن موجودة عند شعوب السلالات البشرية القديمة ولا المعاصرة. .فعلى الرغم من كفاءة هذه المؤسسة الموسوعية, ودقتها في تسجيل الأرقام القياسية في كل المجالات, وعلى الرغم من رصدها الحالات والظواهر الغريبة, وتوثيقها من حيث الحجم والارتفاع والوزن والسرعة والقوة والقلة والكثرة, حين سجلت وزن أضخم رجل في العالم, واقصر امرأة, وأقوى إنسان, وأصغر دب, وأكبر قطة, وأسرع سلحفاة, وأطول أفعى, واستطاعت ان تسجل بحيادية حوالي (64000) رقما قياسيا في شتى المجالات والفعاليات الفردية والجماعية.   لكنها لا تعلم حتى الآن أن أكثر من ثلث الشعب العراقي, هم من مواليد اليوم الأول من تموز (يوليو), وأن تواريخ ميلادهم مثبتة رسميا في سجلات مديرية النفوس والأحوال المدنية, بموجب إحصائيات التعداد السكاني العام لسنة 1957, بمعنى ان أكثر من ثلث الشعب العراقي يحتفلون بأعياد ميلادهم في عز الصيف, وعلى وجه التحديد في اليوم الأول من تموز (يوليو), في سابقة كونية وإحصائية, لا مثيل لها في سجلات الصين, ولا في سجلات روما القديمة, ولا في سجلات يوم القيامة. . .    

ولا تعلم مؤسسة غينيس أن الشعب العراقي ينفرد عن بقية شعوب الأرض بعدد أيام العطل الرسمية, التي ليس لها نظير في بقية أقطار العالم, أما العطل في المناسبات الدينية فتكاد تكون مفتوحة للجميع وعلى طول أيام السنة, ما تسبب في توقف جميع التعاملات المالية في الأسواق العراقية, بضمنها البنك المركزي, وتسبب في تعثر الأنشطة التعليمية في المدارس والمعاهد والجامعات. خذ على سبيل المثال عطلة عيد الأضحى, فهي عندنا تستمر لأسبوع أو أكثر, وفي أجندتنا الدينية الشاملة أكثر من مئة مناسبة لكل الأديان والفرق والطوائف. . 

وبحسب قانون العطل الرسمية, الذي أقرته الحكومة, فإننا في العراق نتمتع سنوياً بأكثر من (150) يوم من العطل الرسمية والدينية والأسبوعية. . ولا تعلم مؤسسة غينيس إننا في العراق نستهلك في بيوتنا كميات هائلة من المشتقات النفطية لتغطية احتياجاتنا المنزلية من البنزين, والكيروسين, وزيت الغاز. . ولا تعلم غينيس إننا نمتلك من أجهزة توليد الطاقة الكهربائية (المولدات المنزلية) ما لا تمتلكه الشعوب الأخرى, ونستورد منها في شهر واحد ما لا تستورده قارة أفريقيا على مدار السنة. . ولا تعلم غينيس أن مجموع ما تمتلكه الأسر العراقية من الجلكانات (العبوات البلاستيكية), يفوق ما تمتلكه الأقطار العربية كلها, فالجلكانات الموجودة في بيوتنا من كل الأصناف والأحجام والألوان, عندنا جلكانات لتخزين البنزين, وأخرى لحفظ المياه العذبة, أو لتخزين الكيروسين, أو لتأمين حاجتنا من المشتقات النفطية الأخرى, فغينيس لا تعلم حتى الآن إننا مازلنا نعيش في العصر الجلكاني. .

وإذا كانت غينيس قد دونت مسيرة الملح إلى داندي كأطول مسيرة قطعها الشعب الهندي عام 1930 بقيادة المهاتما غاندي احتجاجا على ضريبة الملح, التي فرضتها بريطانيا, فإنها لا تعلم بالأرقام القياسية التي سجلتها الجموع المليونية الزاحفة نحو كربلاء سيرا على الأقدام لمئات الكيلومترات, في مسيرة البحث عن الخلاص والانعتاق. . 

ولا تعلم غينيس أن بغداد والمدن العراقية الأخرى شهدت من التفجيرات بالأحزمة الناسفة, والسيارات المفخخة, والعبوات الموقوتة ما لم تشهده عواصم الدنيا كلها, وتعرضت لأبشع العمليات الإرهابية, التي استعملت فيها آلاف الأطنان من المواد التخريبية المدمرة. .

 ولا تعلم غينيس أن قوائم الأحزاب والكيانات السياسية العراقية, التي شاركت بانتخابات مجالس المحافظات, أو التي شاركت بانتخابات مجلس النواب تتفوق رقميا على كل الأحزاب الأوربية والآسيوية. .ولا تعلم غينيس أن أطول عملية في التاريخ هي العملية السياسية, التي تفجرت في العراق عام 2003, ولم تعرف الهدوء منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا. وربما تعقدت كثيرا, تحت تأثيرات النفاق السياسي, وتدهورت في ظل الفوضى الديمقراطية الخلاقة, التي أرهقت الشعب العراقي, وكبدته خسائر جسيمة وتضحيات مؤلمة. . وعلى الرغم من كل المآسي والأحزان والويلات والنكبات, التي صبتها الأقدار فوق رأس الشعب العراقي, وحرمته من نعمة الأمن والاستقرار, فقدت مؤسسة غينيس حياديتها, واتفقت مع معهد (جي. أف. كي) على وضع الشعب الألماني في مقدمة الشعوب القلقة, وسجلته في طليعة الأمم غير المستقرة, رغم أن ألمانيا تعد الأغنى في قارة أوربا, واقتصادها هو الأكثر تماسكا وصلابة. .

فإذا كانت غينيس ترى أن الألمان مصابون بتعدد الهواجس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, وأنهم أكثر الشعوب قلقا على مستقبل بلادهم, ألا تدعونا الأرقام التي مر ذكرها إلى الحزن والقلق على مستقبل العراق, خصوصا بعد أن كسرنا الأرقام القياسية كلها, وتجاوزنا الخطوط الحمراء, حتى لم يعد وراءنا وراء بالمقارنة مع أقطار السماوات والأرض. 

والله يستر من الجايات..

