الصحـافــة الاستقصائية.. عراقياً

تنفست الصحافة في عراق -اليوم الصعداء حين تمتعت بهواء الحرية الحرة كما هو حاصل في بعض مفاصل الصحافة العربية بعد هبوب رياح التغيير وتبديل الأحوال واتساع سماء الآمال من خلال (تهاوي) عروش وكروش (بلاوي) أنظمة الاستبداد والعسكر ومن لف لفهم في الانضمام إلى قوائم الكراسي المعمرة والمدمرة، لتنال الصحافة حريتها مطلقة -بالثلاث-العودة إلى بيت الطاعة.  وحين تدحرجت الصحافة الاستقصائية -إلينا- بخطى بطء شديد لا يضاهي -حتى- سرعة السلحفاة، لكنها ظلت تردد معنا: (أن تأتي متأخرا …أفضل من أن لا تأتي أبدا)،ولسنا-هنا- بصدد رسم(بروفايل) أي رسم جانبي أو تخطيط أولي، يرى في أهميتها وشروط وجودها الى جوانب ومجالات الصحافة الأخرى والمعروفة، أن تكون متسلحة بالبيانات والوثائق، لتكون أقرب من نواحي وطرائق البحث العلمي، وليس مجرد تهويمات واتهامات تروم الى رمي الأحجار -جزافا- في بحر الظلمات، كما لسنا بصدد التذكير -مجددا- بقدم وعراقة الصحافة الاستقصائية في بلدان العالم المتحضر التي قطعت أشواطا كبيرة جدا -منذ نصف قرن تقريبا- وطبيعة تمكن الصحفي الحقيقي من الوصول والحصول على المعلومات التي تفيد بحثه الاستقصائي بما يخدم أهداف ومصالح المجتمع الذي تحيا فيه.  وما سعينا الاستقصائي والاحتفالي الا واجبنا وانتماءً -بحدود ما يمليه علينا الاعتراف بجهد وجد ومثابرة وتضحية من أقدم على عمل يستحق الإشادة والثناء، بما متاح ومسموح من مساحة لهذا العمود من مساحة- في توضيح عياني وملموس للحد الذي وصلت اليه صحافتنا الاستقصائية- بجهود تكاد أن تكون فردية- أذ يأتي فوز العراق بالجائزة الكبرى عن أفضل تحقيق استقصائي في العالم العربي لعام/2012 من بين تحقيقات أنجزت في (11) بلدا عربيا بينهما مصر والمغرب والجزائر والاردن،عبر اعلان المشرف العام على الشبكة الاستقصائية العراقية(نيريج) الزميل(محمد الربيعي) عن فوز الصحفية (ميادة داود) بأرفع جائزة عربية لهذا النوع من الصحافة منحت لها من قبل مسابقة (شبكة أريج العربية) والتي عقدت في القاهرة مؤخرا وذلك عن تحقيقها الاستقصائي المعنون (تستر عليها الجيش الامريكي لسنوات :حقائق جديدة تفرض اعادة التحقيق في جريمة -اعدام تعسفي- لـ(11) عراقيا في الأسحاقي) والذي سيقود- حتما- الى اعادة فتح الجيش الامريكي للتحقيق في مجزرة الاسحاقي التي وقعت في ربيع عام/2006، وبنيلها هذه الجائزة تكون(ميادة) قد تصدرت قائمة أول صحفية استقصائية عربية تحقق انجاز الحصول على ثلاث جوائز متقدمة على مدى ثلاث سنوات متتالية/جائزة ثاني أفضل تحقيق استقصائي لعام/2010 عن تحقيقها حول تجنيد الأطفال من قبل الجماعات المسلحة، وجائزة أفضل تحقيق في العالم العربي لعام/2011 حول الخلل في قوانين المشردين في العراق.

  يجدر التذكير -ايضا- بفوز الصحفي الكردي (موفق محمد) -بنفس مسابقة هذا العام/2012- بجائزة ثاني أفضل تحقيق حول(ضلوع قوة نافذة في كردستان في تجارة الأدوية الفاسدة والمزيفة) ليشكل تضامنا نوعيا لنمو هذا النوع من الصحافة في عراق-اليوم.

فـــقـــاعــــات !

