المـــواطــن «س»

من بين رسائل كثيرة تصلني عبر أكثر من وسيلة , توقفت ً طويلا ً عند رسالة مثيرة للتأمل , فهي تحمل حكاية غريبة , زاد من غرابتها إن المرسل لم يذكر إسمه و لا عنوانه , ولا بد إن رسائل من هذا النوع تبقى مطعونا ً في مصداقيتها , مع إنه ليس من حقنا في الوقت نفسه , تكذيب أصحابها !

بعد أن إنتهى المواطن , الذي أشار الى إسمه بالحرف (س) – من عبارات المجاملة كتب التالي [ حكايتي نادرة من نوعها , و لكنني أقسم إنها حدثت لي فعلا ً بتاريخ 4/3/ 2012 حيث جمعتني المصادفة مع بضعة ركاب لا يعرف أحدنا الآخر , كنا نقطع طريقا ً صحراوية متوجهين الى (….) – هو لم يذكر الجهة – حين لحقت بنا مركبة من نوع (جيمسي) اجبرت السائق على التوقف , و ترجل منها شباب ملثمون , طلبوا منا مغادرة المركبة , و هم يشهرون السلاح في وجوهنا ] و بعد تفاصيل طويلة عن نوع السلاح الذي معهم و ماذا يرتدون , يواصل روايته [ سحبوا اول الركاب و وجهوا مسدسا ً الى رأسه , و سألوه : من يحميك ؟ و لم يفهم معنى السؤال , فأوضحوا له : نقصد من أية عشيرة أنت ؟! فردّ عليهم و جسده يرتعد : أنا شمري , هزوا رؤوسهم و أبعدوه جانبا ً بأشارة من قائدهم الذي قال بصريح العبارة : لا نريد التورط مع شمر !! و فعلوا الشيء نفسه مع الراكب الثاني الذي أخبرهم إنه من عشيرة الجاف , و أخبرهم الثالث إنه جبوري , و أخبرهم الرابع إنه عبيدي , و كلما ذكر الواحد منهم إسم عشيرته , قال القائد : لا نريد التورط مع هذه العشيرة و أوقفوه جانبا ً !! 

كنا طوال الوقت نرفع أيدينا , و كنت آخر الركاب , و قد جاء دوري فتلعثمت و لم يصدر عني جواب , لأنني يا أستاذ والله العظيم لا أعرف عشيرتي , و لا من اين انحدر , فقد فتحت عيني على الدنيا  , و انا ابن مدينة , و لم يحصل في يوم من الأيام أن سمعت أسرتي تتحدث بالأحساب و الانساب و العشائر , و حين طال صمتي , صفعني أحدهم بصوت غاضب : من يحميك يا أبن الـ….؟ و حيث لم أجد الجواب الذين ينتظرون , قلت لهم : أنا في حماية القانون و الحكومة و الدولة !! و علق أحدهم ساخرا ً : إذن أنت لقيط !! و ضجّ المكان بالضحك , و لكن القائد أسكتهم قائلا ً : كفى .. قوموا بالواجب , فقد عثرنا على هدف لا يقف وراءه أحد  .. و لا يسبب لنا دوخة راس .. و هذا هو المطلوب ] و يواصل المواطن (س) حكايته [قامت العصابة بتفتيش جيوبي , و صادرت المبلغ الذي معي و هو 3 آلاف دولار , كنت إقترضته لأغراض السفر و العلاج في الخارج , ثم إتصل القائد بزوجتي , و طلب منها فدية قدرها (500) ألف دولار , و قد ردت عليهم بحزم : إنني لا أساوي عندها (500) دينار , و انها ممتنة منهم إذا خلصوها مني .. و أغلقت الخط , و هو ما دعاهم الى ضربي بقسوة قبل رميي في منطقة مهجورة و أنا معصوب العينين ] و ختم رسالته متسائلا  [ من يعوضني  عن الأضرار المادية و الجسدية التي لحقت بي ؟! و هل تصدق يا أستاذ إن العشيرة قادرة على حماية أبنائها , و الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها , مع إننا نعيش في ظل دولة القانون ؟!] 

بدوري أقول للمواطن : إذا أردت الحق فأنا لا أصدق مثل هذه الحكايات , و أعتقد إنها مفبركة , و وراءها أجندات مغرضة , لأننا يا سيد (س) لسنا دولة قانون (بالأسم) , و لو كنت ُ صادقا ً فيما تزعم , و تمتلك ذرة من الشجاعة , لذكرت إسمك الصريح و عنوانك الكامل … لترى ماذا ستفعل دولة القانون !! 

حرائق في حدائق النيل

المشتركون في حرائق القوى المتنافرة, التي اندلعت على ضفاف النيل هم كل من صناع القرار, والنخبة المنتخبة, وجموع المعترضين, لكن الرئيس محمد مرسي هو المتهم الأول في إشعال فتيل النيران المحرقة, التي عادت فيها مصر إلى اجترار مفردات النظام المباركي في تعامله الميداني مع المتظاهرين قبل اندلاع اشتباكات (الربيع العربي), فخرجت الحرائق المصرية عن السيطرة، وفشلت محاولات إخمادها, وإخراج رمادها من عنق الزجاجة، حتى وقف التياران المدني والإسلامي على مسافات تزداد تباعداً يوماً بعد يوم من منابع مكافحتها والقضاء عليها, لم تشهد مصر حالة من الانقسام والفوضى منذ عصر المماليك مثلما يحصل الآن على ضفاف النيل, فالبلد يعيش حالة متشنجة وصلت إلى الاحتراب الأهلي, ووصلت فيها الشعارات والتهديدات, التي أطلقتها القوى المتنافرة إلى مستوى التهديد باندلاع الصدام الدموي .

تقول المعارضة المصرية: “لا اختلاف في السياسة الخارجية بين المسارات التوفيقية, التي انتهجها الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك,  وبين المسارات التي سينتهجها الرئيس الدستوري محمد مرسي)), فجاء الإعلان الدستوري ومسودته ليؤكد هواجس المعارضة, ويعمق الهوة التي بدأت تتسع في الشارع المصري المنقسم بين ميدان النهضة في الجيزة حيث تتفجر أعصاب التيارات الإسلامية المؤيد للرئيس مرسي, وبين ميدان التحرير حيث تصدح الأصوات المعارضة له, وبين (التحرير) و(النهضة) تقاطعت نوايا النهوض والتحرر, وسط مخاوف من نشوب أعمال عنف, بانت ملامحها في الخطابات الفوضوية المتشنجة.  وتقول المعارضة أيضا: (أنها رصدت عودة حسني مبارك في صورة التعزيزات المسلحة, التي مارست القمع ضد المعتصمين في زمن الرئيس مرسي), ولم يعد لديها أدنى شك في تطابق صور الرئيسين من حيث التوجهات الخارجية, ومن حيث الممارسات الداخلية, فهي ترى أن التعديلات الدستورية التي يسعى لها النظام الحالي لا تشمل الضمانات المطلوبة لصيانة الحريات العامة, وتمنح سلطاته التشريعية الحرية المطلقة في سن قوانين التحكم بوسائل الإعلام وتعطيلها, وحل النقابات, وتحديد أنشطة منظمات النفع العام, وتمنح النظام حرية التفسيرات المتشددة لمبادئ الشريعة الإسلامية, فالمادة الثانية من مسودة الدستور المقترح تنص على أن (مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع), ما ينذر بفتح بوابات الاجتهاد للتفسيرات الفقهية الواسعة, وربما التفسيرات المزاجية الأكثر تشدداً.  وترى المعارضة إن مشروع الدستور الذي يدعو الرئيس للاستفتاء عليه هو في حقيقته مشروع لتقييد حقوق وحريات المصريين السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، وهو مشروع يعبر عن رؤية طرف واحد في المجتمع، ولا يمكن قبول استفتاء الشعب على حريته وكرامته وحقوقه، خاصة في ظل الظروف الحالية التي يحنث فيها الرئيس مجددا بوعد آخر له بعدم طرح الدستور للاستفتاء, إلا بعد توافق القوى الوطنية حوله، فالأوضاع التي خلقتها قوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها الرئيس مرسي وجماعته تسير نحو تقسيم البلاد إلى معسكرين: أحدهما مع الدين والشرعية وأحدهما ضدهما. وهذه هي نقاط الخلاف بين الموالين والمعارضين, فاندلعت المظاهرات المليونية في ميادين المحروسة, رفع المتظاهرون فيها صور مزدوجة للرئيسين السابق واللاحق, وجهان في صورة واحدة, كتبوا تحتها عبارة (محمد مرسي مبارك), للإشارة إلى احتمال عودة الأحكام التعسفية ولكن بصيغة شرعية متشددة. فجابت المسيرات السلمية شوارع القاهرة وشوارع الإسكندرية وكبريات مدن المحروسة, كان في طليعتها زعماء التيار الشعبي وحزب الدستور, وصفوا فيها المشروع الدستوري الحالي بأنه فاقد للشرعية من حيث الشكل والمضمون, وطالبوا بإيجاد قاعدة للتوافق الوطني, تؤسس لبناء نظام ديمقراطي حقيقي, قادر على مواجهة حالة الاستقطاب التي عصفت بالبلاد. وهتف المصلون في مسجد الشربتلي بسقوط (حكم المرشد) في إشارة إلى حكم مرشد (الإخوان) في الوقت الذي كان فيه الرئيس مرسي يقف مع المصلين لأداء صلاة الجمعة, ما اضطره إلى مغادرة المسجد من الباب الخلفي, وقال شاهد عيان إن أكثر ما استفز المصلين أن خطيب المسجد قارن الرئيس مرسي ومعارضيه بالنبي محمد والكفار. وردد المعتصمون في ميدان التحرير هتافات: (ارحل يا مرسي), و(الشعب يريد إسقاط النظام), و(يسقط حكم المرشد يسقط), و(باطل. . دستور الغرياني باطل), و(احمل دستورك وارحل).  

