الفضائيات والسياسة

طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، اتخذت العلاقة بين السياسيين ووسائل الإعلام صيغة واضحة، فهي ذات طابع أحادي، يفتقر الى تنويع الخطاب، وتعدد الرأي ذلك لان السياسيين يمثلون يومها وجهة نظر السلطة ومواقفها وبالتالي فان الفرق بين (س) و( ص) يكمن في المفردات اللغوية والقدرة على التعبير أما المضمون فواحد. 

كان من الطبيعي بعدة سقوط النظام الشمولي، وما تبعه من ازدهار غير مسبوق لأجواء الحرية، ان يتنوع الخطابان السياسي والإعلامي على حد سواء، تنوعا يشيب له الرأس ولكن العلاقة بين السياسي والإعلامي أفرزت في هذه  المرحلة ظاهرة من طراز جديد، رأينا نماذجها في ثلاثة أنواع رئيسة: الاول هو ما يصح تسميته بالسياسيين المدمنين وقد قدمت الفضائيات صورة معبرة لهم، فثمة وجوه محددة تتوزع على هذه الكتلة او تلك وقد تكون مستقلة لا تكتفي بالظهور اليومي عبر تصريح أو لقاء أو ندوة، بل غالبا ما نطالعها حيثما انتقلنا من فضائية الى أخرى، وهي لا تجد ضيرا ولا حياء في التوزع على ثلاث فضائيات او يزيد أحيانا في كل ليلة، وهؤلاء المدمنون هم المادة الأسهل والجاهزة أمام اية فضائية يصعب عليها الحصول على وجوده جديدة ولذلك فان ما يجري هو استغلال فضائي مكشوف لم ينته إليه السياسي او لأنه يتوافق مع حالة الإدمان المرضية التي يعانيها، أو ظنا منه ان من يكون متعهدا لوسائل الإعلام وتحت الطلب يحظى بالشهرة الجماهيرية وقد يضمن له الفوز في أية انتخابات مستقبلية ولو كان يدري ان الناس لا تطيق تكرار الوجه حتى لو كان وجه نانسي عجرم ولو تذكر ان واحدا من أسباب الحقد على صدام حسين هو إدمانه التلفزيوني لتريث في سلوكه واعتذر عن الظهور إلا حين تقتضي الضرورة.. وعلة هذا النوع انه لا يكرر نفسه في كل مقابلة أو ندوة فقط.. وإنما كذلك في كونه يتحدث في أي اختصاص، فهو رجل نفط وطاقة وصناعة واقتصاد وتجارة وتربية وزراعة وثقافة وقانون وسياسة ودواجن وسوبرمان عصره وزمانه ومع ذلك فلا خوف من هذه الفئة لأنها تضر نفسها أكثر مما تضر الآخرين: 

النوع الثاني : سياسيون متوازنون يمر الأسبوع على الأسبوع ولا يظهر الواحد منهم على اية فضائية، واذا ظهر لا يجتهد ولا يفتي ولا يتحدث بما لا علم له به، وعادة ماتذهلك واقعيته الجميلة وهو يعتذر (آسف… ليست عندي معلومات وافية ولا أرقام دقيقة حول هذا الموضوع ولكن تصوراتي العاملة هي كذا وكذا، وميزة هذه الشرعية انها موضوعية ومن الممكن جدا ان تخالف قناعة كتلتها او قائمتها وتقف مع الرأي الآخر اذا وجدت فيه الصواب، ولاشك ان هذا النمط –على قلته – هو الذي لا يبهره بريق المنصب ولا يلهث وراءه وهو الذي نحرص على متابعته الى آخر دقيقة من وقت البرنامج! 

النوع الثالث: سياسيون يتولون (مهمات خاصة) وتحتضنهم فضائيات خاصة وهؤلاء أشبه بالخلايا النائمة يختفون دهرا ويظهرون فجأة ليمارسوا دورا قد لا يكون موكلا اليهم وقد يتبرعون به ووظيفتهم صب الزيت على النار، ومع انهم وليس غيرهم وراء فتنة السنة والشيعة على سبيل المثال ومع ان الشعب والعقلاء وعلماء الدين وأدوا هذه الفتنة في مهدها إلا ان الحذر الشديد مطلوب من هؤلاء السياسيين وهذه الفضائيات لأنهم جاهزون وراء متاريسهم بانتظار زلة لسان من هذا الطرف أو ذاك، والسكوت عليهم باسم الحرية هو سكوت على الجريمة ولايساورني الشك لحظة ان أمرهم ميؤوس منه ولا تجدي معهم دعوة مخلص ولا صلاة مشتركة!!  

الفضائيات والسياسة

طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، اتخذت العلاقة بين السياسيين ووسائل الإعلام صيغة واضحة، فهي ذات طابع أحادي، يفتقر الى تنويع الخطاب، وتعدد الرأي ذلك لان السياسيين يمثلون يومها وجهة نظر السلطة ومواقفها وبالتالي فان الفرق بين (س) و( ص) يكمن في المفردات اللغوية والقدرة على التعبير أما المضمون فواحد. 