أمي شيوعية!! هل يجب أن أشعر بالاعتزاز أم الحرج؟ هل يفترض إخفاء هذه الحقيقة، وكيف يمكن إخفاؤها وهي موثقة في سجلات الحكومة وضمائر المعتقلين والمناضلين؟ وإذن، لا مفر من الأعتراف بهذا الجزء العريض من حياتها السياسية الذي أشعر إزاءه بالفخر العظيم، فعلى يديها فهمت معنى الديالكتيك والمادية التاريخية والأمميات وفائض القيمة، وعبر سيرتها الذاتية وسلوكها الشخصي تعلمت معنى (الإنسان المبدئي) ومفهوم (المبدئية) كونها سمة أخلاقية قبل أن تكون شيئا ً آخر، وأمي التي بلغت عامها التسعين ما تزال بفضل الله تتمتع بذاكرة حادة، وقد كانت وما زالت المرجع الثقافي الذي أعتد به، والمرجع السياسي الذي ألجأ اليه، لأنها تمتلك رؤية ثاقبة، وقدرة مذهلة على التحليل واستقراء الوقائع، ومع ذلك عجزت عن كسبي الى الحزب الشيوعي،لكوني على حد قولها [ كائن عبثي ليس له هدف في الحياة] ولعلها على حق، غير إن إعجابي الكبير بوالدتي لا يمنع من الاعتراف، إنها مع كل هذا التراث المشرف، لم تتحرر من عقلية (نسوان الطرف)، ومن تأثير انتمائها الى أسرة ارستقراطية تنظر الى الفقراء بعين الاستصغار، فقبل سنوات قلائل كانت تتابع على عادتها نشرة الأخبار والحوارات التي تبثها الفضائيات، حين أستوقفها اسم سيدة كانت تحل ضيفاً على أحد البرامج، فقد صرخت ْ بلهجة استنكارية [ كملت السبحة.. بقت علينا بس الخبازة ما صارت سياسية بروسنا!] وحين حاولت فهم تلك العبارة الغامضة، أرجأت الحديث حتى انتهاء الحوار، عندها قالت لي [ هل لاحظت فلانه إبنة فلان كيف تضع الفوطة على رأسها، وكيف تملأ الحروق وجهها؟!]، الحقيقة لم أعر مثل هذه الملاحظات بالاً، فقد كنت أحترم تلك السيدة التي كانت تقدم نفسها دائما ً على إنها صوت عال ٍ من أصوات المعارضة التي تطالب بحقوق الناس وتدافع عن العراق وما يتعرض له من هجمات عدائية، وتخاطب الحكومة بلغة عنيفة من أجل حماية البلاد وخدمة المواطنين، وقد نقلتُ لوالدتي هذه المعلومات عن السيدة، إلا إنها لم تلتفت إليها وقالت [ هذه الفلانة التي تدافع عنها، هي ابنة سعدية علوان الخبازة، وابنتها التي ظهرت على الشاشة خبازة مثلها، ولا ادري كيف أكملت دراستها الجامعية ]، سألتها مستغربا ً [ وما الضير في ذلك كله، إنها سيدة مكافحة، وانت إنسانة تقدمية يجب ان تقفي الى جانبها و..] إلا إنها قاطعتني [ هل تعتقد إنني أعترض على كونها من أسرة فقيرة.. ابدا ً.. هذا يخالف عقيدتي، ولكنني اخاف من عقدة فقرها الشخصية، فما بالك وأنا أعرف هذه الخبازة عن قرب، إنها امرأة انتهازية بامتياز، تتاجر بعواطف العراقيين ولا تعنيها همومهم الحقيقية، قد لا تصدقني إنها ستصبح مدمنة فضائيات وتصريحات، وقد لا تصدقني إن صوتها المعارض سيخفت بعد بضعة أشهر، ثم لن يمضي وقت طويل حتى تنحاز الى جانب الحكومة وتدافع عنها باستماتة، وتصب جام غضبها على المعارضة، وتنعتها بأسوأ النعوت التي كانت توجهها الى الحكومة، هذه امرأة ليس لها من المبادئ نصيب، فهي لا تحسن غير المزايدة والمناورة ومهنة البحث عن الكتف المتعافية، وسوف تشكل تنظيما ً يعمل في النهار مع الحكومة، وفي الليل لحسابه الخاص، وحين لا تجني من تقلباتها حبة خردل، ستلعن المعارضة والحكومة والعملية السياسية، وسوف تختفي فجأة كما ظهرت فجأة وكأنها فقاعة، وأنا لا أخاف على العراق مثل خوفي من الفقاعات التي تتكاثر في بلادنا كالأرانب!!] لم أستطع منع نفسي من الضحك وهي تسترسل بخيالها الخصب كيفما يحلو لها، ولكن الغريب، إن كل َّ ما قالته تحقق بعد سنوات قلائل!! 

الخور والهور والأرض البور

الخور والهور: مصطلحان عراقيان من المفردات السومرية العريقة, الأول يعني: منخفض مائي في عرض البحر, والثاني: يعني منخفض مائي في المستنقعات الرطبة, وشاءت التقلبات السياسية العنيفة وما رافقها من أطماع حدودية, وزحوفات جيولوجية, وظروف إقليمية ومحلية أن تتعرض أخوار العراق وأهواره إلى سلسلة متلاحقة من الأضرار الطبيعية والبشرية المباشرة, أسفرت عن تقليص رقعة المسطحات المائية العراقية في كل من الخور والهور, وتحولت الأرض المحصورة بينهما من الخصب إلى الجدب, فصار البوار امتدادا طبيعيا لظاهرة التصحر. 

 لقد جاء قرار مجلس الأمن رقم (833) بصيغته التعسفية الظالمة ليمنح الكويت النصف الأعمق والأوسع من خور عبد الله, ثم زحفت الحقول النفطية البحرية لدول الجوار (الكويت وإيران) باتجاه خور الخفقة, مستغلة غياب فنار شط العرب الذي كان يرسم الحدود الخارجية لمياهنا الإقليمية شمال الخليج العرب, وادعت إيران في أكثر من مناسبة بعائدية خور (العمية) لتعزز جبهتها الحدودية الزاحفة نحو غرب شط العرب, فتقهقرت المياه البحرية العراقية, وتراجعت تدريجيا, لتنكمش وتتقلص وتتقزم, حتى تقوقعت في منطقة ضحلة, ليس لها إطلالة على البحر سوى نافذة بحرية ضيقة لا يزيد عرضها على (22) كيلومترا, تحددت في المسافة المحصورة بين العوامة الملاحية رقم (7) في شط العرب, والعوامة الملاحية رقم (7) في خور عبد الله, وربما ستتعرض إلى المزيد من الاختزال والانكماش في السنوات المقبلة, وذلك في ظل الإهمال والتقصير والانشغال بالنزاعات الداخلية العقيمة. 

 ولا تختلف الأوضاع الجغرافية والجيولوجية والسياسية في أهوار جنوب العراق, عن عوامل التجريف والتعرية والتزحيف والتجفيف, التي مرت بها الأخوار والممرات الملاحية المرتبطة ببحار الله الواسعة, وربما يطول بنا المقام لسرد مأساتها من الألف إلى الياء, لكننا أردنا أن نسلط الأضواء على السدة الترابية التي فكرت بها وزارة الموارد المائية العراقية, والتي ستقصم  ظهر هور الحويزة, وتفصله إلى نصفين متناقضين, النصف الإيراني يرتوي من روافده الأحوازية, والنصف العراقي انقطعت صلته بالروافد الأحوازية, على أمل أن يرتوي من جداول نهر دجلة, ما يعني تنازل العراق عن حقوق هذا المستنقع المائي بالتزود من مصادرة الإروائية الطبيعية المنحدرة من الجبال الإيرانية (سلسلة جبال زاكروس), في الوقت الذي أقدمت فيه إيران على قطع روافد انهار الكرخة والكارون عن هور الحويزة, بينما فتحت بعض الثغرات في سدتها لتسمح بتدفق الملوثات النفطية ومياه الفضلات باتجاه الأهوار العراقية, وصادف أن انخفضت مناسيب المياه في الأنهار العراقية المغذية للهور, مثل نهر (المشرَّح), ونهر (الكحلاء), بسبب السداد والنواظم العملاقة, التي أقامتها تركيا في هضبة الأناضول, فحرمت العراق من حصته المائية التي أقرتها الأعراف والمواثيق الدولية.  