المنطقة بين الرسائل والبدائل سياسة حافة الهاوية

لم يعد خافيا ان منطقتنا تقع على شفير حافة الهاوية، ولم يعد جديدا ان نقول ان هذا القدر هو سر متاصل باعماق تاريخ المنطقة الذي يحكي مايلي :-

1- ظهور البدايات 

2- ولادة التحولات 

3- استقبال المتغيرات 

4- احتدام المراهنات 

5- استبقاء المداولات 

6- استنفار الغارات 

7- تجميع المخططات 

8- اكثار المحادثات 

9- صناعة المؤامرات 

10- هواية المظاهرات 

هذه وغيرها كانت التباشير الاولى لتأسيس المنازعات ، وعلى ذلك جرى تسجيل التاريخ الحاضن للصالح والطالح. 

واليوم تتسارع عجلة الاحداث في منطقتنا، والعراق منها كالقطب من الرحى ولكن بغير ما قاله علي بن أبي طالب وما عبر عنه ، فالقطب ليس المكان الجغرافي وان كان ذلك منه، والقطب ليس اللحظة والمقطع الزماني وان كان ذلك منه، ولكن القطب هو المعنى التالي :-

1- هو العقل

2- وهو الروح

3- وهو النفس

وهذه جميعا ليست مادية وهي بالتالي لاتنحو منحى جغرافيا ولا منحى زمانيا، ولكنها تنحو منحى :-

1- الفعل

2- والحركة

3- والحيوية

4- والنشاط

5- والتصعيد

6- والنمو

7- والتواصل

8- والظهور

 والرسائل والبدائل هي التعبير الأكثر حضورا في ميدان سياسة حافة الهاوية، والحاضر الابرز والاشهر في تلك الرسائل هو العقل ومنطقه، والعلم وصوابه، والحلم وعشيرته ومثلما يقترب العالم من سياسة حافة الهاوية في كل من :-

1- أزمة النووي الإيراني 

2- توترات القضية السورية 

3- أزمة المقاطعة الاقتصادية لإيران 

4- أزمة مضيق هرمز 

كذلك فإن العراق يقترب من سياسة حافة الهاويه عبر كل من :-

1- الملفات القضائية بين القضاء الفدرالي والقضاء الاقليمي 

2- الدعوات لإنشاء الاقاليم بين المركز والأطراف 

3- الدستور والتفسيرات الارتجالية 

4- النفط وعقد التراخيص 

5- السجون وملفات المعتقلين 

6- اتفاقات الكتل المستجدة خارج النصوص الدستورية 

7- الموازنة العامة وتوزيع الثروة 

8- الامن والاستراتيجية الامنية 

9- الارهاب والمسألة الطائفية 

10- دول الجوار ومشاريع المحاور الجديدة 

11- المؤتمر الوطني بين الآمال والالام 

12- التشرذم داخل الكتل 

وهذه المحاور وغيرها تشكل الرسائل والجفرات وتختصر الطريق إلى مفهوم البدائل التي لاتزال في رحم الغيب، والبدائل نتيجة غير متيسر قرأتها الان ولكنها احتمال عقلي لايمكن الغاؤه، وبقاء البديل متصورا لايطول به المقام ولكن تحوله الى مصداق من سنخ التجربة العراقية المفعمة بالسخونة والخشونة والتوتر، وتجربة تحوي كل مفردات الغليان هي المفتاح المؤكد لكل التحولات من حالة الى اخرى ولكن ليس على طريقة تحول الماء الى بخار وتحول البخار الى ماء كما هو في دورة الطبيعة لكن المهم في التحول هنا هو معياري وصفي وليس كميا، وفي المعياري والوصفي لابد لنا من مقاييس جديدة للالفاظ والكلمات والجمل والنصوص التي قد تحل طارئة هجينة في حضيرة التوصيف فينقلب المرتجى الى اضداد تتصارع وتصنع الصديد المقروح في الجلد المجروح كما هو العراق الذي كثرت جراحاته، وقل اطباؤه، وندر نطاسيوه، ومن يستدعى لتسكين الالام لايعرف معنى الألم ، مثلما لايعرف فسلجة الاعضاء ولايعرف كيمياء الدواء، ومن يستدعى للاشتغال في سياسة حافة الهاوية هو جزء من المشكلة وليس حلا لها وذلك للأسباب التالية :-

1- في ظاهرة انتخابية كيف تعطى صدارة الادوار لمن لم ينتخب 

2- وفي مناخ قانوني كيف يسمح لتصدر من هو مدان قانونيا بالتزوير 

3- وفي مسرح دستوري كيف يسمح لاتفاقات خارج اطار الدستور 

4- وفي حالة فدرالية كيف تتردد مصطلحات غير فدرالية 

5- وفي ظاهرة تعددية كيف يصار الى مصادرة تكريس دكتاتورية الحزب والفرد 

هذه هي معضلة خطورة حافة الهاوية التي افتقدت الى :-

1- حكمة السياسة

2- وعلم التاريخ 

3- وفقه القانون

4- ومعرفة الاقتصاد

5- واستيعاب الاجتماع

وعندما لاتتوفر هذه الابعاد تصبح الرسائل بلا معنى وتتحول البدائل الى تكرار للخطأ. 

الصندوق والمتقاعدون !

