المستقبل العراقي !

عندما يجدّ ُ الجد , و يدق ناقوس الخطر , لا أجد من يحميني أو أحتمي به , لا الحكومة المنشغلة بالحفاظ على الكرسي , و لا المعارضة المنهمكة بالتنافس على إمتيازات السلطة , و لا نقابة الصحفيين التي أصبح همُّها الأول , توزيع الأستمارات و طلب المعلومات (المكررة) التي قدمها الصحفيون عشرين مرة , و لا الكذا او الكذا المخترق من البطن الى الظهر , انا أحتمي فقط بجريدة (المستقبل العراقي) , و أعتقد إنها سندي عند الضرورة , و مع ذلك لا اخاف من الحكومة و لا المعارضة و لا النقابة و لا الكذا , قدر خوفي من الجريدة نفسها , و هو ليس خوفا ً (شخصيا ً) على حياتي أو وظيفتي أو قلمي , بل هو خوف (عام) من طروحاتها , و آية ذلك , إن المستقبل العراقي , عادة ما تنفرد بأخبار نادرة , و تحصل على معلومات لا ينافسها عليها أحد , و هذا هو موطن الخوف بالنسبة لي , لأن تلك التقارير و الأخبار الصحفية النادرة , ترسم صورة قاتمة لما يجري في البلد , و تنبه بصوت عالٍ الى ما ينتظره العراق من نتائج لا تُحمد عقباها , إذا لم يتم تدارك الأمر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر العنوان التالي [ من طراز أنتنوف المحظورة في الجيش الروسي لخطورة إستخدامها : المالكي يشتري طائرات روسية عاطلة / العدد 362 ] !

فأذا ما تجاوزنا مضمون هذا العنوان الذي كشف فيه [مصدر خبير بالشؤون العسكرية و متخصص في مجالات فحص الأسلحة , عن إن طائرات أنتنوف الروسية الصنع , و التي تعاقد العراق على شرائها من روسيا , تعد ّ من اكثر الطائرات رداءة في العالم ] و إذا ما تجاوزنا كذلك ما كشف عنه هذا المصدر من إن روسيا نفسها , لم تعد تستخدمها في معسكراتها و مطاراتها ( و راحت تضخ الكميات الموجودة لديها الى دول أوروبا الشرقية و آسيا و الشرق الأوسط و اميركا اللاتينية ] , لأنها كثيرة الأعطال [ و أغلب الحوادث تأتي من تعطل محركاتها في أثناء الطيران] , أقول : إذا تجاوزنا ذلك كله , و إتفقنا على إن  الصفقة التي أبرمها رئيس الوزراء لم تكن موفقة , و هذا أمر ممكن الحدوث على الرغم من محاذيره الكبيرة , فأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التعاقد على تلك الطائرات , و إنما في اللجان الفنية التي وافقت عليها و أعطت الأشارة الخضراء , حيث ذكرت الجريدة إستنادا ً الى مصدر سياسي قوله [ إن تلك اللجان مؤلفة من أعضاء ليسوا على دراية بآليات التسليح و الأسلحة الحديثة , ففي بعض الأحيان تتم ترقية نائب ضابط الى رتبة عميد , و بعدها الى لواء , ثم يتم تعيينه كرئيس لجنة فحص !] و أضاف المصدر السياسي نفسه , إن المعيار في إختيار اعضاء اللجان [ يجب أن يكون التحصيل الدراسي العلمي و التطبيقي للعلوم العسكرية و تقنيات الأسلحة , و ليس الخدمة في صنوف المعارضة سابقا ً و النشاطات الحزبية !!] 

أليس من حقي أن أخاف من جريدة المستقبل العراقي و مصداقيتها و متابعاتها الجادة للأحداث و تميزها بالتغطية الشاملة , على مستقبل العراق المجهول , و هو يمنح رتبة (لواء) في الجيش لعسكري برتبة (نائب ضابط) , ليس لكفاءته العالية أو موهبته الفذة او عقليته العسكرية العلمية , و إنما لأنه كان يوما ً في صفوف المعارضة , أليس من حقي و قد بلغ خوفي حدود الرعب أن أسأل من يعنيهم الأمر : لماذا نعتب على النظام المقبور عندما جعل من (العريف) علي حسن وزيرا ً للدفاع برتبة (فريق) , و من العريف حسين كامل وزيرا ً للتصنيع العسكري برتبة فريق , و هل ثمة فارق بين نائب الضابط الذي يصبح بدرجة (لواء) لأنه قادم من صفوف المعارضة , و بين العريف الذي يصبح بدرجة (فريق) لأنه ينحدر من سلالة المجيد ؟! تصفيق لجريدة المستقبل العراقي ,  و هي تضع الشعب في  الصورة , بغض النظر عن أحزانهم التي لا تحتمل مزيدا ً من الحزن !!

