النســاء… مصـابيـح الــبـيـوت

يقال إن الحب -إلى حد كبير- يمثل تأريخ المرأة، فيما هو ليس إلا حدثا عابرا في حياة أغلب الرجال… طبعا لكل قاعدة استثناء، وهذا الاستثناء -في حقيقة أمره- هو من يثبت تلك القاعدة.

وإذ يقول شاعر داغستاني حبيبتي (رسول حمزاتوف): (شيئان في الدنيا يستحقان النزعات الكبيرة….وطن حنون…وامرأة رائعة..فأن بقية النزعات هي من اختصاصات الديكة). يقابله الروائي الروسي (تورجنيف) قائلا بحماس: (يمكنني أن أتخلى راضيا عن كل ما لحقني من مجد، إزاء امرأة يساورها القلق…. إذا تأخرت قليلا عن موعد العشاء في البيت). نعم ننتمي لمن يعتقد ويرى في الحياء والصمت الحقيقي معبرا… عن جمال وزينة المرأة، لكننا نشجب بالرفض، كل أشكال العنف والتعسف حين يمارس ضدها، تحت راية أي تبرير ودثار يغمط حقها في الحياة والحب والعمل عبر التمتع بما متاح ومسموح في لوائح فهم معنى وعمق الحرية الواجب توافرها وسبل ممارستها كما ينبغي ويجب. قبل أيام -وعلى هامش حفل اختتام ملتقى بغداد الشعري الذي أقامته وزارة الثقافة للفترة من 10-13/ كانون أول الحالي، وبحضور ملفت لعدد من الشعراء والمثقفين العرب- باغتتنا مجموعة رائعة من الشباب حاملين بطاقات، بحجم كف اليد الواحدة،هي بالاحرى (أي البطاقات) بمثابة تعهد خطي هذا نصه (أني ……………. أتعهد بألا أرتكب عنفا ضد المرأة، أو أتغاضى أو أبقى صامتا عنه، و لأجل هذا وقعت) ثم مكان لتوقيع ذلك التعهد الحضاري، الذي أعدته(منظمة نساء من أجل السلام) من خلال الإعداد لحملة أطلقت على نفسها (حملة الشارة البيضاء/لمناهضة العنف ضد المرأة)، قامت الحملة -فضلا على ما ورد- بفرش لافتة كبيرة بيضاء على منضدة وضعت عند مدخل المسرح الوطني،حيث جرى حفل اختتام الملتقى، من أجل جمع تواقيع الحضور من الشعراء والجهور، وترك حرية الكتابة لأية جملة يود اختيارها المدون والموقع بواسطة أقلام (الماجك) وضعت بجانب اللافتة، وبالقرب منها جلست فتاة جميلة، بعمر صغير على كرسي ترتدي فستان الزفاف، تناثرت حوله أوراق كتب عليها عبارات (الزواج البكر…يحرمني من التعليم/الزواج القسري…يؤدي إلى الطلاق وغيرها ما كان يدور في فلك العنف ضد حواء) وبطريقة ما يسمى باللعب التمثيلي (السايكو/دراما) تجرأت ضمن فعالية مجموعة الشباب التي تقوم بتلك الحملة،التي دفعت بي للخوض- مجددا- في غمار معركة الدفاع عن حقوق المرأة وصراعها الدائم من أجل كرامتها وسمو وجودها دون أدنى منة من أحد،هذا المخلوق الرائع الذي حباه الله جل شأنه بمجد الامومة وحنانها الكوني المطلق،فأن تكون المرأة أما معنى ذلك التضحية بكل شيء من أجل عزة وتربية جنينها، مهما كلفها ذلك من ثمن.المرأة التي خصها رسول الإنسانية جمعاء محمد(ص) بأن قال حانيا في أحد أحاديثه الشريفة: (رفقا بالقوارير) وليمد من عزمها وعظمة حضورها متجسدا بقول لا أروع ولا ابلغ ولا أعمق منه: (النساء مصابيح البيوت …. فلا تطفئوا مصابيح بيوتكم) صدق رسول الله. 

خطأ الشعار أم خطأ الأفكار.. “الكردستانية خارج الإقليم مثالاً”

عندما أتحدث عن أخطاء الشعارات والأفكار في السياسة العراقية وسياسة المنطقة والعالم , فأني لا اعني الأشخاص لاسيما في العراق فأمرهم يهمني جميعا من حيث الخلاص الذي ينتظره ابناء العراق جميعا بعد موجة الفساد التي تعصف بالدولة ومؤسساتها, وبعد ظاهرة الفشل الذي أناخ بثقله على الحكومة ومجلس النواب ومجالس المحافظات والإقليم . أما الحديث عن الفساد فيكفي أن مؤسسات الشفافية وتقارير الأمم المتحدة تضع العراق في سلم الدول العشر الأكثر فسادا في العالم، وأما عن فشل الحكومة فالموضوع لا يحتاج مزيدا من التنظير فيكفي استعراض الإخفاقات التالية وهي حقائق صارخة: 

1- الإخفاق الأمني 2- إخفاق المصالحة الوطنية 3- إخفاق الكهرباء 4- إخفاق البطاقة التموينية 5- إخفاق إدارة البنك المركزي 6- إخفاق العقود المدنية والعسكرية 7- إخفاق إدارة مؤسسات الدولة 8- إخفاق الاعمار 9- إخفاق الاستثمار 10- إخفاق العلاقة مع الإقليم وإخفاق واحد من هذه الإخفاقات كفيل باستقالة الحكومة أو الوزير المسؤول عن التقصير في حكومة الشورى أو الحكومة الديمقراطية, ولان هذا لم يحدث فلا الشورى متحققة بالنسبة للمتدين في الحكومة, ولا الديمقراطية متحققة بالنسبة للعلماني في الحكومة . وظاهرة الاستقالة لم تمارس عمليا وبدون عوامل استثنائية كما حدث في استقالة وزير الكهرباء الأسبق, حيث كانت استقالته نتيجة فشل متراكم وغير مبرر لا يدع مجالا لصاحبه في إيجاد مخرج مناسب, ثم أن توجه المستقيلين والمبعدين عن تولي المسؤولية إلى الإقامة في دول أجنبية لها علاقة مباشرة بما يجري في العراق يؤكد الشبهة على هؤلاء، أما فشل الإقليم فلا تشفع له بعض التحسينات في العمارة التي تلاحقها شبهات من زوايا أخرى تتصل بالأمن الوطني والسيادة والمال العام وعدم توازن الحصص ونوعية المستثمرين، وفشل الإقليم يتلخص في :

