الذنب ذنبي!!

لأسباب اعتبارية وأخلاقية واجتماعية، سوف أتجنّب ذكر الشخص الذي أتحدث عنه هنا.. مع انه بالنسبة لي ليس أي شخص آخر فهو صديق تمتد علاقتي معه الى عام 1974، كنا نسكن ضمن منطقة واحدة، ومن النادر ان يمر يوم من دون لقاء في المقهى او المنزل او النادي، وطالما سافرنا معا سفرات ترفيهية الى البصرة وبابل والسليمانية والموصل، ويوم تحولت الى منطقة سكن جديدة، لم تفتر علاقتنا أو تنقطع، كان الرجل يبادلني الاتصال الهاتفي، ولا يتوانى عن زياراتي في مقر عملي حيث يكون، مرة في جريدة العراق ومرة في مجلة (ألف باء) ومرة في الإذاعة، وغالبا ما نتناول الغذاء او العشاء في المطعم او النادي ونذهب لمتابعة فلم سينمائي هنا أو مشاهدة عمل مسرحي هناك.

ولعل أحلى ما في صداقتنا وأغربها هي ميلنا المشترك الى تبادل المقالب، كان “شريرا” وداهية في توريطي بمقالب محرجة ولم أكن اقل شرا ولا دهاء منه وكنا نجد في ذلك متعة نادرة وفرصة لجعل حياتنا اكثر استرخاء وضحكا وسعادة، ومع ذلك فان لهذا الرجل وجها آخر في التصرف معي عندما أمر بظروف صعبة سياسية كانت أم مالية ام عائلية، انه أكرم من أي وصف وأكثر استعدادا لتعريض نفسه الى مخاطر لا تحمد عقباها من اجل حمايتي، وكنت أواجه مواقفه النبيلة بمواقف مماثلة، وهكذا بنينا تاريخا خاصا من الصداقة يدعو الى الاعتزاز والتباهي.

كان الرجل بعيدا كل البعد عن متاعب العمل السياسي والانتماء الحزبي، ولكن المصادفة السيئة وحدها جعلته يدير مشروعا فرعيا صغيرا في إطار مشروع اقتصادي كبير تابع لرئيس اللجنة الأولمبية يومها، عدي صدام حسين، والحق فقد أفاد صديقي من تلك الإدارة فائدة مادية كبيرة، بنى دارا فخمة واقتنى مركبة حديثة وأغدق بسخاء على نفسه وأسرته، غير ان عدي في لحظة غضب، وكما هو متوقع غضب منه لحدوث خطأ لم يكن صديقي طرفا فيه أو مسؤولا عنه، وألزمه بدفع مبلغ مالي ضخم لا يمكن سداده حتى لو باع بيته ومركبته ومصوغات زوجته، وحدد موعدا للدفع أمده أربعة أسابيع فقط، وبخلاف ذلك سيكون السجن مصيره ومصير عائلته! 

في اقل من أسبوعين باع صديقي جميع ممتلكاته ودبر أمر هروبه مع أسرته الى خارج العراق، وهناك التحق بالمعارضة مكرها كما عرفت منه لاحقا، وأصبح جزءا من الحركة السياسية التي لم يقرب يوما بابها، وقد انقطعت أخباره عني تقريبا على مدى سبعة أعوام او ثمانية الى ان سقط النظام وحدث التغيير في نيسان 2003 حيث عاد مجددا الى العراق واتصل في لحظة وصوله الى بغداد.. كانت حفنة دموع باذخة وكان لقاء أحضانٍ وقبل ساخنة حتى إذا هدأت عواطفنا، قلت له ممازحا (هاي أنت وين.. الأستاذ الفاضل عدي يدور عليك؟!) ضحك بسخرية وأجابني بطريقة مازحة كذلك (ليش اني قشمر مثلك أنت اللي بقيت بالعراق تحت رحمة الجوع والخوف والحصار والطحين المخبوط بالرمل، تدري اني هناك عشت احسن عيشه، سكن محترم وسهرات يومية للصبح واكل مال أوادم وراتب راس الشهر، من سقط النظام رجعت مناضل بروسكم وموعود بوظيفة تعجبك، شسويلك، انت واحد بومة، ما سمعت كلامي وهربت ويايه للخارج.. حيل بيك).

 أوجعني كلامه كثيرا ولم أرد عليه فقد كانت آراؤه سخيفة وتفتقر الى المنطق السياسي الحكيم، ولهذا غادرت المكان غاضبا من دون ان أشعره بذلك، ولم يمض عام واحد على لقائنا حتى أدركت ان صديقي الرائع على حق في كل ما قاله، وتيقنت أنني فعلا (بومة)!!

هوليود تستخف بالعرب .. جمهوريـــة (الواديــــِّة) الشعبيــــة الديمقراطيـــــة!!

صارت أنظمتنا العربية فرجة للرايح والجاي في دور العرض السينمائي, وتحولت أوضاعنا المزرية إلى مادة كوميدية لإضحاك الناس والترويح عنهم.   

الملفت للنظر ان هوليود, وعلى وجه التحديد بعد انهيار أبراج مركز التجارة العالمية في (11 أيلول 2001), انتهزت آثار تلك الكارثة, فكرست جهودها في تسويق المشاهد المشوهة للعرب, وصار العربي في معظم الأفلام مرتبطا بالإرهاب, وربما نجحت في ترسيخ هذه الصورة, حتى صارت صورة العربي الملتحي رمزا للشر والإجرام, وأضحت الكوفية العربية (اليشماغ) من مظاهر التمرد والتطرف, وهكذا جندت استوديوهاتها في إظهار اللقطات السلبية لمجموعة من النماذج العربية المنتخبة, فاختارت التاجر العربي, وأضفت عليه صفات المرابي الجشع, الذي يستغل الناس ويسعى للربح الحرام بالغش والاحتيال, واختارت المواطن البسيط فصورته بملامح العميل الخائن, وعرضت للناس صورة المواطن الخليجي بملامح الجاهل المتخلف, الذي يعيش في البادية مع قطعان الأغنام والماعز والى جانبه مجموعة من آبار النفط والغاز, ثم تجاوزت هذه اللقطات النمطية البليدة, لتتحول نحو منح دور البطولة لقادة الأنظمة العربية, فجاء الحاكم العربي المستبد بصورته الحقيقية, وظهر على الشاشة غارقا في الظلم والفساد, لا هم له سوى الجنس والمقامرة والمعاقرة, فاحتل مركز الصدارة بعد تفجر الأوضاع في العواصم العربية الملتهبة. بيد أن محاور الإثارة في تلك الأفلام كانت تدور في جوهرها حول شخصية المواطن العربي المغلوب على أمره, فحولته هوليود إلى مادة سينمائية مقيدة في معظم المشاهد بسيناريوهات محددة بأدوار السخرية والتندر, فالمقصود هو التهكم على المواطن العربي نفسه, وليس على الحاكم الذي وضعته في الصدارة بهدف المخادعة والتمويه, وصولا إلى تشويه صورة العرب بين الشعوب والأمم. 

 وهذا هو النهج المريض الذي سارت عليه شركة (بارامونت) الأمريكية, عندما شرعت بإنتاج فلم (الدكتاتور), ومنحت فيه دور البطولة للممثل اليهودي (ساشا بارون كوهين), ليجسد في الفلم شخصية الرئيس العربي (الجنرال علاء الدين) الزعيم الأوحد والقائد الأبدي الملهم لجمهورية (الوادية) الشعبية الديمقراطية. ومن نافلة القول نذكر ان (الواديّة) عبارة عن قرية ريفية بائسة من قرى محافظة ميسان جنوب العراق, تقع في ضواحي (المجر) على جدول متفرع من نهر (العدل), ولا ندري بالضبط, ما الذي جعل إدارة الفلم تختار هذه القرية المتروكة عند مقتربات هور (الصحين), لتتعامل معها كجمهورية تحمل آثام الملوك والرؤساء العرب ؟؟. 