رئيس الفقراء يحكم الأورغواي

ولد فقيراً معدماً, ونشأ وترعرع في القرى البائسة. عاش فيها على الكفاف, حتى صار أميرا للصعاليك والمشردين, وقف مع الفقراء والمعوزين, ناضل من اجلهم, قدم لهم التضحيات السخية عبر مسيرته النضالية الطويلة. انضم إلى حركة الكفاح المسلح في بلاده (التوباماروس) ليواصل الاعتراض على ظلم السلطات الارستقراطية الثرية المستبدة, فكان مصيره خلف قضبان سجن الأحكام الثقيلة, فمكث أكثر من عشرة أعوام في زنزانة انفرادية لا تزيد مساحتها على متر واحد. كان (خوسيه موخيكا) رئيسا شعبياً للفقراء والمساكين فصار في عام 2010 رئيسا دستورياً لحكومة الأورغواي, لكنه لم يغادر منزله الريفي المتواضع, ولم يتخل عن سيارته (الفولكس ووغن) الزرقاء القديمة.  لم تتحسن ظروفه المعيشية بعد وصوله إلى سدة الرئاسة وحصوله على مرتب شهري (12500) دولار, فقد اكتفى بعشر الراتب فقط (1250) دولارا, قال عنها أنها تغطي احتياجاته المحدودة, وهكذا تنازل عن 90% من مورده الشهري لمساعدة المحتاجين والمتضررين, فصنفته الصحافة العالمية رئيسا للفقراء والحاكم الأقرب إلى قلوب الناس لتواضعه وبساطته المطلقة. اعتاد الناس على مشاهدته يوميا وهو يقود سيارته (الفولكس ووغن) بمفرده, من غير دراجات نارية, ومن دون عربات مصفحة, ولا عجلات مدججة بالسلاح, ومن دون حاجة إلى قطع السير, وتوبيخ الناس بمبكرات الصوت, وانتهاك حرمة المدينة بصفارات الإنذار.  يمضي لوحده كل يوم في طريقه إلى القصر الرئاسي, يقود سيارته القديمة بنفسه, يستمع لنشر الأخبار من مذياعها المعطوب, ويلوح للناس بتحية الصباح بابتسامة طبيعية غير مصطنعة. اشتهر بالزهد والتقشف, لم يكن مسرفاً ولا مبذراً ولا متبطراً, لا يملك عقاراً, ولا ضيعة, ولا بستاناً, وليس لديه أي رصيد في البنك, ولا يملك بطاقة ائتمان, لا يسهر, ولا يحتسي الخمر, ينام مبكرا ويستيقظ مبكراً, يهوى الزراعة الحقلية, ويمارسها كهواية يومية في بيته الريفي, لا يحب المتطفلين ولا الوصوليين ولا الانتهازيين, ليس لديه علاقات نسائية, ولا روابط عشائرية, يعيش مثل بقية الناس في بلاده, يأكل مما يأكلون, ويشرب مما يشربون, ويرتدي مثلما يرتدون.  اعترف بارتكاب الحكومات السابقة في بلاده لكل الجرائم البشعة التي مارستها الفصائل العسكرية المستبدة ضد الإنسانية, وتبنى سياسة عادلة ومتشددة للإطاحة بأركان الفساد في بلاده, وأعطى بعداُ حقيقياً ًللمشاريع الاجتماعية والأعمال الخيرية, فانتعشت بلاده بفضل الديمقراطية التي انتهجها, وفتح صفحة جديدة من صفحات المودة والتسامح مع القوى التي ناصبته العداء قبل صعوده إلى قمة الهرم الرئاسي, فتعززت ثقة المواطنين بالسياسيين الجدد.  تدرج (خوسية موخيكا) في مشواره السياسي الصعب فنال الدرجات العليا في الدولة  بعد نضاله الطويل ضد القوى الظالمة. ارتقى سلم المناصب العليا من وزارة الزراعة, ثم أصبح نائبا لرئيس الجمهورية, حتى جاء اليوم الذي أصبح فيه هو الرئيس الدستوري المنتخب. 

تجاوز (خوسية) العقد السابع من العمر, (77) سنة, أمضاها كلها في الذود عن حقوق الفقراء, فانتشل بلاده من مستنقعات الفقر والتخلف, وانتصر على طغيان الحكومة العسكرية الفاسدة. تصدرت الأورغواي بفضله قائمة الأقطار الأمريكية اللاتينية وتميزت في تطبيقات العدل وفي المعاملة الإنسانية وفي الشفافية, وتقلصت معدلات الفقر والفاقة, وارتفعت معدلات التنمية, وانتعش الاقتصاد, وازدهرت الزراعة, وتحسنت الظروف التعليمية والصحية, وانحسرت معدلات البطالة, فالتف حوله الشعب بكل طبقاته وفئاته. وكان أول رئيس للفقراء يقف في شرفات الرئاسة في الأورغواي ليؤدي القسم الدستوري بملابسه الحقلية المتواضعة. 

ملتقى الشعر العربي في بغداد

• لم يكن يوم الاثنين الذي صادف (10كانون الأول) يوما عاديا في حياة الشعراء العرب الذين لبوا دعوة بغداد ليقدموا قصائدهم مغلّفة بالود والانتماء لهذه المدينة العربية الباسلة التي قاومت الاحتلالات والإرهابات والسخافات؛ وبقيت طائر عنقاء لا تصلح هذه الصفة إلا لها.. ولوحدها (وهذه تزكية شعرية وليست تزكية سياسية لكي لا يتهمني احد بأنني من الاقلام التي اشتراها الفساد العام). 

• شعراء من مصر والمغرب وسوريا وعمان والسودان والسعودية ومن لندن واستراليا والامارات وبلدان اخرى عربية وأجنبية؛ وفي لقاء حميم شهده المسرح الوطني بجمهور نوعي (وكان من الممكن ان يصار الى المعتاد: حشر الموظفين للادعاء بان الجمهور قد ملأ القاعة) لكنهم محبو الشعر هذه المرة.. تناثروا على المقاعد الزرقاء واستمعوا بشغف وتفاعل لما انشد على أسماعهم؛ ومن المؤلم حقا ان الشعراء العرب قرأوا قصائدهم لبغداد خصيصا؛ وكان هناك شعراء(عراقيون) في الوقت نفسه يدعون لمقاطعة قصائدهم ومقاطعة الملتقى؟!!

•  مفاجأة الافتتاح كان الشاعر السعودي الذي قرأ واحدة من أجمل القصائد التي كتبت لبغداد في الفترة الأخيرة؛ وكنت أتمنى على بعض شعرائنا (التقليديين) لو انهم عاينوا تجربتهم بما استمعوا اليه من صور وتراكيب وتجديد لغوي واستثمار للمفردات المستجدة على اللغة؛ فالشعر تراكم معرفي قبل ان يكون تراكما (اثريا) تحكمه التفاعيل؛ خصوصا وان بعض الشعراء قد حفظنا حتى درجات صوتهم ولا أقول ملامحهم فقط!!

..واذكر هنا ان الشاعر الرائد للقصيدة العربية الحديثة بلند الحيدري؛ قد نشر مرة بيانا شعريا صادرا عن قناعته؛ معلنا فيه عن تقاعده من الشعر؛ ويومها صار بيانه مادة دسمة للصحافة التي وجدت فيه ما يستحق المناقشة: هل يمكن ان يتقاعد الشاعر؟

بلند اجاب في بيانه بـ(نعم) على الشاعر ان يتقاعد حين لا يجد ما يقوله.

• أعود للملتقى الذي وقّع على مقاطعته ثمانون شاعرا اغلبهم من خارج المنطقة الجغرافية لمكان إقامته؛ وهي آخر مستجدات الربيع الثقافي العراقي؛ لأن لا احد قد فعلها قبلنا؛ أن يقول –مثلا– شاعر ما يسكن الجبايش: أنا سأقاطع المؤتمر المقام في موزمبيق –مثلا مثلا – والسبب هو عدم دعوتي له؟!! .. طيب ؛ اذا انت لم تدع له أصلا فأين هي حكمة مقاطعتك له؟!!