1- إشاعة الثقافة القومية بنبرة عنصرية لا تفرق بين جرائم صدام حسين تجاه الشعب العراقي بعربه وأكراده وتركمانه وبقية الشرائح العراقية وبين عرب العراق . 2- لم يفرق قادة الإقليم بين مفهوم الخطأ والجريمة في حسابات الحكم . 3- عمل قادة الإقليم بنفس وروح الدولة داخل الدولة وهو خطأ دستوري وخطأ في الفهم العام للفدرالية . 4- عمل قادة الإقليم بالنأي بأنفسهم عن مشاكل الدولة العراقية الموروثة والمستجدة , وكان العراق من خلال الحكومة الفدرالية المركزية لا يعنيهم وسعوا إلى الانفتاح على الآخرين من خارج الحدود, ولم يسعوا بروح أخوية وطنية للتواجد في الشأن العراقي ومناسباته . 5- الإصرار على انفصال مؤسسات الإقليم التربوية والتعليمية والصحية والتجارية عن مؤسسات ووزارات الدولة المركزية إلا فيما يتعلق بالضرورة القصوى التي تضطرهم لذلك مثل الجوازات والعملة النقدية والتي يسعون للاستقلال بها كما لمحوا إلى ذلك في الدستور وهو من الثغرات التي لابد أن يعاد النظر بها . 6- الاستئثار بالمال العام من خلال إصرارهم على اخذ نسبة 17% من الميزانية العراقية وهو إجحاف غير مبرر حتى مع ضعف من كان معهم من أحزاب السلطة يوم كتابة الدستور العراقي . 7- إصرارهم على وجود ممثل لإقليم  كردستان العراق في بغداد, وهي حالة لا تعبر عن عمق الخطأ ولكن تعبر عن تجذر روح الانفصال مستقبلا, إذ كيف يعقل وجود ممثل للإقليم في بغداد وهذا الإقليم رئيس جمهورية العراق منه ونائب رئيس الوزراء منه ونائب رئيس مجلس النواب منه ووزير الخارجية منه ومجموعة من الوزراء وستون نائبا في البرلمان العراقي الفدرالي منهم . 8- إصرارهم على وجود قنصليات للإقليم في بعض الدول وهو أمر مخالف لكل فدراليات العالم . 9- سعيهم ليكون عندهم اكبر عدد من القنصليات الأجنبية عندهم. 10- قيامهم بعلاقات ارتباط مع الحكومة التركية بعيدا عن علم ودراية الحكومة المركزية الفدرالية, واستقبالهم لوزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو وتسهيل مهمة زيارته لكركوك دون علم الحكومة الفدرالية خطأ دستوري وتنظيمي .  11- قيام السيد مسعود البارزاني برعاية مؤتمر الأكراد السوريين في اربيل هو خطأ دستوري لأن الأمر تم دون علم وموافقة الحكومة الفدرالية. 12- قيام السيد مسعود البارزاني باستقبال سمير جعجع اللبناني وبرهان غليون السوري ومصطفى سيدا السوري ووليد جنبلاط الدرزي اللبناني دون علم الحكومة الفدرالية هو عمل غير دستوري, وهو من ملامح الفشل الذي تمارسه قيادة الإقليم ليس تجاه الحكومة المركزية وإنما تجاه الشعب العراقي.  13- إصرار الإقليم على فرض التأشيرة والإقامة على ابناء المحافظات الأخرى من العراقيين هو عمل يؤدي إلى فشل الإقليم مثلما ادى الى فشل الحكومة المركزية التي لم تمارس دورها الدستوري في رفض مثل هذه الممارسات تجاه أبناء الشعب العراقي . 14- قيام قيادة الإقليم بتحريك قوات البيشمركة لتواجه قوات دجلة بحجة أنها قوات غير دستورية, هو أمر خاطئ وتصرف غير دستوري, فللسلطة الاتحادية امتيازات حصرية منها: رسم السياسة الخارجية وإدارة المنافذ الحدودية وتشكيل الهيئات العسكرية, وهذا العمل من أكثر الأعمال والمواقف التي رسمت فشل قيادة الإقليم بالتعامل مع الحكومة الفدرالية في القضايا الحساسة والمهمة, وهذا العمل أدى الى التوتر والاحتقان بين أبناء الوطن الواحد فيما لا مبرر له, وكان المفروض بالمحكمة الاتحادية العليا أن تدلي برأيها تجاه ذلك الاحتكاك المشتمل على خطورة غير عادية وهذا من أهم واجبات المحكمة الاتحادية العليا . 15- وعندما بدأت الأمور تنحو نحو التهدئة، فاجأنا السيد مسعود البارزاني الذي أتذكر انه كان احد أعضاء وفد المعارضة العراقية عندما ذهبنا لحضور مؤتمر المثابة عام 1986 بأنه يسمي المناطق المتنازع عليها وهي إيحاء أمريكي لإدامة الخلاف بين أبناء العراق, وكنت أتمنى على الذين حضروا كتابة الدستور ان لا يسمحوا بتثبيت مثل هذه المصطلحات الملغومة والخاطئة بحق الشعب العراقي , فالسيد مسعود البارزاني وكرد على السيد نوري المالكي رئيس الحكومة الذي يقال انه سماها بالمختلطة، ولكنه لم يصدر مرسوما بذلك كما قام السيد مسعود البارزاني بإصدار مرسوم تشريعي لبرلمان كردستان وحكومته ليسمي المناطق المتنازع عليها في الدستور بالمناطق الكردستانية خارج الإقليم،  والسيد مسعود البارزاني في مثل هذه الحالة لا يمارس خطأ الشعارات فقط وإنما يمارس خطأ الأفكار التي تعم آثارها على الشعب العراقي  فلا يحق له دستوريا ولا اصطلاحيا من حيث المفهوم السياسي والجغرافي أن يسمي تلك المناطق بالكردستانية وهي يقيم فيها الأخ التركماني والأخ الكردي والأخ العربي جنبا إلى جنب في تواصل اخوي لم تشوبه شائبة إلا بعد أن تدخلت الروح الحزبية والفئوية والعنصرية ومعها التكفيرية التي تعادي الجميع والإخوة من أكراد السعدية وجلولاء يعرفون ماذا اقصد ؟!.

التـخــصــص !!

حين بلغت الأربعين من العمر، شعرت لأول مرة، أنني بدأت أعي الحياة على حقيقتها، وأدركت أن أربعة عقود من الأوهام والأخطاء والمواقف الصبيانية التافهة، هي التي طبعت تصرفاتي وعلاقاتي وأفكاري، ولذلك عمدت إلى مراجعة نقدية صارمة، وغيرت الكثير الكثير من فهمي الساذج للأمور، ومن قناعاتي التي تفتقر إلى المنطق والحكمة. واحدة من عشرات، بل مئات القناعات الفوضوية القديمة التي نقدتها وانقلبت عليها انقلابا جذريا واعيا، هي مسالة التخصص ، فقد كنت اقف بالضد من هذه المسألة، ولا أرى ضيرا في ان يكون الانسان مهندسا ومحاميا ورساما وجراحا وضابطا في الجيش ومقاولا في وقت واحد، كما لم أكن أجد ضيرا في من يجمع بين هواية الموسيقى والغناء والرياضة وصيد السمك والسفر وقيادة الدراجة النارية ، وبين هواية جمع الفراشات والطوابع والنسوان والسبح والعمل القديمة وأجهزة الموبايل وكلاب الزينة في وقت واحد، وبقدر متساو من الاهتمام!  هذا عبث غير مقبول ، وتشتت نفسي ووجداني وفكري يضيع معه المرء، وتضيع شخصيته المركزية، ولا يعرف موطئ قدمه الحقيقي ، هكذا بدأت افكر وادعو الى التخصص وأهميته في الحياة، وبغيابه تغيب الهوية الإبداعية، وتتضاءل فرص التركيز والابتكار والتطور، اما ان تكون طبيبا او محاميا، واما ان تكون موسيقيا وتاجرا،  واما ان تكون لصا او شرطيا ، واما ان تكون مع النظام او معارضا له، اما ان يجمع ابن ادم في شخصيته بين الفنان والتاجر، او بين اللص والشرطي.. او بين الوزير والفقير ، فهذا مرفوض تماما، ويطعن الاختصاص في الصميم!  قناعة الاختصاص قناعة راسخة اهتديت إليها فيما اهتديت بعد بلوغي الأربعين وتجاوزي هذه السن، بحيث نضج وعيي وفكري، واختمرت رؤيتي، ولم اعد أناقش هذا الموضوع لأنه بات من المسلمات البديهية بالنسبة لي، ولذلك حين سألني بحارنا ابو حسين، وهو مواطن بسيط يعاني من كثرة العيال، ومن ازمة فقر مزمنة (ستاد .. هاي شنو المشكلة بين السيد رئيس الحكومة وبين السيد الناطق باسم الحكومة .. الله يحفظهم ، اشو كلامهم بي شويه اختلاف)، غضبت منه غضبا شديدا ، لأنه يجهل معنى الاختصاص ، ثم قلت له (السيدان الفاضلان كلاهما يمثل الحكومة) هز الرجل رأسه ، وعندها سألته (هل حصل في يوم من الايام ان تدخلت الحكومة في شأن من شؤونك، أو سألت عن ازمتك مع الفقر وكثرة العيال؟)، أجابني (لا … لم يحصل ، الشهادة الله ، الحكومة لم تضايقني في يوم من الايام ، او تسأل عني ، او تتدخل في شؤوني ! ) وعندما انتهى كان غضبي قد بلغ قمته ، ولهذا صرخت في وجهه (يا مغفل يا جاهل … متى تفهم ان الاختصاص اهم شيء في الحياة ؟ انت من الشعب ، والشعب له تخصص، والسيدان الفاضلان من الحكومة، والحكومة لها تخصص ، وما دامت الحكومة ملتزمة بتخصصها ولم تتدخل في تخصص الشعب او تسأل عن قضاياه ؟ فلماذا تسمح لنفسك بالتدخل في اختصاصها ، ولماذا تسأل عن قضاياها؟ عليكم اللعنة .. ناس جهلة لا تفهمون التخصص وتدسون أنوفكم فيما لا يعنيكم!) كان ابو حسين مندهشا ، ثم نهض ، وقبل ان يغادر المكان قال لي (صحيح ستاد اني كلش غشيم وابن … ) ومن يومها وهو صامت لا يسأل عن صفقة اسلحة ولا فساد مالي ولا ملفات جاهزة .. فتلك امور من اختصاص الحكومة .. وهو .. من الشعب !!