لقد تاجرت بعض الأطراف السياسية كثيرا بقضية أهوار جنوب العراق, وتظاهرت في المحافل الدولية والمحلية بالدفاع عن حقوق سكان الأهوار, فاستغلت أوضاعهم البيئية والمعيشية البائسة, واتخذتها قنطرة مؤقتة عبرت فوقها إلى ضفاف التكسب السياسي والإعلامي من دون أن تفكر في يوم من الأيام بتوفير ابسط مستلزمات الدعم والرعاية لسكان الأهوار, حتى صارت قضية الأهوار هي القضية المثارة دائما في مواسم الانتخابات, وهي القضية المثبتة على رأس أولويات الأجندات السياسية للأحزاب التي تتظاهر دائما بالتعاطف معهم, لكنها سرعان ما تختفي من أجندتها بعد انتهاء موسم الانتخابات, ثم تقفز لتعود للظهور مرة أخرى, فتحتل صدارة الأولويات في الانتخابات القادمة لتختفي من جديد, وهكذا دواليك, في الوقت الذي تتعرض فيه الأهوار لأبشع مظاهر التجفيف والتجريف بسبب جفاف منابعها وانقطاع مصادرها وموت جداولها, وستتحول في السنوات القليلة القادمة إلى منخفض عملاق يوازي منخفض حفر الباطن في الاتجاه, ويناظره في الظروف التكتونية والعوامل الجيمورفولوجية، والله يستر من الجايات. 

الصحـافــة الاستقصائية.. عراقياً

تنفست الصحافة في عراق -اليوم الصعداء حين تمتعت بهواء الحرية الحرة كما هو حاصل في بعض مفاصل الصحافة العربية بعد هبوب رياح التغيير وتبديل الأحوال واتساع سماء الآمال من خلال (تهاوي) عروش وكروش (بلاوي) أنظمة الاستبداد والعسكر ومن لف لفهم في الانضمام إلى قوائم الكراسي المعمرة والمدمرة، لتنال الصحافة حريتها مطلقة -بالثلاث-العودة إلى بيت الطاعة.  وحين تدحرجت الصحافة الاستقصائية -إلينا- بخطى بطء شديد لا يضاهي -حتى- سرعة السلحفاة، لكنها ظلت تردد معنا: (أن تأتي متأخرا …أفضل من أن لا تأتي أبدا)،ولسنا-هنا- بصدد رسم(بروفايل) أي رسم جانبي أو تخطيط أولي، يرى في أهميتها وشروط وجودها الى جوانب ومجالات الصحافة الأخرى والمعروفة، أن تكون متسلحة بالبيانات والوثائق، لتكون أقرب من نواحي وطرائق البحث العلمي، وليس مجرد تهويمات واتهامات تروم الى رمي الأحجار -جزافا- في بحر الظلمات، كما لسنا بصدد التذكير -مجددا- بقدم وعراقة الصحافة الاستقصائية في بلدان العالم المتحضر التي قطعت أشواطا كبيرة جدا -منذ نصف قرن تقريبا- وطبيعة تمكن الصحفي الحقيقي من الوصول والحصول على المعلومات التي تفيد بحثه الاستقصائي بما يخدم أهداف ومصالح المجتمع الذي تحيا فيه.  وما سعينا الاستقصائي والاحتفالي الا واجبنا وانتماءً -بحدود ما يمليه علينا الاعتراف بجهد وجد ومثابرة وتضحية من أقدم على عمل يستحق الإشادة والثناء، بما متاح ومسموح من مساحة لهذا العمود من مساحة- في توضيح عياني وملموس للحد الذي وصلت اليه صحافتنا الاستقصائية- بجهود تكاد أن تكون فردية- أذ يأتي فوز العراق بالجائزة الكبرى عن أفضل تحقيق استقصائي في العالم العربي لعام/2012 من بين تحقيقات أنجزت في (11) بلدا عربيا بينهما مصر والمغرب والجزائر والاردن،عبر اعلان المشرف العام على الشبكة الاستقصائية العراقية(نيريج) الزميل(محمد الربيعي) عن فوز الصحفية (ميادة داود) بأرفع جائزة عربية لهذا النوع من الصحافة منحت لها من قبل مسابقة (شبكة أريج العربية) والتي عقدت في القاهرة مؤخرا وذلك عن تحقيقها الاستقصائي المعنون (تستر عليها الجيش الامريكي لسنوات :حقائق جديدة تفرض اعادة التحقيق في جريمة -اعدام تعسفي- لـ(11) عراقيا في الأسحاقي) والذي سيقود- حتما- الى اعادة فتح الجيش الامريكي للتحقيق في مجزرة الاسحاقي التي وقعت في ربيع عام/2006، وبنيلها هذه الجائزة تكون(ميادة) قد تصدرت قائمة أول صحفية استقصائية عربية تحقق انجاز الحصول على ثلاث جوائز متقدمة على مدى ثلاث سنوات متتالية/جائزة ثاني أفضل تحقيق استقصائي لعام/2010 عن تحقيقها حول تجنيد الأطفال من قبل الجماعات المسلحة، وجائزة أفضل تحقيق في العالم العربي لعام/2011 حول الخلل في قوانين المشردين في العراق.

  يجدر التذكير -ايضا- بفوز الصحفي الكردي (موفق محمد) -بنفس مسابقة هذا العام/2012- بجائزة ثاني أفضل تحقيق حول(ضلوع قوة نافذة في كردستان في تجارة الأدوية الفاسدة والمزيفة) ليشكل تضامنا نوعيا لنمو هذا النوع من الصحافة في عراق-اليوم.

فـــقـــاعــــات !