اذا فعلها ادباء بغداد..أدباء المحافظات..ممكن؛ ويستحق ان يناقش موقفهم الذي أجده حقا طبيعيا لهم (جا هي غير ديمقراطية لو ولية غمان) لكن ان يوقع على بيان المقاطعة وعدم الحضور واحد في كندا أو استراليا و(الملتقى في المسرح الوطني) وسط بغداد ؛ أجد في الأمر سريالية غريبة حتى على دالي. 

• الملتقى سيختتم أعماله اليوم؛ وقد أسعدنا الضيوف العرب بحضورهم  الباهر؛ وبعد ان نودعهم ..اتمنى على المقاطعين الجلوس الى طاولة حوار مفتوحة مع جهة التنظيم ووضع النقاط على الحروف؛ فهم اولا وأخيرا ليسوا ضد العراق ولا ضد حضوره العربي في الملتقيات او حضور العرب في ملتقياته ؛ ولا بد ان يكون لديهم ما يستحق الأخذ به؛ مثلما لا بد وان تكون لدى المنظمين أسباب يجب الاستماع إليها. 

•  ولنتذكر جميعا: إنها بغداد التي لم يرتبط اسمها حتى باسم الوالي العباسي الذي بناها.

المقاولون المقربون علامة فساد الحكم.. والمعممون المقربون علامة فشل الحكم

طلب مني بعض الأصدقاء من طلبة العلوم الدينية أن اكتب رسالة للأخ رئيس الحكومة الأستاذ نوري المالكي تتعلق بالشأن العام العراقي لما وصلت إليه الأمور من فوضى وفساد يضرب أطنابه في كل أرجاء الوطن حتى أصبحت الحكومة ملجأ للانتهازيين والمتملقين وبائعي الكرامة والسيادة الوطنية بثمن بخس.ولم أكن متحمسا لكتابة الرسالة : لا زهدا بالنصح ولا عجزا عن الموعظة, ولكن لعلمي بأن شيطان الكرسي وسحر المنصب استولت غوايته على نفوس وعقول الذين دخلوا سرادقات الحكم على عجلة من أمرهم يدفعهم احتلال ماكر ويغريهم عنوان قاتل, فلم يكونوا من أهل المراجعة, ولم يطلبوا المشورة, وتلك علامات الاستبداد والتفرد بالرأي الذي لا تحمد عقباه وقد وقع الذي وقع حتى عرفته الركبان وتحدثت به الصبيان .ونتيجة إلحاح ورجاء الأحبة من الذين ذكرت صفتهم وهم يتحرقون ويتأسفون لما يرونه من مخالفات, وضياع حقوق, وتجاوزات تدمي قلوب الغيارى والشرفاء، نزلت عند رغبتهم ورجائهم وكتبت الرسالة قبل عامين ولم ينعكس شيء ينبئ عن تفاعل وتقبل للمفاهيم التي حملتها الرسالة في الإصلاح والمسارعة لتلافي الأخطاء والثغرات والسعي لاسترجاع هيبة الدولة والحكومة من خلال إنصاف المواطنين ومكاشفة الشعب بما يجري من صالح او طالح, والعمل على قاعدة ” وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب” وهي القاعدة الذهبية لكل دولة ناجحة ولكل حكم صالح وعادل مستذكرين الآيات القرآنية المباركة :

” ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”، و”ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون”، و”ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون”. ولأن الذي كتبت له الرسالة اعرفه من القارئين للقرآن ذلك هو رئيس الحكومة نوري المالكي, ولكنه ظهر جليا انه لم يترجم قراءته للقرآن بما يحفظ تاريخه في المعارضة, ولم يحفظ عنوانه المتدين عندما أصبح عمليا يتطلب منه ذلك. وفي هذا العام عاود الأصدقاء نفسهم طلبهم في كتابة رسالة ثانية, قائلين ربما لم تصل تلك الرسالة الأولى إلى يد السيد نوري المالكي مباشرة الذي أصبح مكتبه يغص بالموظفين من كل العناوين مما تسبب ذلك في تخمة وظيفية تعطل وتؤجل وتعسر ولا تيسر, وجوه مكفهرة, وابتسامات صفراء, ووجوه شاحبة تختزن الطمع وتسعى للجشع, وتسبب للمراجعين : اليأس والوجع .

وتحت ضغط رجاء وأمنيات أخوية صادقة: كتبت رسالة ثانية هذا العام على طريقة قول الشاعر :-

وما أنا إلا  من غزية إن غوت …. غويت وان ترشد غزية ارشد ؟

ولكني اشترطت على الإخوة أن يتم تسليم الرسالة بيد الأخ المالكي مباشرة. وتعهدوا لي أن يتم ذلك, ولكني قلت لهم: ومن يسلم الرسالة مباشرة ؟

قالوا : احد المقاولين.

وراحوا يشرحون لي مقدار حظوة هذا المقاول عند السيد نوري المالكي حيث قالوا:

هذا المقاول يدخل على رئيس الحكومة متى شاء، ويقضي معه وقتا غير محدود ولما يشاء.وقلت في نفسي: أسفي عليك يا نوري .أنت اليوم رئيس وزراء العراق وفي هذا الظرف الصعب والمعقد, وتحاط بأعداء كثيرين, وخصوم أكثر أنت صنعتهم بسبب سوء حاشيتك ورداءة من هم حولك وشخص مثلك لا يتاح له رؤية عائلته كما يجب .كيف تسمح لمقاول يدخل عليك متى يشاء, ويأخذ من وقتك – الذي هو وقت للشعب الذي منحك الأمانة – ما يشاء لا ما تشاء أنت وتبقى المشيئة لله وحده ،وهنا عرفت أسباب الفساد ومنافذه ووسائله ومادته .وعندما عرفت أن هذا المقاول ذهب إلى عمان الأردن مغاضبا بسبب انكشاف أسرار بعض الصفقات, أسرع لترضيته معمما أصبح ملاصقا للسيد نوري المالكي منذ توليه رئاسة الحكومة, وهذا المعمم يتصل بنوري المالكي بعلاقة قديمة تمتد إلى أيام اللجنة الجهادية في حزب الدعوة الإسلامية والتي عمل فيها دعاة مخلصون سلموا ثقتهم بمن لم يكن أهلا للثقة من حيث الكفاءة والخبرة, ولذلك كانت خلية العبور إلى الداخل العراقي مخترقة من قبل المدعو ” ابر حوراء سميسم ” مما تسبب باختفاء دعاة مجاهدين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بربهم واخلصوا لقضيتهم قضية معاناة الشعب العراقي ولم يكونوا يعلموا أن من يقودونهم ليسوا أهلا للقيادة, وما كان مخفيا في تلك الأيام الخوالي ونبهنا على ضعفه وفشله في وقت مبكر مما جعل البعض يرمينا بالتطرف بالرأي لأنني كنت كما قال الشاعر:-