يظهر الجنرال (علاء الدين) بلحية طويلة سوداء, وبدلة عسكرية بيضاء مزركشة بالنياشين, مزينة بالرتب المذهبة, يمتطي بعيرا كبيرا, يتجول على ظهره وسط مدينة نيويورك, تحيط به عناصر مدججة بالسلاح من أفراد الحرس الجمهوري الخاص, يتحدث مع نفسه باللغة الانكليزية ليعبر عن إعجابه بأمريكا, قائلا: (مرحبا بأمريكا مسقط رأس الإيدز), ثم يردد عبارات مبهمة, يراد منها الإيحاء للمشاهد انه يجيد العربية, والحقيقة أنه يكرر مفردات صوتية غير مفهومة, لا تمت للعربية بصلة, من مثل عبارته التي يقول فيها (وِدّه فاخور موخومد بجا ليا), لا الفصحى تشبهها, ولا العامية الدارجة في معظم المدن العربية من المحيط إلى الخليج, فممثل الفلم يسخر من العرب بلسانه اليهودي من بداية العرض وحتى نهايته. 

خلود مآثر الرفض

(ليس الحسين إماما

    بعض الحسين أئمة

     قد جاء فردا … لوحده

      وصار أمـــة

      حتى بحالة جر 

       تـرى النون ضـمة)

سحر خشوع وصدق صوت وصدى روعة هذة الأبيات من الشعر العفوي الخالص في حب أبي عبد الله الامام الحسين (ع) يتلبسني – نبضا بنبض – كلما تحين وتقترب أيام وتفاصيل تداعيات واقعة الطف وملحمة أبهى وأنقى وأبقى مآثر رفض الظلم ودحر الظلام ببسالة النور وهو يخترق بسهم الايمان والوضوح الرباني كل مناورات وتبريرات ومكر وأكاذيب من يطمع بالجاه الكاذب والفاني والتشدق بصولجان السلطة الزائلة وقسوة وبشاعة من لا يرى من وهج الحياة وقيمة معناها،، إلا رغوة وزبد تلك الأيام الماثلة في نفوس من يحلم ويلملم  حسابات بسط نفوذه بالضلالة والكذب والمراوغة والشر بكل تلوينات وتنويعات اشكاله الزائفة والسعي واللهاث لمسك تلابيب الدنيا من دون أدنى وعي بجلال وهيبة جوهر الاحتفاظ  بمعنى الخلود الذي يلف بكبرياء نور ثورة كثورة الحسين… أبي الشهداء… رمز وعز البقاء حيا،، سخيا،، بهيا في سفر التأريخ  وضمائر كل الأحرار في كل عصر وأوان.

   كنت ولم أزل أقرأ وأتهجى حروف وأنفاس نبضات تلك الأبيات الشعرية  بما يوازي حجم أفعال ودروس خلاصات ذلك الاستشهاد البطولي الفريد عبر ملحمة أختصرت بكامل فصولها وأبعادها صدق ونبل أسمى معاني الرفض،، كم كان بليغا ذلك الحكيم الذي أفاد بأن: (ليس هنالك ثمة نقاوة كلية خالصة،، غير نقاوة الرفض).

 فأية حكمة وعظمة تلخص حجم الصدق وسعة القلب وعمق العقل وصلابة الموقف الذي تفرد به سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يتجلى ويسمو فخرا وذكرا مع تقادم الأيام ،، ويزداد نصوعا وبهاء مشفوعا برضى الله (جل وعلا) وحبه لكل من يعمق أواصر الايمان في مواجهة الصلف والطغيان وكسر شوكة الزيف ومن رضي التخندق الى صف ورصف التخاذل والانكسار متوهما بأنه نال نعيم الدنيا واغراءات السلطان الظالم الغاشم المستبد،، فثمة من يقول: (في الحرب قد تخسر حياتك مرة،، أما في الحياة فإنك تخسرها مرات ومرات) ،، هنا يتضح الفرق ليمتد ويعلو سموا على أقصاه في زهو من نحيي أربعينية استشهاده العظيم،، وما بين خنوع وذلة من تمرغ حتفه بدافع الجبن وذلك الحقد اللئيم.

   فرق كبير ما بين عظمة ورفعة الحسين الذي يستحق الذكر حرا وغرا كل حين،، حين أختار عمق البقاء حيا أبد ألآبدين،، ومابين من أرتضى حفر مسالك تسويغ الكذب صوب شرالتمادي وجهات التضليل والبهتان ليحصد المهانة واللعنة أبد الدهر.

 وكم أجد في ان أعيد حكمة من قال : (مزيدا من الزمن … لايعني مزيدا من الخلود) إقترانا وأختصارا لعمق وثراء كل ما يكلل فخر أحيائنا مهابة وقدسية ذكرى استشهاد وأربعينية الإمام الحسين(ع) في ثورته الكبرى التي أحتوت وعمقت فينا كل نقاوة الرفض،، ومن أجلها وتحت دوحتها الوارفة يستظل كل أحرار العالم من الذين أستقوا منها أبلغ دروس العزة والكرامة وكيف يجب أن نحيا  في سمو معنى أن نكون.

غربان السياسة

كانوا يستدلون على جثث قتلاهم في الصحراء من جهة الغربان المحومة في السماء ..أينما كانت الجثث تقاطرت الغربان، ودارت وحومت فوقها وحطت عليها …ومن يعرف فصول وأنواع الكوارث والنكبات والأحزان التي تعاقبت على الشعب العراقي، سيعرف ويتيقن بان من يطلبون الأمجاد والسلطات والمغانم في العراق إنما من صنف الغربان ومخلوقات الشؤم  ..ما دام العراقيون قد مروا بكل ما مروا به وتركهم في إعياء شديد وفي وضع يدعو للنجدة والإنقاذ وإعادة الوعي ..والأكيد ان من يطلب الجاه والسلطان والترف وسط مأتم او مقبرة او مستشفى لا بد ان يكون متبلد الشعور والإحساس والضمير ,وسيجد في اركاس الغريق، وفي زيادة الحرائق وفي خنق المحتضر عملا يستحق الشكر والتقدير ..وشكر السماء على هذه الفرصة فهو لا يرى، بحكم استعداداه وخواصه، غير ماظفر به وما حل عليه ..وهل يلوم الغراب نفسه لانه غراب ,ويتضايق لان هناك فطائس ؟؟

لقد رأينا مثل هذا النموذج  وان ارتدى مسوح الرهبان وتزيا بالاديان والطوائف وصنوف العرفان ..وانه غراب وان تأنق ولمع وجهه ورطن لسانه …ولكنه لم يأخذ من الغراب حدة بصره ولا شدة حذره  ,ولا يخطر له ان الشعب العراقي ماكر يتظاهر بالنوم والغفلة ,ولكنه وقت الحساب لا أكثر يقظة منه …ولم يأخذ السياسي من الغراب غير الزهو وقلة الوفاء ..