النســاء… مصـابيـح الــبـيـوت

يقال إن الحب -إلى حد كبير- يمثل تأريخ المرأة، فيما هو ليس إلا حدثا عابرا في حياة أغلب الرجال… طبعا لكل قاعدة استثناء، وهذا الاستثناء -في حقيقة أمره- هو من يثبت تلك القاعدة.

وإذ يقول شاعر داغستاني حبيبتي (رسول حمزاتوف): (شيئان في الدنيا يستحقان النزعات الكبيرة….وطن حنون…وامرأة رائعة..فأن بقية النزعات هي من اختصاصات الديكة). يقابله الروائي الروسي (تورجنيف) قائلا بحماس: (يمكنني أن أتخلى راضيا عن كل ما لحقني من مجد، إزاء امرأة يساورها القلق…. إذا تأخرت قليلا عن موعد العشاء في البيت). نعم ننتمي لمن يعتقد ويرى في الحياء والصمت الحقيقي معبرا… عن جمال وزينة المرأة، لكننا نشجب بالرفض، كل أشكال العنف والتعسف حين يمارس ضدها، تحت راية أي تبرير ودثار يغمط حقها في الحياة والحب والعمل عبر التمتع بما متاح ومسموح في لوائح فهم معنى وعمق الحرية الواجب توافرها وسبل ممارستها كما ينبغي ويجب. قبل أيام -وعلى هامش حفل اختتام ملتقى بغداد الشعري الذي أقامته وزارة الثقافة للفترة من 10-13/ كانون أول الحالي، وبحضور ملفت لعدد من الشعراء والمثقفين العرب- باغتتنا مجموعة رائعة من الشباب حاملين بطاقات، بحجم كف اليد الواحدة،هي بالاحرى (أي البطاقات) بمثابة تعهد خطي هذا نصه (أني ……………. أتعهد بألا أرتكب عنفا ضد المرأة، أو أتغاضى أو أبقى صامتا عنه، و لأجل هذا وقعت) ثم مكان لتوقيع ذلك التعهد الحضاري، الذي أعدته(منظمة نساء من أجل السلام) من خلال الإعداد لحملة أطلقت على نفسها (حملة الشارة البيضاء/لمناهضة العنف ضد المرأة)، قامت الحملة -فضلا على ما ورد- بفرش لافتة كبيرة بيضاء على منضدة وضعت عند مدخل المسرح الوطني،حيث جرى حفل اختتام الملتقى، من أجل جمع تواقيع الحضور من الشعراء والجهور، وترك حرية الكتابة لأية جملة يود اختيارها المدون والموقع بواسطة أقلام (الماجك) وضعت بجانب اللافتة، وبالقرب منها جلست فتاة جميلة، بعمر صغير على كرسي ترتدي فستان الزفاف، تناثرت حوله أوراق كتب عليها عبارات (الزواج البكر…يحرمني من التعليم/الزواج القسري…يؤدي إلى الطلاق وغيرها ما كان يدور في فلك العنف ضد حواء) وبطريقة ما يسمى باللعب التمثيلي (السايكو/دراما) تجرأت ضمن فعالية مجموعة الشباب التي تقوم بتلك الحملة،التي دفعت بي للخوض- مجددا- في غمار معركة الدفاع عن حقوق المرأة وصراعها الدائم من أجل كرامتها وسمو وجودها دون أدنى منة من أحد،هذا المخلوق الرائع الذي حباه الله جل شأنه بمجد الامومة وحنانها الكوني المطلق،فأن تكون المرأة أما معنى ذلك التضحية بكل شيء من أجل عزة وتربية جنينها، مهما كلفها ذلك من ثمن.المرأة التي خصها رسول الإنسانية جمعاء محمد(ص) بأن قال حانيا في أحد أحاديثه الشريفة: (رفقا بالقوارير) وليمد من عزمها وعظمة حضورها متجسدا بقول لا أروع ولا ابلغ ولا أعمق منه: (النساء مصابيح البيوت …. فلا تطفئوا مصابيح بيوتكم) صدق رسول الله. 

خطأ الشعار أم خطأ الأفكار.. “الكردستانية خارج الإقليم مثالاً”

عندما أتحدث عن أخطاء الشعارات والأفكار في السياسة العراقية وسياسة المنطقة والعالم , فأني لا اعني الأشخاص لاسيما في العراق فأمرهم يهمني جميعا من حيث الخلاص الذي ينتظره ابناء العراق جميعا بعد موجة الفساد التي تعصف بالدولة ومؤسساتها, وبعد ظاهرة الفشل الذي أناخ بثقله على الحكومة ومجلس النواب ومجالس المحافظات والإقليم . أما الحديث عن الفساد فيكفي أن مؤسسات الشفافية وتقارير الأمم المتحدة تضع العراق في سلم الدول العشر الأكثر فسادا في العالم، وأما عن فشل الحكومة فالموضوع لا يحتاج مزيدا من التنظير فيكفي استعراض الإخفاقات التالية وهي حقائق صارخة: 

1- الإخفاق الأمني 2- إخفاق المصالحة الوطنية 3- إخفاق الكهرباء 4- إخفاق البطاقة التموينية 5- إخفاق إدارة البنك المركزي 6- إخفاق العقود المدنية والعسكرية 7- إخفاق إدارة مؤسسات الدولة 8- إخفاق الاعمار 9- إخفاق الاستثمار 10- إخفاق العلاقة مع الإقليم وإخفاق واحد من هذه الإخفاقات كفيل باستقالة الحكومة أو الوزير المسؤول عن التقصير في حكومة الشورى أو الحكومة الديمقراطية, ولان هذا لم يحدث فلا الشورى متحققة بالنسبة للمتدين في الحكومة, ولا الديمقراطية متحققة بالنسبة للعلماني في الحكومة . وظاهرة الاستقالة لم تمارس عمليا وبدون عوامل استثنائية كما حدث في استقالة وزير الكهرباء الأسبق, حيث كانت استقالته نتيجة فشل متراكم وغير مبرر لا يدع مجالا لصاحبه في إيجاد مخرج مناسب, ثم أن توجه المستقيلين والمبعدين عن تولي المسؤولية إلى الإقامة في دول أجنبية لها علاقة مباشرة بما يجري في العراق يؤكد الشبهة على هؤلاء، أما فشل الإقليم فلا تشفع له بعض التحسينات في العمارة التي تلاحقها شبهات من زوايا أخرى تتصل بالأمن الوطني والسيادة والمال العام وعدم توازن الحصص ونوعية المستثمرين، وفشل الإقليم يتلخص في :