انه في مقتبل الرجولة ، لم يكمل عامه الأربعين بعد ، حين تعرض الى عبوة قذرة التهمت ساقه ، وأحالته الى التقاعد ، وهو لما يزل قادرا على العطاء، ذلك هو السيد صلاح محمد ، الذي لم ييأس ولم يستسلم للعكاز ، فقد افتتح في بيته دورة لتعليم الكومبيوتر ، لقيت اقبالا كبيرا من شباب المحلة ، كانت بالنسبة له عزاء جميلا ، ومورد رزق ، وتواصلا مع الحياة .وهذا الرجل شخصية متوقدة الذكاء والحيوية ، فقد كان من أوائل الذين تعاملوا مع الحاسوب والانترنت ، واتقنوا اسرار المواقع وعوالم هذا الجهاز المذهل حتى بلغ من تعلقه بالكومبيوتر ، انه يصرف من وقته إحدى عشرة ساعة يوميا ، وهو يتنقل شرقا وغربا ، يتابع اخبار العالم ، ويطلع على الصحف ، بحيث بات مرجعيتنا الثقافية التي نلجأ اليها في الصغيرة والكبيرة ، فهو زيادة على المعلومات التي يحصل عليها ، يتمتع بقدرة استثنائية على الحفظ والاستذكار .من طريف ما يحضرني هنا ، ان ممثل الحكومة عقد اجتماعا قبل أربعة أسابيع ، دعا إليه عددا كبيرا من المتقاعدين بعد ان ارتفعت اصواتهم الاحتجاجية عاليا ، وهي تطالب بتحسين رواتبهم المخجلة ، التي وعدت الحكومة بتحسينها اكثر من مرة ، ولكنها لم تف بوعدها ، فعلى مدى سنتين تقريبا ، كانت تزعم ان الزيادة في طريقها اذا ما حافظت صادرات العراق النفطية على معدلاتها ، واذا ما حافظ النفط على اسعاره العالمية ، ولم يحبط ، ومع ان الصادرات والاسعار لم تتراجع ، الا ان اية زيادة لم تطرأ على الرواتب ، وهو الامر الذي اخرج المتقاعدين عن صمتهم ، وهددوا باللجوء الى الدستور الذي يقال انه تعهد بضمان الحياة الحرة الكريمة للمواطنين جميعا ، الا انهم يفتقرون الى مثل هذه الحياة ، ومعلوم للقاصي والداني ، ان الحكومة لا تهاب احدا ولا تخشى من احد ، سوى الدستور ، لذلك دعا ممثلها الى اجتماع عاجل مع المتقاعدين لاقناعهم بالعدول عن فكرة اللجوء الى الدستور ، وتحدث معهم حديثا جميلا ، وتعاطف مع مطالبهم المشروعة واكد لهم ان الدولة كانت على ابواب تشريع قانون موحد لهم  من شانه ان يرفع مدخولهم الشهري الى مستوى يحسده عليهم متقاعدو العالم ، ويضمن كرامتهم الانسانية عبر ضمان كرامتهم المعيشية ، لولا موقف ( صندوق النقد الدولي ) الذي وصفه بالمؤامرة الدولية ضد المتقاعدين ، ثم اسهب في كلامه وابدى مزيدا من التعاطف مع معاناتهم المريرة التي تصعب على الكافر ، على حد تعبيره ، حتى انه بكى حزنا وابكى الحاضرين معه ، وختم حديثه قائلا ( كونوا مطمئنين … وانا اعدكم ان الحكومة لن تنساكم … انتظروا وتحلوا بالصبر وسيأتي الفرج انشاء الله ولو تأخر بضع سنوات أخرى ) ، ثم فتح باب الاسئلة والاستفسارات ، ولم يسأل احد من المدعوين اي سؤال ، فقد كانوا منشغلين بالبكاء ، ما عدا السيد صلاح محمد ، لم تنزل له دمعة ، وطلب الاذن بالكلام قائلا ( استاذ … انا لا اشك بنواياك ولا بنوايا الحكومة الطيبة ، ولكن معي صحيفة المستقبل العراقي التي تحمل الرقم 168 والصادرة بتاريخ 15/12 / 2011 ، تقول غير ما تقوله ) ، وعرض الصحيفة امام الجميع ، ثم واصل كلامه ( لقد اوردت الجريدة تصريحا للسيد باقر جبر الزبيدي جاء فيه ، لا علاقة لصندوق النقد الدولي برفض زيادة رواتب المتقاعدين ، وان الاتفاقية الساندة بينه وبين العراق ، تنص على تعاون الطرفين ، وليس فرض شروط من طرف على طرف فماذا يقول سيادتكم ؟! تنحنح الممثل ، وكرع قدحا من الماء ، ورد عليه : كنت أتمنى مناقشة موضوع الصندوق تفصيليا،  ولكنني اعتذر لارتباطي بموعد رسمي ، ونهض مسرعا ، وغادر القاعة على عجل ، قبل ان ينتهي اغلب المتقاعدين من كفكفة دموعهم السخية !!. 

“لو إطﮓ روحك ما أسجنك” لماذا ماضينا أفضل من حاضرنا ؟؟

في عام 1988, وفي اليوم الأول الذي وصل فيه المدير الجديد للموانئ العراقية الأستاذ (عبد الرزاق عبد الوهاب علي) ليباشر مهام عمله في البصرة خلفا للأستاذ (فالح محمود الموسى) وقف على إطلال الأرصفة التي خنقتها الحرب الطويلة, وشلت حركتها بالكامل, ليقرأ كلمته الافتتاحية, التي كان فيها في قمة الحكمة والوضوح, عندما قال: (أتمنى أن يوفقنا الله جميعا فنرتقي بالموانئ العراقية إلى المستوى الذي كانت عليه في الخمسينيات أو الستينات). .وكان الرجل على حق, ففي تلك الحقبة ازدهرت موانئنا وتألقت حتى تربعت فوق ناصية المجد, وتفوقت على الموانئ الأوربية والأمريكية بشهادة المنظمات والهيئات الدولية. 

وهكذا نحن دائما, نشعر أننا كلما رجعنا إلى الوراء, وعدنا إلى الماضي وتفاصيله, وشاهدنا ما آلت إليه أحوالنا في حاضرنا المؤلم, قلنا: أن ماضينا كان أجمل وأفضل من حاضرنا. 

فالأمس عندنا أفضل من اليوم, واليوم أفضل من الغد في هذه المتوالية الزمنية المتكررة, وشاءت الأقدار أن نتقوقع في حاضرنا عند التقاء عقارب التردي في النقطة المنخفضة من ذراع البندول المتأرجح في قعر دائرة التعاسة, في الوقت الذي يكون فيه ماضينا هو الأسمى والأجمل والأهدأ والأروع, وما زلنا حتى يومنا هذا, بل في يومنا هذا (على وجه التحديد), نردد حكايات الزمن الماضي, كلما اجتمعنا سوية تحت سقف واحد, لأننا لا نملك من حاضرنا ما يبعث فينا البهجة والسعادة والفرح, ويعيد لنا الطمأنينة والاستقرار. 

من هذه الحكايات الجميلة المعادة, اخترت لكم هذه الطرائف الظريفة من حياة رئيس الوزراء الأسبق (نوري السعيد), الرجل الذي كان أجدادنا يبغضونه, ويشتمونه في الرايحة والجاية, وتبين لنا الآن أنهم كانوا جميعا على خطأ بالمقارنة مع ما آلت إليه الأمور في المرحلة الراهنة. 