تجربة الحصار الأمريكي وحدها تكفي لتشويه وإفساد وتحطيم أقوى شعب ..فقد خبز التراب واكله ,وكان في يوم قيامة امتد لثمان سنين تحول الى مجرد فم  و يريد ان يعيش وحاله يصرخ متمنيا مصير أي حيوان ويتمتع بشروطه ويقتات على الأدغال …وهذا ما لم يكابده بعض (المناضلين)..لان من كابده واصل نضاله وتقواه وعراقيته الطاهرة من أي تلوث والعصية على أية خديعة والبعيدة عن التسميات والعناوين ,وكل ما انطلى على البسطاء والمساكين والمنتفعين والمتكسبين من الطائفية وأخواتها …

السياسي الذي لم تكفه كل هذه السنوات ليعرف حال العراقي ودرجة إعيائه وحجم إصابته ، ومدى استحقاقه للنجدة لن يعرفه أبدا ..فما حال السياسي ان حام ليسرق حتى رمقه ورأى في أجواء احتضاره التماعات أجواء  سعيدة ؟ من الطبيعي ونموذج الجحيم هذا ان يسجل البلد صدارته العالمية في الفساد  ..وان يتساوى كل المختلفين أمام الغريق ..وأمام الحريق… وأمام شعب حلت عليه كل الأهوال ..ينتظر من السياسي نجدته ,ومن ثم مواساته .. لا الاختلاف حوله ومضاعفة إرهاقه

أبناء جنوب العراق.. روافـــــــد إنسانيـــــــة لاتنضـــــــب

تتواصل حملات تشويه صورة الشعب العراقي عبر كل الوسائل الرخيصة، وتتصاعد معها موجات الحقد والكراهية ضد كل من ينتمي إلى العراق. كان آخرها الحملة التي شنها علينا المدعو (أ. د. جلال الوزير) في مقالته التحريضية المهلهلة التي نشرها قبل بضعة أعوام على موقع (كتابات)، ثم عاد لينشرها من جديد في الأسبوع الأول من عام 2012 على صفحات موقع (العراق فوق الخط الأحمر)، بعنوان: (تعرف على الشروك). الأمر الذي يستدعي ضرورة الانتباه إلى لعبة التنافر العرقي الطائفي، التي تمارسها ضدنا بخبث هذه الأقلام المأجورة تحت غطاء مصطنع يتظاهر بالموضوعية التاريخية. . 

مما لا ريب فيه ان مثل هذه المقالات المنبعثة من مزابل التعفن الفكري تحفزنا على ضرورة التسلح بقدر كبير من التمحيص والذكاء في التعامل مع الطوفان الإعلامي المزيف، الذي تبثه النفوس المريضة والعقول المغرضة من حين لآخر، ليس فقط من أجل تمييز الصواب من الخطأ، والكذب من الصدق، ولكن لتجنب حالة خطيرة قد يستدرج إليها المواطن البســـــيط لمنزلقـــات إعلامية تهدف إلى تكـــريس الفـــــرقة والتشرذم. 

لقد كان (جلال الوزير) صريحـا فــي عدوانيته، ممعنا في اختيار مفردات التهكم وعبارات السخرية، منزعجا من أصالة جنوبنا الضاربة في أعماق التاريخ، متجاهلا تاريخ السلالات البشرية التي عاشت في فردوس عدن جنوب العراق، ومتغافلا عن مهبط سيدنا آدم في القرنة الجنوبية، ومولد سيدنا إبراهيم في (أور) الجنوبي، ومتجاهلا إقلاع سفينة سيدنا نوح من (الكوفة) الجنوبية، وملحمة جلجامش، وحكايات عشتار وتموز وانكيدو، وشرائع وسنن حمورابي. 

لقد تجاهل محطات شامخة فوق متن التاريخ، مازالت معالمها تحمل السمات السومرية والبابلية والاكدية في الوركاء ولكش ولارسا. حضارات علمت الناس الكتابة والتدوين والتعامل التجاري، وعلمتهم علوم الفــــــلك والرياضيات والطـــــب والهندســة والملاحـــة في عرض البحار. فقـــــد كان المربد ديوان الشعر العربي ولسانه الناطق بالبلاغة وفنون الأدب، وكــان الخليل بــن احمد الفراهيدي البصري قاموس العرب وأول من ضبط إيقاعات الكلام الموزون. 

في جنوب العراق تربى الحريري، وهنا كتب مقاماته في ذاكرة الطين والماء، وهنا أبدع الأصمعي، والجاحظ، ومحمد بن سيرين، ومالك بن دينار، ومالك بن الريب، وواصل بن عطاء، والحسن بن الهيثم، ودعبل الخزاعي، وعتبة بن غزوان، والواسطي . ليس فيهم لاري أو هندي أو بلوجستاني. فهل كان بدر شاكر السياب، سيد الشعر العربي الحديث بلوشيا ؟. وهل كان محمد سعيد الحبوبي، شاعر الفقهاء وفقية الشعراء باكستانيا ؟. وهل كانت لميعة عباس عمارة سريلانكية ؟. وهل كان عبد الرزاق عبد الواحد أفغانيا ؟. وهل كان العالم الفيزيائي الكبير عبد الجبار عبد الله، ابن (قلعة صالح) مغوليا ؟، مع خالص احترامنا واعتزازنا بكل الأقوام والسلالات البشرية التي خدمت الإنسانية ولم تعتد على بقية الشعوب، فخير الناس من نفع الناس، ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، ثم ما هذه الحجة الواهية التي استند عليها (جلال الوزير)، بقوله أن أغنية (عبرت الشط على مودك)، التي كتبها (عزيز الرسام) سجلت هجرة قبائل (اللر) من جبال (لرستان) إلى بطائح العراق. ويبدو واضحا ان (جلال الوزير) لم يقرأ مذكرات الزعيم العربي وقائد الثورة المصرية (احمد عرابي)، التي يتفاخر فيها بانتسابه إلى بطائح جنوب العراق، قائلا (( أنا احمد عرابي بن سيد صالح البلاس من بطائح جنوب العراق)). وكيف اقتنع (جلال الوزير) بان فن الابوذية مقتبس من الأغاني الهندية والطقوس الوثنية ؟. ولولا عناية الله لقال (الوزير) أن (الشروك) ينتسبون إلى قبائل (الشروكي). وهي من قبائل الهنود الحمر، ثم ما علاقة النبرة الحزينة في الأغاني العاطفية في الاستدلال على السلالة التي ينتمي إليها المطرب ؟.  فمعظم الأغاني العربية في تونس ومصر وليبيا والجزائر تحمل بصمات الألم ولوعة الفراق. فهل يعني ذلك أنهم ينحدرون من أصول افريقية ويعانون اضطهاد الرق والعبودية ؟؟، اما بخصوص العبارات الجنوبية الدارجة، من مثل (جا). فكلمة ( ﭽـا )  يستخدمها اهل الجنوب بكثرة، فيقولون: (ﭽـا شلون ؟) بمعنى كيف اذن، (ﭽـا شفت شلون؟) بمعنى هل رأيت كيف؟، و ( ﭽـا ليش ؟) بمعنى لماذا اذن؟ ، وتأتي كأداة ربط يصعب ترجمتها حـــرفيا مثل (ﭽـا شمدريني) و (ﭽــا وينك) وهكذا، وهذه الكلمة مقتصرة على العراقيين فقط وأصلها من (كا) او (قا) الآرامية. وهي بنفس المعنى. تحولت الكاف الى ﭽـ ch . مثلما تحولت كلمة كلب الى (ﭽـلب)،  و كف الى (ﭽـف) وهكذا . وهنالك أمثلة كثيرة على رواسب اللغات العراقية القديمة في اللهجات الدارجة. ونشرت المراكز العلمية العراقية بحوثا عدة حول المفردات السومرية والبابلية الشائعة، اما أسماء أبناء الجنوب فلا تختلف عن أسماء معظم أبناء الوطن العربي. فالكلب في التراث الإنساني يرمز الى الوفاء. ولا ضير من تسمية (جلوب) فهناك قبيلة معروفة من قبائلنا العربية تدعى (بني كلب). وقال جرير: 

