نهر آخر اغتالته الحروب

 انه نهر آخر اغتالته الحروب, وراح ضحية الزمن والمعارك الطاحنة والآفات والإهمال. كان يحمل مياهه العذبة إلى قرى (البوارين), و(الخرنوبية), و(عتبة), و (الدعيجي), و(الصالحية), و (الحسيبية), و (كوت السيد). ويضج بالنشاط والحيوية بجوار شقيقه الأكبر شط العرب, وينساب بمحاذاته. وهو اقصر وأرشق وأجمل واهدأ منه, ولا طاقة له على استيعاب السفن الكبيرة. فاختار أن يغفو بجانبه, ويتوارى خلف الجزر الثلاث المتسقة على حافة الممر الملاحي, والتي تبدأ من الشمال إلى الجنوب بجزيرة (العجيراوية), ثم جزيرة (الطويلة), وأخيرا جزيرة (الشمشومية). وجميع هذه الجزر تقع شرقي شط العرب, في المنطقة المحصورة بين الخورة وجزيرة أم الخصاصيف (أم الرصاص).  

 ولشط العرب الصغير مدخل شمالي, ينحصر بين جزيرة العجيراوية وقرية (الصالحية), التي شيد على ضفافها أول مقر لإدارة الموانئ العراقية عام 1919 . ومدخل آخر يقع عند مقتربات ضفاف (شلهة الأغوات). 

 إن من يتجول في شط العرب الصغير تتجلى له مناظره البهيجة المزدانة بغابات أشجار النخيل. ويرى المتجول في أريافه كأنه يتنزه في بستان جميل المنظر. حيث تتفجر المياه العذبة بين الحقول الخضر. وتمرح الأسماك الملونة في مياه الجداول والغدران, في عالم مائي فريد يعج بأسماك الشانك والحمري والشبوط والكطان والبياح والبني. بينما تختال القوارب والأبلام في قلب النهر. ويمارس الإوز العراقي احتفالاته بحركات بهلوانية, تصاحبها زغاريد متناغمة مع أصوات الأمواج الخفيفة المنبعثة من تلاطم الماء في عرض النهر. وتكتسي ربوع وواحات شط العرب الصغير بمظلة خضراء مشبعة بالندى, ومزينة بفسيفساء الطيف الضوئي الحالم. ولا يستطيع المتجول في تلك الواحات أن يقاوم سحرها الطبيعي. كانت الواحات زاخرة بعرائش العنب المتشابكة مع سعف النخيل وعذوقه المتدلية بقناديل رطب الخستاوي, والبريم والقنطار والليلوي والبرحي. فتتقاطع مع أغصان اشجار التين والبمبر والنبق البمباوي وشجيرات الرمان والمانجو (الهمبة), في نسيج مدهش مطرز بتشابكات الأغصان الطرية البارعة الروعة. تتسلل من خلالها خيوط الشمس الذهبية, فتنعكس على جبهة النهر وتزداد توهجا وبريقا. وتتقافز فوقها العصافير والبلابل الجميلة والطيور الداجنة, وتعطرها الأزهار البرية بأريجها الفواح, في تركيبة عجيبة من نفحات ملكة الليل ورائحة الرازقي الذكية, وشذى الجوري, والأقحوان الممزوج بعبق حبوب اللقاح. وتداعبها النسائم العذبة في هبوب رومانسي منعش. ولعل ابرز ما تتميز به قرى شط العرب الصغير هي طيبة أهلها, وابتسامتهم الريفية المفعمة بالمحبة, ودماثة أخلاقهم, وبساطتهم الفطرية, وسخاء كرمهم, وسهولة التعامل معهم, وتتفرع من شط العرب الصغير مجموعة كبيرة من الأنهار والجداول. أشهرها (نهر جاسم). ذلك النهر الذي ارتبط اسمه بأعنف المعارك الهجومية في التاريخ الحديث. ووقعت على ضفافه في العام 1987 أشرس المواجهات الحربية, وأكثرها دموية. فتحول إلى نسخة دنيوية من جهنم الحمراء, بحممها المستعرة بالنيران, وشظاياها المرعبة, التي تلتهم البشر والحجر فتصرخ (هل من مزيد). وتحولت ضواحي نهر شط العرب الصغير إلى ساحات مفتوحة لكل أنواع المعارك الساحقة, والغارات الحربية الكاسحة. وسرقت عذرية تلك الرياض والمزارع والحقول لسنوات طويلة. فاجتثت اشجار النخيل من عروقها, وغرقت في مستنقعات الدم. وحلت محلها السواتر الترابية, والمواقع الإسمنتية المحصنة, والتعزيزات الهندسية الهجومية والدفاعية. وجففت الأنهار, وجرفت البساتين, وهجرها السكان بعد أن زلزلت الأرض تحت أقدامهم, ولاذوا بالفرار فزعا وروعا. وأخليت القرى تماما منذ انطلاق الشرارة الأولى في العام 1980, وتلتها سلسلة متلاحقة من المعارك البركانية المتوحشة. التي عصفت بالمنطقة برمتها, وأحالتها إلى هشيم محترق. وقلبت عاليها سافلها. ونال نهر شط العرب الصغير قسطا كبيرا من الدمار. بعد أن اغتالته الحرب الضروس. ومزقته قنابل المدفعية الثقيلة. وخنقته المعابر الترابية التي أقيمت فوقه. وامتلأت أعماقه بالدبابات والعجلات العسكرية المحطمة. فتقطعت أوصاله. وتغيرت ملامحه. واجتاحه الخراب الشامل. وتوقفت مياهه عن الجريان منذ عام 1980 ولغاية الآن. وصارت تلك الرياض في تداعيات الذاكرة, واختفت الربوع الجميلة في دفاتر النسيان. ودفن شط العرب الصغير تحت الركام والردم. وسجل في عداد الأنهار الموتى. لكنه ما زال مزروعا في قلوب أهله وخالدا في ذاكرتهم . وكتبت على قبره هذه الأبيات الشعرية المحرَفة (*) من قصيدة السياب : 

عيناك غابتا نخيل ٍ دونما سحَرْ 

والغابتان دونما ثمرْ 

عيناك لا تبتسمان 

من حجرْ ! 

قد عادتا ، والشط جف ّ 

والنخيل ُ في ضفافه انتحرْ 

والشرفتان نامتا في الظلامْ 

لن ترقص الأضواء كالأقمار كالنجوم كالحمامْ 

جميعهم قد هاجروا 

وارتحل النهَرْ 

 (*) حرفت قصيدة (أنشودة المطر) من قبل الشاعر خلدون جاويد, مع الاعتذار للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.

الوقت ثروة

 كثيرة هي الأقوال والنصائح والحكم التي تتعلق وتتحزم بنطاق ضرورات الاهتمام بالوقت الذي يرى فيه الفرنسيون ثروة حقيقية ماثلة في سياق وسباق ونهج ما تحقق ويتحقق كل يوم من ثواني ودقائق الزمن في تلك الدول والبلدان التي تحترم الوقت وتعزه معزة الأم لطفلها.