كان من الطبيعي بعدة سقوط النظام الشمولي، وما تبعه من ازدهار غير مسبوق لأجواء الحرية، ان يتنوع الخطابان السياسي والإعلامي على حد سواء، تنوعا يشيب له الرأس ولكن العلاقة بين السياسي والإعلامي أفرزت في هذه  المرحلة ظاهرة من طراز جديد، رأينا نماذجها في ثلاثة أنواع رئيسة: الاول هو ما يصح تسميته بالسياسيين المدمنين وقد قدمت الفضائيات صورة معبرة لهم، فثمة وجوه محددة تتوزع على هذه الكتلة او تلك وقد تكون مستقلة لا تكتفي بالظهور اليومي عبر تصريح أو لقاء أو ندوة، بل غالبا ما نطالعها حيثما انتقلنا من فضائية الى أخرى، وهي لا تجد ضيرا ولا حياء في التوزع على ثلاث فضائيات او يزيد أحيانا في كل ليلة، وهؤلاء المدمنون هم المادة الأسهل والجاهزة أمام اية فضائية يصعب عليها الحصول على وجوده جديدة ولذلك فان ما يجري هو استغلال فضائي مكشوف لم ينته إليه السياسي او لأنه يتوافق مع حالة الإدمان المرضية التي يعانيها، أو ظنا منه ان من يكون متعهدا لوسائل الإعلام وتحت الطلب يحظى بالشهرة الجماهيرية وقد يضمن له الفوز في أية انتخابات مستقبلية ولو كان يدري ان الناس لا تطيق تكرار الوجه حتى لو كان وجه نانسي عجرم ولو تذكر ان واحدا من أسباب الحقد على صدام حسين هو إدمانه التلفزيوني لتريث في سلوكه واعتذر عن الظهور إلا حين تقتضي الضرورة.. وعلة هذا النوع انه لا يكرر نفسه في كل مقابلة أو ندوة فقط.. وإنما كذلك في كونه يتحدث في أي اختصاص، فهو رجل نفط وطاقة وصناعة واقتصاد وتجارة وتربية وزراعة وثقافة وقانون وسياسة ودواجن وسوبرمان عصره وزمانه ومع ذلك فلا خوف من هذه الفئة لأنها تضر نفسها أكثر مما تضر الآخرين: 

النوع الثاني : سياسيون متوازنون يمر الأسبوع على الأسبوع ولا يظهر الواحد منهم على اية فضائية، واذا ظهر لا يجتهد ولا يفتي ولا يتحدث بما لا علم له به، وعادة ماتذهلك واقعيته الجميلة وهو يعتذر (آسف… ليست عندي معلومات وافية ولا أرقام دقيقة حول هذا الموضوع ولكن تصوراتي العاملة هي كذا وكذا، وميزة هذه الشرعية انها موضوعية ومن الممكن جدا ان تخالف قناعة كتلتها او قائمتها وتقف مع الرأي الآخر اذا وجدت فيه الصواب، ولاشك ان هذا النمط –على قلته – هو الذي لا يبهره بريق المنصب ولا يلهث وراءه وهو الذي نحرص على متابعته الى آخر دقيقة من وقت البرنامج! 

النوع الثالث: سياسيون يتولون (مهمات خاصة) وتحتضنهم فضائيات خاصة وهؤلاء أشبه بالخلايا النائمة يختفون دهرا ويظهرون فجأة ليمارسوا دورا قد لا يكون موكلا اليهم وقد يتبرعون به ووظيفتهم صب الزيت على النار، ومع انهم وليس غيرهم وراء فتنة السنة والشيعة على سبيل المثال ومع ان الشعب والعقلاء وعلماء الدين وأدوا هذه الفتنة في مهدها إلا ان الحذر الشديد مطلوب من هؤلاء السياسيين وهذه الفضائيات لأنهم جاهزون وراء متاريسهم بانتظار زلة لسان من هذا الطرف أو ذاك، والسكوت عليهم باسم الحرية هو سكوت على الجريمة ولايساورني الشك لحظة ان أمرهم ميؤوس منه ولا تجدي معهم دعوة مخلص ولا صلاة مشتركة!!  

وزير الحرب الأعور

   ليس من باب الشماتة، بل من باب التذكير، نسعى إلى ان نقف ونتمعن عند مفصل -فاصل من مفاصل ماضينا القريب يتعلق بظروف وملابسات الصراع العربي – الاسرائيلي بعد نكسة حزيران عام 1967 التي وصمت ووصفت العرب بشتى صنوف التقريع والتقزيم جراء تلك الهزيمة النكراء التي منيت بها الجيوش العربية أمام جيش هذه الدولة اللقيطة-المدللة التي (فاطت بنا) وحققت بجهود ولوجستيات (ماما أمريكا) ونصائح دهاء (العمة بريطانيا) انتصاراتها في أتون حرب محيرة وغريبة لم نزل ندفع الى الآن -بسببها- ضرائب وفروقات أثمان خسارات نفسية وسياسية ودولية، بشقيها المعنوي والمادي.

   والآن – وقد أختلف الحال بخصوص دواعي ذلك النزال الأزلي والتأريخي ما بيننا وبين اليهود من آل صهيون ليتحول الصراع بزعم جملة دوافع وتداعيات دولية ومصالح أممية أخذ بالقضية – برمتها – الى أحضان (الحبايب) في المنظمة الدولية للأمم المتحدة الى تنازلات  وبنود اتفاقيات ومعاهدات تسوية وسلام (سرية وعلنية) تسير وتهتدي بضوء ونور ما تم رسمه بين الطرفين من خلال خرائط الطريق المتعددة وتناور بها (إسرائيل) بغية نحو غاياتها المعروفة،، وبإلحاح تلوح يوجب إيجاد حل نهائي يغلق ملفات القضية -ولو لحين- دون حرب مباشرة بين أطراف ذلك النزاع الذي كلف الأمة العربية والشعب الفلسطيني الكثير من الخسائر وخلف جيوشا من الضحايا يعرفها القريب والبعيد من دوائر ومربعات ومثلثات تلك القضية الشائكة. 