فغض الطرف انك من نمير  

     فلا كعبا بلغت ولا كلابا

ومن غير المعقول ان يتوصل الإنسان العاقل إلى استنتاجات تاريخية استنادا على تسميات أبناء الريف إلا إذا كان يضمر لهم الحقد والكراهية، أو مصابا بلوثة دماغية أفقدته صوابه، لكن المثير للغرابة في مقالة) جلال الوزير) تصنيفه لأبناء الجنوب بأسلوب مبتكر يتنافى مع علم (أصل الأنواع)، وعلم الوراثة. فقد توصل (جلال الوزير) إلى بعض الصفات الوراثية لأبناء الجنوب تميزهم عن بقية خلق الله. وادعى انهم يتصفون بقصر القامة، وتفلطح القدم، والسمرة الداكنة. وبأسلوب يفصح عن روح التهكم، ونزق الترف الارستقراطي، والتعالي والغطرسة التي رافقته في جميع استنتاجاته الساذجة وأفكاره البليدة. ولا ندري كيف استطاع ابن محافظة (ميسان)، الرياضي الدولي (علي الكيار) ان يحرز لقب بطولة العالم في جمال الأجسام ورشاقة الأبدان ؟؟. وكيف استطاع الرباع الدولي عبد الواحد عزيز، وهو من أبناء البصرة، الحصول على الوسام الاولمبي العراقي الوحيد في رفع الأثقال ؟؟.  وكيف استطاع السباح الدولي (عبد الرضا محيبس) أن يتفوق على أبطال قارة آسيا في السباحة الحرة. والحديث طويل عن هيثم عبد السادة وزبرج سبتي وهادي احمد وعلاء احمد ورحيم كريم وعادل خضير وكريم علاوي وحسن كاظم وفالح حسن ونزار عبد الزهرة وحمزة قاسم وكاظم وعل وعبد المهدي هادي وعبد الرزاق احمد . . الخ، ولا ننسى أبطال المنتخب الوطني لكرة القدم، الذين فازوا بكأس آسيا. ورفعوا راية العراق فوق النجوم، ومعظمهم من جنوبنا الحبيب. فهل كانت أقدام هؤلاء الأبطال مفلطحة ؟؟. إلا يعني هذا ان دماغ (جلال الوزير بلا وزارة) هو المفلطح والمسطح والخاوي الأجوف. 

فقد ركب (جلال الوزير) الموجة المعادية لأبناء العراق. وراح يخلط الأوراق، ويزيف الحقائق، ويمعن في إيذاء أبناء الجنوب، وتشويه صورتهم العربية المشرقة. فليست هنالك مقاطعة واحدة في الوطن العربي كله ينتسب أهلها إلى القبائل العربية القحطانية والعدنانية العريقة كما هو الحال في جنوب العراق. عندنا في الجنوب يتفاخر الناس بقبائلهم العربية، التي مازالت تحمل الأسماء العريقة نفسها منذ صدر الإسلام. نذكر منها قبائل طي، وبني لام، وتميم، وبني أسد، وزبيد، وربيعة، وخفاجة، وبني هاشم، وبني زيد، وبني مالك، وشمر، والنجادة، والشريفات، والزهير، والحلاف، والبيضان، والبو عبود، والبو محمد من زبيد، والمياح، والقطران، والعيدان، وعنزة، والغزي، والسعدون، والشويلات، وبني ساعدة (السواعد)، والسعد، وبني سكين، وإعبودة، والبو صالح، والدواسر، والجيزان، وبيت نويصر، وبيت نصر الله، والفريجات، والنصار، والقناص، وبني كعب، والمحيسن، والغنام، والظوالم، وآل فتلة، والخوام، وقريش، والجبور، وآل بو سعد، والنواشي، وبني سعيد، والغانم، وبني وائل، والســواري، وبـني ســالة، والخزاعــل، والبهادل، وبـني حجيم، وحجام، والفرطوس، وآل جويبر، وعبادة، والعكـــيل، والشــــاوي، ومـــذحـج، والازارقـــة، والبودراج، وغيرهم كثير، ونسأل الكاتب اللاوزير، هل يعرف شيئا عن طبيعة وعادات العشائر الجنوبية ؟. وهل سمع بشجاعتها وبسالتها وكرمها ؟. وهي الصفات الأصيلة للعرب الاقحاح، وهل سمع بنخوة اخوة علية، واخوة فاطمة، وإخوة باشه، وإخوة سعدة، وإخوة كوشه، وإخوة مايعة، وإخوة فدعه. فهل كانت مايعة وكوشه وسعدة وفدعه وعلية أصفهانيات ؟؟، ثم ماذا سيقول (جلال الوزير) للقبائل العربية التي تقطن الأحواز، وهور الفلاحية والتي تطالب الآن باسترداد عروبتها ؟؟، إذا كان ينظر إلى أبناء بغداد بهذه النظرة الاستعلائية المريضة، فعلى الرغم من الويلات والنكبات والأحزان والآلام والدمار والتخريب والإرهاب والقتل العمد الذي نواجهه كل يوم، نرى وللأسف الشديد أن الكثير من الأقلام قد تخلت عن إنسانيتها ودينها وعروبتها فانجرفت مع المخططات الخبيثة، وجندت جيوشها لكي تصبح أداة من أدوات الحرب والصراع والهيمنة والترويج للفوضى والتحريض وبث السموم وزرع الفتن وتزييف الحقائق وصب الزيت على النار وإرهاب الناس وتغييبهم ومصادرة حقوقهم،  إلى أن تحامتنا العشيرة كلها.

تتراوح مواقف المعادين للعراق بين شامت وساخر، ومحرض وكاذب، ومتباكي ومتشفي، يبدو أن ثمة تنوعا كبيرا في الكتابات المسمومة، تستمد مدادها من مخططات معادية مدروسة تهدف إلى زعزعة ثقتنا بأنفسنا، كما لو كان ثمة مصدر واحد يحركها في الخفاء، فالمقالات التحريضية يجري انتقاؤها من الإطار المرجعي الأمريكي الإعلامي، أو من البيئة الحاقدة المجاورة للعراق. قد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي لكن الجوهر واحد. وصرنا كالجبل الشامخ الذي تدكدك ثم مال بجمعه في البحر فاجتمعت عليه الأبحر. 

لله درك يا عراق كم ستتحمل من هجمات وغزوات وغارات الأعداء في الداخل والخارج، لكننا نرجع لنؤكد مرة أخرى أن أبناء العراق كلهم ملحٌ للمتعفنين في مزابل الحقد والكراهية، ويبقى العراق شوكة في عيون الضفادع الوقحة. 

خلود مآثر الرفض

(ليس الحسين إماما

    بعض الحسين أئمة

     قد جاء فردا … لوحده

      وصار أمـــة

      حتى بحالة جر 

       تـرى النون ضـمة)

سحر خشوع وصدق صوت وصدى روعة هذة الأبيات من الشعر العفوي الخالص في حب أبي عبد الله الامام الحسين (ع) يتلبسني – نبضا بنبض – كلما تحين وتقترب أيام وتفاصيل تداعيات واقعة الطف وملحمة أبهى وأنقى وأبقى مآثر رفض الظلم ودحر الظلام ببسالة النور وهو يخترق بسهم الايمان والوضوح الرباني كل مناورات وتبريرات ومكر وأكاذيب من يطمع بالجاه الكاذب والفاني والتشدق بصولجان السلطة الزائلة وقسوة وبشاعة من لا يرى من وهج الحياة وقيمة معناها،، إلا رغوة وزبد تلك الأيام الماثلة في نفوس من يحلم ويلملم  حسابات بسط نفوذه بالضلالة والكذب والمراوغة والشر بكل تلوينات وتنويعات اشكاله الزائفة والسعي واللهاث لمسك تلابيب الدنيا من دون أدنى وعي بجلال وهيبة جوهر الاحتفاظ  بمعنى الخلود الذي يلف بكبرياء نور ثورة كثورة الحسين… أبي الشهداء… رمز وعز البقاء حيا،، سخيا،، بهيا في سفر التأريخ  وضمائر كل الأحرار في كل عصر وأوان.