وحذرتكم أمري بمنعرج اللوى …. فلم تستبينوا الأمر حتى ضحى الغد 

أقول وما كان مخفيا في تلك الأيام كشفته مظاهر الحكم هذه الأيام على القاعدة القرآنية ” هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا “. وكان الفشل اليوم ضاربا بأجرانه يتقدمه بعض المعممين من الذين تركوا رسالة الدين وتحولوا إلى تخرصات الطين على مستوياته في الحمى المسنون والطين اللازب, والمعمم عندما يركض وراء أبواب وعناوين السلطة يتنازل عن صفة العلم والعلماء, والحاكم الذي لا يقف على أبواب العلماء يلتحق بسلطة زمنية ولاتها معاوية ويزيد والحجاج والسندي بن شاهك ومن كان يأخذ خمس أفريقيا غصبا ومن كان ينثر اللؤلؤ والياقوت على رأس المأمون يوم زفافه على بوران .والمعممون من هذا الطراز هم عنوان الفشل في الحزب وفي المنظومة الاجتماعية وفي الحوزة وفي الحكم .وعندما يجتمع المقاولون والمعممون من الصنف الذي بينا مواصفاته والتي لا تعمم على كل المعممين الذين فيهم المؤمنون الأتقياء من الذين حافظوا على مفهوم ” العمائم تيجان العرب ” والذين كان في مقدمتهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي رحل من هذه الحياة وهو لا يملك شيئا من حطام الدنيا وهو من ترك ثروة علمية غيرت نظرية المعرفة البشرية عبر نظرية التوالد الذاتي في كتابه ” الأسس المنطقية للاستقراء .

وعبر رسالتين كتبتهما للسيد نوري المالكي لا لشيء سوى للنصح والموعظة قبل أن يقع في عواصف الفضائح التي لا ترحم, وقد بان شيء منها هذه الأيام, ويظل ما كتبته معروفا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, وان أهملها السيد نوري المالكي أو تغاضى عنها , فان من يعلم الجهر وأخفى , ومن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سيكون حكما ونعم الحكم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقد اعذر من انذر .

سياسة الجدران

1 – 2

ما الذي يتبقى في جعبة السياسي الطائفي إن أسقطت الجدران الكونكريتية من الشوارع والاحياء وأزيلت؟؟ ما الخطاب الذي سيتوجه به إلى الناس؟؟ فلسفة جديدة في بناء الاقتصاد؟ في صياغة المجتمع؟ في ميدان المال والأخلاق والإعمار؟؟ في فهم باهر للدين يستقطب كل البشرية؟؟ الطائفي كائن مدقع في الوعي والثقافة والافق …..ولا يعرف شيئا من الحياة, ومن الدين غير ما رضعه وتلقنه وورثه وما تقولب عليه… ويضيع ويتخبط بلا النير ..ويغدو أكثر بؤسا في ميادين المعرفة وآفاق الحياة… إلا أن السيد صالح المطلك يطالعنا مرة اخرى ليوحي لنا ان هناك حكومة يمكن ان تصدر قرارا برفع جدران الكونكريت وتنفذه مع قرار إزالة التجاوز على أملاك الدولة..  وهذا اصعب من سابقه ..ويعني تجريد السياسي الطائفي من أداته الوحيدة للحكم ومن سلاحه الوحيد لحماية عرشه ومن كلمة سره الوحيدة لاستقطاب وتحشيد البسطاء حوله.ثم …ان السر الاعظم لما بعد الاحتلال يكمن تحت جدران الكونكريت…  وسيأتي اليوم الذي يستفيق فيه العراقيون والعالم على عمق واتساع وخطورة ما تنطوي عليه هذه الجدران وما أخذته من مجهودات في دراسته وتوقيته وفي مفعولاته.يعرف علماء الاجتماع أن البشر يعيشون ويدومون بالتنوع والاختلاف… والقرآن الكريم مع الاديان السماوية يسمي هذا الأمر.. وان البيت الواحد ذاته سيفقد سويته ان لم تتباين  وجهات نظر افراده ولم تختلف …حتى لاحظت تلك المدرسة النفسية ان العائلة التي طال هدوؤها ورتابة حياتها فعمدت لإزعاج طفلها المدلل وحتى إيذائه بدون وعي منها لتنشغل به وتقلق عليه …وهذا ما يحدث للمجتمعات …حيث تعثر دائما على ما يميزها وما يجعلها مختلفة فيما بينها….  وبهذا تواصل حياتها وتلهو…  وإنها تغدو صدامات ونزاعات وغزوات وحروب بين المتخلفين …في حين  تتحول الى مباريات وسباقات وتنافسات إبداعية بين الواعين الأكثر إدراكا وفهما للحياة…  وهذه تمايزات ملحوظة بين مدن انكليزية وفرنسية وأوربية وتتفاخر فيما بينها وتلك هي الحالة الطبيعية والصحية المحفزة للتباري والتطور، ولا يجد علم الاجتماع في اختلاف الطوائف الإسلامية ما يضير المجتمع,  وما يخرج عن السوية ..فقدر من التباين والاختلاف من ضرورات إثراء الحياة وإخصابها وتخليصها من الرتابة والملل.وكما كل شيء في الحياة يمكن النظر اليه حسب النيات والثقافات والمنافع فان الاختلاف المذهبي قد أزيح عن موقعه الى خارجه ..وجرت  تغذيته بعناصر ليست منه ..وتم إيقاظ الجانب العدواني من النفس الإنسانية والذي ما زال نشطا في البشر البسطاء ومحدودي التجربة والأفق.. والحث على التعصب استغلالا للتوق المرضي للهوية والانتماء والنفع, وصولا لطاعون الطائفية …..ويبدو ان السيد المطلك اذ يقرر رفع الجدران من الشوارع والمدن ينسى الأوامر والدعوات والوعود السابقة برفعها الوشيك… ولكنها تضاعفت …والعراقي على يقين أن إزالتها تعني كشف سر الاحتلال وسر المنطقة ومستقبلها بعد جولة من الرعب. 