كان الباشا نوري السعيد يذهب إلى مكتبه مبكرا, ليكون أول من يدخل المبنى, وكان في طريقه إلى المكتب رجل يبيع الكباب المشوي على الرصيف, وكلما مرّت سيارة الباشا, (سيارة واحدة فقط),  يعترضها الكبابجي ويصرخ بأعلى صوته شاتما نوري السعيد بألفاظ قاسية, حتى تكررت الاعتراضات وتصاعدت نبرة الشتائم, فتمادى الكبابجي بالإساءة, ما اضطر الباشا إلى التوقف ذات يوم أمام عربة الكبابجي, والترجل من سيارته, وتوجه بالسؤال إلى الكبابجي: لماذا تعترض طريقي, وتشتمني كل صباح, ما الذي فعلته لك ؟؟, فأجابه الكبابجي باللهجة البغدادية الدارجة: ((باشا آني ما عندي شي وياك, بس آني يوميتي (أجري اليومي) قليلة 250 فلسا, وصاحب عائلة كبيرة, وما أقدر أوفر منها المال لزواجي, وعرفت أن الحكومة تصرف بالسجن (400) فلس يوميا لكل مسجون, من غير الأكل والشرب والمنام, فـﮝلت (قلت) أتهجم عليك وأسبك, لعله تدخلني السجن, كسجين سياسي, واستفيد من المصرف اليومي, واجمع لي كم فلسا, فضحك الباشا, وأعطاه خمسة دنانير من جيبه الخاص, وأخبره أنه لا يستطيع إرساله إلى السجن, فودعه بروح رياضية وانصرف إلى مقر عمله. وفي اليوم التالي مرّ الباشا على الكبابجي, فناداه من خلف نافذة السيارة مداعباً: ((لو إطﮓ روحك ما أوديك للسجن)).

حكاية أخرى عن نوري السعيد, تقول: أن الباشا دأب على الاستماع لبرامج الإذاعة العراقية ونشرتها الإخبارية في الصباح الباكر, قبل تناوله الإفطار (الريوق), وكانت قراءة الأخبار محصورة بين الدروبي وموحان بن الشيخ طاغي الطائي. وفي يوم من الأيام كان موحان هو الذي يقرأ النشرة الصباحية, ثم بثت الإذاعة أغنية (جبل التوباد حياك الحيا) في نهاية النشرة, وهي من قصائد أحمد شوقي المغناة بصوت الموسيقار محمد عبد الوهاب, وما أن سمع الباشا المقطع الأول من الأغنية, حتى تملكه الغضب, واتصل هاتفيا بالإذاعة, وطلب مديرها (محسن محمد علي), الذي لم يكن موجودا وقتذاك, فتحدث مع موظف في الإذاعة, وسأله: (منو هذا اللي كان يذيع النشرة ؟؟), فقالوا له: انه موحان ابن الشيخ طاغي, قال: ((جيبوه أكلمه, قولوا له رئيس الوزراء يريدك)), فأسرع موحان إلى التلفون, وكان مضطربا قلقا, ولم يكن بعد قد تناول حتى استكان شاي يبل به ريقه, فالتقط السماعة, وأجاب: ((نعم سيدي)), فجاءه صوت الباشا هادرا من الطرف الآخر: ((ولكم وين راح ذوقكم, الناس بعدهم على ريقهم, وانتو تدقوا لهم جبل التوباد, أتريدون تبكّوهم من الصباحيات, يعني ما عندكم أغنية بيها خير من الصبح, أغنية بيها شويه فرحة, بهجة, ابتسامة, حتى تسمعونهم هاذي الأغنية ؟؟)). 

ثم هدأ فجأة, وتغير صوته, وقال: ((أبني موحان خلونا نسمع شي يفرحنا, مثل اعنية: على شواطي دجلة مر, أو خدك القيمر, أو خدري الجاي خدري, شوفولكم بستات توّنس الناس وتفرحهم ؟؟)), عندئذ اعتذر موحان بأدب جم. فبادره رئيس الوزراء بنبرة الأب الحنون: ((أبني موحان أنت تريقت لو بعدك ؟؟)), فأجابه: ((لا والله باشا)), فقال له الباشا: ((طيب تعال, وجيب وياك صاحبك الدروبي, تعالوا تريقوا ويايه, شيعجبكم تأكلون ؟؟)). 

وصل الاثنان (موحان والدروبي) إلى بيت الباشا, الذي كان خلف الإذاعة تماما, وما أن جلسا حتى حضر طبق البيض المقلي, وجبن الضفائر, وقيمر السدة, والكاهي, والعسل, وكانت وليمة فطور لا تنسى, جمعتهم في دار الباشا, فخرجا من البيت فرحين مسرورين, وعادا إلى عملهما في يوم مشرق من تلك الأيام البغدادية الجميلة, وقد تعلما كيف يرسما الابتسامة على وجوه المستمعين. 

كانت النفوس في الماضي طاهرة نقية, لا تعرف الحقد, ولا الكراهية. ورحم الله شاعرنا الجميل محمود درويش عندما قال: ((لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا, ولكن الشقاء الكامل أن يكون حاضرُنا أفضل من غدنا. فيا لهاويتنا كم هي واسعة ؟؟)), وبات من المسلم به أن ذكريات ماضينا أفضل من حاضرنا, وسوف تكون ذكريات حاضرنا أفضل من مستقبلنا. 

والله يستر من الجايات.

المنطقة بين الرسائل والبدائل سياسة حافة الهاوية

لم يعد خافيا ان منطقتنا تقع على شفير حافة الهاوية، ولم يعد جديدا ان نقول ان هذا القدر هو سر متاصل باعماق تاريخ المنطقة الذي يحكي مايلي :-

1- ظهور البدايات 

2- ولادة التحولات 

3- استقبال المتغيرات 

4- احتدام المراهنات 

5- استبقاء المداولات 

6- استنفار الغارات 

7- تجميع المخططات 

8- اكثار المحادثات 

9- صناعة المؤامرات 

10- هواية المظاهرات 

هذه وغيرها كانت التباشير الاولى لتأسيس المنازعات ، وعلى ذلك جرى تسجيل التاريخ الحاضن للصالح والطالح. 