 وتبقى عبارة (الوقت كالسيف … ان لم تقطعه .. يقطعك) دامعة لامعة لمعان سيف عنترة بحب عبلة وهو يقول :

(ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني 

                       وبيض الهند تقطر من دمي

  فوددت تقبيل السيوف لأنها

                      لمعت كبارق ثغرك المتبسم) 

 نحن والحق يقال قوم نكثر من الحكم والأقوال ونذوب لذة في نحت التبريرات ونتعلل بالتشكي والتباكي على عهد مضى وأنقضى كنا قد صنعنا فيه أول ساعة رملية أهداها (هارون الرشيد) الى (شارل مان) ملك الروم ،، ولكن سرعان ما توقف عندنا الزمن هناك ، لنبقى – إلى الآن – نشد من عزمنا بالإصرار على خلق الأعذار ومزاولة عناد عجيب يحرص على كتابة المستقبل بحبر الماضي على حد تعبير(أدونيس)!

   لا نبغي اية مقارنة نتفاخر باجراءها -هنا-  ربما تزيد من وضع الملح على الجرح في قدرتنا الهائلة على هدر ونحر الوقت بلا وجع قلب بين ما يلهث العالم راكضا بسرعة الضوء فيما نسير الهوينا و تمشية أمورنا على ضوء الفانوس واللاله وأقرانها ،، وهي- في الحقيقة والواقع – كثيرة ومتنوعة قد تبدأ بأسطورة توفير الكهرباء ولا تنتهي الأ بسلسة طويلة عريضة من حقوق ضاعت وتبددت مابين وعود وعهود وتبذير وقت كما حصل – مثلا- في اعادة أطلاق سلف تم التنويه عنها منذ عام وأكثر ظلت تراوح في أدراج وزارة المالية التي تباهت -أيضا-  بنبوغ عبقرية فكرة المائة راتب التي تنحسر- تحديدا- ببناء مساكن لمساكين الموظفين من ذوي الدخل المحدود وغيرها الكثير من أحلام أبناء بلاد النفط والثروات التي تحولت- بفعل تباطؤ الوقت وتراكم الزمن الذي يسير – على الدوام- منصب القامة .

 لا أدري لماذا تناهى الى ذاكرتي – الآن- حكاية ذلك الصحفي اللبناني الذي نجح في أن يحقق موعدا لاجراء مقابلة مع رئيس وزراء سويسرا من خلال علاقة بمديرة مكتبه بغية أجراء مقابلة معه وحين حان موعد ذلك اللقاء المرجو كان صاحبنا قد تأخر عن الوقت المحدد دقيقة واحدة فقط … نعم دقيقة واحدة…  يا جماعة الخير … كانت قد قصمت ظهر محاولة اجراء لقاء مع رئيس الوزراء كونه أعتذر بسبب تلك الدقيقة !

 وبعد أن اعيت الحيلة والوسيلة زملينا الصحفي، قال لمديرة المكتب بيأس وأدب رجاءً : لا تضيعي علي هذه الفرصة سيدتي ،، أنها مجرد دقيقة واحدة ،، دقيقة لا تساوي شيئا من عمر الزمن .

– فأجابته بثقة واعتداد لتنهي الموعد تماما من جدولها اليومي؛( يا سيدي هذه الدقيقة التي تقول عنها هي التي صنعت سويسرا ) .!!

الدين للقلب لا للمنصب

سيأتي اليوم الذي يصحو فيه المسلمون السياسيون ,ويدركوا بهلع  عما الحقوه بالاسلام ورموزه من اهانة وتشويه ,,ويوقنوا انه لا امة طلع فيها من يمتهن اعلامها وامثولاتها ومقدساتها كالامة العربية ,عبر ساستها من عشاق السلطة   …هؤلاء الذين سخروا المقدس خادما ذليلا يهرع لمساندتهم ,وتبرير اهواءهم ونزواتهم ..والشهادة لهم بالطهارة والشرعية ..وترويج جهالاتهم وتصريف ضغائنهم …وقدموا للبشرية صورة قبيحة عن الاسلام العظيم طفحت على فضائيات تسخر وتتهكم عليه ..وتدعو لمقارنة غلظته وقسوته وتقاتل سياسييه على المناصب ,لا التسابق والتباري لتجميل الحياة ووضع بصمة الدين والمذهب والاعتقاد عليها لتكون دعوة حية للبشر لامتثالها وتقليدها والالتحاق بها …وبما يعزز القول الشائع من ان الاستبداد شرقيا ..وربما القصد انه اسلاميا ..وكان مونتسكيوقدافصح وقرن الدكتاتوريات والاستبداد بالاسلام …وما ذاك الا لاحتماء الطغاة وتحصنهم بالاسلام واستخدامه قناعا للعبور الى السلطة …ولان عشاق السلطة من هذه الشاكلة محدودو الذكاء والنباهة فانهم لا يلتفتون ولا يخطر لهم انهم يسيئون الى الدين ويمتهنونه ويثيرون نفور وامتعاض غير المسلمين منه (يقال عن ردود فعل خطيرة لمسلمين قد تتكشف في اية لحظة) فالانسان في نهاية المطاف لا يرى العقائد والاديان الا من خلال سلوك وتصرف ووقائع على الارض …وان المراقب الاوربي لبلدان المسلمين ,مثلا , يحكم بما يراه ويسمعه ويعيشه من سياسيي وقته ولا يعنيه ان يبحث ويرجع الى صدرالاسلامويقرأعن زهد وورع رموزه  ..والذين يرون ان الدنيا ومضة سعيدة لعمل الخير  ,والا فهي شعرة مجذوم في است خنزير …ويدرك تشويه سياسي اليوم لهذا الدين …

الاسلام ليس ما نراه …الاسلام الذي يوصي ويفرض الذبح الرحيم للحيوان ..ويخشى على الجار من رائحة الشواء ,ويلعن من يؤذي ذميا ..الاسلام الذي يتضاعف الثواب فيه بتقارب وتوادد ووحدة الجماعة  ..وكل اركانه تنهض على روح العائلة  الامة ,,العائلة المسلمة ..والعائلة الانسانية …ولذا فما نراه ليس الاسلام  .. ولا نظنه سيشكل دعوة للبشرية لامتثال تجربته  والسعي للحلم في اجواءه ورحابه وبلدانه …على العكس فالمسلمون هم الذين يتطلعون للفرار من المتاجرين بالاسلام وقد يواجهون الاهوال ويكونوا طعما لاسماك القرش  للنجاة من الطغاة والمستبدين (المتقين ).