   إن دواعي استذكاري -هنا ،، بغية اطفاء نار الشماتة الوارد ذكره بداية المقال – هو أن يعرف الجيل الحالي ان وزير الدفاع الإسرائيلي أو وزير الحرب كما يسمى في الملاك الوزاري لتلك الدولة اللقيطة في تلك الحقبة التأريخية يا جماعة الخير… كان (كريم العين)،، أي أعور!! وكان يقوم بوضع قطعة صغيرة من القماش على عينه (الكريمة) في محاولة منه لسد ذلك العيب الذي اشتهرت به شخصية (موشي دايان) – وهذا هو اسمه المعروف والمتداول- وتميزت بذلك الشكل الغريب والمريب،، حتى ضحى (موشي) علامة فارقة يصعب نسيانها في سجلات تفاصيل ومحاصيل صراعنا الدامي مع الصهيونية العالمية منذ اغتصابها العلني لفلسطين (عروس عروبتنا) كما أسماها شاعرنا الكبير مظفر النواب في إحدى أهم قصائده الثورية النادبة بحق ما لحقنا من نكسات وهزائم أمام جيش كان وزير حربه ,, أعور – ولا اعتراض على خلق الله جل شأنه- لكن التذكير أقتضى – هنا- لكي أسألكم،، بالله عليكم لو كان لدينا ضابط مثل المدعو (موشي دايان) بالموصفات المذكورة هل سنسلمه حقيبة وزارة الدفاع أو الحرب؟ أم نعفيه من الخدمة على اعتبار انه غير صالح للخدمة العسكرية،، وانه غير مسلح (اي سلاح – سزز) بلغة دوائر التجنيد -عندنا- وعند أبناء عمومتنا وجلدتنا في الدول العربية حول من يصلح ومن لا يصلح لخدمة العلم (اي الخدمة العسكرية) بشروطها الجسمانية والذهنية، التي تجاوزها عدونا الاسرائيلي اللدود عندما أختار الأعور (موشي)- بالمناسبة هذه الكلمة العبرية معناها بالعربية (موسى) – وزيرا للحرب في ذلك الظرف الصعب ضد أمة العرب التي قال عنها اللعين (موشي دايان) في مذكراته الخبيثة بعد نكسة حزيران: (لقد غلبنا أمة لا تقرأ) نكاية بنا نحن العرب،،لأننا لا نعرف ولا نحلل كيف يفكر أعداؤنا،، للأســى ويا للعجـب .!! 

السياسة الناعمة والسياسة الخشنة.. أردوغان مثالا

منذ العام 2002 حيث مجيئ حزب العدالة والتنمية التركي الى الحكم اتبع اوردغان سياسة اقتصادية استهوت الرأسمال العربي الذي يبحث عن فرص الربح نتيجة الوفرة النفطية التي لم تجد من يستثمرها لصالح المنطقة وانسانها, وظلت ظاهرة القشرة المالية تنحو منحى ترفيا خاليا من البعد التنموي الاستراتيجي, فكانت سباقات الهجن مثالا على السطحية التراثية مثلما كانت مهرجانات السينما على الطريقة الهوليودية في امارات الخليج هي تعبير عن ازدواجية التخطيط الذي يلبس قفازات غيره .

ان تنفس الاقتصاد التركي عبر العراق وسورية وبقية الدول العربية مع فتح الفرص للعمالة التركية في المنطقة العربية كل ذلك يندرج تحت اطار ” السياسة الناعمة ” ولكن هذه السياسة لم تدم طويلا اذ سرعان ما بدت عليها الاعراض المرضية مثل :-

1-  استمرار العنف ضد اكراد تركيا 

2-  تكرار الهجمات غير المبررة وغير المجدية على شمال العراق 

3-  احتضان بعض العناصر المتطرفة من سنة العراق 

4-  التنسيق الخفي مع سلفية الاحزاب العربية 

5-  الانقلاب المفاجئ على صداقة النظام السوري 

6-  امتثال قبول الادوار بوحي من الادارة الامريكية واللوبي الاوربي الداعم لإسرائيل 

7-  عدم جدية وعودهم باطلاق نسب كافية من مياه دجلة والفرات حسب معاهدات المشاطئة الدولية للانهار 

8-  احالة مجموعة من كبار قادة الجيش التركي بتهمة مؤامرة انقلابية الى الاعتقال. 

وتلت هذه الاعراض المرضية في السياسة التركية مسلسل الانتكاسات مثل :-

1- فشل مخطط سفينة الحرية تجاه اسرائيل التي ردت بقتل تسعة من الاتراك دون وجود رد فعل دولي يتناسب وبشاعة الاعتداء .

2- عدم تأثر التمثيل الدبلوماسي بين تركيا واسرائيل بعد حادث سفينة الحرية وعدم تأثر التبادل التجاري اذهب بمصداقية الدور التركي الذي اراد الدخول للمنطقة العربية والاسلامية بوجه المتحدي لاسرائيل. 

3- ظهور الدور التركي متلبسا بالادوار المشبوهة من خلال مخيم الفتنة على الحدود التركية السورية الذي تم اغتصاب “400” امراة سورية فيه مما سبب حرجا كبيرا للقيادة التركية لم تعرف كيف تواجهه. 

4- استعمال خطاب مجافي للاعراف الدبلوماسية تجاه القيادة السورية مما سبب انتكاسة حقيقية لمفهوم السياسة الناعمة. 

5- فشل الخطاب الاوردغاني في مصر الذي كان سببا لفشل زيارة اوردغان لمصر. 

6- دعوة فرنسا تركيا للاعتراف بالمذبحة الارمنية وتقديم الاعتذار, وهي خطوة لم تكن القيادة التركية تتوقعها نتيجة قيامها بدور يخدم المصالح الاوربية في المنطقة. 

7- ظهور التحالف العلني بين الاخوان المسلمين في سورية الذين يتقدمون اعمال التحريض والقتل وكل اعمال العنف في سورية بدعم خليجي سعودي وبقبول امريكي ورضا اسرائيلي وبين القيادة التركية بزعامة اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو. 

8- نصب الدرع الصاروخي الامريكي الاوربي في تركيا على الحدود الايرانية اخرج القيادة التركية الاوردغانية من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة. 

9- تبني اوردغان ووزير خارجيته للدعم العلني للجناح المتطرف في ليبيا والسماح له من خلال علي بلحاج الوهابي بنقل مسلحي القاعدة الليبية عبر تركيا الى الاراضي السورية هو علامة الانتقال والتحول النهائي من مفهوم السياسة الناعمة الى مفهوم العنف وما يترتب على ذلك من مصطلحات الحرب التي تتجمع فيها كل مظاهر العنف. 

10- فشل محاولاتهم لايجاد منطقة منزوعة السلاح حتى تكون ممرا امنا لعناصر الارهاب وما يسمى بالجيش السوري الحر بين تركيا وسورية أو بين لبنان وسورية عبر وادي خالد جعلهم يتجرعون انتكاسة لوجستية في محاولاتهم الرامية الى اسقاط النظام السوري. 