المجاهد البترولي.. أمير المواسم

فجأة ومن دون مقدمات نضالية, ومن دون مواقف ثورية, ومن دون لمحات كفاحية وسجلات قتالية, خرج علينا من قمقم الخليج المارد الأسطوري الأزرق, والمجاهد البترولي الخارق, ليفتتح موسم الانقلابات المتفجرة بقوة الغاز ونابض الإرجاع, ويحمل لواء التجديد والتجنيد والتجليد في عموم الأقطار العربية والإسلامية, ولكل المواسم والمناسبات الوطنية والثورية والفكرية والطائفية. 

نابغة فريد من نوعه, لم يخطر على بال البطل الوهمي (هاري بوتر), ولا على بال زبائن الحانات الشامية القديمة, من شريحة (أبو عنتر), و(أبو صيّاح), ولا على بال أشقياء باب الشيخ ببغداد, فالرجل فلتة زمانه ببر الوالدين, وسابق أوانه في الإصلاح الحربي والإحسان القتالي.  

لم يكمل تعليمه لكنه يجيد التحدث باللغات الحية والميتة. لم يلتحق بالجيش, لكنه استطاع أن يصمم وينفذ أعقد الخطط التعبوية واللوجستية في الحروب, التي خاضها ضد القبائل العربية دفاعا عن حقوق الناتو, فكان في مقدمة المارشالات وقادة الفيالق, وفي مقدمة رجال العصابات ورجال المخابرات, والناتو فات فات وبذيلو سبع لفات. .مجاهد من الطراز البترولي السريع الاشتعال, ومحارب من الطراز المغولي بصورة أبي رغال, ومفكر من الطراز الجاهلي المتحجر, استحدث أكبر المحطات التلفزيونية العربية, وقاد جهابذة الكتاب والصحافيين العرب والأجانب, فرسم لهم المسارات الإعلامية المضللة, وعلمهم أصول الوطنية على الطريقة البنتاغونية, ولقنهم أصول البر بالوالدين على طريقة الابن الضال, وعلمهم أصول الكفاح المسلح والمملح والمشلح, وأصول التمرد والانقلاب على الأنظمة الصالحة والطالحة, فالانقلاب عنده من المواهب الربيعية التي ازدهرت بموارد البترول, وأينعت ثمارها في حدائق الموساد.  سخر أرضه ومطاراته لقوى الشر, وسمح لها بدك مدننا في كل الحروب والغارات الجوية والبحرية, التي شنتها القوات المتحالفة ضدنا, لكنه كان أول المتباكين على أطلال مدننا المدمرة, وأول الساعين لتحرير أرضنا المغتصبة, في تناقض عجيب بين ممارسة الرذيلة والتظاهر بالفضيلة, وفي تداخل غريب بين الهموم التي تبثها قناة الجزيرة, وبين السموم التي تنفثها الأوكار الحربية من قاعدة (سنوبي) في قلب الجزيرة, وفي مشاهد يومية لا يصدقها العقل ولا يقبلها المنطق بين الادعاء بالوسطية وبين الولاء للماسونية العالمية.  

إمارة صغيرة تدلت من رحم الخليج كما البيضة الناتئة من مستودعات الغاز ودهاليز الألغاز, نافرة كما الثألول المتورم بين أرداف مضيق هرمز, كبرت وتعفرتت وانتفخت بما فيه الكفاية, وامتلأت بغازات البطون المتخمة, فاشرأبت ومدت أذرعها الأميبية المتباهية بالتفوق الأطلنطي الزاحف مع بغال طروادة نحو حقول النفط والغاز في (سرت) و(رأس لانوف). ثم اشتركت بالهجوم على لبلاب القارة السوداء, ورفعت راياتها البترولية قبيل بزوغ فجر الأوديسا, وراحت تزف البشائر بأخبار انتصاراتها الساحقة ضد العرب, بقيادة ملك المواسم, وبدعم من الرفيق المجاهد (ساركوزي). عاد بعدها المارد الأزرق ليصنع الموت في حضرموت, ويثقب سد مأرب من جديد بتفويض خاص من شيخ قبائل القوارض, ثم ذهب ليخزِّن القات مع رجال القبائل المتناحرة, الذين فقدوا جنبية (خنجر) سيف بن ذي يزن في مستنقعات المشاريع الأنانية, الداعية للتشرذم بين الشمال والجنوب بدعم ومؤازرة قرود السيرك السياسي, ومازالت المعارك الضارية تدور رحاها في خنادق التويتر, وثكنات اليوتيوب, فتبرعت القناة الشريرة بنقل التقارير الحية المصورة لتفاصيل الإصلاحات الحربية, التي أنجزها ملك المواسم في قاطع الفيلق الآسيوي وقاطع الفيلق الأفريقي باستقطاب أوبامي واضح, وتردد عربي فاضح, على الأقمار (عرب سبات), و(عرب شتات)، والله يستر من الجايات.

ملتقى الشعر العربي في بغداد

• لم يكن يوم الاثنين الذي صادف (10كانون الأول) يوما عاديا في حياة الشعراء العرب الذين لبوا دعوة بغداد ليقدموا قصائدهم مغلّفة بالود والانتماء لهذه المدينة العربية الباسلة التي قاومت الاحتلالات والإرهابات والسخافات؛ وبقيت طائر عنقاء لا تصلح هذه الصفة إلا لها.. ولوحدها (وهذه تزكية شعرية وليست تزكية سياسية لكي لا يتهمني احد بأنني من الاقلام التي اشتراها الفساد العام). 

• شعراء من مصر والمغرب وسوريا وعمان والسودان والسعودية ومن لندن واستراليا والامارات وبلدان اخرى عربية وأجنبية؛ وفي لقاء حميم شهده المسرح الوطني بجمهور نوعي (وكان من الممكن ان يصار الى المعتاد: حشر الموظفين للادعاء بان الجمهور قد ملأ القاعة) لكنهم محبو الشعر هذه المرة.. تناثروا على المقاعد الزرقاء واستمعوا بشغف وتفاعل لما انشد على أسماعهم؛ ومن المؤلم حقا ان الشعراء العرب قرأوا قصائدهم لبغداد خصيصا؛ وكان هناك شعراء(عراقيون) في الوقت نفسه يدعون لمقاطعة قصائدهم ومقاطعة الملتقى؟!!