أمي شيوعية!! هل يجب أن أشعر بالاعتزاز أم الحرج؟ هل يفترض إخفاء هذه الحقيقة، وكيف يمكن إخفاؤها وهي موثقة في سجلات الحكومة وضمائر المعتقلين والمناضلين؟ وإذن، لا مفر من الأعتراف بهذا الجزء العريض من حياتها السياسية الذي أشعر إزاءه بالفخر العظيم، فعلى يديها فهمت معنى الديالكتيك والمادية التاريخية والأمميات وفائض القيمة، وعبر سيرتها الذاتية وسلوكها الشخصي تعلمت معنى (الإنسان المبدئي) ومفهوم (المبدئية) كونها سمة أخلاقية قبل أن تكون شيئا ً آخر، وأمي التي بلغت عامها التسعين ما تزال بفضل الله تتمتع بذاكرة حادة، وقد كانت وما زالت المرجع الثقافي الذي أعتد به، والمرجع السياسي الذي ألجأ اليه، لأنها تمتلك رؤية ثاقبة، وقدرة مذهلة على التحليل واستقراء الوقائع، ومع ذلك عجزت عن كسبي الى الحزب الشيوعي،لكوني على حد قولها [ كائن عبثي ليس له هدف في الحياة] ولعلها على حق، غير إن إعجابي الكبير بوالدتي لا يمنع من الاعتراف، إنها مع كل هذا التراث المشرف، لم تتحرر من عقلية (نسوان الطرف)، ومن تأثير انتمائها الى أسرة ارستقراطية تنظر الى الفقراء بعين الاستصغار، فقبل سنوات قلائل كانت تتابع على عادتها نشرة الأخبار والحوارات التي تبثها الفضائيات، حين أستوقفها اسم سيدة كانت تحل ضيفاً على أحد البرامج، فقد صرخت ْ بلهجة استنكارية [ كملت السبحة.. بقت علينا بس الخبازة ما صارت سياسية بروسنا!] وحين حاولت فهم تلك العبارة الغامضة، أرجأت الحديث حتى انتهاء الحوار، عندها قالت لي [ هل لاحظت فلانه إبنة فلان كيف تضع الفوطة على رأسها، وكيف تملأ الحروق وجهها؟!]، الحقيقة لم أعر مثل هذه الملاحظات بالاً، فقد كنت أحترم تلك السيدة التي كانت تقدم نفسها دائما ً على إنها صوت عال ٍ من أصوات المعارضة التي تطالب بحقوق الناس وتدافع عن العراق وما يتعرض له من هجمات عدائية، وتخاطب الحكومة بلغة عنيفة من أجل حماية البلاد وخدمة المواطنين، وقد نقلتُ لوالدتي هذه المعلومات عن السيدة، إلا إنها لم تلتفت إليها وقالت [ هذه الفلانة التي تدافع عنها، هي ابنة سعدية علوان الخبازة، وابنتها التي ظهرت على الشاشة خبازة مثلها، ولا ادري كيف أكملت دراستها الجامعية ]، سألتها مستغربا ً [ وما الضير في ذلك كله، إنها سيدة مكافحة، وانت إنسانة تقدمية يجب ان تقفي الى جانبها و..] إلا إنها قاطعتني [ هل تعتقد إنني أعترض على كونها من أسرة فقيرة.. ابدا ً.. هذا يخالف عقيدتي، ولكنني اخاف من عقدة فقرها الشخصية، فما بالك وأنا أعرف هذه الخبازة عن قرب، إنها امرأة انتهازية بامتياز، تتاجر بعواطف العراقيين ولا تعنيها همومهم الحقيقية، قد لا تصدقني إنها ستصبح مدمنة فضائيات وتصريحات، وقد لا تصدقني إن صوتها المعارض سيخفت بعد بضعة أشهر، ثم لن يمضي وقت طويل حتى تنحاز الى جانب الحكومة وتدافع عنها باستماتة، وتصب جام غضبها على المعارضة، وتنعتها بأسوأ النعوت التي كانت توجهها الى الحكومة، هذه امرأة ليس لها من المبادئ نصيب، فهي لا تحسن غير المزايدة والمناورة ومهنة البحث عن الكتف المتعافية، وسوف تشكل تنظيما ً يعمل في النهار مع الحكومة، وفي الليل لحسابه الخاص، وحين لا تجني من تقلباتها حبة خردل، ستلعن المعارضة والحكومة والعملية السياسية، وسوف تختفي فجأة كما ظهرت فجأة وكأنها فقاعة، وأنا لا أخاف على العراق مثل خوفي من الفقاعات التي تتكاثر في بلادنا كالأرانب!!] لم أستطع منع نفسي من الضحك وهي تسترسل بخيالها الخصب كيفما يحلو لها، ولكن الغريب، إن كل َّ ما قالته تحقق بعد سنوات قلائل!! 

الخور والهور والأرض البور

الخور والهور: مصطلحان عراقيان من المفردات السومرية العريقة, الأول يعني: منخفض مائي في عرض البحر, والثاني: يعني منخفض مائي في المستنقعات الرطبة, وشاءت التقلبات السياسية العنيفة وما رافقها من أطماع حدودية, وزحوفات جيولوجية, وظروف إقليمية ومحلية أن تتعرض أخوار العراق وأهواره إلى سلسلة متلاحقة من الأضرار الطبيعية والبشرية المباشرة, أسفرت عن تقليص رقعة المسطحات المائية العراقية في كل من الخور والهور, وتحولت الأرض المحصورة بينهما من الخصب إلى الجدب, فصار البوار امتدادا طبيعيا لظاهرة التصحر. 

 لقد جاء قرار مجلس الأمن رقم (833) بصيغته التعسفية الظالمة ليمنح الكويت النصف الأعمق والأوسع من خور عبد الله, ثم زحفت الحقول النفطية البحرية لدول الجوار (الكويت وإيران) باتجاه خور الخفقة, مستغلة غياب فنار شط العرب الذي كان يرسم الحدود الخارجية لمياهنا الإقليمية شمال الخليج العرب, وادعت إيران في أكثر من مناسبة بعائدية خور (العمية) لتعزز جبهتها الحدودية الزاحفة نحو غرب شط العرب, فتقهقرت المياه البحرية العراقية, وتراجعت تدريجيا, لتنكمش وتتقلص وتتقزم, حتى تقوقعت في منطقة ضحلة, ليس لها إطلالة على البحر سوى نافذة بحرية ضيقة لا يزيد عرضها على (22) كيلومترا, تحددت في المسافة المحصورة بين العوامة الملاحية رقم (7) في شط العرب, والعوامة الملاحية رقم (7) في خور عبد الله, وربما ستتعرض إلى المزيد من الاختزال والانكماش في السنوات المقبلة, وذلك في ظل الإهمال والتقصير والانشغال بالنزاعات الداخلية العقيمة. 