1- إشاعة الثقافة القومية بنبرة عنصرية لا تفرق بين جرائم صدام حسين تجاه الشعب العراقي بعربه وأكراده وتركمانه وبقية الشرائح العراقية وبين عرب العراق . 2- لم يفرق قادة الإقليم بين مفهوم الخطأ والجريمة في حسابات الحكم . 3- عمل قادة الإقليم بنفس وروح الدولة داخل الدولة وهو خطأ دستوري وخطأ في الفهم العام للفدرالية . 4- عمل قادة الإقليم بالنأي بأنفسهم عن مشاكل الدولة العراقية الموروثة والمستجدة , وكان العراق من خلال الحكومة الفدرالية المركزية لا يعنيهم وسعوا إلى الانفتاح على الآخرين من خارج الحدود, ولم يسعوا بروح أخوية وطنية للتواجد في الشأن العراقي ومناسباته . 5- الإصرار على انفصال مؤسسات الإقليم التربوية والتعليمية والصحية والتجارية عن مؤسسات ووزارات الدولة المركزية إلا فيما يتعلق بالضرورة القصوى التي تضطرهم لذلك مثل الجوازات والعملة النقدية والتي يسعون للاستقلال بها كما لمحوا إلى ذلك في الدستور وهو من الثغرات التي لابد أن يعاد النظر بها . 6- الاستئثار بالمال العام من خلال إصرارهم على اخذ نسبة 17% من الميزانية العراقية وهو إجحاف غير مبرر حتى مع ضعف من كان معهم من أحزاب السلطة يوم كتابة الدستور العراقي . 7- إصرارهم على وجود ممثل لإقليم  كردستان العراق في بغداد, وهي حالة لا تعبر عن عمق الخطأ ولكن تعبر عن تجذر روح الانفصال مستقبلا, إذ كيف يعقل وجود ممثل للإقليم في بغداد وهذا الإقليم رئيس جمهورية العراق منه ونائب رئيس الوزراء منه ونائب رئيس مجلس النواب منه ووزير الخارجية منه ومجموعة من الوزراء وستون نائبا في البرلمان العراقي الفدرالي منهم . 8- إصرارهم على وجود قنصليات للإقليم في بعض الدول وهو أمر مخالف لكل فدراليات العالم . 9- سعيهم ليكون عندهم اكبر عدد من القنصليات الأجنبية عندهم. 10- قيامهم بعلاقات ارتباط مع الحكومة التركية بعيدا عن علم ودراية الحكومة المركزية الفدرالية, واستقبالهم لوزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو وتسهيل مهمة زيارته لكركوك دون علم الحكومة الفدرالية خطأ دستوري وتنظيمي .  11- قيام السيد مسعود البارزاني برعاية مؤتمر الأكراد السوريين في اربيل هو خطأ دستوري لأن الأمر تم دون علم وموافقة الحكومة الفدرالية. 12- قيام السيد مسعود البارزاني باستقبال سمير جعجع اللبناني وبرهان غليون السوري ومصطفى سيدا السوري ووليد جنبلاط الدرزي اللبناني دون علم الحكومة الفدرالية هو عمل غير دستوري, وهو من ملامح الفشل الذي تمارسه قيادة الإقليم ليس تجاه الحكومة المركزية وإنما تجاه الشعب العراقي.  13- إصرار الإقليم على فرض التأشيرة والإقامة على ابناء المحافظات الأخرى من العراقيين هو عمل يؤدي إلى فشل الإقليم مثلما ادى الى فشل الحكومة المركزية التي لم تمارس دورها الدستوري في رفض مثل هذه الممارسات تجاه أبناء الشعب العراقي . 14- قيام قيادة الإقليم بتحريك قوات البيشمركة لتواجه قوات دجلة بحجة أنها قوات غير دستورية, هو أمر خاطئ وتصرف غير دستوري, فللسلطة الاتحادية امتيازات حصرية منها: رسم السياسة الخارجية وإدارة المنافذ الحدودية وتشكيل الهيئات العسكرية, وهذا العمل من أكثر الأعمال والمواقف التي رسمت فشل قيادة الإقليم بالتعامل مع الحكومة الفدرالية في القضايا الحساسة والمهمة, وهذا العمل أدى الى التوتر والاحتقان بين أبناء الوطن الواحد فيما لا مبرر له, وكان المفروض بالمحكمة الاتحادية العليا أن تدلي برأيها تجاه ذلك الاحتكاك المشتمل على خطورة غير عادية وهذا من أهم واجبات المحكمة الاتحادية العليا . 15- وعندما بدأت الأمور تنحو نحو التهدئة، فاجأنا السيد مسعود البارزاني الذي أتذكر انه كان احد أعضاء وفد المعارضة العراقية عندما ذهبنا لحضور مؤتمر المثابة عام 1986 بأنه يسمي المناطق المتنازع عليها وهي إيحاء أمريكي لإدامة الخلاف بين أبناء العراق, وكنت أتمنى على الذين حضروا كتابة الدستور ان لا يسمحوا بتثبيت مثل هذه المصطلحات الملغومة والخاطئة بحق الشعب العراقي , فالسيد مسعود البارزاني وكرد على السيد نوري المالكي رئيس الحكومة الذي يقال انه سماها بالمختلطة، ولكنه لم يصدر مرسوما بذلك كما قام السيد مسعود البارزاني بإصدار مرسوم تشريعي لبرلمان كردستان وحكومته ليسمي المناطق المتنازع عليها في الدستور بالمناطق الكردستانية خارج الإقليم،  والسيد مسعود البارزاني في مثل هذه الحالة لا يمارس خطأ الشعارات فقط وإنما يمارس خطأ الأفكار التي تعم آثارها على الشعب العراقي  فلا يحق له دستوريا ولا اصطلاحيا من حيث المفهوم السياسي والجغرافي أن يسمي تلك المناطق بالكردستانية وهي يقيم فيها الأخ التركماني والأخ الكردي والأخ العربي جنبا إلى جنب في تواصل اخوي لم تشوبه شائبة إلا بعد أن تدخلت الروح الحزبية والفئوية والعنصرية ومعها التكفيرية التي تعادي الجميع والإخوة من أكراد السعدية وجلولاء يعرفون ماذا اقصد ؟!.

التـخــصــص !!

حين بلغت الأربعين من العمر، شعرت لأول مرة، أنني بدأت أعي الحياة على حقيقتها، وأدركت أن أربعة عقود من الأوهام والأخطاء والمواقف الصبيانية التافهة، هي التي طبعت تصرفاتي وعلاقاتي وأفكاري، ولذلك عمدت إلى مراجعة نقدية صارمة، وغيرت الكثير الكثير من فهمي الساذج للأمور، ومن قناعاتي التي تفتقر إلى المنطق والحكمة. واحدة من عشرات، بل مئات القناعات الفوضوية القديمة التي نقدتها وانقلبت عليها انقلابا جذريا واعيا، هي مسالة التخصص ، فقد كنت اقف بالضد من هذه المسألة، ولا أرى ضيرا في ان يكون الانسان مهندسا ومحاميا ورساما وجراحا وضابطا في الجيش ومقاولا في وقت واحد، كما لم أكن أجد ضيرا في من يجمع بين هواية الموسيقى والغناء والرياضة وصيد السمك والسفر وقيادة الدراجة النارية ، وبين هواية جمع الفراشات والطوابع والنسوان والسبح والعمل القديمة وأجهزة الموبايل وكلاب الزينة في وقت واحد، وبقدر متساو من الاهتمام!  هذا عبث غير مقبول ، وتشتت نفسي ووجداني وفكري يضيع معه المرء، وتضيع شخصيته المركزية، ولا يعرف موطئ قدمه الحقيقي ، هكذا بدأت افكر وادعو الى التخصص وأهميته في الحياة، وبغيابه تغيب الهوية الإبداعية، وتتضاءل فرص التركيز والابتكار والتطور، اما ان تكون طبيبا او محاميا، واما ان تكون موسيقيا وتاجرا،  واما ان تكون لصا او شرطيا ، واما ان تكون مع النظام او معارضا له، اما ان يجمع ابن ادم في شخصيته بين الفنان والتاجر، او بين اللص والشرطي.. او بين الوزير والفقير ، فهذا مرفوض تماما، ويطعن الاختصاص في الصميم!  قناعة الاختصاص قناعة راسخة اهتديت إليها فيما اهتديت بعد بلوغي الأربعين وتجاوزي هذه السن، بحيث نضج وعيي وفكري، واختمرت رؤيتي، ولم اعد أناقش هذا الموضوع لأنه بات من المسلمات البديهية بالنسبة لي، ولذلك حين سألني بحارنا ابو حسين، وهو مواطن بسيط يعاني من كثرة العيال، ومن ازمة فقر مزمنة (ستاد .. هاي شنو المشكلة بين السيد رئيس الحكومة وبين السيد الناطق باسم الحكومة .. الله يحفظهم ، اشو كلامهم بي شويه اختلاف)، غضبت منه غضبا شديدا ، لأنه يجهل معنى الاختصاص ، ثم قلت له (السيدان الفاضلان كلاهما يمثل الحكومة) هز الرجل رأسه ، وعندها سألته (هل حصل في يوم من الايام ان تدخلت الحكومة في شأن من شؤونك، أو سألت عن ازمتك مع الفقر وكثرة العيال؟)، أجابني (لا … لم يحصل ، الشهادة الله ، الحكومة لم تضايقني في يوم من الايام ، او تسأل عني ، او تتدخل في شؤوني ! ) وعندما انتهى كان غضبي قد بلغ قمته ، ولهذا صرخت في وجهه (يا مغفل يا جاهل … متى تفهم ان الاختصاص اهم شيء في الحياة ؟ انت من الشعب ، والشعب له تخصص، والسيدان الفاضلان من الحكومة، والحكومة لها تخصص ، وما دامت الحكومة ملتزمة بتخصصها ولم تتدخل في تخصص الشعب او تسأل عن قضاياه ؟ فلماذا تسمح لنفسك بالتدخل في اختصاصها ، ولماذا تسأل عن قضاياها؟ عليكم اللعنة .. ناس جهلة لا تفهمون التخصص وتدسون أنوفكم فيما لا يعنيكم!) كان ابو حسين مندهشا ، ثم نهض ، وقبل ان يغادر المكان قال لي (صحيح ستاد اني كلش غشيم وابن … ) ومن يومها وهو صامت لا يسأل عن صفقة اسلحة ولا فساد مالي ولا ملفات جاهزة .. فتلك امور من اختصاص الحكومة .. وهو .. من الشعب !!