الرأي الخطير ان هناك عالم عرف الحياة ويريد ان يعيشها ..وان يسبر اغوارها واسرارها وممكناتها  …وبذات الوقت يعتقد ان لا مكان بعد للاغبياء وللمتخلفين ..وليتركوا يقتلوا انفسهم بانفسهم  ..وليكونوا دمى بانامل الاذكياء ..والسياسي المسلم لا يدري ان مكان الدين القلب وان التقاء القلب وثمرة الدين الاخلاقية مع السياسة ستستعجل الجنة وتقيمها على الارض ..وهذا مايجهله جهلاء الدين والسياسة.

نهر آخر اغتالته الحروب

 انه نهر آخر اغتالته الحروب, وراح ضحية الزمن والمعارك الطاحنة والآفات والإهمال. كان يحمل مياهه العذبة إلى قرى (البوارين), و(الخرنوبية), و(عتبة), و (الدعيجي), و(الصالحية), و (الحسيبية), و (كوت السيد). ويضج بالنشاط والحيوية بجوار شقيقه الأكبر شط العرب, وينساب بمحاذاته. وهو اقصر وأرشق وأجمل واهدأ منه, ولا طاقة له على استيعاب السفن الكبيرة. فاختار أن يغفو بجانبه, ويتوارى خلف الجزر الثلاث المتسقة على حافة الممر الملاحي, والتي تبدأ من الشمال إلى الجنوب بجزيرة (العجيراوية), ثم جزيرة (الطويلة), وأخيرا جزيرة (الشمشومية). وجميع هذه الجزر تقع شرقي شط العرب, في المنطقة المحصورة بين الخورة وجزيرة أم الخصاصيف (أم الرصاص).  

 ولشط العرب الصغير مدخل شمالي, ينحصر بين جزيرة العجيراوية وقرية (الصالحية), التي شيد على ضفافها أول مقر لإدارة الموانئ العراقية عام 1919 . ومدخل آخر يقع عند مقتربات ضفاف (شلهة الأغوات). 

 إن من يتجول في شط العرب الصغير تتجلى له مناظره البهيجة المزدانة بغابات أشجار النخيل. ويرى المتجول في أريافه كأنه يتنزه في بستان جميل المنظر. حيث تتفجر المياه العذبة بين الحقول الخضر. وتمرح الأسماك الملونة في مياه الجداول والغدران, في عالم مائي فريد يعج بأسماك الشانك والحمري والشبوط والكطان والبياح والبني. بينما تختال القوارب والأبلام في قلب النهر. ويمارس الإوز العراقي احتفالاته بحركات بهلوانية, تصاحبها زغاريد متناغمة مع أصوات الأمواج الخفيفة المنبعثة من تلاطم الماء في عرض النهر. وتكتسي ربوع وواحات شط العرب الصغير بمظلة خضراء مشبعة بالندى, ومزينة بفسيفساء الطيف الضوئي الحالم. ولا يستطيع المتجول في تلك الواحات أن يقاوم سحرها الطبيعي. كانت الواحات زاخرة بعرائش العنب المتشابكة مع سعف النخيل وعذوقه المتدلية بقناديل رطب الخستاوي, والبريم والقنطار والليلوي والبرحي. فتتقاطع مع أغصان اشجار التين والبمبر والنبق البمباوي وشجيرات الرمان والمانجو (الهمبة), في نسيج مدهش مطرز بتشابكات الأغصان الطرية البارعة الروعة. تتسلل من خلالها خيوط الشمس الذهبية, فتنعكس على جبهة النهر وتزداد توهجا وبريقا. وتتقافز فوقها العصافير والبلابل الجميلة والطيور الداجنة, وتعطرها الأزهار البرية بأريجها الفواح, في تركيبة عجيبة من نفحات ملكة الليل ورائحة الرازقي الذكية, وشذى الجوري, والأقحوان الممزوج بعبق حبوب اللقاح. وتداعبها النسائم العذبة في هبوب رومانسي منعش. ولعل ابرز ما تتميز به قرى شط العرب الصغير هي طيبة أهلها, وابتسامتهم الريفية المفعمة بالمحبة, ودماثة أخلاقهم, وبساطتهم الفطرية, وسخاء كرمهم, وسهولة التعامل معهم, وتتفرع من شط العرب الصغير مجموعة كبيرة من الأنهار والجداول. أشهرها (نهر جاسم). ذلك النهر الذي ارتبط اسمه بأعنف المعارك الهجومية في التاريخ الحديث. ووقعت على ضفافه في العام 1987 أشرس المواجهات الحربية, وأكثرها دموية. فتحول إلى نسخة دنيوية من جهنم الحمراء, بحممها المستعرة بالنيران, وشظاياها المرعبة, التي تلتهم البشر والحجر فتصرخ (هل من مزيد). وتحولت ضواحي نهر شط العرب الصغير إلى ساحات مفتوحة لكل أنواع المعارك الساحقة, والغارات الحربية الكاسحة. وسرقت عذرية تلك الرياض والمزارع والحقول لسنوات طويلة. فاجتثت اشجار النخيل من عروقها, وغرقت في مستنقعات الدم. وحلت محلها السواتر الترابية, والمواقع الإسمنتية المحصنة, والتعزيزات الهندسية الهجومية والدفاعية. وجففت الأنهار, وجرفت البساتين, وهجرها السكان بعد أن زلزلت الأرض تحت أقدامهم, ولاذوا بالفرار فزعا وروعا. وأخليت القرى تماما منذ انطلاق الشرارة الأولى في العام 1980, وتلتها سلسلة متلاحقة من المعارك البركانية المتوحشة. التي عصفت بالمنطقة برمتها, وأحالتها إلى هشيم محترق. وقلبت عاليها سافلها. ونال نهر شط العرب الصغير قسطا كبيرا من الدمار. بعد أن اغتالته الحرب الضروس. ومزقته قنابل المدفعية الثقيلة. وخنقته المعابر الترابية التي أقيمت فوقه. وامتلأت أعماقه بالدبابات والعجلات العسكرية المحطمة. فتقطعت أوصاله. وتغيرت ملامحه. واجتاحه الخراب الشامل. وتوقفت مياهه عن الجريان منذ عام 1980 ولغاية الآن. وصارت تلك الرياض في تداعيات الذاكرة, واختفت الربوع الجميلة في دفاتر النسيان. ودفن شط العرب الصغير تحت الركام والردم. وسجل في عداد الأنهار الموتى. لكنه ما زال مزروعا في قلوب أهله وخالدا في ذاكرتهم . وكتبت على قبره هذه الأبيات الشعرية المحرَفة (*) من قصيدة السياب : 

عيناك غابتا نخيل ٍ دونما سحَرْ 

والغابتان دونما ثمرْ 

عيناك لا تبتسمان 

من حجرْ ! 