 ولا تختلف الأوضاع الجغرافية والجيولوجية والسياسية في أهوار جنوب العراق, عن عوامل التجريف والتعرية والتزحيف والتجفيف, التي مرت بها الأخوار والممرات الملاحية المرتبطة ببحار الله الواسعة, وربما يطول بنا المقام لسرد مأساتها من الألف إلى الياء, لكننا أردنا أن نسلط الأضواء على السدة الترابية التي فكرت بها وزارة الموارد المائية العراقية, والتي ستقصم  ظهر هور الحويزة, وتفصله إلى نصفين متناقضين, النصف الإيراني يرتوي من روافده الأحوازية, والنصف العراقي انقطعت صلته بالروافد الأحوازية, على أمل أن يرتوي من جداول نهر دجلة, ما يعني تنازل العراق عن حقوق هذا المستنقع المائي بالتزود من مصادرة الإروائية الطبيعية المنحدرة من الجبال الإيرانية (سلسلة جبال زاكروس), في الوقت الذي أقدمت فيه إيران على قطع روافد انهار الكرخة والكارون عن هور الحويزة, بينما فتحت بعض الثغرات في سدتها لتسمح بتدفق الملوثات النفطية ومياه الفضلات باتجاه الأهوار العراقية, وصادف أن انخفضت مناسيب المياه في الأنهار العراقية المغذية للهور, مثل نهر (المشرَّح), ونهر (الكحلاء), بسبب السداد والنواظم العملاقة, التي أقامتها تركيا في هضبة الأناضول, فحرمت العراق من حصته المائية التي أقرتها الأعراف والمواثيق الدولية.  

لقد تاجرت بعض الأطراف السياسية كثيرا بقضية أهوار جنوب العراق, وتظاهرت في المحافل الدولية والمحلية بالدفاع عن حقوق سكان الأهوار, فاستغلت أوضاعهم البيئية والمعيشية البائسة, واتخذتها قنطرة مؤقتة عبرت فوقها إلى ضفاف التكسب السياسي والإعلامي من دون أن تفكر في يوم من الأيام بتوفير ابسط مستلزمات الدعم والرعاية لسكان الأهوار, حتى صارت قضية الأهوار هي القضية المثارة دائما في مواسم الانتخابات, وهي القضية المثبتة على رأس أولويات الأجندات السياسية للأحزاب التي تتظاهر دائما بالتعاطف معهم, لكنها سرعان ما تختفي من أجندتها بعد انتهاء موسم الانتخابات, ثم تقفز لتعود للظهور مرة أخرى, فتحتل صدارة الأولويات في الانتخابات القادمة لتختفي من جديد, وهكذا دواليك, في الوقت الذي تتعرض فيه الأهوار لأبشع مظاهر التجفيف والتجريف بسبب جفاف منابعها وانقطاع مصادرها وموت جداولها, وستتحول في السنوات القليلة القادمة إلى منخفض عملاق يوازي منخفض حفر الباطن في الاتجاه, ويناظره في الظروف التكتونية والعوامل الجيمورفولوجية، والله يستر من الجايات. 

أكبر زوج في التاريخ

• مرّات يصدق الآخرون شائعة بأنك جريء وان قلمك قادر على وخز أعضاء الحكومة الموقرة؛ أو أعضاء البرلمان الموقر (وأتمنى عليكم أن لا تربطوا بين الوقر في الآذان وبين الموقرة والموقر..بليز؛ لأنها من الممكن أن تؤدي بنا إلى التهلكة).

عموما؛ لهذه الشائعة تبعات وليس لله في الله؛ وإلا..رحمة لوالديكم من هو ذلك الخبيث الذي دس في ايميلي (معجزات البرلمان العراقي) واقسم علي بشرفي العسكري (دون أن يدري أنني تسرحت من العسكر بعد أن قضيت نصف عمري مجندا) بضرورة نشرها؛ ولأنني اكبر (زوج في التاريخ) وخوفا من النكوث بشرفي المدني والعسكري (وأودّ أن اذكر هنا أنني لست موظفا مدنيا في أية دائرة حكومية) لكنه الشرف الرفيع والأذى والدم وهذا الإيميل اللعين الذي ورطني به مرسله (وكما يبدو انه مرسل الى آخرين فلماذا هذا الإلحاح معي؛وانه يجب أن انشره بـ..شرفي؟!!)

..عموما لنقرأ معجزات برلماننا العزيز وعلى ذمة المرسل:

1 – البرلمان الوحيد الذي يضم عناصر من غير مواطنيه ومن جنسيّات أجنبية مختلفة!!

2 – هو أكثر برلمان في العالم تسيّباً لأعضائهِ ولا يحضرون اجتماعاتهِ !!

3 – أول برلمان في العالم لا يمثل مصالح شعبه بل مصالح الدول ذات المطامع مباشرةَ!!

4 – البرلمان الوحيد في العالم أغلب أعضائهِ من حجاج بيت الله الحرام!!!

5 – هو البرلمان الوحيد في العالم الذي يتقاضى أعضاؤه رواتب مليونية أعلى بكثير من تلك الرواتب التي يتقاضاها نواب البرلمانات في أوربا والولايات المتحدة واليابان!!

6 – هو البرلمان الوحيد في العالم الذي لكل نائب فيه ثلاثون حارسا شخصيا بمرتبات خيالية!!

7 – البرلمان الوحيد عالمياً الذي يضم عناصر إرهابية وقادة ميليشيات ومطلوبون للعدالة!!

8 – البرلمان الوحيد الذي لم ينتخب بنزاهة وإرادة شعبية!! 

9 – هو البرلمان الوحيد عالمياً الذي تشم الكلاب الأمريكية نوّابهُ قبل دخولهم قبّة البرلمان!!

10 – هو البرلمان الوحيد عالمياً الذي زرعت مفخخات داخله أدّت إلى قتل وجرح نواب بسببها!!

11 – هو البرلمان الوحيد الذي يحق لقوّات الاحتلال تفتيش نوابه ومنعهم من الدخول ووضع البساطيل على رؤوسهم ان تطلب الأمر!!

12 – البرلمان الوحيد في العالم الذي يجهل ما يحدث في ساحتهِ ومن حولهِ!!