من كان منكم بلا مهرجان .. فليرمه بقصيدة

انتهت أيام بغداد للشعر العربي ولم تنته أصداؤها (إيجابا وسلبا) فإلى الآن واللقاءات المتلفزة؛ والحوارات الجرائدية؛ والبيانات التي تتناقلها المواقع الالكترونية تتواصل؛ وبما لم تشهده المهرجانات الكثيرة السابقة منذ سقوط بغداد تحت جنازر الدبابات الأمريكية والى اليوم.وعلى الرغم من أن الصديق الشاعر حامد الراوي (المستشار الثقافي والمشرف على هذه الفعالية) أرادها أن تمضي هادئة وبلا ضجيج ..فقد شبع العراقيون ( والمثقفون في طليعتهم) من كثرة المهاترات وعلى شتى أنواعها (سياسية – برلمانية – حكومية – اقتصادية – إعلامية .. الخ) لكن واقعنا بمجمله بعيد عن التمنيات؛ فما أن أعلنت ساعة المسرح الوطني بدء الافتتاح حتى انبرى شاعران ممن لا يشك احد بشاعريتهما بطلب المقاطعة؛ والتحق بركبهم ثلة (ولا أقول الكل)  ممن يشك تماما ليس بشاعريتهم فقط وإنما بمجمل حضورهم في المشهد الثقافي؛ لغرض تسجيل أسمائهم ليس إلا.. فهي فرصة لا تعوض بالنسبة لهم لمغادرة الرفوف التي ركنهم الابداع عليها بحراسة الأتربة والنسيان .

ومن دون أن يدري الجميع؛ قدموا خدمة إعلامية ممتازة لهذا الملتقى أو المهرجان أو الفعالية؛ بدليل أنها انتهت ولم تنته أصداؤها إلى الآن .أسماء كثيرة اشّر غيابها المعترضون؛ غير أن الفعالية ليست (ندوة ثقافية لمناقشة واقع الشعر العراقي وحضوره الفاعل أو المؤثر وتقديم قراءات نموذجية ) كما أنها ليست مهرجانا متخصصا للشعر العراقي حتى يذكر المعترضون لم لم يدعى الشاعر فلان أو الشاعرة فلتانة ؛ مع العلم أن هناك اختلافا دائما في وجهات النظر بالنسبة للشعراء بحيث  لا يمكن الاتفاق حتى على شعراء من الصف الأول أمثال سعدي يوسف وفاضل العزاوي وعبد الرحمن طهمازي واودنيس – مثلا بالنسبة لي ؛ لم يخل اسمي المتواضع من «هجومات الاعدقاء» – أدبيا بالتأكيد – لأنني طالبت الجمهور المعني بالشعر والشعراء ألا يقاطعوا حضور قراءات الشعراء العرب الذين قدموا إكراما لبغداد ؛ فقبل مدة قصيرة كان هناك مهرجان للمسرح الشبابي ؛ ووجود الاعتراضات على الفرق المشاركة أو التمثيل العراقي؛ لم يمنع المسرحيين وجمهورهم من الحضور والتفاعل ؛ فلم إذن لا يقتدى بهذا التفاعل الثقافي ؛ وبعد رحيل الضيوف العرب نجلس مع بعضنا البعض (طالما أن الخصومة هي ليست شخصية) ونفرش الأوراق بكل شجاعة وحرية؛ مؤسسين لحركة في الحوار والمكاشفة قد تصبح فيما بعد تقليدا لا غنى لنا عنه .   الملتقى الشعري؛ برأيي الشخصي؛ قدم تجربة أولى افتقدناها عبر كل المهرجانات العراقية قبل التغيير وبعد التغيير ؛ ألا وهي أن يقرأ في كل أصبوحة أو أمسية 10 شعراء فقط ؛ بعيدا عن المذابح التي يجزر فيها ما يقرب من 40 شاعرا في قراءة واحدة ؛ وإذا لم يكن للملتقى سوى هذا الإجراء فهو انجاز يحسب له .  أخيرا .. من كان منكم بلا مهرجان فليرم حامد الراوي بقصيدة !!

من كان منكم بلا مهرجان .. فليرمه بقصيدة

انتهت أيام بغداد للشعر العربي ولم تنته أصداؤها (إيجابا وسلبا) فإلى الآن واللقاءات المتلفزة؛ والحوارات الجرائدية؛ والبيانات التي تتناقلها المواقع الالكترونية تتواصل؛ وبما لم تشهده المهرجانات الكثيرة السابقة منذ سقوط بغداد تحت جنازر الدبابات الأمريكية والى اليوم.وعلى الرغم من أن الصديق الشاعر حامد الراوي (المستشار الثقافي والمشرف على هذه الفعالية) أرادها أن تمضي هادئة وبلا ضجيج ..فقد شبع العراقيون ( والمثقفون في طليعتهم) من كثرة المهاترات وعلى شتى أنواعها (سياسية – برلمانية – حكومية – اقتصادية – إعلامية .. الخ) لكن واقعنا بمجمله بعيد عن التمنيات؛ فما أن أعلنت ساعة المسرح الوطني بدء الافتتاح حتى انبرى شاعران ممن لا يشك احد بشاعريتهما بطلب المقاطعة؛ والتحق بركبهم ثلة (ولا أقول الكل)  ممن يشك تماما ليس بشاعريتهم فقط وإنما بمجمل حضورهم في المشهد الثقافي؛ لغرض تسجيل أسمائهم ليس إلا.. فهي فرصة لا تعوض بالنسبة لهم لمغادرة الرفوف التي ركنهم الابداع عليها بحراسة الأتربة والنسيان .