   كنت ولم أزل أقرأ وأتهجى حروف وأنفاس نبضات تلك الأبيات الشعرية  بما يوازي حجم أفعال ودروس خلاصات ذلك الاستشهاد البطولي الفريد عبر ملحمة أختصرت بكامل فصولها وأبعادها صدق ونبل أسمى معاني الرفض،، كم كان بليغا ذلك الحكيم الذي أفاد بأن: (ليس هنالك ثمة نقاوة كلية خالصة،، غير نقاوة الرفض).

 فأية حكمة وعظمة تلخص حجم الصدق وسعة القلب وعمق العقل وصلابة الموقف الذي تفرد به سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يتجلى ويسمو فخرا وذكرا مع تقادم الأيام ،، ويزداد نصوعا وبهاء مشفوعا برضى الله (جل وعلا) وحبه لكل من يعمق أواصر الايمان في مواجهة الصلف والطغيان وكسر شوكة الزيف ومن رضي التخندق الى صف ورصف التخاذل والانكسار متوهما بأنه نال نعيم الدنيا واغراءات السلطان الظالم الغاشم المستبد،، فثمة من يقول: (في الحرب قد تخسر حياتك مرة،، أما في الحياة فإنك تخسرها مرات ومرات) ،، هنا يتضح الفرق ليمتد ويعلو سموا على أقصاه في زهو من نحيي أربعينية استشهاده العظيم،، وما بين خنوع وذلة من تمرغ حتفه بدافع الجبن وذلك الحقد اللئيم.

   فرق كبير ما بين عظمة ورفعة الحسين الذي يستحق الذكر حرا وغرا كل حين،، حين أختار عمق البقاء حيا أبد ألآبدين،، ومابين من أرتضى حفر مسالك تسويغ الكذب صوب شرالتمادي وجهات التضليل والبهتان ليحصد المهانة واللعنة أبد الدهر.

 وكم أجد في ان أعيد حكمة من قال : (مزيدا من الزمن … لايعني مزيدا من الخلود) إقترانا وأختصارا لعمق وثراء كل ما يكلل فخر أحيائنا مهابة وقدسية ذكرى استشهاد وأربعينية الإمام الحسين(ع) في ثورته الكبرى التي أحتوت وعمقت فينا كل نقاوة الرفض،، ومن أجلها وتحت دوحتها الوارفة يستظل كل أحرار العالم من الذين أستقوا منها أبلغ دروس العزة والكرامة وكيف يجب أن نحيا  في سمو معنى أن نكون.

غربان السياسة

كانوا يستدلون على جثث قتلاهم في الصحراء من جهة الغربان المحومة في السماء ..أينما كانت الجثث تقاطرت الغربان، ودارت وحومت فوقها وحطت عليها …ومن يعرف فصول وأنواع الكوارث والنكبات والأحزان التي تعاقبت على الشعب العراقي، سيعرف ويتيقن بان من يطلبون الأمجاد والسلطات والمغانم في العراق إنما من صنف الغربان ومخلوقات الشؤم  ..ما دام العراقيون قد مروا بكل ما مروا به وتركهم في إعياء شديد وفي وضع يدعو للنجدة والإنقاذ وإعادة الوعي ..والأكيد ان من يطلب الجاه والسلطان والترف وسط مأتم او مقبرة او مستشفى لا بد ان يكون متبلد الشعور والإحساس والضمير ,وسيجد في اركاس الغريق، وفي زيادة الحرائق وفي خنق المحتضر عملا يستحق الشكر والتقدير ..وشكر السماء على هذه الفرصة فهو لا يرى، بحكم استعداداه وخواصه، غير ماظفر به وما حل عليه ..وهل يلوم الغراب نفسه لانه غراب ,ويتضايق لان هناك فطائس ؟؟

لقد رأينا مثل هذا النموذج  وان ارتدى مسوح الرهبان وتزيا بالاديان والطوائف وصنوف العرفان ..وانه غراب وان تأنق ولمع وجهه ورطن لسانه …ولكنه لم يأخذ من الغراب حدة بصره ولا شدة حذره  ,ولا يخطر له ان الشعب العراقي ماكر يتظاهر بالنوم والغفلة ,ولكنه وقت الحساب لا أكثر يقظة منه …ولم يأخذ السياسي من الغراب غير الزهو وقلة الوفاء ..

تجربة الحصار الأمريكي وحدها تكفي لتشويه وإفساد وتحطيم أقوى شعب ..فقد خبز التراب واكله ,وكان في يوم قيامة امتد لثمان سنين تحول الى مجرد فم  و يريد ان يعيش وحاله يصرخ متمنيا مصير أي حيوان ويتمتع بشروطه ويقتات على الأدغال …وهذا ما لم يكابده بعض (المناضلين)..لان من كابده واصل نضاله وتقواه وعراقيته الطاهرة من أي تلوث والعصية على أية خديعة والبعيدة عن التسميات والعناوين ,وكل ما انطلى على البسطاء والمساكين والمنتفعين والمتكسبين من الطائفية وأخواتها …

السياسي الذي لم تكفه كل هذه السنوات ليعرف حال العراقي ودرجة إعيائه وحجم إصابته ، ومدى استحقاقه للنجدة لن يعرفه أبدا ..فما حال السياسي ان حام ليسرق حتى رمقه ورأى في أجواء احتضاره التماعات أجواء  سعيدة ؟ من الطبيعي ونموذج الجحيم هذا ان يسجل البلد صدارته العالمية في الفساد  ..وان يتساوى كل المختلفين أمام الغريق ..وأمام الحريق… وأمام شعب حلت عليه كل الأهوال ..ينتظر من السياسي نجدته ,ومن ثم مواساته .. لا الاختلاف حوله ومضاعفة إرهاقه

أبناء جنوب العراق.. روافـــــــد إنسانيـــــــة لاتنضـــــــب

تتواصل حملات تشويه صورة الشعب العراقي عبر كل الوسائل الرخيصة، وتتصاعد معها موجات الحقد والكراهية ضد كل من ينتمي إلى العراق. كان آخرها الحملة التي شنها علينا المدعو (أ. د. جلال الوزير) في مقالته التحريضية المهلهلة التي نشرها قبل بضعة أعوام على موقع (كتابات)، ثم عاد لينشرها من جديد في الأسبوع الأول من عام 2012 على صفحات موقع (العراق فوق الخط الأحمر)، بعنوان: (تعرف على الشروك). الأمر الذي يستدعي ضرورة الانتباه إلى لعبة التنافر العرقي الطائفي، التي تمارسها ضدنا بخبث هذه الأقلام المأجورة تحت غطاء مصطنع يتظاهر بالموضوعية التاريخية. . 

مما لا ريب فيه ان مثل هذه المقالات المنبعثة من مزابل التعفن الفكري تحفزنا على ضرورة التسلح بقدر كبير من التمحيص والذكاء في التعامل مع الطوفان الإعلامي المزيف، الذي تبثه النفوس المريضة والعقول المغرضة من حين لآخر، ليس فقط من أجل تمييز الصواب من الخطأ، والكذب من الصدق، ولكن لتجنب حالة خطيرة قد يستدرج إليها المواطن البســـــيط لمنزلقـــات إعلامية تهدف إلى تكـــريس الفـــــرقة والتشرذم. 