وتوقع ثروت الخرباوي القيادي الإخواني المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين أن تلجأ الجماعة إلى استنفار ميليشياتها المسلحة ضد معارضيهم في حالة قيام ثورة تطيح بالرئيس مرسي, وقال الخرباوي في تصريح خاص لصحيفة (البديل): إن الجماعة لديها ما لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل, ولا يزيد على مائة ألف شاب تدربوا عسكرياً على فنون القتال الأعزل وحرب الشوارع, وإن تلك المليشيات تابعة لما يسمى بالتنظيم السري الخاص, الذي يرأسه ويشرف عليه الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام, والمحسوب على ما يسمى (تيار الصقور), أو (المحافظين المتشددين) داخل الجماعة.   

وفجر الخرباوي مفاجأة أخرى بقوله: إن الجماعة أرسلت مليشياتها القتالية إلى ليبيا للإطاحة بحكم القذافي, وأرسلتها إلى سوريا لإسقاط نظام بشار الأسد, لافتاُ إلى استشهاد بعضهم في المدن السورية بعد انضمامهم لصفوف (الجيش الحر). 

لقد تمحورت خطابات الإخوان بقولهم: (أعطوا الرئيس مطلق الصلاحيات, وثقوا بأنه لن يستعملها في غير مصلحة مصر), من دون اعتبار لكل قواعد اللعبة الديمقراطية وقوانينها, وبخلاف ذلك فإن صفة (الكفر المباح) هي الصفة التي سيطلقونها على خصومهم من العلمانيين والليبراليين والقوميين واليساريين. 

وهكذا وجدت مصر نفسها تجتر مفردات القواميس التي تداولها النظام المباركي قبل الربيع العربي, وعاد النظام الحالي إلى استحضارها لخوض غمار (الجدل المُحتدم) في شوارع مصر وميادينها.  

أما الإعلام المصري فقد اختار أن يحتل الطليعة في معاركه اليومية ضد الديكتاتورية الجديدة، إذ من المتوقع أن تحتجب معظم الصحف غير الحكومية وأن تسوّد القنوات التلفزيونية الخاصة شاشاتها احتجاجاً على سياسات تيار الإسلام السياسي الحاكم، فيما برزت بوادر تمرّد في الإعلام الرسمي، تبدّى في خطوات فردية جريئة عكست حجم الغليان في أوساط الإعلاميين باختلاف مواقعهم, في حين ظهر الرئيس وكأنه يفتقد الابتكار، بعدما لجأ إلى استخدام كافة الأساليب, التي لجأ إليها النظام السابق في مواجهة الاعتراضات على حكمه، أساليب لم تقتصر فقط على استعادة لغة التخوين والتهويل والحديث عن مؤامرة، بل كان العنف ضد المعارضين عنوانها الأبرز، ما أعاد التذكير بواقعة (الجمل), التي لجأ إليها رجال مبارك, وبدا أن مرسي وجماعته لا يملكون سوى هذه الإستراتيجية لمواجهة المعارضين الرافضين للتعديلات الدستورية المقترحة، والله يستر من الجايات.

تركيا بعد ضياع الدور الدولي بانتهاء الحرب الباردة .. أنقــرة تبـحث عــن دور إقليمي لمـواجـهة تــدهور أوضـاعـها الـداخــلية

 المستقبل العراقي/ حليم الاعرجي 

ماذا حصدت تركيا اردوغان منذ ان ركبت موجة التضليل ووضعت على وجهها قناعا اشد خبثا وأكثر لؤما وأسوء قبحا..؟ وماذا ستحصد بعد عثار ونثار زمن البحث عن دور الخادم لأجندات إسرائيل وأميركا بعد ان ضاع منها دور بوابة الشر على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي بانتهاء الحرب الباردة ..؟!

أسئلة كثيرة تطرح هنا وهناك الآن وقبل الآن حول العلاقات التركية الاسرائيلية وعما اذا كانت تركيا تحت حكم اردوغان جادة فيما تبديه من آراء وتصريحات ومواقف يشوبها الكثير من الغموض وتنطوي على القليل مما يشفي الصدور ويريح الباحثين عن الحقيقة في مجال ما تدعيه من تفسير في الموقف التركي لصالح الحق والعدل ضد الظلم والباطل والجور المتمثل في السلوك الإسرائيلي المشبع بكل أنواع الكراهية للإسلام والمسلمين وللعرب والعروبة.

المؤكد أن تركيا لم تمر طوال الستين سنة الماضية أي منذ قيام إسرائيل في عام 1948 بوضع غامض في إطار علاقاتها بإسرائيل كما هي الآن، وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في ان تكون تركيا كما يتمنون  وكما يرحبون  لها أن تكون على صعيد الصراع الإسرائيلي العربي الإسلامي لاعتبارات مذهبية او دينية بحتة او مبدئية أخلاقية، لقد اقامت تركيا علاقاتها بإسرائيل في عام 1949 لتنزل ضربة موجعة بكفاح العرب والمسلمين ضد الجبروت الاستعماري الذي تمخض عن وعد بلفور لإقامة كيان لليهود في فلسطين مشردا ملايين الفلسطينيين في مخيمات بائسة والى كل أصقاع العالم ومنذ ذلك الوقت أصبحت اسرائيل ، المورد الرئيس للسلاح لتركيا، وحققت حكومتا البلدين تعاونا ثنائيا مهما في المجالات العسكرية والدبلوماسية والإستراتيجية كما اتفق البلدان حول الكثير من الاهتمامات المشتركة والقضايا التي تخص شؤون المنطقة ولم تتعرض هذه العلاقات لأي اهتزاز او تدهور طوال تلك الفترة، بل على العكس كانت هذه العلاقات تنتقل من جيد إلى الأجود ومن حسن الى الأحسن غير ان الأمر طرأ عليه شيء ما ، جعل العلاقة بينهما تدخل مرحلة جديدة تتسم في الظاهر بعدم استقرار وتوتر وتشنج مدفوع بتصريحات ملتهبة فبعد الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2009 ، ادلى رئيس الوزراء التركي اردوغان بتصريحات هاجم فيها إسرائيل منددا بالعدوان الإسرائيلي ووسط الإعجاب العربي الإسلامي بالموقف التركي المفاجئ خرج السفير الإسرائيلي “كابي ليقي” مؤكدا بان العلاقات بين البلدين سوف تعود الى مسارها الطبيعي في اقصر وقت .