قد عادتا ، والشط جف ّ 

والنخيل ُ في ضفافه انتحرْ 

والشرفتان نامتا في الظلامْ 

لن ترقص الأضواء كالأقمار كالنجوم كالحمامْ 

جميعهم قد هاجروا 

وارتحل النهَرْ 

 (*) حرفت قصيدة (أنشودة المطر) من قبل الشاعر خلدون جاويد, مع الاعتذار للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.

ألغام الخطاب السياسي

الخطاب السياسي يحتاج إلى دراية وإلمام بمفردات اللغة ومدلولاتها مثلما يحتاج إلى معرفة المناخ السياحي للبلد، والمناخ الاجتماعي للمواطنين.

أما مدلولات اللغة فنترك الحديث عنها لطبيعتها الاختصاصية العميقة، ولكن يكفي ان نشير إلى ان الألفاظ المستعملة في اي حديث او خطاب تترجم لدى السامع والمتلقي بمعان قد لا يقصدها المتحدث، وعندما لا يلتفت المتحدث إلى هذه الظاهرة يجلب لنفسه ولمن يقف معه من أسرة واصدقاء وحزب وعشيرة إحراجا من خلال إفرازات ما يلي:

1- عتاب

2- لوم

3- سوء الظن

4- خصومة

وتتجمع هذه الإفرازات وتتراكم لتصنع مواقف يصعب التعامل معها او السيطرة عليها.

وصعود وهبوط الأفراد على المستويات الاجتماعية والسياسية منوط بقدرة الأفراد على التحكم بالألفاظ ومفردات اللغة المستعملة ومن هنا جاءت الحكمة: “تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه”، ومن هنا يوظف قول لقمان الحكيم: “الصمت حكمة وقليل فاعلها”، والى هذا المعنى أشارت الآية القرآنية: “كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون”، البقرة – 151-.

وأما معرفة المناخ السياسي للبلد والذي ينطوي على المظاهر التالية:

1- المستوى الناضج المتطور.

2- المستوى غير الناضج ولكنه منفتح على التطور.

3- المستوى غير الناضج وغير المنفتح على التطور.

ويعرف نضج المناخ السياسي من خلال:

1- نضج القاعدة الشعبية.

2- نضج مؤسسات الدولة وهي:

أ- برلمان فيه المعارضة والموالاة تعمل من خلال خطة للتشريع والمراقبة، وتجتهد في الرأي من خلال حاجة الوطن والمواطن لا من خلال املاءات الحزب الذي ينتمون اليه او ربما التأثر باملاءات خارجية كما يحدث عندنا.

ب‌- حكومة يجمعها مجلس وزراء متكافئ الحضور يعمل من اجل خدمة المواطن في قضايا: التعليم والصحة والخدمات والأمن، والاقتصاد والسياحة وتعزيز دور المواطن من خلال تقديم الاحتياجات واحترام رأيه.

ت‌- قضاء عادل وحازم لا يتأثر بالسلطات التنفيذية او التشريعية.

ث‌- هيئات ومؤسسات تعمل بروح الفريق الواحد وبهوية الوطن للجميع وتجسد تلك المصداقية بعملها الميداني اليومي.

وهناك مظاهر اخرى للمناخ السياسي قد تكون على النحو الآتي:

1- مناخ سياسي معتدل ومتوازن.

2- مناخ سياسي متطرف وغير متوازن.

ومن يعمل في الميدان السياسي عليه ان يكون قادرا على تشخيص مستويات ومظاهر المناخ السياسي وبدون هذا التشخيص لا يتسنى له مواكبة الحركة السياسية في الداخل ولا في الخارج، ومن هنا تبدأ صناعة الالغام في الخطاب السياسي والتي تحدث تفجيرات مفاجئة تؤدي الى تشظي المواقف التي بدورها تصنع الانقسامات المصحوبة بغيوم الفتنة وزلازلها المرعبة.

 ولا نريد ان نفاجئ جمهور القاعدة الشعبية صاحب المصلحة الاولى في معرفة إبحار سفن المشاريع السياسية التي كثرت مناوراتها وقلت فوائدها عندما نقول ان المستوى السياسي العراقي اليوم يتصف بما يلي:

1- مناخ سياسي غير ناضج ولكنه منفتح على التطور، اما لماذا عدم نضجه فأسبابه كثيرة منها:

أ- كثرة المواقف الملتبسة.

ب‌- كثرة التصريحات المتناقضة.

ت‌- كثرة الشعارات وغياب التطبيقات.

ث‌- كثرة المتحدثين وغياب المنظرين والمخططين.

ج‌- كثرة الادعاءات تكشف فراغ المحتوى والمضمون.

أما الانفتاح على التطور فهي نقطة الضوء التي تبشر بالأمل بالمستقبل وأسبابها:

1- وجود الدستور رغم ثغراته التي يمكن معالجتها.

2- تأسيس ظاهرة الانتخابات في الحياة السياسية العراقية رغم شوائبها التي يمكن تجاوزها بتحسين الأداء وتطوير التجربة.

والمظهر الآخر للمناخ السياسي العراقي فهو:

“مناخ سياسي متطرف وغير متوازن”.

وأسباب التطرف في المناخ السياسي العراقي مايلي :-

1- كثرة وجود المليشيات.

2- وجود احزاب لم تتخلص بعد من ثقافة التطرف وهي:

أ‌- تقديس الأفراد.

ب‌- تمجيد الحالة الحزبية على علاتها وشوائبها.

ت‌- النظر للأمور من خلال المصلحة الفئوية.

ث‌- التعامل مع الدولة على أنها مغنم.

وأسباب عدم التوازن هي:

1- عدم وجود ثقافة حكم مدني منفتح على الآخر.

2- عدم وجود ثقافة عمل سياسي واجتماعي يؤسس لفكرة المواطن الانسان الذي يشكل مشروع عالمية الاجتماع الإنساني وليس فئوية الانتماء.

فالتوازن يأتي في الجسم البشري من الرأس، كذلك يأتي توازن المناخ السياسي من الفكر، فعندما لا يكون الفكر متوازنا لا يكون المناخ السياسي متوازنا.

وعندما لا يكون الفكر المستعمل في الخطاب السياسي متوازنا تكون الألغام هي النتيجة المتوقعة للتفجير والاهتزاز.

والمتتبع لمفردات الخطاب السياسي لعدد غير قليل من الذين انتسبوا لحاضنات سياسية ولم يكونوا سياسيين بالمعنى الاصطلاحي للكلمة هم السبب الرئيس في هذا التطرف وهم السبب الرئيس في فقدان التوازن الذي تتعرض له العملية السياسية والتي نشهد تفتت وتشظي بعض أطرافها وهذه الظاهرة تنتظر أطرافا أخرى.