لقد كان (جلال الوزير) صريحـا فــي عدوانيته، ممعنا في اختيار مفردات التهكم وعبارات السخرية، منزعجا من أصالة جنوبنا الضاربة في أعماق التاريخ، متجاهلا تاريخ السلالات البشرية التي عاشت في فردوس عدن جنوب العراق، ومتغافلا عن مهبط سيدنا آدم في القرنة الجنوبية، ومولد سيدنا إبراهيم في (أور) الجنوبي، ومتجاهلا إقلاع سفينة سيدنا نوح من (الكوفة) الجنوبية، وملحمة جلجامش، وحكايات عشتار وتموز وانكيدو، وشرائع وسنن حمورابي. 

لقد تجاهل محطات شامخة فوق متن التاريخ، مازالت معالمها تحمل السمات السومرية والبابلية والاكدية في الوركاء ولكش ولارسا. حضارات علمت الناس الكتابة والتدوين والتعامل التجاري، وعلمتهم علوم الفــــــلك والرياضيات والطـــــب والهندســة والملاحـــة في عرض البحار. فقـــــد كان المربد ديوان الشعر العربي ولسانه الناطق بالبلاغة وفنون الأدب، وكــان الخليل بــن احمد الفراهيدي البصري قاموس العرب وأول من ضبط إيقاعات الكلام الموزون. 

في جنوب العراق تربى الحريري، وهنا كتب مقاماته في ذاكرة الطين والماء، وهنا أبدع الأصمعي، والجاحظ، ومحمد بن سيرين، ومالك بن دينار، ومالك بن الريب، وواصل بن عطاء، والحسن بن الهيثم، ودعبل الخزاعي، وعتبة بن غزوان، والواسطي . ليس فيهم لاري أو هندي أو بلوجستاني. فهل كان بدر شاكر السياب، سيد الشعر العربي الحديث بلوشيا ؟. وهل كان محمد سعيد الحبوبي، شاعر الفقهاء وفقية الشعراء باكستانيا ؟. وهل كانت لميعة عباس عمارة سريلانكية ؟. وهل كان عبد الرزاق عبد الواحد أفغانيا ؟. وهل كان العالم الفيزيائي الكبير عبد الجبار عبد الله، ابن (قلعة صالح) مغوليا ؟، مع خالص احترامنا واعتزازنا بكل الأقوام والسلالات البشرية التي خدمت الإنسانية ولم تعتد على بقية الشعوب، فخير الناس من نفع الناس، ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، ثم ما هذه الحجة الواهية التي استند عليها (جلال الوزير)، بقوله أن أغنية (عبرت الشط على مودك)، التي كتبها (عزيز الرسام) سجلت هجرة قبائل (اللر) من جبال (لرستان) إلى بطائح العراق. ويبدو واضحا ان (جلال الوزير) لم يقرأ مذكرات الزعيم العربي وقائد الثورة المصرية (احمد عرابي)، التي يتفاخر فيها بانتسابه إلى بطائح جنوب العراق، قائلا (( أنا احمد عرابي بن سيد صالح البلاس من بطائح جنوب العراق)). وكيف اقتنع (جلال الوزير) بان فن الابوذية مقتبس من الأغاني الهندية والطقوس الوثنية ؟. ولولا عناية الله لقال (الوزير) أن (الشروك) ينتسبون إلى قبائل (الشروكي). وهي من قبائل الهنود الحمر، ثم ما علاقة النبرة الحزينة في الأغاني العاطفية في الاستدلال على السلالة التي ينتمي إليها المطرب ؟.  فمعظم الأغاني العربية في تونس ومصر وليبيا والجزائر تحمل بصمات الألم ولوعة الفراق. فهل يعني ذلك أنهم ينحدرون من أصول افريقية ويعانون اضطهاد الرق والعبودية ؟؟، اما بخصوص العبارات الجنوبية الدارجة، من مثل (جا). فكلمة ( ﭽـا )  يستخدمها اهل الجنوب بكثرة، فيقولون: (ﭽـا شلون ؟) بمعنى كيف اذن، (ﭽـا شفت شلون؟) بمعنى هل رأيت كيف؟، و ( ﭽـا ليش ؟) بمعنى لماذا اذن؟ ، وتأتي كأداة ربط يصعب ترجمتها حـــرفيا مثل (ﭽـا شمدريني) و (ﭽــا وينك) وهكذا، وهذه الكلمة مقتصرة على العراقيين فقط وأصلها من (كا) او (قا) الآرامية. وهي بنفس المعنى. تحولت الكاف الى ﭽـ ch . مثلما تحولت كلمة كلب الى (ﭽـلب)،  و كف الى (ﭽـف) وهكذا . وهنالك أمثلة كثيرة على رواسب اللغات العراقية القديمة في اللهجات الدارجة. ونشرت المراكز العلمية العراقية بحوثا عدة حول المفردات السومرية والبابلية الشائعة، اما أسماء أبناء الجنوب فلا تختلف عن أسماء معظم أبناء الوطن العربي. فالكلب في التراث الإنساني يرمز الى الوفاء. ولا ضير من تسمية (جلوب) فهناك قبيلة معروفة من قبائلنا العربية تدعى (بني كلب). وقال جرير: 

فغض الطرف انك من نمير  

     فلا كعبا بلغت ولا كلابا

ومن غير المعقول ان يتوصل الإنسان العاقل إلى استنتاجات تاريخية استنادا على تسميات أبناء الريف إلا إذا كان يضمر لهم الحقد والكراهية، أو مصابا بلوثة دماغية أفقدته صوابه، لكن المثير للغرابة في مقالة) جلال الوزير) تصنيفه لأبناء الجنوب بأسلوب مبتكر يتنافى مع علم (أصل الأنواع)، وعلم الوراثة. فقد توصل (جلال الوزير) إلى بعض الصفات الوراثية لأبناء الجنوب تميزهم عن بقية خلق الله. وادعى انهم يتصفون بقصر القامة، وتفلطح القدم، والسمرة الداكنة. وبأسلوب يفصح عن روح التهكم، ونزق الترف الارستقراطي، والتعالي والغطرسة التي رافقته في جميع استنتاجاته الساذجة وأفكاره البليدة. ولا ندري كيف استطاع ابن محافظة (ميسان)، الرياضي الدولي (علي الكيار) ان يحرز لقب بطولة العالم في جمال الأجسام ورشاقة الأبدان ؟؟. وكيف استطاع الرباع الدولي عبد الواحد عزيز، وهو من أبناء البصرة، الحصول على الوسام الاولمبي العراقي الوحيد في رفع الأثقال ؟؟.  وكيف استطاع السباح الدولي (عبد الرضا محيبس) أن يتفوق على أبطال قارة آسيا في السباحة الحرة. والحديث طويل عن هيثم عبد السادة وزبرج سبتي وهادي احمد وعلاء احمد ورحيم كريم وعادل خضير وكريم علاوي وحسن كاظم وفالح حسن ونزار عبد الزهرة وحمزة قاسم وكاظم وعل وعبد المهدي هادي وعبد الرزاق احمد . . الخ، ولا ننسى أبطال المنتخب الوطني لكرة القدم، الذين فازوا بكأس آسيا. ورفعوا راية العراق فوق النجوم، ومعظمهم من جنوبنا الحبيب. فهل كانت أقدام هؤلاء الأبطال مفلطحة ؟؟. إلا يعني هذا ان دماغ (جلال الوزير بلا وزارة) هو المفلطح والمسطح والخاوي الأجوف. 