وبالفعل فطبول الدعاية الاردوغانية لم تغير من طبيعة هذه العلاقات وثوابتها المستجدة بالانجازات التي حققتها على مدى أكثر من ستة عقود وهي :

1 ـ اتفاقية التعاون العسكري الموقع عليها عام 1991

2 ـ مجموعة الأبحاث الستراتيجية المشتركة 1991

3 ـ مناورات سنوية مشتركة في البر والبحر 1998

4 ـ وجود عدد من المستشارين الإسرائيليين في القوات المسلحة التركية 1998

5 ـ تزويد تركيا بالسلاح الإسرائيلي 

6 ـ تحديث الأسلحة التركية في إسرائيل 

7 ـ اتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية التركية 2000

8 ـ تبادل المعلومات المخابراتية والاستخبارات 2000

من هنا وبرغم كل المحاولات التي بذلت في اخراج مسلسل التدهور في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإن المتابعين والعارفين لما يجري خلف الكواليس لم تنطل عليهم هذه الاحابيل بل زاد إيمانهم بان وراء الأكمة ما وراؤها وان هذا التدهور في العلاقة الذي جاء على خلفية الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2009 .

وبالفعل فقد تحقق ذلك ، حيث بدأت تتبوء مراكز النهي والأمر بعد ان فتح العرب كل الأبواب امامها وسط إعجاب منقطع النظير بشخص اردوغان الذي بات يدخل غرف الأميرات في دول الاستبداد النفطي بلا استئذان بعد أن حصل على عضوية جامعة ” التائهين ” العرب .

لقد باع اردوغان الشعارات والأقوال المعسولة والكلام المنتج في مصانع الكلام في تل أبيب.. ليقبض الركوع المذل أمامه من قبل أمراء الغاز والنفط والتسبيح بحمده من قبل دعاة الطائفية من التكفيريين.. وبين البيع والشراء تحقق ما كلف به اردوغان :

1 ـ  الضغط على التجربة العراقية الحديثة في مجال البناء الديمقراطي  والتحريض عليها بالعصيان والتمرد والثرثرة .

2 ـ استغلال القضية الكردية على نحو أدى ويؤدي إلى خداع البعض من الأكراد بأوهام مشاريع مستقبلية يجري البحث فيها بعيدا عن الوجود الرسمي للحكومة الاتحادية في بغداد نكاية لبغداد التي أصرت على المضي بتجربة الفيدرالية .

3 ـ  تبني ” الربيع العربي” وكأنه وهو على موعد .

4 ـ تشكيل محور ” تركي – قطري- سعودي ” يتواصل مع إسرائيل من خلال حلقة الوصل ” قطر ” في كل حالة علاقة بالأوضاع العربية. 

5 ـ الدخول كجهة فارضة وفائدة ومقررة على مستوى جامعة الدول العربية وعلى مستوى السياسات العربية لدول عربية عديدة .

6 ـ ممارسة دور الملاذ الآمن للعصاة والمتمردين والشقاة وأدعياء الاسلمة التكفيرية واحتضان حركات  العنف والإرهاب والتحريض عليها .

إن الدماء الغزيرة المستباحة في سوريا واليمن وما سيأتي عاجلا أم آجلا في مصر والبحرين والكويت وتونس وما يعمل اردوغان بكل ما تحت يديه من قوة وإمكانيات على تحقيقه في العراق من حمامات دم كلها في الواقع ليست سوى ثمن “سرقة” الوطن العربي بعمامة عثمانية تحمل نجمة داود، أن مشهد اردوغان وهو ينسحب من جلسة منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا احتجاجا على عدم السماح بإكمال رده على مداخلة الرئيس الإسرائيلي “شيمون بيريز” بشان مبررات العدوان على غزة لم يعد لها وجود وهو يفتح خط التواصل مع إسرائيل في عدوانها الجديد حيث لم يستطع وزير خارجيته إخفاء حقيقة الوضع عندما سأل عن معنى الاتصالات التي جرت مع إسرائيل عشية عدوانها الجديد على غزة .

تقول جريدة “الكرستيان ساينس مونتير” في عددها الصادر في 30 أيار 2003 ،أن مواقف تركيا غير الودية جبال الناتو والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ليست بلا ثمن، وتضيف الثمن هو أن تركيا أصبحت وستصبح اكثر من أي وقت مضى الوسيط المؤتمن بين العرب وإسرائيل وكذلك بين الغرب والعرب وتستطرد قائلة: من أخطائنا اننا لم نضع بيننا وبين العرب وسيطا يعتمد عليه في الأزمات كما كان يحصل بيننا وبين الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة عن طريق الهند ويوغسلافيا وغيرهما .

هكذا إذن .. ولكن ما هو الثمن الذي يتحتم على اردوغان تقديمه  مقابل عمليات  “الغسيل” الماضية وماضي تركيا بظهوره بمظهر “نصير” العرب.. وحامي حماهم والمدافع بعناد وإصرار عن قضاياهم العادلة.

لا اعتقد أن هناك ما يعادل قبول العرب بشكل خاص لتركيا ذات الماضي الثقيل بالآثام والمساوئ والتطهير العرقي وسياسات التتريك على أنها تركيا الاردوغانية الجديدة المحبة والودودة المصطفة مع قضايا العرب المصيرية  الرافضة لطلب نشر قوات أميركية لفتح جبهة بشمال العراق قبل بدء غزو العراق مع سيل من الانتقادات التي وجهها اردوغان للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حين اتهمهما بالفشل في إقناع البشرية بصواب تهجمها الداعي إلى ضرب العراق وتدميره وكذلك ضرب العرب وغمط حقوقهم في الحرية وتقرير المصير والديمقراطية .

لقد كانت سعادة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل باردوغان كبيرة وهما يتابعان فصول السيناريو الموضوع من قبلهما رغم أن تحويل رجب طيب اردوغان إلى رجل “طيب” يتقمص شخصية “المضاد” لأميركا وإسرائيل كان سيكلف الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص تكاليف باهظة على المستويين العربي والإسلامي بيد أن حسابات أميركا وإسرائيل لا تعول كثيرا على ما يظهر على السطح بل على ما يستقر في القصر ليشكل بالتراكم نقاط الارتكاز الحقيقية التي ستؤدي الى تحقيق أجندتهما الخاصة أو المشتركة، ان القاعدة السياسية الحاكمة في تركيا تقول: ان موالاة أميركا تحقق لك السلطنة بينما عداؤك لها سيكون بمثابة مقبرة للسياسيين بيد أن هذه الحقيقة استعيض عنها بالولاء لأوربا على أمل ان تكون هي العون لها في البحث على مكان يؤويها في عالم اليوم كما عبر عن ذلك رئيس الوزراء التركي الأسبق “عصمت انونو” في عام 1964 عندما قال: هناك نظام جديد سيتأسس في العالم وتركيا سوف تجد مكانها فيه “ولكن هذه الأمنية أيضا وجدت الطريق أمامها مسدودا فقد تبخرت آمال وأحلام المساعدة الأوربية بعد انهيار الاتحاد  السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة حيث فقدت تركيا أهميتها الإستراتيجية ولم تعد أوربا تتحمل وجود دولة مستقلة بالمشاكل الاقتصادية والمشاكل الديمغرافية ولا أمل لها في المستقبل القريب أو البعيد، وفي ضوء أصبحت تركيا خالية الوفاض من أي دور محوري  وزاد الأمر مأساوية تصاعد حدة المشاكل الداخلية حيث يحتدم الصراع من اجل حق تقرير المصير لعدد كبير من الشعوب المضطهدة تحت السيطرة التركية العنصرية  والطائفية حيث بدأ أكراد تركيا البالغ عددهم أكثر من 20 مليون نسمة بثورة حقيقية بقيادة عبد الله اوجلان القابع في سجنه منذ أكثر من عشر سنوات وكذلك اخذ العلويون يبدون المزيد من التذمر المتصاعد يتزامن بين تحركات علنية وسرية للأرض الذين يطالبون بحقوقهم الثقافية والإنسانية كمواطنين تصر الحكومة التركية على تغييبهم وتهميشهم وممارسة شتى أنواع الاضطهاد بحقهم إلى جانب العرب في الاسكندرونه والسولاف وقوميات أخرى كثيرة، وكل ذلك يحصل في أجواء سياسية تتسم بالقلق وعدم الاستقرار والتناحر حيث تتجسد القوى المناهضة لحزب اردوغان بثلاثة تيارات مهمة وهي :

1 ـ تيار الحزب الجمهوري المعارض الذي يحظى بتأييد غالبية الشارع التركي

2 ـ تيار الجنرالات الاتاتوركيين الذين يعتقدون أنهم الأحق في حماية الإرث الاتاتوركي والدفاع عن تركيا العلمانية الديمقراطية. 