•  مفاجأة الافتتاح كان الشاعر السعودي الذي قرأ واحدة من أجمل القصائد التي كتبت لبغداد في الفترة الأخيرة؛ وكنت أتمنى على بعض شعرائنا (التقليديين) لو انهم عاينوا تجربتهم بما استمعوا اليه من صور وتراكيب وتجديد لغوي واستثمار للمفردات المستجدة على اللغة؛ فالشعر تراكم معرفي قبل ان يكون تراكما (اثريا) تحكمه التفاعيل؛ خصوصا وان بعض الشعراء قد حفظنا حتى درجات صوتهم ولا أقول ملامحهم فقط!!

..واذكر هنا ان الشاعر الرائد للقصيدة العربية الحديثة بلند الحيدري؛ قد نشر مرة بيانا شعريا صادرا عن قناعته؛ معلنا فيه عن تقاعده من الشعر؛ ويومها صار بيانه مادة دسمة للصحافة التي وجدت فيه ما يستحق المناقشة: هل يمكن ان يتقاعد الشاعر؟

بلند اجاب في بيانه بـ(نعم) على الشاعر ان يتقاعد حين لا يجد ما يقوله.

• أعود للملتقى الذي وقّع على مقاطعته ثمانون شاعرا اغلبهم من خارج المنطقة الجغرافية لمكان إقامته؛ وهي آخر مستجدات الربيع الثقافي العراقي؛ لأن لا احد قد فعلها قبلنا؛ أن يقول –مثلا– شاعر ما يسكن الجبايش: أنا سأقاطع المؤتمر المقام في موزمبيق –مثلا مثلا – والسبب هو عدم دعوتي له؟!! .. طيب ؛ اذا انت لم تدع له أصلا فأين هي حكمة مقاطعتك له؟!!

اذا فعلها ادباء بغداد..أدباء المحافظات..ممكن؛ ويستحق ان يناقش موقفهم الذي أجده حقا طبيعيا لهم (جا هي غير ديمقراطية لو ولية غمان) لكن ان يوقع على بيان المقاطعة وعدم الحضور واحد في كندا أو استراليا و(الملتقى في المسرح الوطني) وسط بغداد ؛ أجد في الأمر سريالية غريبة حتى على دالي. 

• الملتقى سيختتم أعماله اليوم؛ وقد أسعدنا الضيوف العرب بحضورهم  الباهر؛ وبعد ان نودعهم ..اتمنى على المقاطعين الجلوس الى طاولة حوار مفتوحة مع جهة التنظيم ووضع النقاط على الحروف؛ فهم اولا وأخيرا ليسوا ضد العراق ولا ضد حضوره العربي في الملتقيات او حضور العرب في ملتقياته ؛ ولا بد ان يكون لديهم ما يستحق الأخذ به؛ مثلما لا بد وان تكون لدى المنظمين أسباب يجب الاستماع إليها. 

•  ولنتذكر جميعا: إنها بغداد التي لم يرتبط اسمها حتى باسم الوالي العباسي الذي بناها.

المقاولون المقربون علامة فساد الحكم.. والمعممون المقربون علامة فشل الحكم

طلب مني بعض الأصدقاء من طلبة العلوم الدينية أن اكتب رسالة للأخ رئيس الحكومة الأستاذ نوري المالكي تتعلق بالشأن العام العراقي لما وصلت إليه الأمور من فوضى وفساد يضرب أطنابه في كل أرجاء الوطن حتى أصبحت الحكومة ملجأ للانتهازيين والمتملقين وبائعي الكرامة والسيادة الوطنية بثمن بخس.ولم أكن متحمسا لكتابة الرسالة : لا زهدا بالنصح ولا عجزا عن الموعظة, ولكن لعلمي بأن شيطان الكرسي وسحر المنصب استولت غوايته على نفوس وعقول الذين دخلوا سرادقات الحكم على عجلة من أمرهم يدفعهم احتلال ماكر ويغريهم عنوان قاتل, فلم يكونوا من أهل المراجعة, ولم يطلبوا المشورة, وتلك علامات الاستبداد والتفرد بالرأي الذي لا تحمد عقباه وقد وقع الذي وقع حتى عرفته الركبان وتحدثت به الصبيان .ونتيجة إلحاح ورجاء الأحبة من الذين ذكرت صفتهم وهم يتحرقون ويتأسفون لما يرونه من مخالفات, وضياع حقوق, وتجاوزات تدمي قلوب الغيارى والشرفاء، نزلت عند رغبتهم ورجائهم وكتبت الرسالة قبل عامين ولم ينعكس شيء ينبئ عن تفاعل وتقبل للمفاهيم التي حملتها الرسالة في الإصلاح والمسارعة لتلافي الأخطاء والثغرات والسعي لاسترجاع هيبة الدولة والحكومة من خلال إنصاف المواطنين ومكاشفة الشعب بما يجري من صالح او طالح, والعمل على قاعدة ” وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب” وهي القاعدة الذهبية لكل دولة ناجحة ولكل حكم صالح وعادل مستذكرين الآيات القرآنية المباركة :

” ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”، و”ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون”، و”ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون”. ولأن الذي كتبت له الرسالة اعرفه من القارئين للقرآن ذلك هو رئيس الحكومة نوري المالكي, ولكنه ظهر جليا انه لم يترجم قراءته للقرآن بما يحفظ تاريخه في المعارضة, ولم يحفظ عنوانه المتدين عندما أصبح عمليا يتطلب منه ذلك. وفي هذا العام عاود الأصدقاء نفسهم طلبهم في كتابة رسالة ثانية, قائلين ربما لم تصل تلك الرسالة الأولى إلى يد السيد نوري المالكي مباشرة الذي أصبح مكتبه يغص بالموظفين من كل العناوين مما تسبب ذلك في تخمة وظيفية تعطل وتؤجل وتعسر ولا تيسر, وجوه مكفهرة, وابتسامات صفراء, ووجوه شاحبة تختزن الطمع وتسعى للجشع, وتسبب للمراجعين : اليأس والوجع .

وتحت ضغط رجاء وأمنيات أخوية صادقة: كتبت رسالة ثانية هذا العام على طريقة قول الشاعر :-

وما أنا إلا  من غزية إن غوت …. غويت وان ترشد غزية ارشد ؟

ولكني اشترطت على الإخوة أن يتم تسليم الرسالة بيد الأخ المالكي مباشرة. وتعهدوا لي أن يتم ذلك, ولكني قلت لهم: ومن يسلم الرسالة مباشرة ؟

قالوا : احد المقاولين.