فقد ركب (جلال الوزير) الموجة المعادية لأبناء العراق. وراح يخلط الأوراق، ويزيف الحقائق، ويمعن في إيذاء أبناء الجنوب، وتشويه صورتهم العربية المشرقة. فليست هنالك مقاطعة واحدة في الوطن العربي كله ينتسب أهلها إلى القبائل العربية القحطانية والعدنانية العريقة كما هو الحال في جنوب العراق. عندنا في الجنوب يتفاخر الناس بقبائلهم العربية، التي مازالت تحمل الأسماء العريقة نفسها منذ صدر الإسلام. نذكر منها قبائل طي، وبني لام، وتميم، وبني أسد، وزبيد، وربيعة، وخفاجة، وبني هاشم، وبني زيد، وبني مالك، وشمر، والنجادة، والشريفات، والزهير، والحلاف، والبيضان، والبو عبود، والبو محمد من زبيد، والمياح، والقطران، والعيدان، وعنزة، والغزي، والسعدون، والشويلات، وبني ساعدة (السواعد)، والسعد، وبني سكين، وإعبودة، والبو صالح، والدواسر، والجيزان، وبيت نويصر، وبيت نصر الله، والفريجات، والنصار، والقناص، وبني كعب، والمحيسن، والغنام، والظوالم، وآل فتلة، والخوام، وقريش، والجبور، وآل بو سعد، والنواشي، وبني سعيد، والغانم، وبني وائل، والســواري، وبـني ســالة، والخزاعــل، والبهادل، وبـني حجيم، وحجام، والفرطوس، وآل جويبر، وعبادة، والعكـــيل، والشــــاوي، ومـــذحـج، والازارقـــة، والبودراج، وغيرهم كثير، ونسأل الكاتب اللاوزير، هل يعرف شيئا عن طبيعة وعادات العشائر الجنوبية ؟. وهل سمع بشجاعتها وبسالتها وكرمها ؟. وهي الصفات الأصيلة للعرب الاقحاح، وهل سمع بنخوة اخوة علية، واخوة فاطمة، وإخوة باشه، وإخوة سعدة، وإخوة كوشه، وإخوة مايعة، وإخوة فدعه. فهل كانت مايعة وكوشه وسعدة وفدعه وعلية أصفهانيات ؟؟، ثم ماذا سيقول (جلال الوزير) للقبائل العربية التي تقطن الأحواز، وهور الفلاحية والتي تطالب الآن باسترداد عروبتها ؟؟، إذا كان ينظر إلى أبناء بغداد بهذه النظرة الاستعلائية المريضة، فعلى الرغم من الويلات والنكبات والأحزان والآلام والدمار والتخريب والإرهاب والقتل العمد الذي نواجهه كل يوم، نرى وللأسف الشديد أن الكثير من الأقلام قد تخلت عن إنسانيتها ودينها وعروبتها فانجرفت مع المخططات الخبيثة، وجندت جيوشها لكي تصبح أداة من أدوات الحرب والصراع والهيمنة والترويج للفوضى والتحريض وبث السموم وزرع الفتن وتزييف الحقائق وصب الزيت على النار وإرهاب الناس وتغييبهم ومصادرة حقوقهم،  إلى أن تحامتنا العشيرة كلها.

تتراوح مواقف المعادين للعراق بين شامت وساخر، ومحرض وكاذب، ومتباكي ومتشفي، يبدو أن ثمة تنوعا كبيرا في الكتابات المسمومة، تستمد مدادها من مخططات معادية مدروسة تهدف إلى زعزعة ثقتنا بأنفسنا، كما لو كان ثمة مصدر واحد يحركها في الخفاء، فالمقالات التحريضية يجري انتقاؤها من الإطار المرجعي الأمريكي الإعلامي، أو من البيئة الحاقدة المجاورة للعراق. قد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي لكن الجوهر واحد. وصرنا كالجبل الشامخ الذي تدكدك ثم مال بجمعه في البحر فاجتمعت عليه الأبحر. 

لله درك يا عراق كم ستتحمل من هجمات وغزوات وغارات الأعداء في الداخل والخارج، لكننا نرجع لنؤكد مرة أخرى أن أبناء العراق كلهم ملحٌ للمتعفنين في مزابل الحقد والكراهية، ويبقى العراق شوكة في عيون الضفادع الوقحة. 

صانع التوتر الطائفي يحذر منه .. أحمد أغلو مثالا

قبيل توجهه لزيارة طهران في أجواء مشحونة عالميا وإقليميا وكان للسياسة التركية عبر ممثل دبلوماسيتها أحمد داود اوغلو دورا غير محمود العواقب في تأجيج التوتر وصناعة التفرقة التي كان للحضور الطائفي فيها استحضارا للمزاج المعبأ بالحقد والكراهية .

نقل عن السيد أحمد داود أغلو تحذيره من التوترات الطائفية في المنطقة .

ولاندري من سيصدق السيد أغلو في تحذيره هذا، وكيف ؟

والمخيم الذي صنعه الأتراك على الحدود التركية السورية قبيل اندلاع ألازمة السورية بأسبوعين  والذي جاءت بعده مجزرة جسر الشغور التي راح ضحيتها ” 160″ سوريا من قوات حفظ النظام ومن الجيش السوري .

وفي هذا المخيم الفتنة حدث مايلي :-

1-  تم اغتصاب ” 400″ امرأة سورية من اللاجئين الذين أكتشف أغلبهم خداع الشعارات التي من أجلها أنشئ المخيم .

2-  رجوع المقدم السوري حسين الهرموش عن اللجوء والانشقاق على الجيش السوري بعدما أكتشف زيف الدعاوى المعارضة وعدم صدقيتها .

3-  رجوع الرسام التشكيلي السوري صيطوف بعدما طلب منه وزير الصحة التركي أن لايصرح باغتصاب النساء في المخيم التركي . فما كان من الرسام السوري ألا أن قال للوزير التركي كيف أنكر ذلك وأنا من شاهد عمليات ألاغتصاب بنفسه . 

وهذه المواقف هي من دعت ذلك الرسام الى الرجوع عن اللجوء الى تركية مستغلا وجود قرار بالعفو عن الذين لم تتلطخ أياديهم بدماء السوريين .

والسيد أغلو الذي يطالعنا اليوم بتحذيراته من التوتر الطائفي الذي سيأخذ المنطقة الى ألانتحار نسي أنه هو ورئيس الحكومة التركية رجب طيب أوردغان من كانوا وراء زراعة الفتنة الطائفية في المنطقة من خلال الخطوات التالية :-

1-  إصدار التصريحات المتشنجة ضد النظام السوري بشخص بشار ألاسد .

2-  ولم يكتفوا بالتصريحات المتشنجة وإنما طالبوا الرئيس السوري بالتنحي وهو تدخل لاتجيزه الأعراف والقوانين الدولية .

3-  ظهور تعاونهم العلني مع حكام قطر لتأجيج التوتر في سورية لمصلحة الكيان الصهيوني بغطاء أمريكي وأوربي مكشوف .

4-  تبنيهم العلني للتيارات السلفية والإخوان المخترقين من قبل تنظيم القاعدة .

5-  تنسيقهم مع السعودية جعلهم يغضون الطرف عما يجري في البحرين من انتهاك فاضح لحقوق الشعب البحريني , وهذا التنسيق هو من صلب العمل الطائفي الذي أفسد علمانية السياسة التركية في الظاهر .

6-  تبنيهم لبعض الإطراف السنية العراقية بدوافع طائفية واحتضانهم لبعض مؤتمراتهم في اسطنبول وأنقرة والتي كانت التصريحات الطائفية فيها واضحة هو ما يبطل تحذيرات السيد أغلو الذي ينطبق عليه قول المثل :-

” رمتني بدائها وأنسلت ” وقول الشاعر :-

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

              عار عليك إذا فعلت عظيم .