13 – هو البرلمان الثاني بعد إيران في عدد النوّاب المعمّمين!!

14 – البرلمان الوحيد على الكرة الأرضية لا يستطيع نوّابه لقاء الشعب أو التجوّل خارج حصون المنطقة الخضراء!!

15 – البرلمان الوحيد في العالم الذي معظم أفراده بلا شهادات علمية ولا أيّةِ كفاءة تذكر!!

• انتهت معجزة الايميل ولم تنته معجزات البرلمان الموقر (هل يحتاج ان اذكركم ثانية بال وقر وال موقر؟!!) وان كان قد فات مرسله ان يضيف الى نقاطه نقطة مهمة وهي: ان برلماننا..البرلمان الوحيد في العالم الذي لا يحترم أعضاؤه بعضهم بعضا؛ ومن يحتج الى دليل فليراجع التصريحات التي تصل أحيانا حد (الفشار) وبلغة اهل الشوارع؛ اما استعراض الفنون القتالية في الفترة الاخيرة فليس سوى (إحماء) للبطولات البرلمانية القادمة؛ ولا ادري من سرّب للجماعة: ان بدلا من شوشرة النقود وفسادها المعلن فثمة ذهب والـ(فتاوى الرياضية) لا تحتاج بالضرورة الى عمائم او لجان نزاهة ما!!

•وللعراقيين في برلمانهم شؤون !

انتخابات مجالس المحافظات تكرار لتدمير الديمقراطية بإسم الديمقراطية

راجعني البعض من المشتركين في إدارة العملية الانتخابية داخل كتلهم, كما راجعني البعض من المرشحين للانتخابات المقبلة لمجالس المحافظات والتي بلغ عدد الكتل المسجلة لدى المفوضية بما يقرب من “250” كيانا انتخابيا لعدد من كراسي المحافظات البالغة “447” مقعدا, وهنا تتكشف حقيقة مرة, فكثرة عدد الكيانات المسجلة لا تنم عن وعي وثقافة انتخابية وطنية, بمقدار ما تنم عن توجه تنقصه المعرفة واللياقة في آن معا.

وكنت أقول لزواري من السائلين والمستفسرين عن العملية الانتخابية ولاسيما الطالبين للمساعدة والتوجيه للأداء الجيد وهم عناصر طيبة وأشخاص يحبون وطنهم وشعبهم من الرجال والنساء الراغبين في الخدمة بعيدا عن أمراض السياسة التي تنتظرهم في تفاصيل العملية الانتخابية لمجالس المحافظات المقبلة والتي تليها لمجلس النواب المقبل.

وعلى قاعدة “زكاة العلم تعليمه”, وحتى تعم الفائدة للجميع من الذين سألوا والذين لم يسألوا بعد سواء خجلا, أم لوجود أسباب موضوعية تخصهم وأسباب غير موضوعية تخص الكتل والأحزاب التي ينتمون إليها أو التي يعملون معها لأعلى طريقة الانتماء والولا, ولكن على طريقة الضرورة من الطرفين وهي :

1- الحاجة للعمل عند طرف

2-  والحاجة للترويج والإعلام عند الطرف الآخر 

وهاتان الحاجتان غير منظور لهما من زاوية معرفية انتخابية وطنية  “والاستثناء موجود ولكنه نادر وقليل”، وإنما يغلب عليهما الاندفاع في سياق عملية ظاهرها “الديمقراطية” وباطنها غير ذلك تماما، ودليلنا على ذلك ليس تنظيرا ولا رجما بالغيب, وإنما قائم على شواهد وأرقام ميدانية لمن يريد أن يدرس ويحلل بموضوعية على الشكل الآتي :

1- لم تعقد ندوات عامة يدعى لها المفكرون والخبراء ليتم تدارس السبل الكفيلة بتفادي أخطاء وثغرات العمليات الانتخابية السابقة – والمسؤول عن ذلك مفوضية الانتخابات التي لم يعرف بعد من هم أعضاؤها بسبب المحاصصة، وإذا تم شيء من الندوات فهو مقتصر على دعوات للأحزاب والكتل والكيانات الانتخابية التي لا تتوفر فيها مواصفات الفكر والخبرة غالبا مما يجعل تلك الندوات عديمة الفائدة من زاوية تقييم العمل المؤسسي.

2- لم يتم استطلاع رأي الشعب في أيهما يختار من القوائم والترشيح “القائمة المغلقة – أم المفتوحة – أم المغلقة والمفتوحة – أم الترشيح الفردي” وأي الدوائر يفضل، “الدائرة الواحدة – أم الدوائر المتعددة كما هو جار الآن في المحافظات”.

3- لم تعقد ندوات جماهيرية عامة لشرح ثقافة الانتخاب, وإنما ترك الأمر للنشاط الحزبي الخاص المتهم أصلا بعدم الانفتاح على الآخر, فضلا عن تكريس الحس الفئوي والطائفي المدمر للحياة الاجتماعية والسياسية.

4- ظهور تحالفات جديدة ظاهريا فقط وإلا هي من رواسب الفشل والخيبات المحكوم عليها بالرفض شعبيا, وهذه التحالفات تكتفي بالتسويق الإعلامي الخاص المرتهن بالمال والعلاقات الشخصية.

5- وهذه التحالفات تعمل على طريقة تحضير المعلف قبل الحصان. وهذا خطأ متكرر من الانتخابات السابقة, والإصرار عليه يجعل القائمين به سواء علموا أم لم يعلموا فإنهم يظلوا تحت رهان وصايا “افرام نعوم تشومسكي” الأمريكي اليهودي في استراتيجياته العشر للتحكم بالشعوب. 