ومن دون أن يدري الجميع؛ قدموا خدمة إعلامية ممتازة لهذا الملتقى أو المهرجان أو الفعالية؛ بدليل أنها انتهت ولم تنته أصداؤها إلى الآن .أسماء كثيرة اشّر غيابها المعترضون؛ غير أن الفعالية ليست (ندوة ثقافية لمناقشة واقع الشعر العراقي وحضوره الفاعل أو المؤثر وتقديم قراءات نموذجية ) كما أنها ليست مهرجانا متخصصا للشعر العراقي حتى يذكر المعترضون لم لم يدعى الشاعر فلان أو الشاعرة فلتانة ؛ مع العلم أن هناك اختلافا دائما في وجهات النظر بالنسبة للشعراء بحيث  لا يمكن الاتفاق حتى على شعراء من الصف الأول أمثال سعدي يوسف وفاضل العزاوي وعبد الرحمن طهمازي واودنيس – مثلا بالنسبة لي ؛ لم يخل اسمي المتواضع من «هجومات الاعدقاء» – أدبيا بالتأكيد – لأنني طالبت الجمهور المعني بالشعر والشعراء ألا يقاطعوا حضور قراءات الشعراء العرب الذين قدموا إكراما لبغداد ؛ فقبل مدة قصيرة كان هناك مهرجان للمسرح الشبابي ؛ ووجود الاعتراضات على الفرق المشاركة أو التمثيل العراقي؛ لم يمنع المسرحيين وجمهورهم من الحضور والتفاعل ؛ فلم إذن لا يقتدى بهذا التفاعل الثقافي ؛ وبعد رحيل الضيوف العرب نجلس مع بعضنا البعض (طالما أن الخصومة هي ليست شخصية) ونفرش الأوراق بكل شجاعة وحرية؛ مؤسسين لحركة في الحوار والمكاشفة قد تصبح فيما بعد تقليدا لا غنى لنا عنه .   الملتقى الشعري؛ برأيي الشخصي؛ قدم تجربة أولى افتقدناها عبر كل المهرجانات العراقية قبل التغيير وبعد التغيير ؛ ألا وهي أن يقرأ في كل أصبوحة أو أمسية 10 شعراء فقط ؛ بعيدا عن المذابح التي يجزر فيها ما يقرب من 40 شاعرا في قراءة واحدة ؛ وإذا لم يكن للملتقى سوى هذا الإجراء فهو انجاز يحسب له .  أخيرا .. من كان منكم بلا مهرجان فليرم حامد الراوي بقصيدة !!

تركيا بعد ضياع الدور الدولي بانتهاء الحرب الباردة .. أنقــرة تبـحث عــن دور إقليمي لمـواجـهة تــدهور أوضـاعـها الـداخــلية

 المستقبل العراقي/ حليم الاعرجي 

ماذا حصدت تركيا اردوغان منذ ان ركبت موجة التضليل ووضعت على وجهها قناعا اشد خبثا وأكثر لؤما وأسوء قبحا..؟ وماذا ستحصد بعد عثار ونثار زمن البحث عن دور الخادم لأجندات إسرائيل وأميركا بعد ان ضاع منها دور بوابة الشر على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي بانتهاء الحرب الباردة ..؟!

أسئلة كثيرة تطرح هنا وهناك الآن وقبل الآن حول العلاقات التركية الاسرائيلية وعما اذا كانت تركيا تحت حكم اردوغان جادة فيما تبديه من آراء وتصريحات ومواقف يشوبها الكثير من الغموض وتنطوي على القليل مما يشفي الصدور ويريح الباحثين عن الحقيقة في مجال ما تدعيه من تفسير في الموقف التركي لصالح الحق والعدل ضد الظلم والباطل والجور المتمثل في السلوك الإسرائيلي المشبع بكل أنواع الكراهية للإسلام والمسلمين وللعرب والعروبة.

المؤكد أن تركيا لم تمر طوال الستين سنة الماضية أي منذ قيام إسرائيل في عام 1948 بوضع غامض في إطار علاقاتها بإسرائيل كما هي الآن، وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في ان تكون تركيا كما يتمنون  وكما يرحبون  لها أن تكون على صعيد الصراع الإسرائيلي العربي الإسلامي لاعتبارات مذهبية او دينية بحتة او مبدئية أخلاقية، لقد اقامت تركيا علاقاتها بإسرائيل في عام 1949 لتنزل ضربة موجعة بكفاح العرب والمسلمين ضد الجبروت الاستعماري الذي تمخض عن وعد بلفور لإقامة كيان لليهود في فلسطين مشردا ملايين الفلسطينيين في مخيمات بائسة والى كل أصقاع العالم ومنذ ذلك الوقت أصبحت اسرائيل ، المورد الرئيس للسلاح لتركيا، وحققت حكومتا البلدين تعاونا ثنائيا مهما في المجالات العسكرية والدبلوماسية والإستراتيجية كما اتفق البلدان حول الكثير من الاهتمامات المشتركة والقضايا التي تخص شؤون المنطقة ولم تتعرض هذه العلاقات لأي اهتزاز او تدهور طوال تلك الفترة، بل على العكس كانت هذه العلاقات تنتقل من جيد إلى الأجود ومن حسن الى الأحسن غير ان الأمر طرأ عليه شيء ما ، جعل العلاقة بينهما تدخل مرحلة جديدة تتسم في الظاهر بعدم استقرار وتوتر وتشنج مدفوع بتصريحات ملتهبة فبعد الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2009 ، ادلى رئيس الوزراء التركي اردوغان بتصريحات هاجم فيها إسرائيل منددا بالعدوان الإسرائيلي ووسط الإعجاب العربي الإسلامي بالموقف التركي المفاجئ خرج السفير الإسرائيلي “كابي ليقي” مؤكدا بان العلاقات بين البلدين سوف تعود الى مسارها الطبيعي في اقصر وقت .

وبالفعل فطبول الدعاية الاردوغانية لم تغير من طبيعة هذه العلاقات وثوابتها المستجدة بالانجازات التي حققتها على مدى أكثر من ستة عقود وهي :

1 ـ اتفاقية التعاون العسكري الموقع عليها عام 1991

2 ـ مجموعة الأبحاث الستراتيجية المشتركة 1991

3 ـ مناورات سنوية مشتركة في البر والبحر 1998

4 ـ وجود عدد من المستشارين الإسرائيليين في القوات المسلحة التركية 1998

5 ـ تزويد تركيا بالسلاح الإسرائيلي 

6 ـ تحديث الأسلحة التركية في إسرائيل 

7 ـ اتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية التركية 2000

8 ـ تبادل المعلومات المخابراتية والاستخبارات 2000

من هنا وبرغم كل المحاولات التي بذلت في اخراج مسلسل التدهور في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإن المتابعين والعارفين لما يجري خلف الكواليس لم تنطل عليهم هذه الاحابيل بل زاد إيمانهم بان وراء الأكمة ما وراؤها وان هذا التدهور في العلاقة الذي جاء على خلفية الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2009 .

وبالفعل فقد تحقق ذلك ، حيث بدأت تتبوء مراكز النهي والأمر بعد ان فتح العرب كل الأبواب امامها وسط إعجاب منقطع النظير بشخص اردوغان الذي بات يدخل غرف الأميرات في دول الاستبداد النفطي بلا استئذان بعد أن حصل على عضوية جامعة ” التائهين ” العرب .

لقد باع اردوغان الشعارات والأقوال المعسولة والكلام المنتج في مصانع الكلام في تل أبيب.. ليقبض الركوع المذل أمامه من قبل أمراء الغاز والنفط والتسبيح بحمده من قبل دعاة الطائفية من التكفيريين.. وبين البيع والشراء تحقق ما كلف به اردوغان :

1 ـ  الضغط على التجربة العراقية الحديثة في مجال البناء الديمقراطي  والتحريض عليها بالعصيان والتمرد والثرثرة .

2 ـ استغلال القضية الكردية على نحو أدى ويؤدي إلى خداع البعض من الأكراد بأوهام مشاريع مستقبلية يجري البحث فيها بعيدا عن الوجود الرسمي للحكومة الاتحادية في بغداد نكاية لبغداد التي أصرت على المضي بتجربة الفيدرالية .

3 ـ  تبني ” الربيع العربي” وكأنه وهو على موعد .

4 ـ تشكيل محور ” تركي – قطري- سعودي ” يتواصل مع إسرائيل من خلال حلقة الوصل ” قطر ” في كل حالة علاقة بالأوضاع العربية. 

5 ـ الدخول كجهة فارضة وفائدة ومقررة على مستوى جامعة الدول العربية وعلى مستوى السياسات العربية لدول عربية عديدة .

6 ـ ممارسة دور الملاذ الآمن للعصاة والمتمردين والشقاة وأدعياء الاسلمة التكفيرية واحتضان حركات  العنف والإرهاب والتحريض عليها .