واليوم تتسارع عجلة الاحداث في منطقتنا، والعراق منها كالقطب من الرحى ولكن بغير ما قاله علي بن أبي طالب وما عبر عنه ، فالقطب ليس المكان الجغرافي وان كان ذلك منه، والقطب ليس اللحظة والمقطع الزماني وان كان ذلك منه، ولكن القطب هو المعنى التالي :-

1- هو العقل

2- وهو الروح

3- وهو النفس

وهذه جميعا ليست مادية وهي بالتالي لاتنحو منحى جغرافيا ولا منحى زمانيا، ولكنها تنحو منحى :-

1- الفعل

2- والحركة

3- والحيوية

4- والنشاط

5- والتصعيد

6- والنمو

7- والتواصل

8- والظهور

 والرسائل والبدائل هي التعبير الأكثر حضورا في ميدان سياسة حافة الهاوية، والحاضر الابرز والاشهر في تلك الرسائل هو العقل ومنطقه، والعلم وصوابه، والحلم وعشيرته ومثلما يقترب العالم من سياسة حافة الهاوية في كل من :-

1- أزمة النووي الإيراني 

2- توترات القضية السورية 

3- أزمة المقاطعة الاقتصادية لإيران 

4- أزمة مضيق هرمز 

كذلك فإن العراق يقترب من سياسة حافة الهاويه عبر كل من :-

1- الملفات القضائية بين القضاء الفدرالي والقضاء الاقليمي 

2- الدعوات لإنشاء الاقاليم بين المركز والأطراف 

3- الدستور والتفسيرات الارتجالية 

4- النفط وعقد التراخيص 

5- السجون وملفات المعتقلين 

6- اتفاقات الكتل المستجدة خارج النصوص الدستورية 

7- الموازنة العامة وتوزيع الثروة 

8- الامن والاستراتيجية الامنية 

9- الارهاب والمسألة الطائفية 

10- دول الجوار ومشاريع المحاور الجديدة 

11- المؤتمر الوطني بين الآمال والالام 

12- التشرذم داخل الكتل 

وهذه المحاور وغيرها تشكل الرسائل والجفرات وتختصر الطريق إلى مفهوم البدائل التي لاتزال في رحم الغيب، والبدائل نتيجة غير متيسر قرأتها الان ولكنها احتمال عقلي لايمكن الغاؤه، وبقاء البديل متصورا لايطول به المقام ولكن تحوله الى مصداق من سنخ التجربة العراقية المفعمة بالسخونة والخشونة والتوتر، وتجربة تحوي كل مفردات الغليان هي المفتاح المؤكد لكل التحولات من حالة الى اخرى ولكن ليس على طريقة تحول الماء الى بخار وتحول البخار الى ماء كما هو في دورة الطبيعة لكن المهم في التحول هنا هو معياري وصفي وليس كميا، وفي المعياري والوصفي لابد لنا من مقاييس جديدة للالفاظ والكلمات والجمل والنصوص التي قد تحل طارئة هجينة في حضيرة التوصيف فينقلب المرتجى الى اضداد تتصارع وتصنع الصديد المقروح في الجلد المجروح كما هو العراق الذي كثرت جراحاته، وقل اطباؤه، وندر نطاسيوه، ومن يستدعى لتسكين الالام لايعرف معنى الألم ، مثلما لايعرف فسلجة الاعضاء ولايعرف كيمياء الدواء، ومن يستدعى للاشتغال في سياسة حافة الهاوية هو جزء من المشكلة وليس حلا لها وذلك للأسباب التالية :-

1- في ظاهرة انتخابية كيف تعطى صدارة الادوار لمن لم ينتخب 

2- وفي مناخ قانوني كيف يسمح لتصدر من هو مدان قانونيا بالتزوير 

3- وفي مسرح دستوري كيف يسمح لاتفاقات خارج اطار الدستور 

4- وفي حالة فدرالية كيف تتردد مصطلحات غير فدرالية 

5- وفي ظاهرة تعددية كيف يصار الى مصادرة تكريس دكتاتورية الحزب والفرد 

هذه هي معضلة خطورة حافة الهاوية التي افتقدت الى :-

1- حكمة السياسة

2- وعلم التاريخ 

3- وفقه القانون

4- ومعرفة الاقتصاد

5- واستيعاب الاجتماع

وعندما لاتتوفر هذه الابعاد تصبح الرسائل بلا معنى وتتحول البدائل الى تكرار للخطأ. 

الصندوق والمتقاعدون !