11- فشلهم في اقناع جماعات واحزاب الرأي التركية في صحة مايقومون به تجاه سورية من زعزعة لاستقرارها انعكس سلبا في الحياة الاقتصادية التركية مما جعل غالبية التجار واصحاب الحرف التركية يعلنون رفضهم لما يقوم به اوردغان ووزير خارجيته , والمنظمات التركية التي زارت سورية والتقى بعضها برئيس النظام السوري بشار الاسد كانت تعرب عن رفضها لسياسة اوردغان. 

12- قيام وزير خارجية تركيا اخيرا بزيارة طهران التي جاءت متأخرة بلغة الحدث هو اقرار بالفشل واعتراف ضمني بانتكاسة سياسة اوردغان تجاه سورية والعراق والمنطقة, وطلب احمد داود اوغلو من طهران القيام بنصيحة سورية هو اعتراف بنجاح الدور الايراني وعدم نجاح الدور التركي المنافس للدور الايراني في المنطقة. 

13- فشل علني لسياسة اوردغان في العراق من خلال البحث عن المعابر والمنافذ الطائفية لمخاطبة المسؤولين العراقيين, ومن خلال عدم قدرتهم على توظيف الدور الامريكي في اقليم كردستان العراق لصالحهم , فبعد الانسحاب الامريكي من العراق ظلت مشاكلهم عالقة على حالها مع حزب العمال الكردي التركي الذي يقع في مثلت تنفتح فيه كل الاحتمالات المستقبلية, مما يجعل الحرب الناعمة مستحيلة على الجانب التركي بينما يظهر العنف صانعا وناسجا لعلاقات اوردغان مع محيطه بما يجعله ينطبق عليه المثل :” على نفسها جنت براقش “. 

14- من هنا وبعد كل هذه الملامح والمظاهر لايمكن وصف الحالة الاوردغانية التركية الا باستغراقها في وحول ومستنقعات الهموم السياسية التي نقلتها سياسة اوردغان من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة وما يترتب عليها من متاعب كانت تركيا في غنى عنها يوم كان الاقتصاد التركي في بحبوحة والسياحة التركية تجتذب الكثيرين بعيدا عن العنف والطائفية والعنصرية, اما وقد دخلت سياسة اوردغان في شراك الخشونة التي لاتستبعد كل مفردات العنف كما حدث في سورية الخاصرة المؤلمة لتركيا اقتصاديا واجتماعيا, فان العراق وسورية هما البوابة الحقيقية لإطلالة تركيا على العالم العربي, ومن يعمل في السياسة بدهاء وذكاء عليه ان يعرف ما معنى هذه البوابة التي دونها مياه دجلة والفرات , فالباب يمكن ان يغلق نهائيا ولكن النهر الدولي لايمكن ان يغلق نهائيا. 

القلم في لحية القاضي

فلت العيار، واكتملت الفوضى (الخلاقة) واعتاد الشاذ شذوذه، وتراخت المحاذير مع طول الوقت والممارسة، وصار سلوكا مألوفا وعاديا.. وفاض جوهر الديمقراطية غير مكتملة الشروط، وتجلى في إجراءات ومعالجات إدارية في العنوان المرئي لها.. أي الإعلام… وبرهنت الطائفية أن طريقها يضيق باستمرار، ويصل إلى ان يضيق بطائفتها، وينتهي آخر المطاف ألا يتسع لغير جسد الطائفي.. وقد لا ينفد من إلا جانبيا وحشرا، وما عاد من فسحة واسعة في الإعلام لغير القلم الطائفي… وكان على العراقي ان يتوقع كل غريب وصادم .. وان يتهيأ لكل واقعة طائفية.. ومع ذلك تفاجأنا في الصباح اختفاء قلم عراقي غزير وعميق وأفلح في إيصال رؤيته وتعاطفاته الوجدانية الى ابسط العقول والإفهام.. وكان منسجما مع أفكاره وخياراته، والاهم، مع ضميره المهني والثقافي.. ومع عراقيته.. وربما مع حرصه على طائفته ونغمتها في موسيقى الحياة.. وهذا ما لا يفهمه الطائفي بمعناه الضيق والمغلق والذي لا يرى مصادر الثراء في الآخرين لطائفته التي اراد لها العزلة والانغلاق والجواب الواحد في عالم تتدافع اجوبته بعدد البشرية.

وتأكد القول مرة أخرى، بان قلم المبدع قد علق بلحية القاضي، التي صارت مكنسة.. مع طمأنينة كاملة من المساءلة واللوم.. ومن الضراوة بالتظاهر باحترام الأقلام والأفكار ورجال الثقافة والإعلام..  احترام شكلي كاذب …الأميون لا يعنيهم المثقف لأنهم لا يعرفونه ولا يرونه إلا كعنصر زائد.

القلم الذي يخلص لرسالته ولضميره ولوطنه،,لا يطلع له الطائفي ولا تمد له الأيدي المنتفعة من التجارة الجديدة  لتسانده او تنقذه..  وقال احدهم انه انحاز ووقف مع نفسه وامتيازاته ومع رغد عائلته ..فالمبادئ والمواقف لا تأتي له بما أتت به مناغاة اللحن السائد ..والانضمام الى جوقة منشدين وطبالين وحاملي مباخر،ولكن بصيغة اكثر خفاء ودهاء وفاعلية.

يعرف الاعلاميون ومن سنوات الاحتلال انهم محسودون على هذا (النعيم) من الفرص في حشد الصحف والفضائيات ووسائل الاعلام.. وهو حسد بلا معنى لان فاقة الكاتب والصحفي والاعلامي قد تضاعفت ما دام الكثير من الممولين، أما جهلة لا يبغون من وراء مشاريعهم الإعلامية سوى الربح او الحصول على ثروة من طرف اجنبي ..كما قد يكون الممول طائفيا، والطائفي بالضرورة معتل الثقافة وقصير النظر  ..ولهذا استحق الكتاب والاعلاميون قراءة سورة الفاتحة لولا قلاع رصينة تحترم الثقافة،والرأي العام..  والا لاتسع ميدان هذه النخبة التي تعيد للاذهان صورة المجتمعات البائسة المذعورة التي تبيع اسرة نومها في الصباح لا لتقتات بثمنه فقط،,بل لانها غير واثقة من وصولها للمساء وتنام على سرير.