إن الدماء الغزيرة المستباحة في سوريا واليمن وما سيأتي عاجلا أم آجلا في مصر والبحرين والكويت وتونس وما يعمل اردوغان بكل ما تحت يديه من قوة وإمكانيات على تحقيقه في العراق من حمامات دم كلها في الواقع ليست سوى ثمن “سرقة” الوطن العربي بعمامة عثمانية تحمل نجمة داود، أن مشهد اردوغان وهو ينسحب من جلسة منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا احتجاجا على عدم السماح بإكمال رده على مداخلة الرئيس الإسرائيلي “شيمون بيريز” بشان مبررات العدوان على غزة لم يعد لها وجود وهو يفتح خط التواصل مع إسرائيل في عدوانها الجديد حيث لم يستطع وزير خارجيته إخفاء حقيقة الوضع عندما سأل عن معنى الاتصالات التي جرت مع إسرائيل عشية عدوانها الجديد على غزة .

تقول جريدة “الكرستيان ساينس مونتير” في عددها الصادر في 30 أيار 2003 ،أن مواقف تركيا غير الودية جبال الناتو والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ليست بلا ثمن، وتضيف الثمن هو أن تركيا أصبحت وستصبح اكثر من أي وقت مضى الوسيط المؤتمن بين العرب وإسرائيل وكذلك بين الغرب والعرب وتستطرد قائلة: من أخطائنا اننا لم نضع بيننا وبين العرب وسيطا يعتمد عليه في الأزمات كما كان يحصل بيننا وبين الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة عن طريق الهند ويوغسلافيا وغيرهما .

هكذا إذن .. ولكن ما هو الثمن الذي يتحتم على اردوغان تقديمه  مقابل عمليات  “الغسيل” الماضية وماضي تركيا بظهوره بمظهر “نصير” العرب.. وحامي حماهم والمدافع بعناد وإصرار عن قضاياهم العادلة.

لا اعتقد أن هناك ما يعادل قبول العرب بشكل خاص لتركيا ذات الماضي الثقيل بالآثام والمساوئ والتطهير العرقي وسياسات التتريك على أنها تركيا الاردوغانية الجديدة المحبة والودودة المصطفة مع قضايا العرب المصيرية  الرافضة لطلب نشر قوات أميركية لفتح جبهة بشمال العراق قبل بدء غزو العراق مع سيل من الانتقادات التي وجهها اردوغان للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حين اتهمهما بالفشل في إقناع البشرية بصواب تهجمها الداعي إلى ضرب العراق وتدميره وكذلك ضرب العرب وغمط حقوقهم في الحرية وتقرير المصير والديمقراطية .

لقد كانت سعادة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل باردوغان كبيرة وهما يتابعان فصول السيناريو الموضوع من قبلهما رغم أن تحويل رجب طيب اردوغان إلى رجل “طيب” يتقمص شخصية “المضاد” لأميركا وإسرائيل كان سيكلف الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص تكاليف باهظة على المستويين العربي والإسلامي بيد أن حسابات أميركا وإسرائيل لا تعول كثيرا على ما يظهر على السطح بل على ما يستقر في القصر ليشكل بالتراكم نقاط الارتكاز الحقيقية التي ستؤدي الى تحقيق أجندتهما الخاصة أو المشتركة، ان القاعدة السياسية الحاكمة في تركيا تقول: ان موالاة أميركا تحقق لك السلطنة بينما عداؤك لها سيكون بمثابة مقبرة للسياسيين بيد أن هذه الحقيقة استعيض عنها بالولاء لأوربا على أمل ان تكون هي العون لها في البحث على مكان يؤويها في عالم اليوم كما عبر عن ذلك رئيس الوزراء التركي الأسبق “عصمت انونو” في عام 1964 عندما قال: هناك نظام جديد سيتأسس في العالم وتركيا سوف تجد مكانها فيه “ولكن هذه الأمنية أيضا وجدت الطريق أمامها مسدودا فقد تبخرت آمال وأحلام المساعدة الأوربية بعد انهيار الاتحاد  السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة حيث فقدت تركيا أهميتها الإستراتيجية ولم تعد أوربا تتحمل وجود دولة مستقلة بالمشاكل الاقتصادية والمشاكل الديمغرافية ولا أمل لها في المستقبل القريب أو البعيد، وفي ضوء أصبحت تركيا خالية الوفاض من أي دور محوري  وزاد الأمر مأساوية تصاعد حدة المشاكل الداخلية حيث يحتدم الصراع من اجل حق تقرير المصير لعدد كبير من الشعوب المضطهدة تحت السيطرة التركية العنصرية  والطائفية حيث بدأ أكراد تركيا البالغ عددهم أكثر من 20 مليون نسمة بثورة حقيقية بقيادة عبد الله اوجلان القابع في سجنه منذ أكثر من عشر سنوات وكذلك اخذ العلويون يبدون المزيد من التذمر المتصاعد يتزامن بين تحركات علنية وسرية للأرض الذين يطالبون بحقوقهم الثقافية والإنسانية كمواطنين تصر الحكومة التركية على تغييبهم وتهميشهم وممارسة شتى أنواع الاضطهاد بحقهم إلى جانب العرب في الاسكندرونه والسولاف وقوميات أخرى كثيرة، وكل ذلك يحصل في أجواء سياسية تتسم بالقلق وعدم الاستقرار والتناحر حيث تتجسد القوى المناهضة لحزب اردوغان بثلاثة تيارات مهمة وهي :

1 ـ تيار الحزب الجمهوري المعارض الذي يحظى بتأييد غالبية الشارع التركي

2 ـ تيار الجنرالات الاتاتوركيين الذين يعتقدون أنهم الأحق في حماية الإرث الاتاتوركي والدفاع عن تركيا العلمانية الديمقراطية. 

3 ـ تيار الإعلام والصحافة التركية حيث تقف الآن شبكة الإعلام الضخمة التابعة ” لأيدن دوغان ” وهي تضم في بنيتها العلمانية ثلث عدد الصحف التي تصدر في تركيا والأوسع انتشارا مثل “حرييت” و “مللييت” و  ترجمان” وغيرها  كثير حيث تتسم كتابات وتعليقات هذه المؤسسات الإعلامية بطروحات مثيرة للتذمر والقلق من سياسة اردوغان التي توصف عادة بأنها ” سياسة عمياء لا ترى الحقائق على الأرض ” .

لقد شعرت القيادة التركية بعد تخلي الولايات المتحدة الأميركية وأوربا عنها وانحدارها إلى ادنى درجات سلم اهتمام الآخرين بها .. أن عليها أن تبحث عن دور يعيد لها مكانتها المفقودة أو أي شيء منها ولم تجد أفضل من مكانين مهمين ولها فيهما وجود وصلات وقواسم مشتركة :

الأولى : المنطقة العربية 

الثانية : آسيا الوسطى

وكلتا المنطقتين يشتركان في قاسم مشترك واحد هو “الإسلام” وهكذا ظن البعض في مستوى المسؤولية التركية أن مشكلة تركيا ستحل بالتوجه نحو هذين المكانين عبر الظهور بالمظهر الغيرة على الإسلام .

وكما يفعل دعاة الوطنية والقومية من المرتبطين بأجندات الغرب وإسرائيل عندما يقومون بالانقلاب العسكري على من سبقهم ، أو كما يحصل الآن فيما يسمى بـ ” الربيع العربي” عندما ملأوا الدنيا ضجيجا بشعارات وتصرفات وتصريحات حول فلسطين، فقد خرج اردوغان عن المألوف بسيناريوهات جديدة للضحك على الذقون من خلال الدخول  في سوق المزايدات والشعارات الكاذبة إلى درجة دفعت مدير عام صحيفة “ملليت” محمد يلماز للهجوم على اردوغان متهما إياه بأنه عربي أكثر من العرب أنفسهم، وكان هذا الاتهام هو ما ينشده اردوغان فقد صدق البعض فيما كان آخرون قد رحبوا بالأمر لاعتبارات تتعلق بالدور الذي ينتظر القيام به عن طريق قوة مضافة تخلق توازنا في الميزان الاستراتيجي عندما “يحتدم” الصراع المفترض على المستويين المذهبي والقومي داخل الوطن العربي والإسلامي .