3 ـ تيار الإعلام والصحافة التركية حيث تقف الآن شبكة الإعلام الضخمة التابعة ” لأيدن دوغان ” وهي تضم في بنيتها العلمانية ثلث عدد الصحف التي تصدر في تركيا والأوسع انتشارا مثل “حرييت” و “مللييت” و  ترجمان” وغيرها  كثير حيث تتسم كتابات وتعليقات هذه المؤسسات الإعلامية بطروحات مثيرة للتذمر والقلق من سياسة اردوغان التي توصف عادة بأنها ” سياسة عمياء لا ترى الحقائق على الأرض ” .

لقد شعرت القيادة التركية بعد تخلي الولايات المتحدة الأميركية وأوربا عنها وانحدارها إلى ادنى درجات سلم اهتمام الآخرين بها .. أن عليها أن تبحث عن دور يعيد لها مكانتها المفقودة أو أي شيء منها ولم تجد أفضل من مكانين مهمين ولها فيهما وجود وصلات وقواسم مشتركة :

الأولى : المنطقة العربية 

الثانية : آسيا الوسطى

وكلتا المنطقتين يشتركان في قاسم مشترك واحد هو “الإسلام” وهكذا ظن البعض في مستوى المسؤولية التركية أن مشكلة تركيا ستحل بالتوجه نحو هذين المكانين عبر الظهور بالمظهر الغيرة على الإسلام .

وكما يفعل دعاة الوطنية والقومية من المرتبطين بأجندات الغرب وإسرائيل عندما يقومون بالانقلاب العسكري على من سبقهم ، أو كما يحصل الآن فيما يسمى بـ ” الربيع العربي” عندما ملأوا الدنيا ضجيجا بشعارات وتصرفات وتصريحات حول فلسطين، فقد خرج اردوغان عن المألوف بسيناريوهات جديدة للضحك على الذقون من خلال الدخول  في سوق المزايدات والشعارات الكاذبة إلى درجة دفعت مدير عام صحيفة “ملليت” محمد يلماز للهجوم على اردوغان متهما إياه بأنه عربي أكثر من العرب أنفسهم، وكان هذا الاتهام هو ما ينشده اردوغان فقد صدق البعض فيما كان آخرون قد رحبوا بالأمر لاعتبارات تتعلق بالدور الذي ينتظر القيام به عن طريق قوة مضافة تخلق توازنا في الميزان الاستراتيجي عندما “يحتدم” الصراع المفترض على المستويين المذهبي والقومي داخل الوطن العربي والإسلامي .

هكذا جرى دفع تركيا باتجاه لعب الدور المرسوم لها إسرائيليا وفق سيناريو حماية ” السنة”  من الشيعة المدعومين من قبل إيران وتدريجيا تحول الموقف بفعل هذا التبدل في الدور التركي من دور دولي لصالح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية إلى دور شرق أوسطي لحساب إسرائيل، وبدأت في ضوء ذلك تبرز ملامح مرحلة جديدة سماتها يقتل العربي شقيقه العربي لأسباب طائفية أو دينية ويقتل المسلم أخاه المسلم لأسباب عرقية أو طائفية وأضحى العربي يمر إلى وطنه  عبر تركيا وكذلك يفعل البعض في المرور إلى وطنه عبر إيران ولكن هل هذا الذي يفعله اردوغان في الوطن العربي والإسلامي يرضي الشعب التركي ؟.

إن من ابسط تعريفات علم العلاقات الدولية هو أن “العلاقات” الدولية تساعدنا كثيرا في الكشف عن السبل التي تسهم في معرفة ماذا تريد الشعوب من حكوماتها لتعدد طرق العلاقات والاتصال والتواصل بكافة أنواعه مع الشعوب الأخرى والمجاورة لها خارج حدودها الإقليمية .

من هنا يمكن القول في ضوء العلاقة التاريخية القائمة بين البلدان العربية والإسلامية مع تركيا أن هناك هوة تتسع يوما بعد يوم بين الشعب والحكومة في تركيا، فالشعب التركي لا يريد أكثر من أن تحصل الشعوب العربية والإسلامية على حقها في الحياة الحرة الكريمة وخصوصا الشعب الفلسطيني، وهي لا ترغب ولا تريد أن تضيف إلى تاريخ اسود أوجدته السياسات الغاشمة للمماليك والانكشاريين وذوي العاهات والمتخلفين من الحكام العثمانيين مساوئ جديدة لا تجني منها تركيا غير العزلة وضياع فرص الاستفادة الحقيقية من انفتاح تركي صادق على إخوانهم في الدين والجيرة والمصير الواحد في العراق وفي سوريا وفي غيرهما.

إن أولئك  الذين يصورون اردوغان على انه نصير العرب ونصير الثورات العربية التي أودت بالزعماء الدكتاتوريين إلى سلة مهملات  التاريخ، يتناسون عن قصد ان اردوغان وليس أي شخص غيره من يضع يده الآن بأيدي أسوء الاستبداديين في العالم العربي ليجعل منهم محورا يبدأ من أنقرة ويمر عبر الدوحة والرياض وينتهي في تل أبيب ليستمد من هناك التعاليم التلمودية في كيفية إخراج المشروع الإسرائيلي بقيام دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ويعود إليه الفضل في “انتفاضة” الرئيس المصري على الدستور بعد رشا المليار دولار التي قدمها اردوغان لمرسي خلال المؤتمر الذي عقد مؤخرا في تركيا حول سوريا في تخلي واضح عن نهج الديمقراطية الذي احتضنه دستور الثورة المصرية في محاولة للعودة إلى دكتاتورية واستبداد ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 .

إن أغطية الكاذبين اقصر وأضيق من أن تعطي مفاسدهم، واخف من أن تمنع نفاذ الروائح الكريهة لهذه المفاسد.. وعلى ذلك فليس هناك شيء قابل للإخفاء أو الضم ، وكل أساليب ووسائل التضليل والخداع لا تنطلي على  احد أبدا، ومهما حاول اردوغان أو غيره أن يلحق الضرر العيني أو المادي بالعراق فلن تستطيع بأي حال من الأحوال أن يعثر على ما يساوي العراق ثقلا وريعا وقدرة، وليس هناك من يستطيع أن يلحق الضرر بالعراق نيابة عن اردوغان، فإذا الأصل عاجز فكيف بالصنيعة أن يفعل ذلك !! انه مجرد سؤال سنحاول الإجابة عليه في موضوع آخر .

         

السياب …بلا مطر

لم يقترن أسم شاعر-في الكون- بالمطر كما أقترن ب(السياب)صنوانا وعنوانا لترابط أبداعي عذب،ذاب و لاذ بروح ( بدر) حداثة الشعر في عز زمن تحرره من قيود وشروط القافية والنظم القديم،حتى لتشعر و(تهجس) برذاذ المطر يغمرك لمجرد أن تهمس بمطلعها:(عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…….)

   لا أضيف شيئأ من شأنه تعميق العلاقة- مجددا-ما بين(بدر) وبين رائعته (أنشودة المطر) سوى دخول قصدي لمحاولة رائعة جاءت تلامس روح(السياب) بمكر وذكاء…ولطالما أرتبط الذكاء بالمكر مسالما ودودا في الكثير من نواحي  المغامرة بالابداع ،وهنا،أعني- بالتحديد-محاولة المخرج العراقي المقيم في الدنمارك (جودي الكناني) حين تقدم بسيناريو فلمه المعنون (السياب) مجردا من رفق أو أضافة  أية كلمة أخرى تزيد من متانة العنوان وتغري لجنة فحص النصوص في دائرة السينما والمسرح لقبول أنتاج هذا الفلم التسجيلي ضمن قوائم أنتاجها لعدة أفلام روائية وتسجيلية وأخرى وثائقية ضمن منهاج أحتفالها السينمائي بمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام/ 2013.