وزير الحرب الأعور

   ليس من باب الشماتة، بل من باب التذكير، نسعى إلى ان نقف ونتمعن عند مفصل -فاصل من مفاصل ماضينا القريب يتعلق بظروف وملابسات الصراع العربي – الاسرائيلي بعد نكسة حزيران عام 1967 التي وصمت ووصفت العرب بشتى صنوف التقريع والتقزيم جراء تلك الهزيمة النكراء التي منيت بها الجيوش العربية أمام جيش هذه الدولة اللقيطة-المدللة التي (فاطت بنا) وحققت بجهود ولوجستيات (ماما أمريكا) ونصائح دهاء (العمة بريطانيا) انتصاراتها في أتون حرب محيرة وغريبة لم نزل ندفع الى الآن -بسببها- ضرائب وفروقات أثمان خسارات نفسية وسياسية ودولية، بشقيها المعنوي والمادي.

   والآن – وقد أختلف الحال بخصوص دواعي ذلك النزال الأزلي والتأريخي ما بيننا وبين اليهود من آل صهيون ليتحول الصراع بزعم جملة دوافع وتداعيات دولية ومصالح أممية أخذ بالقضية – برمتها – الى أحضان (الحبايب) في المنظمة الدولية للأمم المتحدة الى تنازلات  وبنود اتفاقيات ومعاهدات تسوية وسلام (سرية وعلنية) تسير وتهتدي بضوء ونور ما تم رسمه بين الطرفين من خلال خرائط الطريق المتعددة وتناور بها (إسرائيل) بغية نحو غاياتها المعروفة،، وبإلحاح تلوح يوجب إيجاد حل نهائي يغلق ملفات القضية -ولو لحين- دون حرب مباشرة بين أطراف ذلك النزاع الذي كلف الأمة العربية والشعب الفلسطيني الكثير من الخسائر وخلف جيوشا من الضحايا يعرفها القريب والبعيد من دوائر ومربعات ومثلثات تلك القضية الشائكة. 

   إن دواعي استذكاري -هنا ،، بغية اطفاء نار الشماتة الوارد ذكره بداية المقال – هو أن يعرف الجيل الحالي ان وزير الدفاع الإسرائيلي أو وزير الحرب كما يسمى في الملاك الوزاري لتلك الدولة اللقيطة في تلك الحقبة التأريخية يا جماعة الخير… كان (كريم العين)،، أي أعور!! وكان يقوم بوضع قطعة صغيرة من القماش على عينه (الكريمة) في محاولة منه لسد ذلك العيب الذي اشتهرت به شخصية (موشي دايان) – وهذا هو اسمه المعروف والمتداول- وتميزت بذلك الشكل الغريب والمريب،، حتى ضحى (موشي) علامة فارقة يصعب نسيانها في سجلات تفاصيل ومحاصيل صراعنا الدامي مع الصهيونية العالمية منذ اغتصابها العلني لفلسطين (عروس عروبتنا) كما أسماها شاعرنا الكبير مظفر النواب في إحدى أهم قصائده الثورية النادبة بحق ما لحقنا من نكسات وهزائم أمام جيش كان وزير حربه ,, أعور – ولا اعتراض على خلق الله جل شأنه- لكن التذكير أقتضى – هنا- لكي أسألكم،، بالله عليكم لو كان لدينا ضابط مثل المدعو (موشي دايان) بالموصفات المذكورة هل سنسلمه حقيبة وزارة الدفاع أو الحرب؟ أم نعفيه من الخدمة على اعتبار انه غير صالح للخدمة العسكرية،، وانه غير مسلح (اي سلاح – سزز) بلغة دوائر التجنيد -عندنا- وعند أبناء عمومتنا وجلدتنا في الدول العربية حول من يصلح ومن لا يصلح لخدمة العلم (اي الخدمة العسكرية) بشروطها الجسمانية والذهنية، التي تجاوزها عدونا الاسرائيلي اللدود عندما أختار الأعور (موشي)- بالمناسبة هذه الكلمة العبرية معناها بالعربية (موسى) – وزيرا للحرب في ذلك الظرف الصعب ضد أمة العرب التي قال عنها اللعين (موشي دايان) في مذكراته الخبيثة بعد نكسة حزيران: (لقد غلبنا أمة لا تقرأ) نكاية بنا نحن العرب،،لأننا لا نعرف ولا نحلل كيف يفكر أعداؤنا،، للأســى ويا للعجـب .!! 

السياسة الناعمة والسياسة الخشنة.. أردوغان مثالا

منذ العام 2002 حيث مجيئ حزب العدالة والتنمية التركي الى الحكم اتبع اوردغان سياسة اقتصادية استهوت الرأسمال العربي الذي يبحث عن فرص الربح نتيجة الوفرة النفطية التي لم تجد من يستثمرها لصالح المنطقة وانسانها, وظلت ظاهرة القشرة المالية تنحو منحى ترفيا خاليا من البعد التنموي الاستراتيجي, فكانت سباقات الهجن مثالا على السطحية التراثية مثلما كانت مهرجانات السينما على الطريقة الهوليودية في امارات الخليج هي تعبير عن ازدواجية التخطيط الذي يلبس قفازات غيره .

ان تنفس الاقتصاد التركي عبر العراق وسورية وبقية الدول العربية مع فتح الفرص للعمالة التركية في المنطقة العربية كل ذلك يندرج تحت اطار ” السياسة الناعمة ” ولكن هذه السياسة لم تدم طويلا اذ سرعان ما بدت عليها الاعراض المرضية مثل :-

1-  استمرار العنف ضد اكراد تركيا 

2-  تكرار الهجمات غير المبررة وغير المجدية على شمال العراق 

3-  احتضان بعض العناصر المتطرفة من سنة العراق 

4-  التنسيق الخفي مع سلفية الاحزاب العربية 

5-  الانقلاب المفاجئ على صداقة النظام السوري 

6-  امتثال قبول الادوار بوحي من الادارة الامريكية واللوبي الاوربي الداعم لإسرائيل 

7-  عدم جدية وعودهم باطلاق نسب كافية من مياه دجلة والفرات حسب معاهدات المشاطئة الدولية للانهار 

8-  احالة مجموعة من كبار قادة الجيش التركي بتهمة مؤامرة انقلابية الى الاعتقال. 