Alitamimi5@yahoo.com

أمنيات 2012

جرت العادة مع إطلالة كل عام جديد –حيث تذبل ورقة من أعمارنا، ونحن نرقص ونغني فرحاً– ان تتحرك وسائل الإعلام على المواطنين بشتى شرائحهم وخاصة الفنانين لكي تطرح عليهم السؤال التقليدي المعروف (ما هي أمنياتك للسنة الجديدة؟)، مثلما جرت العادة كذلك ان تكون الأجوبة تقليدية ذات طابع يقدم العام على الخاص كالدعاء لازدهار الوطن وتقدمه وسعادته وان يهنأ الشعب بالأمن والسلام والرفاهية، ثم تأتي الأماني الخاصة على غرار انجاز رواية يحلم بكتابتها أو الحصول على جائزة الأوسكار أو سفرة مجانية الى فرنسا تستغرق 65 سنة أو الزواج من فتاة في العشرين!! 

ولا ريب فأن لكل من المثقف والسياسي والغني والفقير أمنيته الذاتية التي قد يستنكرها الآخرون ولا يستوعبونها، فالمثقف مثلا ينشد الحرية، والسياسي يطلب المنصب، والغني يبحث عن مزيد من الثراء، أما الفقير فيصعب عليه استذكار جميع أمنياته ولذلك يكتفي بحسد الأثرياء حسدا مشروعا وهو يدعو: اللهم إذا حل العام الجديد فاجعلني أعيش مثلهم طول العمر، ولا تجعلهم يعيشون يوما واحدا مثلي!!

في ليلة الميلاد كنت اسأل نفسي حيث لم يسألني احد [ما هي أمنياتك يا رجل للعام الجديد؟]، واكتشفت وانا اقلب الأمر على وجوهه ان كل ما أفكر فيه واتمناه وأريده واطلبه، يقع في خانة الأمنيات العامة، ليس لأن مناسيب وطنيتي مرتفعة، بل لكوني عبر عقود العمر الطويلة، استوفيت أحلامي وحققتها فقد تزوجت وأنجبت وأنا سعيد بزواجي وأبنائي الذين اطمأننت على زواجهم ومستقبلهم ونجحت الى حد مقبول في عملي الصحفي، وعندي راتب تقاعدي قدره (300) ألف دينار، ودار سكنية جنبتني متاعب الإيجار، وفوق هذا وذاك امتلك رصيداً في المصرف يبلغ خمسين ألف دينار ادخره للحالات الطارئة كالمرض او الوفاة او عطل المجمدة أو ست البيت، فماذا أريد أكثر من هذا، خاصة وانا كما يعرف أصدقائي وزملائي لست طماعا ولا أفكر بزوجة شابة او قطعة ارض على دجلة أو راتب وزير في الخدمة مع ان أحدا لم يقدم لي مثل هذه العروض المغرية حتى امتحن أطماعي!!

على أية حال، ستكون أمنياتي عامة تتعلق بالعملية السياسية وأطرافها وأزماتها وانعكاساتها وحلولها، وبما يضمن للناس راحة البال ولقمة العيش الكريمة، وبناء على ذلك سأوجزها بثلاث أمنيات هي، اولا: [أتمنى على أطراف العملية السياسية أن……. هذا إذا…….. وسوف…… وفي حالة امتناع…… وقد……]، ثانيا: [أتمنى على الذين يفكرون…… وان يعملوا كذلك فعلا بروح القوانين والدستور…… أما عند الضرورة فيمكن….. وهو أمر ينسجم مع التوجهات الإنسانية التي……. مع علمي ان البعض لا…… ولكن المهم أولا وأخيرا هو الشعب]، ثالثا: [وكم أتمنى ونحن نستقبل العام الجديد، لو ان…… ولو……. ولو…… ولو….. وكذلك لو……]

هواميش :

(1) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب لأنها مستحيلة التحقيق!

(2) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب بدعوى ان الدستور لا ينص عليها!

(3) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب لأن يده اعتادت على الحذف!

متدينون بالشكل واللسان

هل كان الكاتب الياباني (نوتوهارا) موفقاً عندما جازف بسبر أغوار شخصيتنا العربية المعقدة في كتابه الأخير: (العرب من وجهة نظر يابانية) ؟؟, وهل كان صائباً عندما قال عنا؟؟:- 

العرب: متدينون جداً. . . فاسدون جداً

نحن نؤمن إيمانا نظريا قاطعا أن الدين هو الركيزة الأساسية القادرة على خلق منظومة اجتماعية مسالمة, مبنية على التمسك بالأخلاقيات والسلوكيات القويمة, لكننا نخشى أن يرتبط التدين بالمظهر أكثر من ارتباطه بالجوهر, فيفقد مضامينه الروحية بشيوع التدين الشكلي, ليتحول إلى مظهرية تتسم بسطحية منزوعة المعاني, فالإيمان الحقيقي ليس بالتمني, ولا بالتحلي, ولكن ما وقر في القلب, وصدّقه العمل. 

لقد وقع ما كنا نخشاه عندما انتشرت عندنا مظاهر الورع النفعي في كل مكان, حتى اصطبغت بها أرصفة الشوارع, وتزينت بها واجهات المؤسسات الحكومية والأسواق والمحال التجارية, وطغت على سلوك كبار القوم وصغارهم, بحيث صار التدين الشكلي هو الشعار الشعبي والرسمي والسياسي والمهني, لدرجة انك تحس وكأننا نحلق في فضاءات العفة والطهارة والنزاهة, وننعم بالطمأنينة والهناء والصفاء والوئام والسلام, في الوقت الذي تستيقظ فيه مدننا على أصوات العبوات الناسفة, وتستفزها صفارات سيارات النجدة, ودوي عجلات الإسعاف والدفاع المدني, وزعيق مواكب المسئولين وهي تنتهك نظام المرور جيئة وذهابا, حتى صارت مدننا تحتل المرتبة الأولى في سجلات المدن الدموية الأكثر صخبا وتعرضا للضجيج والتفجير, وجاء اليوم الذي وقف فيه العراق في طليعة البلدان غير النزيهة في التصنيف العالمي لمنظمة الشفافية العالمية. 

فكيف يمكن أن نكون الأكثر استقامة والأكثر انحرافا في آن واحد؟, وكيف يمكن أن نكون الأكثر حكمة والأكثر رعونة؟, والأكثر رحمة والأكثر نقمة ؟, وكيف تجتمع الأضداد كلها فوق رؤوسنا الخاوية من دون شعوب الأرض.   

من الواضح أن مجتمعنا يمر اليوم بحالة غير مسبوقة من انفصام الشخصية, وانفصال العقيدة في السلوك والتطبيق, ويعزا ذلك إلى غياب المعايير الأخلاقية العامة, التي أكدت عليها الأديان السماوية كلها, فضلا عن شيوع الغش والكذب والنفاق, بحيث صار الدين في كثير من الأحيان مختزلا في مجموعة من ممارسات وصولية, وإجراءات سطحية مفتعلة, يراد منها التزلف والتقرب لنيل المراتب, أو لتحقيق المكاسب, ويراد منها التبضع السياسي. .