6-  وهذه التحالفات التي لم تجد وسيلة تنظيمية ناجحة لاختيار المرشح المؤهل: 

ا‌-  سياسيا

ب‌- اجتماعيا

ت‌-  وطنيا

وأتحدى من يثبت عكس ذلك على مستوى قائمة الترشيحات كاملة, أما الاستثناء فإذا وجد فإنه ليس بكاف مطلقا, ولا يحق للأحزاب والكتل أن تبرر ذلك على طريقة “هذا الموجود” وهذا التبرير هو احد أعمدة استراتيجيات “تشومسكي” للتحكم بالشعوب من خلال قبول الرداءة حتى تصبح أمرا واقعا, أو تقديم الأسوأ حتى يتم التنازل عن الأفضل, أو تقديم المزعج والمضر مثل التفجيرات والإرهاب حتى يتم التنازل عن الحريات في مكان آخر, فيصبح المخبر السري تفرضه الضرورة ويصبح العفو عن المزور من دواعي المسامحة, ويصبح السارق للمال العام يحظى بالغطاء السياسي, ويصبح غير المؤهل وغير المناسب حاصلا على أعلى المناصب نتيجة الملل والخنوع الذي تصاب به القاعدة الشعبية, وهذه هي حنكة “تشومسكي” في إخضاع الشعوب التي أصبحت مطبقة عندنا في العراق وفي المنطقة وما الأحداث الأخيرة حول ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها إلا واحدة من أشهر وأوضح تطبيقات إستراتيجية إخضاع الشعوب التي يتم بعد ذلك مخاطبتها كما يخاطب الأطفال الصغار.

ونصائح الأمم المتحدة وممثلها في العراق, وخلوات سفراء أمريكا وبريطانيا ببعض السياسيين إنما تجري على هذه القاعدة دون أن تعلم القاعدة الشعبية وإذا علمت, تصنع لها مشاكل جديدة لإلهائها وصرف النظر عن الواقع المر كما جرى في حادثة البنك المركزي وحادثة عقود التسليح مع روسيا وشركة روتانا ومسالة تأهيل فنادق الدرجة الأولى والفساد المالي من وراء ذلك.

إن تكرار الأخطاء في عملية الانتخابات تكاد تكون متعمدة من قبل البعض, وغير متعمدة من البعض الآخر بسبب عدم الخبرة في العملية الانتخابية, وعدم التأهيل الثقافي, وهذه جميعها تؤدي إلى عدم التأهيل السياسي الذي أصبح واقعا معترفا به شعبا, ومعبرا عنه بالملل والضجر وعدم الرغبة في المتابعة الجادة في المسائل الثقافية, فلو دعوت اليوم إلى محاضرة علمية أو ثقافية لم يحضرها إلا العدد القليل, ولو دعوت إلى حفل غنائي لحضره الآلاف لا حبا بالفن الذي يخدعون به تضليلا وإنما حبا باللهو الذي لا يعرف الفرح الحقيقي ولا المرح بتوازنات النفس التي تحتاج الراحة “روحوا أنفسكم ببدائع الحكم فإنها تمل كما تمل الأبدان” – الإمام علي – .

وملل الأبدان معروف لأهل الفسلجة وعلوم البايولوجيا الذي اتخذت منه وصايا تشومسكي منطلقا لإبعاد الشعوب عن هذه العلوم وهي كل من :

1- علوم البايولوجيا

2- علوم الحاسوب

3- علوم النفس التحليلية والتطبيقية

4- علوم المنطق والفلسفة واللسانيات

كما أن علوم النفس معروفة لعلماء التحليل النفسي وهم موجودون في حقول المعرفة الإلهية والعرفان بجدارة تتفوق على بعض الأكاديميات التلقينية.

إن ظاهرة الإلهاء المصاحبة للانتخابات أصبحت معروفة, فالعزائم والولائم على طريقة الذي يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد, وتوزيع الأموال كرشا انتخابية لم يسلم منها طرف دون طرف, ومن لا يوزع مالا حاسبا نفسه عصاميا في هذه الحالة نسى انه مارس الرشا بطريقة أخرى من خلال تكريس الترشيح للمؤيدين ومنهم المتزلفون الذين أصبحوا ظاهرة لا ينكرها من يعرف الاجتماع العراقي.

وعدم وجود قانون للأحزاب هو إقرار باختراق السيادة الوطنية، لأن البعض مازال يعتمد التمويل الخارجي الأجنبي بكل سيئاته, ومن يكون كذلك فقراره ليس بيده ومن يدعي غير ذلك إلا مكابر أو جاهل .

وعلى هذا سيمضي قطار انتخابات مجالس المحافظات محملا بالرشا والطائفية والبضاعة الانتخابية من مرشحين غير مؤهلين مما سيعاد دورة من الخسائر المستمرة انتخابيا وسياسيا وديمقراطيا، نتيجة حيتان المال والسمسرة الذين امنوا مكاتبهم وأعوانهم بالمال الحرام، حتى ظن الناس أنهم باقون فاستسلموا لهذه النتيجة الزائفة “وما هي إلا لمظة من عيش وبرهة من زمان” كما يقول “الإمام علي”.

أطباء لا يملكون

شكراً للطبيب الذي تحدّث عن لفيف من زملائه.. فبعد أن يشيد ويثني على جريدة المستقبل العراقي الغراء توازنها وعراقيتها وشغفها بإعلاء روح وقيمة ومبدأ المواطنة, ينحو باللائمة على عمودنا الصحفي تحامله على بعض الأطباء ونعته إياهم بالذئاب ترتدي البياض ومنهم من يتصرف كقصاب ويلهث مندلق اللسان لحصول اكبر مال في اقصر وقت، وفي نية واضحة لتأمين مستقبله في دولة أخرى …او …يتعاملون مع الواقع على انه فرصة سرعان ما قد تمضي, وينبغي اغتنامها واستغلالها إلى نهايتها ولو بتقليد لصوص السياسة فيسرقون ويخطفون اللقمة من حلق الفقير وابتزازه من اجل معالجته.

نبقى على رأينا إن من الأطباء الذين ظنناهم مفخرة أخلاقية وعلمية عراقية, وجدناهم مثل أي بقال رخيص وسمسار محتال يؤجر اسمه وعيادته وينصب له وكلاء يتقاضون الأجور الظالمة…  وانه واقع معاش وحديث العراقيين … إنما أيضا رأينا منارات طبية وأسماء تبزغ لتحمل اسم العراق وتكون من مفاخره … وهناك من يتصاعد عليه الطلب من المستشفيات الأهلية وما تعنيه من مردود مادي كبير, ومع ذلك يرفض تلك العروض, مفضلا عليها تكريس نفسه للمستشفى العام ولمرضاه البسطاء. وسنذكر أسماءهم في الوقت المناسب… مثلما سنعرض دور وزارة الصحة, وكذلك نقابة الأطباء في التطويح بمهنة إنسانية الى الحضيض وبأطباء أغوتهم ظروف الفساد للانخراط في الموجة.