انه في مقتبل الرجولة ، لم يكمل عامه الأربعين بعد ، حين تعرض الى عبوة قذرة التهمت ساقه ، وأحالته الى التقاعد ، وهو لما يزل قادرا على العطاء، ذلك هو السيد صلاح محمد ، الذي لم ييأس ولم يستسلم للعكاز ، فقد افتتح في بيته دورة لتعليم الكومبيوتر ، لقيت اقبالا كبيرا من شباب المحلة ، كانت بالنسبة له عزاء جميلا ، ومورد رزق ، وتواصلا مع الحياة .وهذا الرجل شخصية متوقدة الذكاء والحيوية ، فقد كان من أوائل الذين تعاملوا مع الحاسوب والانترنت ، واتقنوا اسرار المواقع وعوالم هذا الجهاز المذهل حتى بلغ من تعلقه بالكومبيوتر ، انه يصرف من وقته إحدى عشرة ساعة يوميا ، وهو يتنقل شرقا وغربا ، يتابع اخبار العالم ، ويطلع على الصحف ، بحيث بات مرجعيتنا الثقافية التي نلجأ اليها في الصغيرة والكبيرة ، فهو زيادة على المعلومات التي يحصل عليها ، يتمتع بقدرة استثنائية على الحفظ والاستذكار .من طريف ما يحضرني هنا ، ان ممثل الحكومة عقد اجتماعا قبل أربعة أسابيع ، دعا إليه عددا كبيرا من المتقاعدين بعد ان ارتفعت اصواتهم الاحتجاجية عاليا ، وهي تطالب بتحسين رواتبهم المخجلة ، التي وعدت الحكومة بتحسينها اكثر من مرة ، ولكنها لم تف بوعدها ، فعلى مدى سنتين تقريبا ، كانت تزعم ان الزيادة في طريقها اذا ما حافظت صادرات العراق النفطية على معدلاتها ، واذا ما حافظ النفط على اسعاره العالمية ، ولم يحبط ، ومع ان الصادرات والاسعار لم تتراجع ، الا ان اية زيادة لم تطرأ على الرواتب ، وهو الامر الذي اخرج المتقاعدين عن صمتهم ، وهددوا باللجوء الى الدستور الذي يقال انه تعهد بضمان الحياة الحرة الكريمة للمواطنين جميعا ، الا انهم يفتقرون الى مثل هذه الحياة ، ومعلوم للقاصي والداني ، ان الحكومة لا تهاب احدا ولا تخشى من احد ، سوى الدستور ، لذلك دعا ممثلها الى اجتماع عاجل مع المتقاعدين لاقناعهم بالعدول عن فكرة اللجوء الى الدستور ، وتحدث معهم حديثا جميلا ، وتعاطف مع مطالبهم المشروعة واكد لهم ان الدولة كانت على ابواب تشريع قانون موحد لهم  من شانه ان يرفع مدخولهم الشهري الى مستوى يحسده عليهم متقاعدو العالم ، ويضمن كرامتهم الانسانية عبر ضمان كرامتهم المعيشية ، لولا موقف ( صندوق النقد الدولي ) الذي وصفه بالمؤامرة الدولية ضد المتقاعدين ، ثم اسهب في كلامه وابدى مزيدا من التعاطف مع معاناتهم المريرة التي تصعب على الكافر ، على حد تعبيره ، حتى انه بكى حزنا وابكى الحاضرين معه ، وختم حديثه قائلا ( كونوا مطمئنين … وانا اعدكم ان الحكومة لن تنساكم … انتظروا وتحلوا بالصبر وسيأتي الفرج انشاء الله ولو تأخر بضع سنوات أخرى ) ، ثم فتح باب الاسئلة والاستفسارات ، ولم يسأل احد من المدعوين اي سؤال ، فقد كانوا منشغلين بالبكاء ، ما عدا السيد صلاح محمد ، لم تنزل له دمعة ، وطلب الاذن بالكلام قائلا ( استاذ … انا لا اشك بنواياك ولا بنوايا الحكومة الطيبة ، ولكن معي صحيفة المستقبل العراقي التي تحمل الرقم 168 والصادرة بتاريخ 15/12 / 2011 ، تقول غير ما تقوله ) ، وعرض الصحيفة امام الجميع ، ثم واصل كلامه ( لقد اوردت الجريدة تصريحا للسيد باقر جبر الزبيدي جاء فيه ، لا علاقة لصندوق النقد الدولي برفض زيادة رواتب المتقاعدين ، وان الاتفاقية الساندة بينه وبين العراق ، تنص على تعاون الطرفين ، وليس فرض شروط من طرف على طرف فماذا يقول سيادتكم ؟! تنحنح الممثل ، وكرع قدحا من الماء ، ورد عليه : كنت أتمنى مناقشة موضوع الصندوق تفصيليا،  ولكنني اعتذر لارتباطي بموعد رسمي ، ونهض مسرعا ، وغادر القاعة على عجل ، قبل ان ينتهي اغلب المتقاعدين من كفكفة دموعهم السخية !!. 

“لو إطﮓ روحك ما أسجنك” لماذا ماضينا أفضل من حاضرنا ؟؟

في عام 1988, وفي اليوم الأول الذي وصل فيه المدير الجديد للموانئ العراقية الأستاذ (عبد الرزاق عبد الوهاب علي) ليباشر مهام عمله في البصرة خلفا للأستاذ (فالح محمود الموسى) وقف على إطلال الأرصفة التي خنقتها الحرب الطويلة, وشلت حركتها بالكامل, ليقرأ كلمته الافتتاحية, التي كان فيها في قمة الحكمة والوضوح, عندما قال: (أتمنى أن يوفقنا الله جميعا فنرتقي بالموانئ العراقية إلى المستوى الذي كانت عليه في الخمسينيات أو الستينات). .وكان الرجل على حق, ففي تلك الحقبة ازدهرت موانئنا وتألقت حتى تربعت فوق ناصية المجد, وتفوقت على الموانئ الأوربية والأمريكية بشهادة المنظمات والهيئات الدولية. 

وهكذا نحن دائما, نشعر أننا كلما رجعنا إلى الوراء, وعدنا إلى الماضي وتفاصيله, وشاهدنا ما آلت إليه أحوالنا في حاضرنا المؤلم, قلنا: أن ماضينا كان أجمل وأفضل من حاضرنا. 

فالأمس عندنا أفضل من اليوم, واليوم أفضل من الغد في هذه المتوالية الزمنية المتكررة, وشاءت الأقدار أن نتقوقع في حاضرنا عند التقاء عقارب التردي في النقطة المنخفضة من ذراع البندول المتأرجح في قعر دائرة التعاسة, في الوقت الذي يكون فيه ماضينا هو الأسمى والأجمل والأهدأ والأروع, وما زلنا حتى يومنا هذا, بل في يومنا هذا (على وجه التحديد), نردد حكايات الزمن الماضي, كلما اجتمعنا سوية تحت سقف واحد, لأننا لا نملك من حاضرنا ما يبعث فينا البهجة والسعادة والفرح, ويعيد لنا الطمأنينة والاستقرار. 

من هذه الحكايات الجميلة المعادة, اخترت لكم هذه الطرائف الظريفة من حياة رئيس الوزراء الأسبق (نوري السعيد), الرجل الذي كان أجدادنا يبغضونه, ويشتمونه في الرايحة والجاية, وتبين لنا الآن أنهم كانوا جميعا على خطأ بالمقارنة مع ما آلت إليه الأمور في المرحلة الراهنة. 