   ثقة المخرج (جودي) بجهوده وصدق انتمائه للسينما التي درسها وقدم لها العديد من الافلام طوال مسيرته الابداعية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاما في ميدان حبه الرحب لهذا الفن النبيل،ونال عنها عدة جوائز في عدد من المهرجانات العربية والعالمية،وأخرها كان فلمه الأثير(الأخضر أبن يوسف)عن تجربة وجانب من حياة الشاعرالكبير(سعدي يوسف)،فضلا عن ثقته بعبقرية(السياب)وعظمة شعره وعمق شقائه و تنوع عذاباته التي جعلته يقول في أحدى أوجع قصائده : (أنا أشقى من ضمت الأرض) لذا أكتفى(المخرج-مؤلف ذات النص)بسحر وأختصارعنوانه المعبر والدال(السياب)….ليضم جوانب وحالات وجدانية وانسانية وأحداث وظروف سياسية قاهرة مر بها العراق وعاشها الشاعر المبتكر بوعي  مبكر ومرارة قاسية،فاضت بها مشاهد ذلك السيناريو المدهش حين أختصر حياة الشاعر متوزعة- بأسى ولوعة وعذاب- ما بين فقر ويتم ومرض ومنفى وموت في ريعاب الشباب،وبعد أن أتاح لي(جودي الكناني) قراءة سيناريو فلمه- قبل أيام قليلة- تمعنت وتمتعت بما حوى من أفكار و موصلات ما فعل(جودي)حين قام بمسح وفحص ودرس كامل نتاج شاعر المطر بعناية ودقة تفوق عمل مصلح الساعات فبعد قراءة و(تفليس) تسعمائة وواحد وسبعين قصيدة ليختار منها ما لم لا يتجاوز  سوى أربعين بيتا مؤثرا وعميقا في صياغة عمله المرهف والشاق،دون أية أشارة لذكر المطر قصدا دلاليا مباشرا ومقحما بل جاء عمق منساق وتواق لروح بطله شاعر المطر بلا منازع،وليحيط ذلك العمل بروح وصنعة مهارة السينما،عبرعقل وعين عدسة الكاميرا-بكثافة غامرة- راحت تقلب كل الظروف والأحداث وترصد مصائب ومتاعب ومصاعب بطله الموجوع منذ صرخة ميلاده حتى أخر مشهد ضمه شريط فلم(جودي الكناني)حيث يرد على لسان شرطي يقوم بختم بيت السياب بالشمع الأحمر وحين يلح أحد الصبية  في ذلك الثناء بالسؤال والاستفسار عن السبب،يجيب الشرطي بلا أكترث:(مات..مات ..الشاعر مات).

ولكن(السياب) لم يمت….فها هو مطر ذكراه يهطل كلما يحين يوم وفاته في الرابع والعشرين من كانون أول في كل عام.

المـــواطــن «س»

من بين رسائل كثيرة تصلني عبر أكثر من وسيلة , توقفت ً طويلا ً عند رسالة مثيرة للتأمل , فهي تحمل حكاية غريبة , زاد من غرابتها إن المرسل لم يذكر إسمه و لا عنوانه , ولا بد إن رسائل من هذا النوع تبقى مطعونا ً في مصداقيتها , مع إنه ليس من حقنا في الوقت نفسه , تكذيب أصحابها !

بعد أن إنتهى المواطن , الذي أشار الى إسمه بالحرف (س) – من عبارات المجاملة كتب التالي [ حكايتي نادرة من نوعها , و لكنني أقسم إنها حدثت لي فعلا ً بتاريخ 4/3/ 2012 حيث جمعتني المصادفة مع بضعة ركاب لا يعرف أحدنا الآخر , كنا نقطع طريقا ً صحراوية متوجهين الى (….) – هو لم يذكر الجهة – حين لحقت بنا مركبة من نوع (جيمسي) اجبرت السائق على التوقف , و ترجل منها شباب ملثمون , طلبوا منا مغادرة المركبة , و هم يشهرون السلاح في وجوهنا ] و بعد تفاصيل طويلة عن نوع السلاح الذي معهم و ماذا يرتدون , يواصل روايته [ سحبوا اول الركاب و وجهوا مسدسا ً الى رأسه , و سألوه : من يحميك ؟ و لم يفهم معنى السؤال , فأوضحوا له : نقصد من أية عشيرة أنت ؟! فردّ عليهم و جسده يرتعد : أنا شمري , هزوا رؤوسهم و أبعدوه جانبا ً بأشارة من قائدهم الذي قال بصريح العبارة : لا نريد التورط مع شمر !! و فعلوا الشيء نفسه مع الراكب الثاني الذي أخبرهم إنه من عشيرة الجاف , و أخبرهم الثالث إنه جبوري , و أخبرهم الرابع إنه عبيدي , و كلما ذكر الواحد منهم إسم عشيرته , قال القائد : لا نريد التورط مع هذه العشيرة و أوقفوه جانبا ً !! 

كنا طوال الوقت نرفع أيدينا , و كنت آخر الركاب , و قد جاء دوري فتلعثمت و لم يصدر عني جواب , لأنني يا أستاذ والله العظيم لا أعرف عشيرتي , و لا من اين انحدر , فقد فتحت عيني على الدنيا  , و انا ابن مدينة , و لم يحصل في يوم من الأيام أن سمعت أسرتي تتحدث بالأحساب و الانساب و العشائر , و حين طال صمتي , صفعني أحدهم بصوت غاضب : من يحميك يا أبن الـ….؟ و حيث لم أجد الجواب الذين ينتظرون , قلت لهم : أنا في حماية القانون و الحكومة و الدولة !! و علق أحدهم ساخرا ً : إذن أنت لقيط !! و ضجّ المكان بالضحك , و لكن القائد أسكتهم قائلا ً : كفى .. قوموا بالواجب , فقد عثرنا على هدف لا يقف وراءه أحد  .. و لا يسبب لنا دوخة راس .. و هذا هو المطلوب ] و يواصل المواطن (س) حكايته [قامت العصابة بتفتيش جيوبي , و صادرت المبلغ الذي معي و هو 3 آلاف دولار , كنت إقترضته لأغراض السفر و العلاج في الخارج , ثم إتصل القائد بزوجتي , و طلب منها فدية قدرها (500) ألف دولار , و قد ردت عليهم بحزم : إنني لا أساوي عندها (500) دينار , و انها ممتنة منهم إذا خلصوها مني .. و أغلقت الخط , و هو ما دعاهم الى ضربي بقسوة قبل رميي في منطقة مهجورة و أنا معصوب العينين ] و ختم رسالته متسائلا  [ من يعوضني  عن الأضرار المادية و الجسدية التي لحقت بي ؟! و هل تصدق يا أستاذ إن العشيرة قادرة على حماية أبنائها , و الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها , مع إننا نعيش في ظل دولة القانون ؟!] 

بدوري أقول للمواطن : إذا أردت الحق فأنا لا أصدق مثل هذه الحكايات , و أعتقد إنها مفبركة , و وراءها أجندات مغرضة , لأننا يا سيد (س) لسنا دولة قانون (بالأسم) , و لو كنت ُ صادقا ً فيما تزعم , و تمتلك ذرة من الشجاعة , لذكرت إسمك الصريح و عنوانك الكامل … لترى ماذا ستفعل دولة القانون !! 

حرائق في حدائق النيل

المشتركون في حرائق القوى المتنافرة, التي اندلعت على ضفاف النيل هم كل من صناع القرار, والنخبة المنتخبة, وجموع المعترضين, لكن الرئيس محمد مرسي هو المتهم الأول في إشعال فتيل النيران المحرقة, التي عادت فيها مصر إلى اجترار مفردات النظام المباركي في تعامله الميداني مع المتظاهرين قبل اندلاع اشتباكات (الربيع العربي), فخرجت الحرائق المصرية عن السيطرة، وفشلت محاولات إخمادها, وإخراج رمادها من عنق الزجاجة، حتى وقف التياران المدني والإسلامي على مسافات تزداد تباعداً يوماً بعد يوم من منابع مكافحتها والقضاء عليها, لم تشهد مصر حالة من الانقسام والفوضى منذ عصر المماليك مثلما يحصل الآن على ضفاف النيل, فالبلد يعيش حالة متشنجة وصلت إلى الاحتراب الأهلي, ووصلت فيها الشعارات والتهديدات, التي أطلقتها القوى المتنافرة إلى مستوى التهديد باندلاع الصدام الدموي .

