راجعني البعض من المشتركين في إدارة العملية الانتخابية داخل كتلهم, كما راجعني البعض من المرشحين للانتخابات المقبلة لمجالس المحافظات والتي بلغ عدد الكتل المسجلة لدى المفوضية بما يقرب من “250” كيانا انتخابيا لعدد من كراسي المحافظات البالغة “447” مقعدا, وهنا تتكشف حقيقة مرة, فكثرة عدد الكيانات المسجلة لا تنم عن وعي وثقافة انتخابية وطنية, بمقدار ما تنم عن توجه تنقصه المعرفة واللياقة في آن معا.
وكنت أقول لزواري من السائلين والمستفسرين عن العملية الانتخابية ولاسيما الطالبين للمساعدة والتوجيه للأداء الجيد وهم عناصر طيبة وأشخاص يحبون وطنهم وشعبهم من الرجال والنساء الراغبين في الخدمة بعيدا عن أمراض السياسة التي تنتظرهم في تفاصيل العملية الانتخابية لمجالس المحافظات المقبلة والتي تليها لمجلس النواب المقبل.
وعلى قاعدة “زكاة العلم تعليمه”, وحتى تعم الفائدة للجميع من الذين سألوا والذين لم يسألوا بعد سواء خجلا, أم لوجود أسباب موضوعية تخصهم وأسباب غير موضوعية تخص الكتل والأحزاب التي ينتمون إليها أو التي يعملون معها لأعلى طريقة الانتماء والولا, ولكن على طريقة الضرورة من الطرفين وهي :
1- الحاجة للعمل عند طرف
2- والحاجة للترويج والإعلام عند الطرف الآخر
وهاتان الحاجتان غير منظور لهما من زاوية معرفية انتخابية وطنية “والاستثناء موجود ولكنه نادر وقليل”، وإنما يغلب عليهما الاندفاع في سياق عملية ظاهرها “الديمقراطية” وباطنها غير ذلك تماما، ودليلنا على ذلك ليس تنظيرا ولا رجما بالغيب, وإنما قائم على شواهد وأرقام ميدانية لمن يريد أن يدرس ويحلل بموضوعية على الشكل الآتي :
1- لم تعقد ندوات عامة يدعى لها المفكرون والخبراء ليتم تدارس السبل الكفيلة بتفادي أخطاء وثغرات العمليات الانتخابية السابقة – والمسؤول عن ذلك مفوضية الانتخابات التي لم يعرف بعد من هم أعضاؤها بسبب المحاصصة، وإذا تم شيء من الندوات فهو مقتصر على دعوات للأحزاب والكتل والكيانات الانتخابية التي لا تتوفر فيها مواصفات الفكر والخبرة غالبا مما يجعل تلك الندوات عديمة الفائدة من زاوية تقييم العمل المؤسسي.
2- لم يتم استطلاع رأي الشعب في أيهما يختار من القوائم والترشيح “القائمة المغلقة – أم المفتوحة – أم المغلقة والمفتوحة – أم الترشيح الفردي” وأي الدوائر يفضل، “الدائرة الواحدة – أم الدوائر المتعددة كما هو جار الآن في المحافظات”.
3- لم تعقد ندوات جماهيرية عامة لشرح ثقافة الانتخاب, وإنما ترك الأمر للنشاط الحزبي الخاص المتهم أصلا بعدم الانفتاح على الآخر, فضلا عن تكريس الحس الفئوي والطائفي المدمر للحياة الاجتماعية والسياسية.
4- ظهور تحالفات جديدة ظاهريا فقط وإلا هي من رواسب الفشل والخيبات المحكوم عليها بالرفض شعبيا, وهذه التحالفات تكتفي بالتسويق الإعلامي الخاص المرتهن بالمال والعلاقات الشخصية.
5- وهذه التحالفات تعمل على طريقة تحضير المعلف قبل الحصان. وهذا خطأ متكرر من الانتخابات السابقة, والإصرار عليه يجعل القائمين به سواء علموا أم لم يعلموا فإنهم يظلوا تحت رهان وصايا “افرام نعوم تشومسكي” الأمريكي اليهودي في استراتيجياته العشر للتحكم بالشعوب.