كان الباشا نوري السعيد يذهب إلى مكتبه مبكرا, ليكون أول من يدخل المبنى, وكان في طريقه إلى المكتب رجل يبيع الكباب المشوي على الرصيف, وكلما مرّت سيارة الباشا, (سيارة واحدة فقط),  يعترضها الكبابجي ويصرخ بأعلى صوته شاتما نوري السعيد بألفاظ قاسية, حتى تكررت الاعتراضات وتصاعدت نبرة الشتائم, فتمادى الكبابجي بالإساءة, ما اضطر الباشا إلى التوقف ذات يوم أمام عربة الكبابجي, والترجل من سيارته, وتوجه بالسؤال إلى الكبابجي: لماذا تعترض طريقي, وتشتمني كل صباح, ما الذي فعلته لك ؟؟, فأجابه الكبابجي باللهجة البغدادية الدارجة: ((باشا آني ما عندي شي وياك, بس آني يوميتي (أجري اليومي) قليلة 250 فلسا, وصاحب عائلة كبيرة, وما أقدر أوفر منها المال لزواجي, وعرفت أن الحكومة تصرف بالسجن (400) فلس يوميا لكل مسجون, من غير الأكل والشرب والمنام, فـﮝلت (قلت) أتهجم عليك وأسبك, لعله تدخلني السجن, كسجين سياسي, واستفيد من المصرف اليومي, واجمع لي كم فلسا, فضحك الباشا, وأعطاه خمسة دنانير من جيبه الخاص, وأخبره أنه لا يستطيع إرساله إلى السجن, فودعه بروح رياضية وانصرف إلى مقر عمله. وفي اليوم التالي مرّ الباشا على الكبابجي, فناداه من خلف نافذة السيارة مداعباً: ((لو إطﮓ روحك ما أوديك للسجن)).

حكاية أخرى عن نوري السعيد, تقول: أن الباشا دأب على الاستماع لبرامج الإذاعة العراقية ونشرتها الإخبارية في الصباح الباكر, قبل تناوله الإفطار (الريوق), وكانت قراءة الأخبار محصورة بين الدروبي وموحان بن الشيخ طاغي الطائي. وفي يوم من الأيام كان موحان هو الذي يقرأ النشرة الصباحية, ثم بثت الإذاعة أغنية (جبل التوباد حياك الحيا) في نهاية النشرة, وهي من قصائد أحمد شوقي المغناة بصوت الموسيقار محمد عبد الوهاب, وما أن سمع الباشا المقطع الأول من الأغنية, حتى تملكه الغضب, واتصل هاتفيا بالإذاعة, وطلب مديرها (محسن محمد علي), الذي لم يكن موجودا وقتذاك, فتحدث مع موظف في الإذاعة, وسأله: (منو هذا اللي كان يذيع النشرة ؟؟), فقالوا له: انه موحان ابن الشيخ طاغي, قال: ((جيبوه أكلمه, قولوا له رئيس الوزراء يريدك)), فأسرع موحان إلى التلفون, وكان مضطربا قلقا, ولم يكن بعد قد تناول حتى استكان شاي يبل به ريقه, فالتقط السماعة, وأجاب: ((نعم سيدي)), فجاءه صوت الباشا هادرا من الطرف الآخر: ((ولكم وين راح ذوقكم, الناس بعدهم على ريقهم, وانتو تدقوا لهم جبل التوباد, أتريدون تبكّوهم من الصباحيات, يعني ما عندكم أغنية بيها خير من الصبح, أغنية بيها شويه فرحة, بهجة, ابتسامة, حتى تسمعونهم هاذي الأغنية ؟؟)). 

ثم هدأ فجأة, وتغير صوته, وقال: ((أبني موحان خلونا نسمع شي يفرحنا, مثل اعنية: على شواطي دجلة مر, أو خدك القيمر, أو خدري الجاي خدري, شوفولكم بستات توّنس الناس وتفرحهم ؟؟)), عندئذ اعتذر موحان بأدب جم. فبادره رئيس الوزراء بنبرة الأب الحنون: ((أبني موحان أنت تريقت لو بعدك ؟؟)), فأجابه: ((لا والله باشا)), فقال له الباشا: ((طيب تعال, وجيب وياك صاحبك الدروبي, تعالوا تريقوا ويايه, شيعجبكم تأكلون ؟؟)). 

وصل الاثنان (موحان والدروبي) إلى بيت الباشا, الذي كان خلف الإذاعة تماما, وما أن جلسا حتى حضر طبق البيض المقلي, وجبن الضفائر, وقيمر السدة, والكاهي, والعسل, وكانت وليمة فطور لا تنسى, جمعتهم في دار الباشا, فخرجا من البيت فرحين مسرورين, وعادا إلى عملهما في يوم مشرق من تلك الأيام البغدادية الجميلة, وقد تعلما كيف يرسما الابتسامة على وجوه المستمعين. 

كانت النفوس في الماضي طاهرة نقية, لا تعرف الحقد, ولا الكراهية. ورحم الله شاعرنا الجميل محمود درويش عندما قال: ((لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا, ولكن الشقاء الكامل أن يكون حاضرُنا أفضل من غدنا. فيا لهاويتنا كم هي واسعة ؟؟)), وبات من المسلم به أن ذكريات ماضينا أفضل من حاضرنا, وسوف تكون ذكريات حاضرنا أفضل من مستقبلنا. 

والله يستر من الجايات.

متى نرى المغزى؟؟؟

جاء بأن أمريكا قد سجلت أكبر حملة إعلامية وأكثرها كلفة على العراق ،تمهيداً لغزوه وإحتلاله …وجعلت الأمريكي والأوربي، والمواطن في هضبة التبت يخشى ماقد يأتيه من صوب العراق ..ويترآى له شبح عراقي يثب إليه في منعطفات الطرق، ومن جدران غرفته ومن تحت وسادته  ..وان العالم اذا لم يسرع في تدارك الأمر ففنائه وشيك بأسلحة الدمار الشامل العراقية، وبأنياب ومخالب الجنود العراقيين الذين قتلوا والتهموا أطفالهم بالذات  …وخاف وارتعب سكان العالم من غزو أمريكا للعراق ..فقد يضطر العراقيين لإبادة البشرية مع القوة الغازية  ..فكانت النتيجة ان رابع جيوش العالم انتهى عاريا حتى من سكينة مطبخ  ..واختفت طائراته ودباباته بقدرة قادر ..وملعون وارهابي من يسأل عنها ..وتبخرت مصانعه ومعامله وتحولت ارضه من السواد الى البياض (الملحي ) ..والاهم .. تفجير العائلة الواحدة وتهديم البيت الواحد وتأسيس طائفي للمجتمع ..وتزويده بما يكفل خصومات ونزاعات واختلافات مستمرة .

