الفضائيات والسياسة
طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، اتخذت العلاقة بين السياسيين ووسائل الإعلام صيغة واضحة، فهي ذات طابع أحادي، يفتقر الى تنويع الخطاب، وتعدد الرأي ذلك لان السياسيين يمثلون يومها وجهة نظر السلطة ومواقفها وبالتالي فان الفرق بين (س) و( ص) يكمن في المفردات اللغوية والقدرة على التعبير أما المضمون فواحد.
كان من الطبيعي بعدة سقوط النظام الشمولي، وما تبعه من ازدهار غير مسبوق لأجواء الحرية، ان يتنوع الخطابان السياسي والإعلامي على حد سواء، تنوعا يشيب له الرأس ولكن العلاقة بين السياسي والإعلامي أفرزت في هذه المرحلة ظاهرة من طراز جديد، رأينا نماذجها في ثلاثة أنواع رئيسة: الاول هو ما يصح تسميته بالسياسيين المدمنين وقد قدمت الفضائيات صورة معبرة لهم، فثمة وجوه محددة تتوزع على هذه الكتلة او تلك وقد تكون مستقلة لا تكتفي بالظهور اليومي عبر تصريح أو لقاء أو ندوة، بل غالبا ما نطالعها حيثما انتقلنا من فضائية الى أخرى، وهي لا تجد ضيرا ولا حياء في التوزع على ثلاث فضائيات او يزيد أحيانا في كل ليلة، وهؤلاء المدمنون هم المادة الأسهل والجاهزة أمام اية فضائية يصعب عليها الحصول على وجوده جديدة ولذلك فان ما يجري هو استغلال فضائي مكشوف لم ينته إليه السياسي او لأنه يتوافق مع حالة الإدمان المرضية التي يعانيها، أو ظنا منه ان من يكون متعهدا لوسائل الإعلام وتحت الطلب يحظى بالشهرة الجماهيرية وقد يضمن له الفوز في أية انتخابات مستقبلية ولو كان يدري ان الناس لا تطيق تكرار الوجه حتى لو كان وجه نانسي عجرم ولو تذكر ان واحدا من أسباب الحقد على صدام حسين هو إدمانه التلفزيوني لتريث في سلوكه واعتذر عن الظهور إلا حين تقتضي الضرورة.. وعلة هذا النوع انه لا يكرر نفسه في كل مقابلة أو ندوة فقط.. وإنما كذلك في كونه يتحدث في أي اختصاص، فهو رجل نفط وطاقة وصناعة واقتصاد وتجارة وتربية وزراعة وثقافة وقانون وسياسة ودواجن وسوبرمان عصره وزمانه ومع ذلك فلا خوف من هذه الفئة لأنها تضر نفسها أكثر مما تضر الآخرين:
النوع الثاني : سياسيون متوازنون يمر الأسبوع على الأسبوع ولا يظهر الواحد منهم على اية فضائية، واذا ظهر لا يجتهد ولا يفتي ولا يتحدث بما لا علم له به، وعادة ماتذهلك واقعيته الجميلة وهو يعتذر (آسف… ليست عندي معلومات وافية ولا أرقام دقيقة حول هذا الموضوع ولكن تصوراتي العاملة هي كذا وكذا، وميزة هذه الشرعية انها موضوعية ومن الممكن جدا ان تخالف قناعة كتلتها او قائمتها وتقف مع الرأي الآخر اذا وجدت فيه الصواب، ولاشك ان هذا النمط –على قلته – هو الذي لا يبهره بريق المنصب ولا يلهث وراءه وهو الذي نحرص على متابعته الى آخر دقيقة من وقت البرنامج!
النوع الثالث: سياسيون يتولون (مهمات خاصة) وتحتضنهم فضائيات خاصة وهؤلاء أشبه بالخلايا النائمة يختفون دهرا ويظهرون فجأة ليمارسوا دورا قد لا يكون موكلا اليهم وقد يتبرعون به ووظيفتهم صب الزيت على النار، ومع انهم وليس غيرهم وراء فتنة السنة والشيعة على سبيل المثال ومع ان الشعب والعقلاء وعلماء الدين وأدوا هذه الفتنة في مهدها إلا ان الحذر الشديد مطلوب من هؤلاء السياسيين وهذه الفضائيات لأنهم جاهزون وراء متاريسهم بانتظار زلة لسان من هذا الطرف أو ذاك، والسكوت عليهم باسم الحرية هو سكوت على الجريمة ولايساورني الشك لحظة ان أمرهم ميؤوس منه ولا تجدي معهم دعوة مخلص ولا صلاة مشتركة!!