لقد أصبحنا نعيش في عصر يهتم فيه أصحاب الوجوه الزئبقية بمظهرهم لا بجوهرهم, فتراهم يتلاعبون بتضاريس وجوههم وجباههم, فيضعون الأقنعة التنكرية لتغطية ملامحهم الحقيقية, ويتخذون ماكياج التدين والوقار الزائف كبطاقات ترانزيت لعبور بوابات النصب والاحتيال, أو لاستغلال سذاجة الناس وطيبتهم, تمهيدا لتحقيق مآربهم الدنيوية, ونيل المناصب والدرجات الرفيعة.

وانحصرت أدوات التظاهر الشكلي بحلاقة الشوارب, وإطلاق اللحى, وكي الجباه, وتقصير الثياب, والتباهي بتنويع الخواتم الكبيرة والصغيرة, وترديد بعض العبارات المشفرة, والكلمات المنمقة, وإظهار الشدة والصلابة المفتعلة عند التعامل مع عامة الناس, والتمسك بالقشور إلى درجة المبالغة في استعراض صور نمطية منسوخة من قوالب كاريكاتيرية متناظرة, حتى صار من المألوف مشاهدة الكثير من هذه النماذج المتخشبة, من الذين أساءوا للدين والتدين بمزايداتهم التمثيلية المعادة.

يتسترون بالدين, ويتظاهرون بالورع والتقوى, ويستبطنون الكفر والفسوق والعصيان, فاستغلوا الدين وقودا لإشعال فتيل الصراعات السياسية, وتأجيج نيران الفتن الطائفية, واتخذوا الدين جسرا تكتيكيا عبروا من خلاله إلى مواقع التسلط, وتبرقعوا ببرقع الإيمان المزيف وهم ابعد ما يكونون عن الدين وعن طاعة رب العالمين.

مزيفون أعمى حب المال بصائرهم, فتمظهروا بكل أنماط الخشوع السطحي, وخلعوا المهابة المصطنعة على عناوين شركاتهم المتنامية في مستنفعات الفساد, وتحصنوا خلف جدران الرياء وتلحفوا بردائه, واستغلوه استغلالا بشعا في الترويج لمنتجاتهم وبضائعهم المغشوشة, فأقحموا الرموز الدينية في الأنشطة الاستثمارية, التي شهدت في الآونة الأخيرة موجات جديدة لمشاريع ربحية اصطبغت بصبغة دينية صارخة. 

نحن على يقين تام أن المتاجرة تحت غطاء الدين ليست اختراعا حديثا, بل هي قديمة قدم نشوء الأديان وتطورها في عصورها التاريخية المختلفة, فالطبيعة الاستغلالية التي تكبل الإنسان بالمادية هي طبيعة جشعة من شأنها أن تستفيد من كل فرصة في سبيل تحقيق مطامعها, فلا عجب أن نرى المتاجرة بالقيم الدينية وقد صارت اليوم هي الوسيلة الأسرع والأسهل لتحقيق الثراء الفاحش, بحيث امتطوا صهوة التدين السطحي, واتخذوا منه مطية لتحقيق مآربهم. 

أن أمثال هؤلاء لا يعرفون حقوقهم ولا حقوق غيرهم, وتكاد تنحصر صولاتهم الانتهازية في حدود أنشطتهم الوصولية المكشوفة, لكنهم أن صعدوا أو نزلوا, أو غابوا أو حضروا, لا يعدون عن كونهم مجرد كومبارس في هذا السيرك الرمادي المزعج. 

ألغام الخطاب السياسي

الخطاب السياسي يحتاج إلى دراية وإلمام بمفردات اللغة ومدلولاتها مثلما يحتاج إلى معرفة المناخ السياحي للبلد، والمناخ الاجتماعي للمواطنين.

أما مدلولات اللغة فنترك الحديث عنها لطبيعتها الاختصاصية العميقة، ولكن يكفي ان نشير إلى ان الألفاظ المستعملة في اي حديث او خطاب تترجم لدى السامع والمتلقي بمعان قد لا يقصدها المتحدث، وعندما لا يلتفت المتحدث إلى هذه الظاهرة يجلب لنفسه ولمن يقف معه من أسرة واصدقاء وحزب وعشيرة إحراجا من خلال إفرازات ما يلي:

1- عتاب

2- لوم

3- سوء الظن

4- خصومة

وتتجمع هذه الإفرازات وتتراكم لتصنع مواقف يصعب التعامل معها او السيطرة عليها.

وصعود وهبوط الأفراد على المستويات الاجتماعية والسياسية منوط بقدرة الأفراد على التحكم بالألفاظ ومفردات اللغة المستعملة ومن هنا جاءت الحكمة: “تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه”، ومن هنا يوظف قول لقمان الحكيم: “الصمت حكمة وقليل فاعلها”، والى هذا المعنى أشارت الآية القرآنية: “كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون”، البقرة – 151-.

وأما معرفة المناخ السياسي للبلد والذي ينطوي على المظاهر التالية:

1- المستوى الناضج المتطور.

2- المستوى غير الناضج ولكنه منفتح على التطور.

3- المستوى غير الناضج وغير المنفتح على التطور.

ويعرف نضج المناخ السياسي من خلال:

1- نضج القاعدة الشعبية.

2- نضج مؤسسات الدولة وهي:

أ- برلمان فيه المعارضة والموالاة تعمل من خلال خطة للتشريع والمراقبة، وتجتهد في الرأي من خلال حاجة الوطن والمواطن لا من خلال املاءات الحزب الذي ينتمون اليه او ربما التأثر باملاءات خارجية كما يحدث عندنا.

ب‌- حكومة يجمعها مجلس وزراء متكافئ الحضور يعمل من اجل خدمة المواطن في قضايا: التعليم والصحة والخدمات والأمن، والاقتصاد والسياحة وتعزيز دور المواطن من خلال تقديم الاحتياجات واحترام رأيه.

ت‌- قضاء عادل وحازم لا يتأثر بالسلطات التنفيذية او التشريعية.

ث‌- هيئات ومؤسسات تعمل بروح الفريق الواحد وبهوية الوطن للجميع وتجسد تلك المصداقية بعملها الميداني اليومي.

وهناك مظاهر اخرى للمناخ السياسي قد تكون على النحو الآتي:

1- مناخ سياسي معتدل ومتوازن.

2- مناخ سياسي متطرف وغير متوازن.

ومن يعمل في الميدان السياسي عليه ان يكون قادرا على تشخيص مستويات ومظاهر المناخ السياسي وبدون هذا التشخيص لا يتسنى له مواكبة الحركة السياسية في الداخل ولا في الخارج، ومن هنا تبدأ صناعة الالغام في الخطاب السياسي والتي تحدث تفجيرات مفاجئة تؤدي الى تشظي المواقف التي بدورها تصنع الانقسامات المصحوبة بغيوم الفتنة وزلازلها المرعبة.