تقول المعارضة المصرية: “لا اختلاف في السياسة الخارجية بين المسارات التوفيقية, التي انتهجها الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك,  وبين المسارات التي سينتهجها الرئيس الدستوري محمد مرسي)), فجاء الإعلان الدستوري ومسودته ليؤكد هواجس المعارضة, ويعمق الهوة التي بدأت تتسع في الشارع المصري المنقسم بين ميدان النهضة في الجيزة حيث تتفجر أعصاب التيارات الإسلامية المؤيد للرئيس مرسي, وبين ميدان التحرير حيث تصدح الأصوات المعارضة له, وبين (التحرير) و(النهضة) تقاطعت نوايا النهوض والتحرر, وسط مخاوف من نشوب أعمال عنف, بانت ملامحها في الخطابات الفوضوية المتشنجة.  وتقول المعارضة أيضا: (أنها رصدت عودة حسني مبارك في صورة التعزيزات المسلحة, التي مارست القمع ضد المعتصمين في زمن الرئيس مرسي), ولم يعد لديها أدنى شك في تطابق صور الرئيسين من حيث التوجهات الخارجية, ومن حيث الممارسات الداخلية, فهي ترى أن التعديلات الدستورية التي يسعى لها النظام الحالي لا تشمل الضمانات المطلوبة لصيانة الحريات العامة, وتمنح سلطاته التشريعية الحرية المطلقة في سن قوانين التحكم بوسائل الإعلام وتعطيلها, وحل النقابات, وتحديد أنشطة منظمات النفع العام, وتمنح النظام حرية التفسيرات المتشددة لمبادئ الشريعة الإسلامية, فالمادة الثانية من مسودة الدستور المقترح تنص على أن (مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع), ما ينذر بفتح بوابات الاجتهاد للتفسيرات الفقهية الواسعة, وربما التفسيرات المزاجية الأكثر تشدداً.  وترى المعارضة إن مشروع الدستور الذي يدعو الرئيس للاستفتاء عليه هو في حقيقته مشروع لتقييد حقوق وحريات المصريين السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، وهو مشروع يعبر عن رؤية طرف واحد في المجتمع، ولا يمكن قبول استفتاء الشعب على حريته وكرامته وحقوقه، خاصة في ظل الظروف الحالية التي يحنث فيها الرئيس مجددا بوعد آخر له بعدم طرح الدستور للاستفتاء, إلا بعد توافق القوى الوطنية حوله، فالأوضاع التي خلقتها قوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها الرئيس مرسي وجماعته تسير نحو تقسيم البلاد إلى معسكرين: أحدهما مع الدين والشرعية وأحدهما ضدهما. وهذه هي نقاط الخلاف بين الموالين والمعارضين, فاندلعت المظاهرات المليونية في ميادين المحروسة, رفع المتظاهرون فيها صور مزدوجة للرئيسين السابق واللاحق, وجهان في صورة واحدة, كتبوا تحتها عبارة (محمد مرسي مبارك), للإشارة إلى احتمال عودة الأحكام التعسفية ولكن بصيغة شرعية متشددة. فجابت المسيرات السلمية شوارع القاهرة وشوارع الإسكندرية وكبريات مدن المحروسة, كان في طليعتها زعماء التيار الشعبي وحزب الدستور, وصفوا فيها المشروع الدستوري الحالي بأنه فاقد للشرعية من حيث الشكل والمضمون, وطالبوا بإيجاد قاعدة للتوافق الوطني, تؤسس لبناء نظام ديمقراطي حقيقي, قادر على مواجهة حالة الاستقطاب التي عصفت بالبلاد. وهتف المصلون في مسجد الشربتلي بسقوط (حكم المرشد) في إشارة إلى حكم مرشد (الإخوان) في الوقت الذي كان فيه الرئيس مرسي يقف مع المصلين لأداء صلاة الجمعة, ما اضطره إلى مغادرة المسجد من الباب الخلفي, وقال شاهد عيان إن أكثر ما استفز المصلين أن خطيب المسجد قارن الرئيس مرسي ومعارضيه بالنبي محمد والكفار. وردد المعتصمون في ميدان التحرير هتافات: (ارحل يا مرسي), و(الشعب يريد إسقاط النظام), و(يسقط حكم المرشد يسقط), و(باطل. . دستور الغرياني باطل), و(احمل دستورك وارحل).  

وتوقع ثروت الخرباوي القيادي الإخواني المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين أن تلجأ الجماعة إلى استنفار ميليشياتها المسلحة ضد معارضيهم في حالة قيام ثورة تطيح بالرئيس مرسي, وقال الخرباوي في تصريح خاص لصحيفة (البديل): إن الجماعة لديها ما لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل, ولا يزيد على مائة ألف شاب تدربوا عسكرياً على فنون القتال الأعزل وحرب الشوارع, وإن تلك المليشيات تابعة لما يسمى بالتنظيم السري الخاص, الذي يرأسه ويشرف عليه الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام, والمحسوب على ما يسمى (تيار الصقور), أو (المحافظين المتشددين) داخل الجماعة.   

وفجر الخرباوي مفاجأة أخرى بقوله: إن الجماعة أرسلت مليشياتها القتالية إلى ليبيا للإطاحة بحكم القذافي, وأرسلتها إلى سوريا لإسقاط نظام بشار الأسد, لافتاُ إلى استشهاد بعضهم في المدن السورية بعد انضمامهم لصفوف (الجيش الحر). 

لقد تمحورت خطابات الإخوان بقولهم: (أعطوا الرئيس مطلق الصلاحيات, وثقوا بأنه لن يستعملها في غير مصلحة مصر), من دون اعتبار لكل قواعد اللعبة الديمقراطية وقوانينها, وبخلاف ذلك فإن صفة (الكفر المباح) هي الصفة التي سيطلقونها على خصومهم من العلمانيين والليبراليين والقوميين واليساريين. 

وهكذا وجدت مصر نفسها تجتر مفردات القواميس التي تداولها النظام المباركي قبل الربيع العربي, وعاد النظام الحالي إلى استحضارها لخوض غمار (الجدل المُحتدم) في شوارع مصر وميادينها.  

أما الإعلام المصري فقد اختار أن يحتل الطليعة في معاركه اليومية ضد الديكتاتورية الجديدة، إذ من المتوقع أن تحتجب معظم الصحف غير الحكومية وأن تسوّد القنوات التلفزيونية الخاصة شاشاتها احتجاجاً على سياسات تيار الإسلام السياسي الحاكم، فيما برزت بوادر تمرّد في الإعلام الرسمي، تبدّى في خطوات فردية جريئة عكست حجم الغليان في أوساط الإعلاميين باختلاف مواقعهم, في حين ظهر الرئيس وكأنه يفتقد الابتكار، بعدما لجأ إلى استخدام كافة الأساليب, التي لجأ إليها النظام السابق في مواجهة الاعتراضات على حكمه، أساليب لم تقتصر فقط على استعادة لغة التخوين والتهويل والحديث عن مؤامرة، بل كان العنف ضد المعارضين عنوانها الأبرز، ما أعاد التذكير بواقعة (الجمل), التي لجأ إليها رجال مبارك, وبدا أن مرسي وجماعته لا يملكون سوى هذه الإستراتيجية لمواجهة المعارضين الرافضين للتعديلات الدستورية المقترحة، والله يستر من الجايات.

الجمال…وعد بالسعادة

  لا أحد يرضى على شكله أبدا، والدليل تزايد إمبراطوريات التجميل والتقويم ومعاهد العناية بالوجه والبشرة وتنوع انتشار محال بيع وعرض أدوات ومواد الماكياج والمساحيق والمرطبات في كل زاوية من زوايا عالم اليوم- وربما الأمس القريب والبعيد-، منذ أيام (الدريم..  والحناء والكحل العادي..والطين خاوة) وصولا الى (ماركات) لا تعد و لا تحصى من مساحيق الاعتناء بالبشرة لفرض لغة وهيمنة الجمال، ولعل أطباء التجميل هم الأكثر دخلا من بين باقي الاختصاصات الأخرى، رغم أن الجمال لا يمنح للمرء الى الابد، وحسب زعم مقولة الكاتب الفرنسي(ستندال)..(الجمال وعد بالسعادة)..فأن العبارة تضيق وتتسع تبعا لزوايا النظر اليها كلا حسب نظرته لعمق وأهمية هذه النعمة الربانية.