هكذا جرى دفع تركيا باتجاه لعب الدور المرسوم لها إسرائيليا وفق سيناريو حماية ” السنة”  من الشيعة المدعومين من قبل إيران وتدريجيا تحول الموقف بفعل هذا التبدل في الدور التركي من دور دولي لصالح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية إلى دور شرق أوسطي لحساب إسرائيل، وبدأت في ضوء ذلك تبرز ملامح مرحلة جديدة سماتها يقتل العربي شقيقه العربي لأسباب طائفية أو دينية ويقتل المسلم أخاه المسلم لأسباب عرقية أو طائفية وأضحى العربي يمر إلى وطنه  عبر تركيا وكذلك يفعل البعض في المرور إلى وطنه عبر إيران ولكن هل هذا الذي يفعله اردوغان في الوطن العربي والإسلامي يرضي الشعب التركي ؟.

إن من ابسط تعريفات علم العلاقات الدولية هو أن “العلاقات” الدولية تساعدنا كثيرا في الكشف عن السبل التي تسهم في معرفة ماذا تريد الشعوب من حكوماتها لتعدد طرق العلاقات والاتصال والتواصل بكافة أنواعه مع الشعوب الأخرى والمجاورة لها خارج حدودها الإقليمية .

من هنا يمكن القول في ضوء العلاقة التاريخية القائمة بين البلدان العربية والإسلامية مع تركيا أن هناك هوة تتسع يوما بعد يوم بين الشعب والحكومة في تركيا، فالشعب التركي لا يريد أكثر من أن تحصل الشعوب العربية والإسلامية على حقها في الحياة الحرة الكريمة وخصوصا الشعب الفلسطيني، وهي لا ترغب ولا تريد أن تضيف إلى تاريخ اسود أوجدته السياسات الغاشمة للمماليك والانكشاريين وذوي العاهات والمتخلفين من الحكام العثمانيين مساوئ جديدة لا تجني منها تركيا غير العزلة وضياع فرص الاستفادة الحقيقية من انفتاح تركي صادق على إخوانهم في الدين والجيرة والمصير الواحد في العراق وفي سوريا وفي غيرهما.

إن أولئك  الذين يصورون اردوغان على انه نصير العرب ونصير الثورات العربية التي أودت بالزعماء الدكتاتوريين إلى سلة مهملات  التاريخ، يتناسون عن قصد ان اردوغان وليس أي شخص غيره من يضع يده الآن بأيدي أسوء الاستبداديين في العالم العربي ليجعل منهم محورا يبدأ من أنقرة ويمر عبر الدوحة والرياض وينتهي في تل أبيب ليستمد من هناك التعاليم التلمودية في كيفية إخراج المشروع الإسرائيلي بقيام دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ويعود إليه الفضل في “انتفاضة” الرئيس المصري على الدستور بعد رشا المليار دولار التي قدمها اردوغان لمرسي خلال المؤتمر الذي عقد مؤخرا في تركيا حول سوريا في تخلي واضح عن نهج الديمقراطية الذي احتضنه دستور الثورة المصرية في محاولة للعودة إلى دكتاتورية واستبداد ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 .

إن أغطية الكاذبين اقصر وأضيق من أن تعطي مفاسدهم، واخف من أن تمنع نفاذ الروائح الكريهة لهذه المفاسد.. وعلى ذلك فليس هناك شيء قابل للإخفاء أو الضم ، وكل أساليب ووسائل التضليل والخداع لا تنطلي على  احد أبدا، ومهما حاول اردوغان أو غيره أن يلحق الضرر العيني أو المادي بالعراق فلن تستطيع بأي حال من الأحوال أن يعثر على ما يساوي العراق ثقلا وريعا وقدرة، وليس هناك من يستطيع أن يلحق الضرر بالعراق نيابة عن اردوغان، فإذا الأصل عاجز فكيف بالصنيعة أن يفعل ذلك !! انه مجرد سؤال سنحاول الإجابة عليه في موضوع آخر .

         

السياب …بلا مطر

لم يقترن أسم شاعر-في الكون- بالمطر كما أقترن ب(السياب)صنوانا وعنوانا لترابط أبداعي عذب،ذاب و لاذ بروح ( بدر) حداثة الشعر في عز زمن تحرره من قيود وشروط القافية والنظم القديم،حتى لتشعر و(تهجس) برذاذ المطر يغمرك لمجرد أن تهمس بمطلعها:(عيناك غابتا نخيل ساعة السحر…….)

   لا أضيف شيئأ من شأنه تعميق العلاقة- مجددا-ما بين(بدر) وبين رائعته (أنشودة المطر) سوى دخول قصدي لمحاولة رائعة جاءت تلامس روح(السياب) بمكر وذكاء…ولطالما أرتبط الذكاء بالمكر مسالما ودودا في الكثير من نواحي  المغامرة بالابداع ،وهنا،أعني- بالتحديد-محاولة المخرج العراقي المقيم في الدنمارك (جودي الكناني) حين تقدم بسيناريو فلمه المعنون (السياب) مجردا من رفق أو أضافة  أية كلمة أخرى تزيد من متانة العنوان وتغري لجنة فحص النصوص في دائرة السينما والمسرح لقبول أنتاج هذا الفلم التسجيلي ضمن قوائم أنتاجها لعدة أفلام روائية وتسجيلية وأخرى وثائقية ضمن منهاج أحتفالها السينمائي بمشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام/ 2013.

   ثقة المخرج (جودي) بجهوده وصدق انتمائه للسينما التي درسها وقدم لها العديد من الافلام طوال مسيرته الابداعية الممتدة لأكثر من ثلاثين عاما في ميدان حبه الرحب لهذا الفن النبيل،ونال عنها عدة جوائز في عدد من المهرجانات العربية والعالمية،وأخرها كان فلمه الأثير(الأخضر أبن يوسف)عن تجربة وجانب من حياة الشاعرالكبير(سعدي يوسف)،فضلا عن ثقته بعبقرية(السياب)وعظمة شعره وعمق شقائه و تنوع عذاباته التي جعلته يقول في أحدى أوجع قصائده : (أنا أشقى من ضمت الأرض) لذا أكتفى(المخرج-مؤلف ذات النص)بسحر وأختصارعنوانه المعبر والدال(السياب)….ليضم جوانب وحالات وجدانية وانسانية وأحداث وظروف سياسية قاهرة مر بها العراق وعاشها الشاعر المبتكر بوعي  مبكر ومرارة قاسية،فاضت بها مشاهد ذلك السيناريو المدهش حين أختصر حياة الشاعر متوزعة- بأسى ولوعة وعذاب- ما بين فقر ويتم ومرض ومنفى وموت في ريعاب الشباب،وبعد أن أتاح لي(جودي الكناني) قراءة سيناريو فلمه- قبل أيام قليلة- تمعنت وتمتعت بما حوى من أفكار و موصلات ما فعل(جودي)حين قام بمسح وفحص ودرس كامل نتاج شاعر المطر بعناية ودقة تفوق عمل مصلح الساعات فبعد قراءة و(تفليس) تسعمائة وواحد وسبعين قصيدة ليختار منها ما لم لا يتجاوز  سوى أربعين بيتا مؤثرا وعميقا في صياغة عمله المرهف والشاق،دون أية أشارة لذكر المطر قصدا دلاليا مباشرا ومقحما بل جاء عمق منساق وتواق لروح بطله شاعر المطر بلا منازع،وليحيط ذلك العمل بروح وصنعة مهارة السينما،عبرعقل وعين عدسة الكاميرا-بكثافة غامرة- راحت تقلب كل الظروف والأحداث وترصد مصائب ومتاعب ومصاعب بطله الموجوع منذ صرخة ميلاده حتى أخر مشهد ضمه شريط فلم(جودي الكناني)حيث يرد على لسان شرطي يقوم بختم بيت السياب بالشمع الأحمر وحين يلح أحد الصبية  في ذلك الثناء بالسؤال والاستفسار عن السبب،يجيب الشرطي بلا أكترث:(مات..مات ..الشاعر مات).

ولكن(السياب) لم يمت….فها هو مطر ذكراه يهطل كلما يحين يوم وفاته في الرابع والعشرين من كانون أول في كل عام.