وتلت هذه الاعراض المرضية في السياسة التركية مسلسل الانتكاسات مثل :-

1- فشل مخطط سفينة الحرية تجاه اسرائيل التي ردت بقتل تسعة من الاتراك دون وجود رد فعل دولي يتناسب وبشاعة الاعتداء .

2- عدم تأثر التمثيل الدبلوماسي بين تركيا واسرائيل بعد حادث سفينة الحرية وعدم تأثر التبادل التجاري اذهب بمصداقية الدور التركي الذي اراد الدخول للمنطقة العربية والاسلامية بوجه المتحدي لاسرائيل. 

3- ظهور الدور التركي متلبسا بالادوار المشبوهة من خلال مخيم الفتنة على الحدود التركية السورية الذي تم اغتصاب “400” امراة سورية فيه مما سبب حرجا كبيرا للقيادة التركية لم تعرف كيف تواجهه. 

4- استعمال خطاب مجافي للاعراف الدبلوماسية تجاه القيادة السورية مما سبب انتكاسة حقيقية لمفهوم السياسة الناعمة. 

5- فشل الخطاب الاوردغاني في مصر الذي كان سببا لفشل زيارة اوردغان لمصر. 

6- دعوة فرنسا تركيا للاعتراف بالمذبحة الارمنية وتقديم الاعتذار, وهي خطوة لم تكن القيادة التركية تتوقعها نتيجة قيامها بدور يخدم المصالح الاوربية في المنطقة. 

7- ظهور التحالف العلني بين الاخوان المسلمين في سورية الذين يتقدمون اعمال التحريض والقتل وكل اعمال العنف في سورية بدعم خليجي سعودي وبقبول امريكي ورضا اسرائيلي وبين القيادة التركية بزعامة اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو. 

8- نصب الدرع الصاروخي الامريكي الاوربي في تركيا على الحدود الايرانية اخرج القيادة التركية الاوردغانية من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة. 

9- تبني اوردغان ووزير خارجيته للدعم العلني للجناح المتطرف في ليبيا والسماح له من خلال علي بلحاج الوهابي بنقل مسلحي القاعدة الليبية عبر تركيا الى الاراضي السورية هو علامة الانتقال والتحول النهائي من مفهوم السياسة الناعمة الى مفهوم العنف وما يترتب على ذلك من مصطلحات الحرب التي تتجمع فيها كل مظاهر العنف. 

10- فشل محاولاتهم لايجاد منطقة منزوعة السلاح حتى تكون ممرا امنا لعناصر الارهاب وما يسمى بالجيش السوري الحر بين تركيا وسورية أو بين لبنان وسورية عبر وادي خالد جعلهم يتجرعون انتكاسة لوجستية في محاولاتهم الرامية الى اسقاط النظام السوري. 

11- فشلهم في اقناع جماعات واحزاب الرأي التركية في صحة مايقومون به تجاه سورية من زعزعة لاستقرارها انعكس سلبا في الحياة الاقتصادية التركية مما جعل غالبية التجار واصحاب الحرف التركية يعلنون رفضهم لما يقوم به اوردغان ووزير خارجيته , والمنظمات التركية التي زارت سورية والتقى بعضها برئيس النظام السوري بشار الاسد كانت تعرب عن رفضها لسياسة اوردغان. 

12- قيام وزير خارجية تركيا اخيرا بزيارة طهران التي جاءت متأخرة بلغة الحدث هو اقرار بالفشل واعتراف ضمني بانتكاسة سياسة اوردغان تجاه سورية والعراق والمنطقة, وطلب احمد داود اوغلو من طهران القيام بنصيحة سورية هو اعتراف بنجاح الدور الايراني وعدم نجاح الدور التركي المنافس للدور الايراني في المنطقة. 

13- فشل علني لسياسة اوردغان في العراق من خلال البحث عن المعابر والمنافذ الطائفية لمخاطبة المسؤولين العراقيين, ومن خلال عدم قدرتهم على توظيف الدور الامريكي في اقليم كردستان العراق لصالحهم , فبعد الانسحاب الامريكي من العراق ظلت مشاكلهم عالقة على حالها مع حزب العمال الكردي التركي الذي يقع في مثلت تنفتح فيه كل الاحتمالات المستقبلية, مما يجعل الحرب الناعمة مستحيلة على الجانب التركي بينما يظهر العنف صانعا وناسجا لعلاقات اوردغان مع محيطه بما يجعله ينطبق عليه المثل :” على نفسها جنت براقش “. 

14- من هنا وبعد كل هذه الملامح والمظاهر لايمكن وصف الحالة الاوردغانية التركية الا باستغراقها في وحول ومستنقعات الهموم السياسية التي نقلتها سياسة اوردغان من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة وما يترتب عليها من متاعب كانت تركيا في غنى عنها يوم كان الاقتصاد التركي في بحبوحة والسياحة التركية تجتذب الكثيرين بعيدا عن العنف والطائفية والعنصرية, اما وقد دخلت سياسة اوردغان في شراك الخشونة التي لاتستبعد كل مفردات العنف كما حدث في سورية الخاصرة المؤلمة لتركيا اقتصاديا واجتماعيا, فان العراق وسورية هما البوابة الحقيقية لإطلالة تركيا على العالم العربي, ومن يعمل في السياسة بدهاء وذكاء عليه ان يعرف ما معنى هذه البوابة التي دونها مياه دجلة والفرات , فالباب يمكن ان يغلق نهائيا ولكن النهر الدولي لايمكن ان يغلق نهائيا. 