وراحوا يشرحون لي مقدار حظوة هذا المقاول عند السيد نوري المالكي حيث قالوا:

هذا المقاول يدخل على رئيس الحكومة متى شاء، ويقضي معه وقتا غير محدود ولما يشاء.وقلت في نفسي: أسفي عليك يا نوري .أنت اليوم رئيس وزراء العراق وفي هذا الظرف الصعب والمعقد, وتحاط بأعداء كثيرين, وخصوم أكثر أنت صنعتهم بسبب سوء حاشيتك ورداءة من هم حولك وشخص مثلك لا يتاح له رؤية عائلته كما يجب .كيف تسمح لمقاول يدخل عليك متى يشاء, ويأخذ من وقتك – الذي هو وقت للشعب الذي منحك الأمانة – ما يشاء لا ما تشاء أنت وتبقى المشيئة لله وحده ،وهنا عرفت أسباب الفساد ومنافذه ووسائله ومادته .وعندما عرفت أن هذا المقاول ذهب إلى عمان الأردن مغاضبا بسبب انكشاف أسرار بعض الصفقات, أسرع لترضيته معمما أصبح ملاصقا للسيد نوري المالكي منذ توليه رئاسة الحكومة, وهذا المعمم يتصل بنوري المالكي بعلاقة قديمة تمتد إلى أيام اللجنة الجهادية في حزب الدعوة الإسلامية والتي عمل فيها دعاة مخلصون سلموا ثقتهم بمن لم يكن أهلا للثقة من حيث الكفاءة والخبرة, ولذلك كانت خلية العبور إلى الداخل العراقي مخترقة من قبل المدعو ” ابر حوراء سميسم ” مما تسبب باختفاء دعاة مجاهدين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بربهم واخلصوا لقضيتهم قضية معاناة الشعب العراقي ولم يكونوا يعلموا أن من يقودونهم ليسوا أهلا للقيادة, وما كان مخفيا في تلك الأيام الخوالي ونبهنا على ضعفه وفشله في وقت مبكر مما جعل البعض يرمينا بالتطرف بالرأي لأنني كنت كما قال الشاعر:-

وحذرتكم أمري بمنعرج اللوى …. فلم تستبينوا الأمر حتى ضحى الغد 

أقول وما كان مخفيا في تلك الأيام كشفته مظاهر الحكم هذه الأيام على القاعدة القرآنية ” هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا “. وكان الفشل اليوم ضاربا بأجرانه يتقدمه بعض المعممين من الذين تركوا رسالة الدين وتحولوا إلى تخرصات الطين على مستوياته في الحمى المسنون والطين اللازب, والمعمم عندما يركض وراء أبواب وعناوين السلطة يتنازل عن صفة العلم والعلماء, والحاكم الذي لا يقف على أبواب العلماء يلتحق بسلطة زمنية ولاتها معاوية ويزيد والحجاج والسندي بن شاهك ومن كان يأخذ خمس أفريقيا غصبا ومن كان ينثر اللؤلؤ والياقوت على رأس المأمون يوم زفافه على بوران .والمعممون من هذا الطراز هم عنوان الفشل في الحزب وفي المنظومة الاجتماعية وفي الحوزة وفي الحكم .وعندما يجتمع المقاولون والمعممون من الصنف الذي بينا مواصفاته والتي لا تعمم على كل المعممين الذين فيهم المؤمنون الأتقياء من الذين حافظوا على مفهوم ” العمائم تيجان العرب ” والذين كان في مقدمتهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي رحل من هذه الحياة وهو لا يملك شيئا من حطام الدنيا وهو من ترك ثروة علمية غيرت نظرية المعرفة البشرية عبر نظرية التوالد الذاتي في كتابه ” الأسس المنطقية للاستقراء .

وعبر رسالتين كتبتهما للسيد نوري المالكي لا لشيء سوى للنصح والموعظة قبل أن يقع في عواصف الفضائح التي لا ترحم, وقد بان شيء منها هذه الأيام, ويظل ما كتبته معروفا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, وان أهملها السيد نوري المالكي أو تغاضى عنها , فان من يعلم الجهر وأخفى , ومن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سيكون حكما ونعم الحكم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقد اعذر من انذر .

سياسة الجدران

1 – 2

ما الذي يتبقى في جعبة السياسي الطائفي إن أسقطت الجدران الكونكريتية من الشوارع والاحياء وأزيلت؟؟ ما الخطاب الذي سيتوجه به إلى الناس؟؟ فلسفة جديدة في بناء الاقتصاد؟ في صياغة المجتمع؟ في ميدان المال والأخلاق والإعمار؟؟ في فهم باهر للدين يستقطب كل البشرية؟؟ الطائفي كائن مدقع في الوعي والثقافة والافق …..ولا يعرف شيئا من الحياة, ومن الدين غير ما رضعه وتلقنه وورثه وما تقولب عليه… ويضيع ويتخبط بلا النير ..ويغدو أكثر بؤسا في ميادين المعرفة وآفاق الحياة… إلا أن السيد صالح المطلك يطالعنا مرة اخرى ليوحي لنا ان هناك حكومة يمكن ان تصدر قرارا برفع جدران الكونكريت وتنفذه مع قرار إزالة التجاوز على أملاك الدولة..  وهذا اصعب من سابقه ..ويعني تجريد السياسي الطائفي من أداته الوحيدة للحكم ومن سلاحه الوحيد لحماية عرشه ومن كلمة سره الوحيدة لاستقطاب وتحشيد البسطاء حوله.ثم …ان السر الاعظم لما بعد الاحتلال يكمن تحت جدران الكونكريت…  وسيأتي اليوم الذي يستفيق فيه العراقيون والعالم على عمق واتساع وخطورة ما تنطوي عليه هذه الجدران وما أخذته من مجهودات في دراسته وتوقيته وفي مفعولاته.يعرف علماء الاجتماع أن البشر يعيشون ويدومون بالتنوع والاختلاف… والقرآن الكريم مع الاديان السماوية يسمي هذا الأمر.. وان البيت الواحد ذاته سيفقد سويته ان لم تتباين  وجهات نظر افراده ولم تختلف …حتى لاحظت تلك المدرسة النفسية ان العائلة التي طال هدوؤها ورتابة حياتها فعمدت لإزعاج طفلها المدلل وحتى إيذائه بدون وعي منها لتنشغل به وتقلق عليه …وهذا ما يحدث للمجتمعات …حيث تعثر دائما على ما يميزها وما يجعلها مختلفة فيما بينها….  وبهذا تواصل حياتها وتلهو…  وإنها تغدو صدامات ونزاعات وغزوات وحروب بين المتخلفين …في حين  تتحول الى مباريات وسباقات وتنافسات إبداعية بين الواعين الأكثر إدراكا وفهما للحياة…  وهذه تمايزات ملحوظة بين مدن انكليزية وفرنسية وأوربية وتتفاخر فيما بينها وتلك هي الحالة الطبيعية والصحية المحفزة للتباري والتطور، ولا يجد علم الاجتماع في اختلاف الطوائف الإسلامية ما يضير المجتمع,  وما يخرج عن السوية ..فقدر من التباين والاختلاف من ضرورات إثراء الحياة وإخصابها وتخليصها من الرتابة والملل.وكما كل شيء في الحياة يمكن النظر اليه حسب النيات والثقافات والمنافع فان الاختلاف المذهبي قد أزيح عن موقعه الى خارجه ..وجرت  تغذيته بعناصر ليست منه ..وتم إيقاظ الجانب العدواني من النفس الإنسانية والذي ما زال نشطا في البشر البسطاء ومحدودي التجربة والأفق.. والحث على التعصب استغلالا للتوق المرضي للهوية والانتماء والنفع, وصولا لطاعون الطائفية …..ويبدو ان السيد المطلك اذ يقرر رفع الجدران من الشوارع والمدن ينسى الأوامر والدعوات والوعود السابقة برفعها الوشيك… ولكنها تضاعفت …والعراقي على يقين أن إزالتها تعني كشف سر الاحتلال وسر المنطقة ومستقبلها بعد جولة من الرعب. 