   كتبت عبر بريدي الالكتروني -قبل أسابيع قليلة- رسالة أخبرت فيها القاصة والروائية المواظبة والمجتهدة في نسج عوالم قصصها وروايتها بهدوء نملة وذكاء نحلة (ميسلون هادي) لإخبارها بصدور مجموعة شعرية لي موجهة للأطفال حملت عنوان (ساعي البريد) عن دار ثقافة الأطفال منتصف هذا العام، واملي ايصال نسخة منها اليها،فردت(أم يزن) علي بكلمات شعرت بأنها أرادت الهمس بأذن تقول فيها: (سأنتظر ساعي البريد على دراجته الهوائية… لقد مضى عمر كان فيه الجمال أقوى من الديكتاتورية…ولكنه الآن يقاوم من أجل البقاء في زمن يسمونه…زمن الحرية!).

 لعل كلمة أو معنى الجمال، كانت تعني كل شيء يريحنا أو يدعو  الى الاعجاب أو يحفز العين للتمعن والنظر فيه، وكل ما من شأنه ان يسعد ويريح جميع الأحاسيس عبر منجم العقل والتفكير بعمق أهمية العدالة والحب الصادق والسلوك القويم.

 في  جانب من مذكراته المعنونة (أحلام أبي) يروي (باراك حسين أوباما) تفاصيل صورة لمشهد يلخص عقدة الإحساس بالجمال مقرونا بالبشرة البيضاء دون السوداء من (جماعته) كونه من أب أفريقي (كينيا) ومن أم أمريكية، يتجاذب في ذلك المشهد الجمال نحو معايير الشكل واللون والسحنة في لغة التمييز العنصري التي كانت سائدة في بلاده قبل نصف قرن وأكثر، وقبل أن يرتقي هو أعلى منصب سياسي يتقلده رجل أسود في أقوى وأعتى دولة في العالم، فقد كان (اوباما)  قد تتطلع في صباه، في تفاصيل صورة مكبرة ليدي رجل مسن تلقى علاجا كيميائيا لتغيير لون جلده، هربا من جحيم الظلم وتقربا من ضفاف الجمال (الشكلي) حتى ظن (اوباما-طبعا) بادئ الامر ان ذلك الرجل يعاني من مرض عضال، لكنه حين قرأ الشرح المرفق مع الصورة، تبين أنه اراد انتحال رجل أبيض، معتذرا الى ما وصلت اليه الحالة النهائية لذلك العلاج اللعين ونتائجه الكارثية،على حد تعبير الرئيس الامريكي الحالي، في سطور تلك المذكرات التي نشرت منها جريدة (الوفيغارو) الفرنسية فصولا مهمة من تلك المذكرات.

 لكن ما يبقى…في نهاية نفق مطاف حسم أمر الجمال وشأنه الحقيقي والجوهري خلاصة راسخة تتسامى برسم معادلة تفيد: بان الأكثر جمالا … هو الاكثر عدلا، أليس كذلك.. يا جماعة الخير.

المستقبل العراقي !

عندما يجدّ ُ الجد , و يدق ناقوس الخطر , لا أجد من يحميني أو أحتمي به , لا الحكومة المنشغلة بالحفاظ على الكرسي , و لا المعارضة المنهمكة بالتنافس على إمتيازات السلطة , و لا نقابة الصحفيين التي أصبح همُّها الأول , توزيع الأستمارات و طلب المعلومات (المكررة) التي قدمها الصحفيون عشرين مرة , و لا الكذا او الكذا المخترق من البطن الى الظهر , انا أحتمي فقط بجريدة (المستقبل العراقي) , و أعتقد إنها سندي عند الضرورة , و مع ذلك لا اخاف من الحكومة و لا المعارضة و لا النقابة و لا الكذا , قدر خوفي من الجريدة نفسها , و هو ليس خوفا ً (شخصيا ً) على حياتي أو وظيفتي أو قلمي , بل هو خوف (عام) من طروحاتها , و آية ذلك , إن المستقبل العراقي , عادة ما تنفرد بأخبار نادرة , و تحصل على معلومات لا ينافسها عليها أحد , و هذا هو موطن الخوف بالنسبة لي , لأن تلك التقارير و الأخبار الصحفية النادرة , ترسم صورة قاتمة لما يجري في البلد , و تنبه بصوت عالٍ الى ما ينتظره العراق من نتائج لا تُحمد عقباها , إذا لم يتم تدارك الأمر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر العنوان التالي [ من طراز أنتنوف المحظورة في الجيش الروسي لخطورة إستخدامها : المالكي يشتري طائرات روسية عاطلة / العدد 362 ] !

فأذا ما تجاوزنا مضمون هذا العنوان الذي كشف فيه [مصدر خبير بالشؤون العسكرية و متخصص في مجالات فحص الأسلحة , عن إن طائرات أنتنوف الروسية الصنع , و التي تعاقد العراق على شرائها من روسيا , تعد ّ من اكثر الطائرات رداءة في العالم ] و إذا ما تجاوزنا كذلك ما كشف عنه هذا المصدر من إن روسيا نفسها , لم تعد تستخدمها في معسكراتها و مطاراتها ( و راحت تضخ الكميات الموجودة لديها الى دول أوروبا الشرقية و آسيا و الشرق الأوسط و اميركا اللاتينية ] , لأنها كثيرة الأعطال [ و أغلب الحوادث تأتي من تعطل محركاتها في أثناء الطيران] , أقول : إذا تجاوزنا ذلك كله , و إتفقنا على إن  الصفقة التي أبرمها رئيس الوزراء لم تكن موفقة , و هذا أمر ممكن الحدوث على الرغم من محاذيره الكبيرة , فأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التعاقد على تلك الطائرات , و إنما في اللجان الفنية التي وافقت عليها و أعطت الأشارة الخضراء , حيث ذكرت الجريدة إستنادا ً الى مصدر سياسي قوله [ إن تلك اللجان مؤلفة من أعضاء ليسوا على دراية بآليات التسليح و الأسلحة الحديثة , ففي بعض الأحيان تتم ترقية نائب ضابط الى رتبة عميد , و بعدها الى لواء , ثم يتم تعيينه كرئيس لجنة فحص !] و أضاف المصدر السياسي نفسه , إن المعيار في إختيار اعضاء اللجان [ يجب أن يكون التحصيل الدراسي العلمي و التطبيقي للعلوم العسكرية و تقنيات الأسلحة , و ليس الخدمة في صنوف المعارضة سابقا ً و النشاطات الحزبية !!] 

أليس من حقي أن أخاف من جريدة المستقبل العراقي و مصداقيتها و متابعاتها الجادة للأحداث و تميزها بالتغطية الشاملة , على مستقبل العراق المجهول , و هو يمنح رتبة (لواء) في الجيش لعسكري برتبة (نائب ضابط) , ليس لكفاءته العالية أو موهبته الفذة او عقليته العسكرية العلمية , و إنما لأنه كان يوما ً في صفوف المعارضة , أليس من حقي و قد بلغ خوفي حدود الرعب أن أسأل من يعنيهم الأمر : لماذا نعتب على النظام المقبور عندما جعل من (العريف) علي حسن وزيرا ً للدفاع برتبة (فريق) , و من العريف حسين كامل وزيرا ً للتصنيع العسكري برتبة فريق , و هل ثمة فارق بين نائب الضابط الذي يصبح بدرجة (لواء) لأنه قادم من صفوف المعارضة , و بين العريف الذي يصبح بدرجة (فريق) لأنه ينحدر من سلالة المجيد ؟! تصفيق لجريدة المستقبل العراقي ,  و هي تضع الشعب في  الصورة , بغض النظر عن أحزانهم التي لا تحتمل مزيدا ً من الحزن !!