أن زيارة السيد أغلو لطهران والتي لايمكن فصلها عن التنسيق الأمريكي الاوربي ومن ورائهما الحاجة الملحة لعرب الخليج الذين اكتشفوا مؤخرا تماسك الشعب السوري مع الجيش والنظام ولم يستطيعوا كسب مواقف علماء أهل السنة البارزين في سورية مثل الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ومفتي سورية الشيخ بدر الدين حسون وبقية المفتين من مشايخ أهل السنة في سورية من الذين رفضوا الفتنة الطائفية ورفضوا أعمال القتل والتخريب التي وقعت في المدن السورية والتي جعلت رجال الدين المسيحي في سورية يقفون مع أصلاحات النظام السوري .

ثم أن السيد أغلو توجه الى طهران بعد أن توقعوا أن تقارير مراقبي الجامعة العربية في سورية لاتخدم مشروعهم في الإطاحة بالنظام السوري من خلال التدخل العربي وإنما أصبحوا على أبواب مشروع أمريكي يصر على التدخل الدولي في سورية مستبقا تشكيكه بتقارير فريق مراقبي الجامعة العربية الذين واجهوا واقعا ميدانيا لايمكن تزويره , وهذا الواقع الميداني يكشف بوضح أعمال العنف التي قامت بها أطراف مدفوعة من الخارج بإغراءات مادية ونعرات طائفية . مما جعل الشعب السوري يرفض تلك الجماعات ويتبرأ منها مثلما يرفض ويدين المعارضة التي تقف ورائهم .

وهذه الحالة جعلت المشروع التركي يواجه فشلا ذريعا في المسألة السورية ومعهم فريق العرب الخليجيين , بينما جعلت الجانب الإيراني المتعاطف مع الشعب السوري من خلال جملة خطوات عملية اقتصادية خففت ضغط الحصار ألاقتصادي والتي كان للعراق الدور الكبير في ذلك التخفيف باعتراف وزير ألاقتصاد السوري الدكتور محمد الشعار , وهو موقف من قبل العراق تجاه الشعب السوري تمليه حقوق الإخوة والوفاء ورفض حقيقي لما يواجهه الشعب السوري من تمزيق لوحدته واعتداء على كرامته من قبل العصابات الإرهابية والمتعاونين معها من بعض أطراف القيادة التركية وعرب الخليج الخائفين على عروشهم , والأتراك وعرب الخليج وجدوا أنفسهم محرجين من قبل الموقف الروسي الذي أصبحت مواقفه مع سورية نوعا من التحدي العالمي ولذلك حرك بوارجه باتجاه الموانئ السورية في البحر المتوسط , مثلما كان الموقف الصيني مميزا برفض التدخل الخارجي في المسألة السورية  .

كما كانت مواقف كل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا تعبر عن ثقل جديد يضاف لصالح الموقف السوري المتمسك بسيادته وأيمانه بوحدة شعبه وجيشه .أن الموقف العراقي المتوازن تجاه المسألة السورية هو الذي جعل القيادة التركية تتجه صوب طهران لعلها تحظى ببعض القبول بعد الفشل الذريع في المسألة السورية والتي أنعكست على ألاقتصاد التركي سلبا توضحه أعداد الشاحنات التركية التي ظلت واقفة على الحدود مع مايمثله ذلك من تبعات مالية هائلة , وكذلك انعكاسات الموقف على الشعب التركي الذي يتعاطف بدرجات واضحة مع الشعب السوري .أن السيد أغلو عليه أن يعترف بخطأ السياسة التركية تجاه المسألة السورية قبل أن يكون واعظا في موضوع لايمتلك مصداقيته وتحذيراته عليه وليست له .

المدللون الكبار !

في كتابه الممتع (أسس الصحة النفسية) يشير الدكتور عبد العزيز القوصي، الى جملة أسباب تدعو الأسرة الى (تدليل) هذا الابن عن غيره، كأن يكون ولدا بين عدة بنات، أو بنتاً بين عدة أولاد، أو لأنه وحيد أو معوق أو مريض.. الخ ، والدلال كما هو معروف اسلوب سلبي في التربية، لان الابن يتولد لديه شعور حاد بالنرجسية وحب الذات والأفضلية على الآخرين، وانه يأخذ ولا يعطي، وهكذا يحدث الانفصال بينه وبين محيطه الأسري وبيئته الاجتماعية، وتزداد مخاطر هذا الانفصال في المراحل المقبلة من العمر، فقد يعتمد إذا ما فقد المصدر – موت الوالدين مثلا – الى القوة والعنف وسوء التصرف  لكي يديم وضعه الاستثنائي !

ويبدو ان (محاذير) الدلال لا تقتصر على عالم الأطفال والطفولة، فالزوج الذي يحظى بدلال زوجه الفرط، يمكن ان يقود الرجل الى النتائج ذاتها، ولعل اول اعوجاج يظهر عليه هو مكافأة زوجته بالزواج عليها، أما إذا حصل العكس وكانت الزوجة هي المدللة، فإنها تري زوجها نجوم الظهر !

في حياتنا العامة والسياسية منها على وجه الخصوص يمكن ان نتلمس ظاهرة (المدللين الكبار) بصورة أوضح وأوسع من ظاهرة المدللين الصغار ففي النظام السابق مثلا نجد الموظف (س) يتمتع على حساب غيره بأنواع التمييز والتفضيل على زملائه فالإيفاد الى خارج العراق من نصيبه وكذلك الترقية الوظيفية والاجازات المفتوحة والحضور الى الدائرة ومغادرتها متى يريد ويكون مكتبه قبل غيره فخم التأثيث ومزودا بأكثر من هاتف الى جانب أجهزة التبريد والتدفئة الحديثة ووحدة من يتمتع بخدمة سيارة النقل الحكومية ووحدة من يستطيع استخدام مركبة الدائرة لإيصال زوجته الى مقر عملها والأولاد الى مدارسهم و.. كل هذا وغيره كثير لان الموظف (س) هو واحد من اثنين أما لأنه من المحسوبين على (العائلة) الحاكمة او لأنه عضو متنفذ في حزب البعث بغض النظر عن الكفاءة او الشهادة او الدرجة الوظيفية او سنوات الخدمة !

لا اعرف عدد هؤلاء المدللين الكبار ولكن دعونا (نفترض) إنهم (40) ألفاً في ظل نظام يحكمه حزب واحد من دون وجود رسمي لأية أحزاب أخرى تمثل المعارضة وهذه هي السمة الطبيعية للدكتاتورية حيث حصرت الامتيازات جميعها بيد أربعين ألف شخص من أصل ثلاثين مليون عراقي لا يحظون إلا بالفتات والهوامش الصغيرة !

على ان قضية المدللين الكبار فيما يبدو هي ظاهرة ملازمة للأنظمة منذ قيام الدولة العراقية ولكنها في مرحلة تدفع الى الواجهة نمطا معينا من المدللين على وفق هوية النظام فهم إقطاعيون أو عسكريون او حزبيون والغريب ان هذه الظاهرة لم تتراجع حتى في ظل (النظام الديمقراطي) بعد 2003 والأغرب إنها انتعشت وتضخمت وتفاقمت في اجواء الديمقراطية بحيث استطيع الافتراض جازما ان الأربعين ألف مدلل أصبحوا أكثر من (400) الف مدلل لان أحزاب السلطة والمحسوبين عليهم لديهم آلاف المدللين ولان أحزاب المعارضة والمحسوبين عليها لديهم الاف المدللين ولان الانتهازيين وراكبي الموجة لديهم آلاف المدللين . وقبل ذلك لان الثلاثين مليون عراقي ممن نكل بهم (قادة الضرورة) على مر العصور وممن يعيشون على الفتات والهوامش الصغيرة مسكونون بالخوف والصمت !!