القلم في لحية القاضي

فلت العيار، واكتملت الفوضى (الخلاقة) واعتاد الشاذ شذوذه، وتراخت المحاذير مع طول الوقت والممارسة، وصار سلوكا مألوفا وعاديا.. وفاض جوهر الديمقراطية غير مكتملة الشروط، وتجلى في إجراءات ومعالجات إدارية في العنوان المرئي لها.. أي الإعلام… وبرهنت الطائفية أن طريقها يضيق باستمرار، ويصل إلى ان يضيق بطائفتها، وينتهي آخر المطاف ألا يتسع لغير جسد الطائفي.. وقد لا ينفد من إلا جانبيا وحشرا، وما عاد من فسحة واسعة في الإعلام لغير القلم الطائفي… وكان على العراقي ان يتوقع كل غريب وصادم .. وان يتهيأ لكل واقعة طائفية.. ومع ذلك تفاجأنا في الصباح اختفاء قلم عراقي غزير وعميق وأفلح في إيصال رؤيته وتعاطفاته الوجدانية الى ابسط العقول والإفهام.. وكان منسجما مع أفكاره وخياراته، والاهم، مع ضميره المهني والثقافي.. ومع عراقيته.. وربما مع حرصه على طائفته ونغمتها في موسيقى الحياة.. وهذا ما لا يفهمه الطائفي بمعناه الضيق والمغلق والذي لا يرى مصادر الثراء في الآخرين لطائفته التي اراد لها العزلة والانغلاق والجواب الواحد في عالم تتدافع اجوبته بعدد البشرية.

وتأكد القول مرة أخرى، بان قلم المبدع قد علق بلحية القاضي، التي صارت مكنسة.. مع طمأنينة كاملة من المساءلة واللوم.. ومن الضراوة بالتظاهر باحترام الأقلام والأفكار ورجال الثقافة والإعلام..  احترام شكلي كاذب …الأميون لا يعنيهم المثقف لأنهم لا يعرفونه ولا يرونه إلا كعنصر زائد.

القلم الذي يخلص لرسالته ولضميره ولوطنه،,لا يطلع له الطائفي ولا تمد له الأيدي المنتفعة من التجارة الجديدة  لتسانده او تنقذه..  وقال احدهم انه انحاز ووقف مع نفسه وامتيازاته ومع رغد عائلته ..فالمبادئ والمواقف لا تأتي له بما أتت به مناغاة اللحن السائد ..والانضمام الى جوقة منشدين وطبالين وحاملي مباخر،ولكن بصيغة اكثر خفاء ودهاء وفاعلية.

يعرف الاعلاميون ومن سنوات الاحتلال انهم محسودون على هذا (النعيم) من الفرص في حشد الصحف والفضائيات ووسائل الاعلام.. وهو حسد بلا معنى لان فاقة الكاتب والصحفي والاعلامي قد تضاعفت ما دام الكثير من الممولين، أما جهلة لا يبغون من وراء مشاريعهم الإعلامية سوى الربح او الحصول على ثروة من طرف اجنبي ..كما قد يكون الممول طائفيا، والطائفي بالضرورة معتل الثقافة وقصير النظر  ..ولهذا استحق الكتاب والاعلاميون قراءة سورة الفاتحة لولا قلاع رصينة تحترم الثقافة،والرأي العام..  والا لاتسع ميدان هذه النخبة التي تعيد للاذهان صورة المجتمعات البائسة المذعورة التي تبيع اسرة نومها في الصباح لا لتقتات بثمنه فقط،,بل لانها غير واثقة من وصولها للمساء وتنام على سرير.

الذنب ذنبي!!

لأسباب اعتبارية وأخلاقية واجتماعية، سوف أتجنّب ذكر الشخص الذي أتحدث عنه هنا.. مع انه بالنسبة لي ليس أي شخص آخر فهو صديق تمتد علاقتي معه الى عام 1974، كنا نسكن ضمن منطقة واحدة، ومن النادر ان يمر يوم من دون لقاء في المقهى او المنزل او النادي، وطالما سافرنا معا سفرات ترفيهية الى البصرة وبابل والسليمانية والموصل، ويوم تحولت الى منطقة سكن جديدة، لم تفتر علاقتنا أو تنقطع، كان الرجل يبادلني الاتصال الهاتفي، ولا يتوانى عن زياراتي في مقر عملي حيث يكون، مرة في جريدة العراق ومرة في مجلة (ألف باء) ومرة في الإذاعة، وغالبا ما نتناول الغذاء او العشاء في المطعم او النادي ونذهب لمتابعة فلم سينمائي هنا أو مشاهدة عمل مسرحي هناك.

ولعل أحلى ما في صداقتنا وأغربها هي ميلنا المشترك الى تبادل المقالب، كان “شريرا” وداهية في توريطي بمقالب محرجة ولم أكن اقل شرا ولا دهاء منه وكنا نجد في ذلك متعة نادرة وفرصة لجعل حياتنا اكثر استرخاء وضحكا وسعادة، ومع ذلك فان لهذا الرجل وجها آخر في التصرف معي عندما أمر بظروف صعبة سياسية كانت أم مالية ام عائلية، انه أكرم من أي وصف وأكثر استعدادا لتعريض نفسه الى مخاطر لا تحمد عقباها من اجل حمايتي، وكنت أواجه مواقفه النبيلة بمواقف مماثلة، وهكذا بنينا تاريخا خاصا من الصداقة يدعو الى الاعتزاز والتباهي.

كان الرجل بعيدا كل البعد عن متاعب العمل السياسي والانتماء الحزبي، ولكن المصادفة السيئة وحدها جعلته يدير مشروعا فرعيا صغيرا في إطار مشروع اقتصادي كبير تابع لرئيس اللجنة الأولمبية يومها، عدي صدام حسين، والحق فقد أفاد صديقي من تلك الإدارة فائدة مادية كبيرة، بنى دارا فخمة واقتنى مركبة حديثة وأغدق بسخاء على نفسه وأسرته، غير ان عدي في لحظة غضب، وكما هو متوقع غضب منه لحدوث خطأ لم يكن صديقي طرفا فيه أو مسؤولا عنه، وألزمه بدفع مبلغ مالي ضخم لا يمكن سداده حتى لو باع بيته ومركبته ومصوغات زوجته، وحدد موعدا للدفع أمده أربعة أسابيع فقط، وبخلاف ذلك سيكون السجن مصيره ومصير عائلته! 