 ولا نريد ان نفاجئ جمهور القاعدة الشعبية صاحب المصلحة الاولى في معرفة إبحار سفن المشاريع السياسية التي كثرت مناوراتها وقلت فوائدها عندما نقول ان المستوى السياسي العراقي اليوم يتصف بما يلي:

1- مناخ سياسي غير ناضج ولكنه منفتح على التطور، اما لماذا عدم نضجه فأسبابه كثيرة منها:

أ- كثرة المواقف الملتبسة.

ب‌- كثرة التصريحات المتناقضة.

ت‌- كثرة الشعارات وغياب التطبيقات.

ث‌- كثرة المتحدثين وغياب المنظرين والمخططين.

ج‌- كثرة الادعاءات تكشف فراغ المحتوى والمضمون.

أما الانفتاح على التطور فهي نقطة الضوء التي تبشر بالأمل بالمستقبل وأسبابها:

1- وجود الدستور رغم ثغراته التي يمكن معالجتها.

2- تأسيس ظاهرة الانتخابات في الحياة السياسية العراقية رغم شوائبها التي يمكن تجاوزها بتحسين الأداء وتطوير التجربة.

والمظهر الآخر للمناخ السياسي العراقي فهو:

“مناخ سياسي متطرف وغير متوازن”.

وأسباب التطرف في المناخ السياسي العراقي مايلي :-

1- كثرة وجود المليشيات.

2- وجود احزاب لم تتخلص بعد من ثقافة التطرف وهي:

أ‌- تقديس الأفراد.

ب‌- تمجيد الحالة الحزبية على علاتها وشوائبها.

ت‌- النظر للأمور من خلال المصلحة الفئوية.

ث‌- التعامل مع الدولة على أنها مغنم.

وأسباب عدم التوازن هي:

1- عدم وجود ثقافة حكم مدني منفتح على الآخر.

2- عدم وجود ثقافة عمل سياسي واجتماعي يؤسس لفكرة المواطن الانسان الذي يشكل مشروع عالمية الاجتماع الإنساني وليس فئوية الانتماء.

فالتوازن يأتي في الجسم البشري من الرأس، كذلك يأتي توازن المناخ السياسي من الفكر، فعندما لا يكون الفكر متوازنا لا يكون المناخ السياسي متوازنا.

وعندما لا يكون الفكر المستعمل في الخطاب السياسي متوازنا تكون الألغام هي النتيجة المتوقعة للتفجير والاهتزاز.

والمتتبع لمفردات الخطاب السياسي لعدد غير قليل من الذين انتسبوا لحاضنات سياسية ولم يكونوا سياسيين بالمعنى الاصطلاحي للكلمة هم السبب الرئيس في هذا التطرف وهم السبب الرئيس في فقدان التوازن الذي تتعرض له العملية السياسية والتي نشهد تفتت وتشظي بعض أطرافها وهذه الظاهرة تنتظر أطرافا أخرى.

Alitamimi5@yahoo.com

أمنيات 2012

جرت العادة مع إطلالة كل عام جديد –حيث تذبل ورقة من أعمارنا، ونحن نرقص ونغني فرحاً– ان تتحرك وسائل الإعلام على المواطنين بشتى شرائحهم وخاصة الفنانين لكي تطرح عليهم السؤال التقليدي المعروف (ما هي أمنياتك للسنة الجديدة؟)، مثلما جرت العادة كذلك ان تكون الأجوبة تقليدية ذات طابع يقدم العام على الخاص كالدعاء لازدهار الوطن وتقدمه وسعادته وان يهنأ الشعب بالأمن والسلام والرفاهية، ثم تأتي الأماني الخاصة على غرار انجاز رواية يحلم بكتابتها أو الحصول على جائزة الأوسكار أو سفرة مجانية الى فرنسا تستغرق 65 سنة أو الزواج من فتاة في العشرين!! 

ولا ريب فأن لكل من المثقف والسياسي والغني والفقير أمنيته الذاتية التي قد يستنكرها الآخرون ولا يستوعبونها، فالمثقف مثلا ينشد الحرية، والسياسي يطلب المنصب، والغني يبحث عن مزيد من الثراء، أما الفقير فيصعب عليه استذكار جميع أمنياته ولذلك يكتفي بحسد الأثرياء حسدا مشروعا وهو يدعو: اللهم إذا حل العام الجديد فاجعلني أعيش مثلهم طول العمر، ولا تجعلهم يعيشون يوما واحدا مثلي!!

في ليلة الميلاد كنت اسأل نفسي حيث لم يسألني احد [ما هي أمنياتك يا رجل للعام الجديد؟]، واكتشفت وانا اقلب الأمر على وجوهه ان كل ما أفكر فيه واتمناه وأريده واطلبه، يقع في خانة الأمنيات العامة، ليس لأن مناسيب وطنيتي مرتفعة، بل لكوني عبر عقود العمر الطويلة، استوفيت أحلامي وحققتها فقد تزوجت وأنجبت وأنا سعيد بزواجي وأبنائي الذين اطمأننت على زواجهم ومستقبلهم ونجحت الى حد مقبول في عملي الصحفي، وعندي راتب تقاعدي قدره (300) ألف دينار، ودار سكنية جنبتني متاعب الإيجار، وفوق هذا وذاك امتلك رصيداً في المصرف يبلغ خمسين ألف دينار ادخره للحالات الطارئة كالمرض او الوفاة او عطل المجمدة أو ست البيت، فماذا أريد أكثر من هذا، خاصة وانا كما يعرف أصدقائي وزملائي لست طماعا ولا أفكر بزوجة شابة او قطعة ارض على دجلة أو راتب وزير في الخدمة مع ان أحدا لم يقدم لي مثل هذه العروض المغرية حتى امتحن أطماعي!!

على أية حال، ستكون أمنياتي عامة تتعلق بالعملية السياسية وأطرافها وأزماتها وانعكاساتها وحلولها، وبما يضمن للناس راحة البال ولقمة العيش الكريمة، وبناء على ذلك سأوجزها بثلاث أمنيات هي، اولا: [أتمنى على أطراف العملية السياسية أن……. هذا إذا…….. وسوف…… وفي حالة امتناع…… وقد……]، ثانيا: [أتمنى على الذين يفكرون…… وان يعملوا كذلك فعلا بروح القوانين والدستور…… أما عند الضرورة فيمكن….. وهو أمر ينسجم مع التوجهات الإنسانية التي……. مع علمي ان البعض لا…… ولكن المهم أولا وأخيرا هو الشعب]، ثالثا: [وكم أتمنى ونحن نستقبل العام الجديد، لو ان…… ولو……. ولو…… ولو….. وكذلك لو……]

هواميش :

(1) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب لأنها مستحيلة التحقيق!