6- وهذه التحالفات التي لم تجد وسيلة تنظيمية ناجحة لاختيار المرشح المؤهل:
ا- سياسيا
ب- اجتماعيا
ت- وطنيا
وأتحدى من يثبت عكس ذلك على مستوى قائمة الترشيحات كاملة, أما الاستثناء فإذا وجد فإنه ليس بكاف مطلقا, ولا يحق للأحزاب والكتل أن تبرر ذلك على طريقة “هذا الموجود” وهذا التبرير هو احد أعمدة استراتيجيات “تشومسكي” للتحكم بالشعوب من خلال قبول الرداءة حتى تصبح أمرا واقعا, أو تقديم الأسوأ حتى يتم التنازل عن الأفضل, أو تقديم المزعج والمضر مثل التفجيرات والإرهاب حتى يتم التنازل عن الحريات في مكان آخر, فيصبح المخبر السري تفرضه الضرورة ويصبح العفو عن المزور من دواعي المسامحة, ويصبح السارق للمال العام يحظى بالغطاء السياسي, ويصبح غير المؤهل وغير المناسب حاصلا على أعلى المناصب نتيجة الملل والخنوع الذي تصاب به القاعدة الشعبية, وهذه هي حنكة “تشومسكي” في إخضاع الشعوب التي أصبحت مطبقة عندنا في العراق وفي المنطقة وما الأحداث الأخيرة حول ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها إلا واحدة من أشهر وأوضح تطبيقات إستراتيجية إخضاع الشعوب التي يتم بعد ذلك مخاطبتها كما يخاطب الأطفال الصغار.
ونصائح الأمم المتحدة وممثلها في العراق, وخلوات سفراء أمريكا وبريطانيا ببعض السياسيين إنما تجري على هذه القاعدة دون أن تعلم القاعدة الشعبية وإذا علمت, تصنع لها مشاكل جديدة لإلهائها وصرف النظر عن الواقع المر كما جرى في حادثة البنك المركزي وحادثة عقود التسليح مع روسيا وشركة روتانا ومسالة تأهيل فنادق الدرجة الأولى والفساد المالي من وراء ذلك.
إن تكرار الأخطاء في عملية الانتخابات تكاد تكون متعمدة من قبل البعض, وغير متعمدة من البعض الآخر بسبب عدم الخبرة في العملية الانتخابية, وعدم التأهيل الثقافي, وهذه جميعها تؤدي إلى عدم التأهيل السياسي الذي أصبح واقعا معترفا به شعبا, ومعبرا عنه بالملل والضجر وعدم الرغبة في المتابعة الجادة في المسائل الثقافية, فلو دعوت اليوم إلى محاضرة علمية أو ثقافية لم يحضرها إلا العدد القليل, ولو دعوت إلى حفل غنائي لحضره الآلاف لا حبا بالفن الذي يخدعون به تضليلا وإنما حبا باللهو الذي لا يعرف الفرح الحقيقي ولا المرح بتوازنات النفس التي تحتاج الراحة “روحوا أنفسكم ببدائع الحكم فإنها تمل كما تمل الأبدان” – الإمام علي – .
وملل الأبدان معروف لأهل الفسلجة وعلوم البايولوجيا الذي اتخذت منه وصايا تشومسكي منطلقا لإبعاد الشعوب عن هذه العلوم وهي كل من :
1- علوم البايولوجيا
2- علوم الحاسوب
3- علوم النفس التحليلية والتطبيقية
4- علوم المنطق والفلسفة واللسانيات
كما أن علوم النفس معروفة لعلماء التحليل النفسي وهم موجودون في حقول المعرفة الإلهية والعرفان بجدارة تتفوق على بعض الأكاديميات التلقينية.
إن ظاهرة الإلهاء المصاحبة للانتخابات أصبحت معروفة, فالعزائم والولائم على طريقة الذي يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد, وتوزيع الأموال كرشا انتخابية لم يسلم منها طرف دون طرف, ومن لا يوزع مالا حاسبا نفسه عصاميا في هذه الحالة نسى انه مارس الرشا بطريقة أخرى من خلال تكريس الترشيح للمؤيدين ومنهم المتزلفون الذين أصبحوا ظاهرة لا ينكرها من يعرف الاجتماع العراقي.
وعدم وجود قانون للأحزاب هو إقرار باختراق السيادة الوطنية، لأن البعض مازال يعتمد التمويل الخارجي الأجنبي بكل سيئاته, ومن يكون كذلك فقراره ليس بيده ومن يدعي غير ذلك إلا مكابر أو جاهل .
وعلى هذا سيمضي قطار انتخابات مجالس المحافظات محملا بالرشا والطائفية والبضاعة الانتخابية من مرشحين غير مؤهلين مما سيعاد دورة من الخسائر المستمرة انتخابيا وسياسيا وديمقراطيا، نتيجة حيتان المال والسمسرة الذين امنوا مكاتبهم وأعوانهم بالمال الحرام، حتى ظن الناس أنهم باقون فاستسلموا لهذه النتيجة الزائفة “وما هي إلا لمظة من عيش وبرهة من زمان” كما يقول “الإمام علي”.