وها هوالجيش الأمريكي وقد انسحب ..ويفترض بالعراقيين ان يعيشوا اجمل أعيادهم وتذوق افضل طعم للوطنية ولمشاعر العائلة الكبيرة ..وكل عطايا الفرح ،الذي يتسم بالتسامح ويدفع لعناق كل الحياة، ونسيان ان فيها وحوش واشرار وغرائز موت ..الا ان جهود وكفاح ومكابدات النبيهين الغيورين تتوجه لفض نزاعات جديدة، وخصومات متصاعدة، واختلافات لا بشأن ابتكار صيغ للترفيه عن العراقي، ولا بالتباري في تقديم التجربة السياسية التي تطمح ان يقلدها ساسة العالم المتطور …بل بما لا يسمى وما يلحق بالأديان والطوائف ما يشوهها وينفر منها…

والفرضية الأكثر جدية دراسة كل ما جرى وما انتهى اليه الامر ودراسة العراقي للواقعة التي حرقت العراق ونهبته من الحد الى الحد ..والأكيد ،لابد من استبعاد الهرطقة الغبية التي تقول ان أمريكا ضحية خدعة ،وانها استدرجت (وتقشمرت )…او انها جاءت مضحية للعراقيين وتكبدت الترليونات، وهي التي تحسب للدولار حسابه ..وقدمت شبابها وهي التى يقلقها انزعاج وتقطيبة مواطن واحد …او ..انها قلقة من أسلحة دمار عراقية وهي التي ترصد الذبابة على الحدود وتعرف عدد عيدان الثقاب الداخلة للعراق …

ابسط المطلوب من ابسط شعب ان يجهد نفسه وينقب ويتحرى ويشاور ،ويستعين بالعقول ويتوصل الى ابعاد غزو واحتلال البلد وغاياته وعواقبه  ..لا اداء مظهر قدر الضغط وقد رفع عنه الغطاء فتصاعدت ابخرته ..وليس لنا غير ان نفترض مؤقتا والى حين يكون للسياسي إرادة ورغبة لتأمل الزلزال  ،نفترض ان أمريكا قد غزت واحتلت العراق لقناعتها ان شعبا لا يقدر نعمته ولا يدري الخير الذي هو  فيه لا يستحقه ..وان مجتمعا لا يريد دخول العصر لا يستحق العصر ..والأجدر ان ينضج بنيرانه ..كما ان يصل الحقيقة بالتجربة المرة  والدامية ..فبعض العقول لا يدخلها الضوءالا مع وميض الرصاص …..

متى نرى المغزى؟؟؟

جاء بأن أمريكا قد سجلت أكبر حملة إعلامية وأكثرها كلفة على العراق ،تمهيداً لغزوه وإحتلاله …وجعلت الأمريكي والأوربي، والمواطن في هضبة التبت يخشى ماقد يأتيه من صوب العراق ..ويترآى له شبح عراقي يثب إليه في منعطفات الطرق، ومن جدران غرفته ومن تحت وسادته  ..وان العالم اذا لم يسرع في تدارك الأمر ففنائه وشيك بأسلحة الدمار الشامل العراقية، وبأنياب ومخالب الجنود العراقيين الذين قتلوا والتهموا أطفالهم بالذات  …وخاف وارتعب سكان العالم من غزو أمريكا للعراق ..فقد يضطر العراقيين لإبادة البشرية مع القوة الغازية  ..فكانت النتيجة ان رابع جيوش العالم انتهى عاريا حتى من سكينة مطبخ  ..واختفت طائراته ودباباته بقدرة قادر ..وملعون وارهابي من يسأل عنها ..وتبخرت مصانعه ومعامله وتحولت ارضه من السواد الى البياض (الملحي ) ..والاهم .. تفجير العائلة الواحدة وتهديم البيت الواحد وتأسيس طائفي للمجتمع ..وتزويده بما يكفل خصومات ونزاعات واختلافات مستمرة .

وها هوالجيش الأمريكي وقد انسحب ..ويفترض بالعراقيين ان يعيشوا اجمل أعيادهم وتذوق افضل طعم للوطنية ولمشاعر العائلة الكبيرة ..وكل عطايا الفرح ،الذي يتسم بالتسامح ويدفع لعناق كل الحياة، ونسيان ان فيها وحوش واشرار وغرائز موت ..الا ان جهود وكفاح ومكابدات النبيهين الغيورين تتوجه لفض نزاعات جديدة، وخصومات متصاعدة، واختلافات لا بشأن ابتكار صيغ للترفيه عن العراقي، ولا بالتباري في تقديم التجربة السياسية التي تطمح ان يقلدها ساسة العالم المتطور …بل بما لا يسمى وما يلحق بالأديان والطوائف ما يشوهها وينفر منها…

والفرضية الأكثر جدية دراسة كل ما جرى وما انتهى اليه الامر ودراسة العراقي للواقعة التي حرقت العراق ونهبته من الحد الى الحد ..والأكيد ،لابد من استبعاد الهرطقة الغبية التي تقول ان أمريكا ضحية خدعة ،وانها استدرجت (وتقشمرت )…او انها جاءت مضحية للعراقيين وتكبدت الترليونات، وهي التي تحسب للدولار حسابه ..وقدمت شبابها وهي التى يقلقها انزعاج وتقطيبة مواطن واحد …او ..انها قلقة من أسلحة دمار عراقية وهي التي ترصد الذبابة على الحدود وتعرف عدد عيدان الثقاب الداخلة للعراق …

ابسط المطلوب من ابسط شعب ان يجهد نفسه وينقب ويتحرى ويشاور ،ويستعين بالعقول ويتوصل الى ابعاد غزو واحتلال البلد وغاياته وعواقبه  ..لا اداء مظهر قدر الضغط وقد رفع عنه الغطاء فتصاعدت ابخرته ..وليس لنا غير ان نفترض مؤقتا والى حين يكون للسياسي إرادة ورغبة لتأمل الزلزال  ،نفترض ان أمريكا قد غزت واحتلت العراق لقناعتها ان شعبا لا يقدر نعمته ولا يدري الخير الذي هو  فيه لا يستحقه ..وان مجتمعا لا يريد دخول العصر لا يستحق العصر ..والأجدر ان ينضج بنيرانه ..كما ان يصل الحقيقة بالتجربة المرة  والدامية ..فبعض العقول لا يدخلها الضوءالا مع وميض الرصاص …..