(2) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب بدعوى ان الدستور لا ينص عليها!

(3) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب لأن يده اعتادت على الحذف!

متدينون بالشكل واللسان

هل كان الكاتب الياباني (نوتوهارا) موفقاً عندما جازف بسبر أغوار شخصيتنا العربية المعقدة في كتابه الأخير: (العرب من وجهة نظر يابانية) ؟؟, وهل كان صائباً عندما قال عنا؟؟:- 

العرب: متدينون جداً. . . فاسدون جداً

نحن نؤمن إيمانا نظريا قاطعا أن الدين هو الركيزة الأساسية القادرة على خلق منظومة اجتماعية مسالمة, مبنية على التمسك بالأخلاقيات والسلوكيات القويمة, لكننا نخشى أن يرتبط التدين بالمظهر أكثر من ارتباطه بالجوهر, فيفقد مضامينه الروحية بشيوع التدين الشكلي, ليتحول إلى مظهرية تتسم بسطحية منزوعة المعاني, فالإيمان الحقيقي ليس بالتمني, ولا بالتحلي, ولكن ما وقر في القلب, وصدّقه العمل. 

لقد وقع ما كنا نخشاه عندما انتشرت عندنا مظاهر الورع النفعي في كل مكان, حتى اصطبغت بها أرصفة الشوارع, وتزينت بها واجهات المؤسسات الحكومية والأسواق والمحال التجارية, وطغت على سلوك كبار القوم وصغارهم, بحيث صار التدين الشكلي هو الشعار الشعبي والرسمي والسياسي والمهني, لدرجة انك تحس وكأننا نحلق في فضاءات العفة والطهارة والنزاهة, وننعم بالطمأنينة والهناء والصفاء والوئام والسلام, في الوقت الذي تستيقظ فيه مدننا على أصوات العبوات الناسفة, وتستفزها صفارات سيارات النجدة, ودوي عجلات الإسعاف والدفاع المدني, وزعيق مواكب المسئولين وهي تنتهك نظام المرور جيئة وذهابا, حتى صارت مدننا تحتل المرتبة الأولى في سجلات المدن الدموية الأكثر صخبا وتعرضا للضجيج والتفجير, وجاء اليوم الذي وقف فيه العراق في طليعة البلدان غير النزيهة في التصنيف العالمي لمنظمة الشفافية العالمية. 

فكيف يمكن أن نكون الأكثر استقامة والأكثر انحرافا في آن واحد؟, وكيف يمكن أن نكون الأكثر حكمة والأكثر رعونة؟, والأكثر رحمة والأكثر نقمة ؟, وكيف تجتمع الأضداد كلها فوق رؤوسنا الخاوية من دون شعوب الأرض.   

من الواضح أن مجتمعنا يمر اليوم بحالة غير مسبوقة من انفصام الشخصية, وانفصال العقيدة في السلوك والتطبيق, ويعزا ذلك إلى غياب المعايير الأخلاقية العامة, التي أكدت عليها الأديان السماوية كلها, فضلا عن شيوع الغش والكذب والنفاق, بحيث صار الدين في كثير من الأحيان مختزلا في مجموعة من ممارسات وصولية, وإجراءات سطحية مفتعلة, يراد منها التزلف والتقرب لنيل المراتب, أو لتحقيق المكاسب, ويراد منها التبضع السياسي. .

لقد أصبحنا نعيش في عصر يهتم فيه أصحاب الوجوه الزئبقية بمظهرهم لا بجوهرهم, فتراهم يتلاعبون بتضاريس وجوههم وجباههم, فيضعون الأقنعة التنكرية لتغطية ملامحهم الحقيقية, ويتخذون ماكياج التدين والوقار الزائف كبطاقات ترانزيت لعبور بوابات النصب والاحتيال, أو لاستغلال سذاجة الناس وطيبتهم, تمهيدا لتحقيق مآربهم الدنيوية, ونيل المناصب والدرجات الرفيعة.

وانحصرت أدوات التظاهر الشكلي بحلاقة الشوارب, وإطلاق اللحى, وكي الجباه, وتقصير الثياب, والتباهي بتنويع الخواتم الكبيرة والصغيرة, وترديد بعض العبارات المشفرة, والكلمات المنمقة, وإظهار الشدة والصلابة المفتعلة عند التعامل مع عامة الناس, والتمسك بالقشور إلى درجة المبالغة في استعراض صور نمطية منسوخة من قوالب كاريكاتيرية متناظرة, حتى صار من المألوف مشاهدة الكثير من هذه النماذج المتخشبة, من الذين أساءوا للدين والتدين بمزايداتهم التمثيلية المعادة.

يتسترون بالدين, ويتظاهرون بالورع والتقوى, ويستبطنون الكفر والفسوق والعصيان, فاستغلوا الدين وقودا لإشعال فتيل الصراعات السياسية, وتأجيج نيران الفتن الطائفية, واتخذوا الدين جسرا تكتيكيا عبروا من خلاله إلى مواقع التسلط, وتبرقعوا ببرقع الإيمان المزيف وهم ابعد ما يكونون عن الدين وعن طاعة رب العالمين.

مزيفون أعمى حب المال بصائرهم, فتمظهروا بكل أنماط الخشوع السطحي, وخلعوا المهابة المصطنعة على عناوين شركاتهم المتنامية في مستنفعات الفساد, وتحصنوا خلف جدران الرياء وتلحفوا بردائه, واستغلوه استغلالا بشعا في الترويج لمنتجاتهم وبضائعهم المغشوشة, فأقحموا الرموز الدينية في الأنشطة الاستثمارية, التي شهدت في الآونة الأخيرة موجات جديدة لمشاريع ربحية اصطبغت بصبغة دينية صارخة. 

نحن على يقين تام أن المتاجرة تحت غطاء الدين ليست اختراعا حديثا, بل هي قديمة قدم نشوء الأديان وتطورها في عصورها التاريخية المختلفة, فالطبيعة الاستغلالية التي تكبل الإنسان بالمادية هي طبيعة جشعة من شأنها أن تستفيد من كل فرصة في سبيل تحقيق مطامعها, فلا عجب أن نرى المتاجرة بالقيم الدينية وقد صارت اليوم هي الوسيلة الأسرع والأسهل لتحقيق الثراء الفاحش, بحيث امتطوا صهوة التدين السطحي, واتخذوا منه مطية لتحقيق مآربهم. 

أن أمثال هؤلاء لا يعرفون حقوقهم ولا حقوق غيرهم, وتكاد تنحصر صولاتهم الانتهازية في حدود أنشطتهم الوصولية المكشوفة, لكنهم أن صعدوا أو نزلوا, أو غابوا أو حضروا, لا يعدون عن كونهم مجرد كومبارس في هذا السيرك الرمادي المزعج.