رئيس الفقراء يحكم الأورغواي

ولد فقيراً معدماً, ونشأ وترعرع في القرى البائسة. عاش فيها على الكفاف, حتى صار أميرا للصعاليك والمشردين, وقف مع الفقراء والمعوزين, ناضل من اجلهم, قدم لهم التضحيات السخية عبر مسيرته النضالية الطويلة. انضم إلى حركة الكفاح المسلح في بلاده (التوباماروس) ليواصل الاعتراض على ظلم السلطات الارستقراطية الثرية المستبدة, فكان مصيره خلف قضبان سجن الأحكام الثقيلة, فمكث أكثر من عشرة أعوام في زنزانة انفرادية لا تزيد مساحتها على متر واحد. كان (خوسيه موخيكا) رئيسا شعبياً للفقراء والمساكين فصار في عام 2010 رئيسا دستورياً لحكومة الأورغواي, لكنه لم يغادر منزله الريفي المتواضع, ولم يتخل عن سيارته (الفولكس ووغن) الزرقاء القديمة.  لم تتحسن ظروفه المعيشية بعد وصوله إلى سدة الرئاسة وحصوله على مرتب شهري (12500) دولار, فقد اكتفى بعشر الراتب فقط (1250) دولارا, قال عنها أنها تغطي احتياجاته المحدودة, وهكذا تنازل عن 90% من مورده الشهري لمساعدة المحتاجين والمتضررين, فصنفته الصحافة العالمية رئيسا للفقراء والحاكم الأقرب إلى قلوب الناس لتواضعه وبساطته المطلقة. اعتاد الناس على مشاهدته يوميا وهو يقود سيارته (الفولكس ووغن) بمفرده, من غير دراجات نارية, ومن دون عربات مصفحة, ولا عجلات مدججة بالسلاح, ومن دون حاجة إلى قطع السير, وتوبيخ الناس بمبكرات الصوت, وانتهاك حرمة المدينة بصفارات الإنذار.  يمضي لوحده كل يوم في طريقه إلى القصر الرئاسي, يقود سيارته القديمة بنفسه, يستمع لنشر الأخبار من مذياعها المعطوب, ويلوح للناس بتحية الصباح بابتسامة طبيعية غير مصطنعة. اشتهر بالزهد والتقشف, لم يكن مسرفاً ولا مبذراً ولا متبطراً, لا يملك عقاراً, ولا ضيعة, ولا بستاناً, وليس لديه أي رصيد في البنك, ولا يملك بطاقة ائتمان, لا يسهر, ولا يحتسي الخمر, ينام مبكرا ويستيقظ مبكراً, يهوى الزراعة الحقلية, ويمارسها كهواية يومية في بيته الريفي, لا يحب المتطفلين ولا الوصوليين ولا الانتهازيين, ليس لديه علاقات نسائية, ولا روابط عشائرية, يعيش مثل بقية الناس في بلاده, يأكل مما يأكلون, ويشرب مما يشربون, ويرتدي مثلما يرتدون.  اعترف بارتكاب الحكومات السابقة في بلاده لكل الجرائم البشعة التي مارستها الفصائل العسكرية المستبدة ضد الإنسانية, وتبنى سياسة عادلة ومتشددة للإطاحة بأركان الفساد في بلاده, وأعطى بعداُ حقيقياً ًللمشاريع الاجتماعية والأعمال الخيرية, فانتعشت بلاده بفضل الديمقراطية التي انتهجها, وفتح صفحة جديدة من صفحات المودة والتسامح مع القوى التي ناصبته العداء قبل صعوده إلى قمة الهرم الرئاسي, فتعززت ثقة المواطنين بالسياسيين الجدد.  تدرج (خوسية موخيكا) في مشواره السياسي الصعب فنال الدرجات العليا في الدولة  بعد نضاله الطويل ضد القوى الظالمة. ارتقى سلم المناصب العليا من وزارة الزراعة, ثم أصبح نائبا لرئيس الجمهورية, حتى جاء اليوم الذي أصبح فيه هو الرئيس الدستوري المنتخب. 

تجاوز (خوسية) العقد السابع من العمر, (77) سنة, أمضاها كلها في الذود عن حقوق الفقراء, فانتشل بلاده من مستنقعات الفقر والتخلف, وانتصر على طغيان الحكومة العسكرية الفاسدة. تصدرت الأورغواي بفضله قائمة الأقطار الأمريكية اللاتينية وتميزت في تطبيقات العدل وفي المعاملة الإنسانية وفي الشفافية, وتقلصت معدلات الفقر والفاقة, وارتفعت معدلات التنمية, وانتعش الاقتصاد, وازدهرت الزراعة, وتحسنت الظروف التعليمية والصحية, وانحسرت معدلات البطالة, فالتف حوله الشعب بكل طبقاته وفئاته. وكان أول رئيس للفقراء يقف في شرفات الرئاسة في الأورغواي ليؤدي القسم الدستوري بملابسه الحقلية المتواضعة. 

الجمال…وعد بالسعادة

  لا أحد يرضى على شكله أبدا، والدليل تزايد إمبراطوريات التجميل والتقويم ومعاهد العناية بالوجه والبشرة وتنوع انتشار محال بيع وعرض أدوات ومواد الماكياج والمساحيق والمرطبات في كل زاوية من زوايا عالم اليوم- وربما الأمس القريب والبعيد-، منذ أيام (الدريم..  والحناء والكحل العادي..والطين خاوة) وصولا الى (ماركات) لا تعد و لا تحصى من مساحيق الاعتناء بالبشرة لفرض لغة وهيمنة الجمال، ولعل أطباء التجميل هم الأكثر دخلا من بين باقي الاختصاصات الأخرى، رغم أن الجمال لا يمنح للمرء الى الابد، وحسب زعم مقولة الكاتب الفرنسي(ستندال)..(الجمال وعد بالسعادة)..فأن العبارة تضيق وتتسع تبعا لزوايا النظر اليها كلا حسب نظرته لعمق وأهمية هذه النعمة الربانية.

   كتبت عبر بريدي الالكتروني -قبل أسابيع قليلة- رسالة أخبرت فيها القاصة والروائية المواظبة والمجتهدة في نسج عوالم قصصها وروايتها بهدوء نملة وذكاء نحلة (ميسلون هادي) لإخبارها بصدور مجموعة شعرية لي موجهة للأطفال حملت عنوان (ساعي البريد) عن دار ثقافة الأطفال منتصف هذا العام، واملي ايصال نسخة منها اليها،فردت(أم يزن) علي بكلمات شعرت بأنها أرادت الهمس بأذن تقول فيها: (سأنتظر ساعي البريد على دراجته الهوائية… لقد مضى عمر كان فيه الجمال أقوى من الديكتاتورية…ولكنه الآن يقاوم من أجل البقاء في زمن يسمونه…زمن الحرية!).

 لعل كلمة أو معنى الجمال، كانت تعني كل شيء يريحنا أو يدعو  الى الاعجاب أو يحفز العين للتمعن والنظر فيه، وكل ما من شأنه ان يسعد ويريح جميع الأحاسيس عبر منجم العقل والتفكير بعمق أهمية العدالة والحب الصادق والسلوك القويم.

 في  جانب من مذكراته المعنونة (أحلام أبي) يروي (باراك حسين أوباما) تفاصيل صورة لمشهد يلخص عقدة الإحساس بالجمال مقرونا بالبشرة البيضاء دون السوداء من (جماعته) كونه من أب أفريقي (كينيا) ومن أم أمريكية، يتجاذب في ذلك المشهد الجمال نحو معايير الشكل واللون والسحنة في لغة التمييز العنصري التي كانت سائدة في بلاده قبل نصف قرن وأكثر، وقبل أن يرتقي هو أعلى منصب سياسي يتقلده رجل أسود في أقوى وأعتى دولة في العالم، فقد كان (اوباما)  قد تتطلع في صباه، في تفاصيل صورة مكبرة ليدي رجل مسن تلقى علاجا كيميائيا لتغيير لون جلده، هربا من جحيم الظلم وتقربا من ضفاف الجمال (الشكلي) حتى ظن (اوباما-طبعا) بادئ الامر ان ذلك الرجل يعاني من مرض عضال، لكنه حين قرأ الشرح المرفق مع الصورة، تبين أنه اراد انتحال رجل أبيض، معتذرا الى ما وصلت اليه الحالة النهائية لذلك العلاج اللعين ونتائجه الكارثية،على حد تعبير الرئيس الامريكي الحالي، في سطور تلك المذكرات التي نشرت منها جريدة (الوفيغارو) الفرنسية فصولا مهمة من تلك المذكرات.

 لكن ما يبقى…في نهاية نفق مطاف حسم أمر الجمال وشأنه الحقيقي والجوهري خلاصة راسخة تتسامى برسم معادلة تفيد: بان الأكثر جمالا … هو الاكثر عدلا، أليس كذلك.. يا جماعة الخير.