في اقل من أسبوعين باع صديقي جميع ممتلكاته ودبر أمر هروبه مع أسرته الى خارج العراق، وهناك التحق بالمعارضة مكرها كما عرفت منه لاحقا، وأصبح جزءا من الحركة السياسية التي لم يقرب يوما بابها، وقد انقطعت أخباره عني تقريبا على مدى سبعة أعوام او ثمانية الى ان سقط النظام وحدث التغيير في نيسان 2003 حيث عاد مجددا الى العراق واتصل في لحظة وصوله الى بغداد.. كانت حفنة دموع باذخة وكان لقاء أحضانٍ وقبل ساخنة حتى إذا هدأت عواطفنا، قلت له ممازحا (هاي أنت وين.. الأستاذ الفاضل عدي يدور عليك؟!) ضحك بسخرية وأجابني بطريقة مازحة كذلك (ليش اني قشمر مثلك أنت اللي بقيت بالعراق تحت رحمة الجوع والخوف والحصار والطحين المخبوط بالرمل، تدري اني هناك عشت احسن عيشه، سكن محترم وسهرات يومية للصبح واكل مال أوادم وراتب راس الشهر، من سقط النظام رجعت مناضل بروسكم وموعود بوظيفة تعجبك، شسويلك، انت واحد بومة، ما سمعت كلامي وهربت ويايه للخارج.. حيل بيك).

 أوجعني كلامه كثيرا ولم أرد عليه فقد كانت آراؤه سخيفة وتفتقر الى المنطق السياسي الحكيم، ولهذا غادرت المكان غاضبا من دون ان أشعره بذلك، ولم يمض عام واحد على لقائنا حتى أدركت ان صديقي الرائع على حق في كل ما قاله، وتيقنت أنني فعلا (بومة)!!

هوليود تستخف بالعرب .. جمهوريـــة (الواديــــِّة) الشعبيــــة الديمقراطيـــــة!!

صارت أنظمتنا العربية فرجة للرايح والجاي في دور العرض السينمائي, وتحولت أوضاعنا المزرية إلى مادة كوميدية لإضحاك الناس والترويح عنهم.   

الملفت للنظر ان هوليود, وعلى وجه التحديد بعد انهيار أبراج مركز التجارة العالمية في (11 أيلول 2001), انتهزت آثار تلك الكارثة, فكرست جهودها في تسويق المشاهد المشوهة للعرب, وصار العربي في معظم الأفلام مرتبطا بالإرهاب, وربما نجحت في ترسيخ هذه الصورة, حتى صارت صورة العربي الملتحي رمزا للشر والإجرام, وأضحت الكوفية العربية (اليشماغ) من مظاهر التمرد والتطرف, وهكذا جندت استوديوهاتها في إظهار اللقطات السلبية لمجموعة من النماذج العربية المنتخبة, فاختارت التاجر العربي, وأضفت عليه صفات المرابي الجشع, الذي يستغل الناس ويسعى للربح الحرام بالغش والاحتيال, واختارت المواطن البسيط فصورته بملامح العميل الخائن, وعرضت للناس صورة المواطن الخليجي بملامح الجاهل المتخلف, الذي يعيش في البادية مع قطعان الأغنام والماعز والى جانبه مجموعة من آبار النفط والغاز, ثم تجاوزت هذه اللقطات النمطية البليدة, لتتحول نحو منح دور البطولة لقادة الأنظمة العربية, فجاء الحاكم العربي المستبد بصورته الحقيقية, وظهر على الشاشة غارقا في الظلم والفساد, لا هم له سوى الجنس والمقامرة والمعاقرة, فاحتل مركز الصدارة بعد تفجر الأوضاع في العواصم العربية الملتهبة. بيد أن محاور الإثارة في تلك الأفلام كانت تدور في جوهرها حول شخصية المواطن العربي المغلوب على أمره, فحولته هوليود إلى مادة سينمائية مقيدة في معظم المشاهد بسيناريوهات محددة بأدوار السخرية والتندر, فالمقصود هو التهكم على المواطن العربي نفسه, وليس على الحاكم الذي وضعته في الصدارة بهدف المخادعة والتمويه, وصولا إلى تشويه صورة العرب بين الشعوب والأمم. 

 وهذا هو النهج المريض الذي سارت عليه شركة (بارامونت) الأمريكية, عندما شرعت بإنتاج فلم (الدكتاتور), ومنحت فيه دور البطولة للممثل اليهودي (ساشا بارون كوهين), ليجسد في الفلم شخصية الرئيس العربي (الجنرال علاء الدين) الزعيم الأوحد والقائد الأبدي الملهم لجمهورية (الوادية) الشعبية الديمقراطية. ومن نافلة القول نذكر ان (الواديّة) عبارة عن قرية ريفية بائسة من قرى محافظة ميسان جنوب العراق, تقع في ضواحي (المجر) على جدول متفرع من نهر (العدل), ولا ندري بالضبط, ما الذي جعل إدارة الفلم تختار هذه القرية المتروكة عند مقتربات هور (الصحين), لتتعامل معها كجمهورية تحمل آثام الملوك والرؤساء العرب ؟؟. 

يظهر الجنرال (علاء الدين) بلحية طويلة سوداء, وبدلة عسكرية بيضاء مزركشة بالنياشين, مزينة بالرتب المذهبة, يمتطي بعيرا كبيرا, يتجول على ظهره وسط مدينة نيويورك, تحيط به عناصر مدججة بالسلاح من أفراد الحرس الجمهوري الخاص, يتحدث مع نفسه باللغة الانكليزية ليعبر عن إعجابه بأمريكا, قائلا: (مرحبا بأمريكا مسقط رأس الإيدز), ثم يردد عبارات مبهمة, يراد منها الإيحاء للمشاهد انه يجيد العربية, والحقيقة أنه يكرر مفردات صوتية غير مفهومة, لا تمت للعربية بصلة, من مثل عبارته التي يقول فيها (وِدّه فاخور موخومد بجا ليا), لا الفصحى تشبهها, ولا العامية الدارجة في معظم المدن العربية من المحيط إلى الخليج, فممثل الفلم يسخر من العرب بلسانه اليهودي من بداية العرض وحتى نهايته.