المجاهد البترولي.. أمير المواسم

فجأة ومن دون مقدمات نضالية, ومن دون مواقف ثورية, ومن دون لمحات كفاحية وسجلات قتالية, خرج علينا من قمقم الخليج المارد الأسطوري الأزرق, والمجاهد البترولي الخارق, ليفتتح موسم الانقلابات المتفجرة بقوة الغاز ونابض الإرجاع, ويحمل لواء التجديد والتجنيد والتجليد في عموم الأقطار العربية والإسلامية, ولكل المواسم والمناسبات الوطنية والثورية والفكرية والطائفية. 

نابغة فريد من نوعه, لم يخطر على بال البطل الوهمي (هاري بوتر), ولا على بال زبائن الحانات الشامية القديمة, من شريحة (أبو عنتر), و(أبو صيّاح), ولا على بال أشقياء باب الشيخ ببغداد, فالرجل فلتة زمانه ببر الوالدين, وسابق أوانه في الإصلاح الحربي والإحسان القتالي.  

لم يكمل تعليمه لكنه يجيد التحدث باللغات الحية والميتة. لم يلتحق بالجيش, لكنه استطاع أن يصمم وينفذ أعقد الخطط التعبوية واللوجستية في الحروب, التي خاضها ضد القبائل العربية دفاعا عن حقوق الناتو, فكان في مقدمة المارشالات وقادة الفيالق, وفي مقدمة رجال العصابات ورجال المخابرات, والناتو فات فات وبذيلو سبع لفات. .مجاهد من الطراز البترولي السريع الاشتعال, ومحارب من الطراز المغولي بصورة أبي رغال, ومفكر من الطراز الجاهلي المتحجر, استحدث أكبر المحطات التلفزيونية العربية, وقاد جهابذة الكتاب والصحافيين العرب والأجانب, فرسم لهم المسارات الإعلامية المضللة, وعلمهم أصول الوطنية على الطريقة البنتاغونية, ولقنهم أصول البر بالوالدين على طريقة الابن الضال, وعلمهم أصول الكفاح المسلح والمملح والمشلح, وأصول التمرد والانقلاب على الأنظمة الصالحة والطالحة, فالانقلاب عنده من المواهب الربيعية التي ازدهرت بموارد البترول, وأينعت ثمارها في حدائق الموساد.  سخر أرضه ومطاراته لقوى الشر, وسمح لها بدك مدننا في كل الحروب والغارات الجوية والبحرية, التي شنتها القوات المتحالفة ضدنا, لكنه كان أول المتباكين على أطلال مدننا المدمرة, وأول الساعين لتحرير أرضنا المغتصبة, في تناقض عجيب بين ممارسة الرذيلة والتظاهر بالفضيلة, وفي تداخل غريب بين الهموم التي تبثها قناة الجزيرة, وبين السموم التي تنفثها الأوكار الحربية من قاعدة (سنوبي) في قلب الجزيرة, وفي مشاهد يومية لا يصدقها العقل ولا يقبلها المنطق بين الادعاء بالوسطية وبين الولاء للماسونية العالمية.  

إمارة صغيرة تدلت من رحم الخليج كما البيضة الناتئة من مستودعات الغاز ودهاليز الألغاز, نافرة كما الثألول المتورم بين أرداف مضيق هرمز, كبرت وتعفرتت وانتفخت بما فيه الكفاية, وامتلأت بغازات البطون المتخمة, فاشرأبت ومدت أذرعها الأميبية المتباهية بالتفوق الأطلنطي الزاحف مع بغال طروادة نحو حقول النفط والغاز في (سرت) و(رأس لانوف). ثم اشتركت بالهجوم على لبلاب القارة السوداء, ورفعت راياتها البترولية قبيل بزوغ فجر الأوديسا, وراحت تزف البشائر بأخبار انتصاراتها الساحقة ضد العرب, بقيادة ملك المواسم, وبدعم من الرفيق المجاهد (ساركوزي). عاد بعدها المارد الأزرق ليصنع الموت في حضرموت, ويثقب سد مأرب من جديد بتفويض خاص من شيخ قبائل القوارض, ثم ذهب ليخزِّن القات مع رجال القبائل المتناحرة, الذين فقدوا جنبية (خنجر) سيف بن ذي يزن في مستنقعات المشاريع الأنانية, الداعية للتشرذم بين الشمال والجنوب بدعم ومؤازرة قرود السيرك السياسي, ومازالت المعارك الضارية تدور رحاها في خنادق التويتر, وثكنات اليوتيوب, فتبرعت القناة الشريرة بنقل التقارير الحية المصورة لتفاصيل الإصلاحات الحربية, التي أنجزها ملك المواسم في قاطع الفيلق الآسيوي وقاطع الفيلق الأفريقي باستقطاب أوبامي واضح, وتردد عربي فاضح, على الأقمار (عرب سبات), و(عرب شتات)، والله يستر من الجايات.