تعقيب آخر من طبيب يدعونا في نهايته إلى حفظ اسم (مؤيد حميد محمد) وهو طبيب وزوجته وأولاده أطباء، يصرون على أداء كامل طاقتهم في المؤسسات الصحية الحكومية ..وينبهون المراجع الفقير في العيادات الشعبية المسائية لمراجعتهم في العيادات الصباحية لعلاجهم مجانا, وعندما يلامون وإنهم بلا دار يملكونها… ويستأجرون دارا متواضعة… يقولون ان هذا موضع فخرهم ومدعاة لهم للرضى عن عراقيتهم وهم يخدمون مواطنيهم ومن يحتاج لهم..  وان هذه هي اكبر الثروات وأعظم الحظوظ ……ومثل الدكتور كثيرون ولا حصر لهم..  في حين يمكن تشخيص وتعداد الجشعين والعاملين بخلو الرجل وبالذئاب ترتدي البياض…. وان من يعرفون الله هم الغالبية ويؤمنون ان رضاه سبحانه من رضى الناس, وان الطريق إلى ملكوته عبرهم …عبر العلاقة بالجار والأخ بالدين والإنسانية.. وهل تضمنت أركان الإسلام أكثر من تمتين روح الجماعة وتواصلها وتماسكها بالصلاة وذكر المحتاج بالزكاة والصدقات وبمهرجان  لقاء المسلمين بالحج وبإدامة التواصل بين البشر حتى لتعدو الابتسامة في وجه الأخ وإماطة الأذى عن طريق الناس صدقة… وسيكون الطب هو الباب الأوسع للقلب المؤمن …ولم تكن عائلة الأطباء التي تستأجر دارا للسكن …إلا من تلك العوائل السعيدة بما تقدم وما تعطي.

نكرر شكرنا للطبيب المتحفظ عن ذكر اسمه, ولكننا نعيد إلى ذاكرته أن الجشع, وكما فاجأنا من أسماء في السياسة, فاجأنا بأسماء بالطب… ونتمنى ألا يكون واهما  في سعة تفاؤله وتصدمه الحقائق والأسماء.

أرانب قطر تفترس فهودها

  كاظم فنجان الحمامي

من شب على شيء شاب عليه, فالطبع يغلب التطبع, وخبايا الصنع تكشف نوايا التصنع, وهذه هي المطبات التي تقع فيها دائما الأنظمة الهجينة, التي تجاوزت حدود المبالغة والغلو في تظاهرها المزيف بالذود عن الديمقراطية, وفي دفاعها المخادع عن الحرية والعدالة, فارتدت أثوابا أطول من قامتها, فكان من الطبيعي أن تتعثر بأذيال سراويلها الفضفاضة, وتنكب على وجهها في دروب الحقيقة, وهكذا كانت بالونات الكذب والنفاق السياسي أخف وزنا من فقاعات زبد الأمواج المتلاطمة على سواحل الدوحة, فتطايرت وذهبت جفاءً. لم يكن بمقدور المزاعم القطرية الصمود طويلا فوق روابي الربيع العربي, فتدحرجت من القمة إلى الحضيض, وتناقضت مع شعاراتها التحريضية في أول قصيدة هجاء صدح بها الفهد العنابي الشريف في ميادين الحرية والتحرر, فاستأسدت أرانبها واستذأبت قططها لتحكم بالسجن المؤبد على قائد كتيبة الفهود, المواطن القطري محمد بن راشد بن الذيب الضاعن العجمي اليامي.   لم تستطع حكومة قطر الصمود بوجه محتج واحد من كتائب المحتجين والمعتصمين والمعارضين والثائرين, منتقد واحد انتقدها بقصيدة يتيمة, فارتبكت وتلعثمت وفقدت توازنها, وعادت إلى ممارسة طبعها الاستبدادي, وغريزتها التعسفية, فجندت ضباعها الأمنية لمطاردة صاحب القصيدة, فاعتقلته وألقت به في ظلمات سجونها, بتهمة التطاول على رموزها, وبتهمة التحريض على الإطاحة بنظام الحكم في الدوحة لمجرد انه كتب قصيدة واحدة رد فيها على أحد أرانب البلاط الأميري (خليل الشبرمي). لم تجد نفعا مرافعات كبار المحامين من أمثال الدكتور عبيد الوسمي, ونجيب النعيمي, ولم تذعن الحكومة المتصنعة لنداءات منظمة هيومن رايت ووتش الدولية, فالقرار بالسجن المؤبد صدر من شيخ مشايخ الربيع البترولي, الشيخ الذي ماانفك يطالب الشعب العربي كله بالنهوض والتحرر من قيود الأنظمة الظالمة المستبدة, وماانفك يقدم لها الدعم اللوجستي بالمال والسلاح والتغطية الإعلامية المباشرة عبر أبواق قناة الجزيرة, لكنه انقلب ضد نفسه وظهر على حقيقته في أول اختبار من اختبارات الربيع, الذي غرس حقوله بالألغام والمتفجرات, فجاء حكمه الجائر ضد الشاعر (محمد بن الذيب) بعد أن أمضى قرابة عام في السجن, ولقيت قضيته صدى واسعاً في الأوساط الثقافية والأدبية والسياسية الخليجية والعربية.   (بن الذيب) شاعر شعبي (نبطي) من قطر, تميزت مفرداته بعمق المعاني, واتصف شعره بالقوة والجرأة والجزالة مع غزارة الإنتاج وعذوبة الإلقاء, نال شهرة إعلامية واسعة, وله مكانة كبيرة في نفوس الجماهير, شارك في المنتديات والأمسيات والاحتفالات الشعبية والرسمية, تناول شعره كافة أغراض الشعر, لكنه تألق بقصائده الوطنية الداعية للتحرر من سلطات التوريث المنوي في عموم الأقطار الخليجية.  بدأ مشواره مبكرا, واشتهر في المجالس الشعبية بقدرته على انتقاء أبهر وأعذب القصائد, عرفه الناس بشجاعته واعتداده بنفسه كشاعر مغوار, لا يهزه الهجاء, ولا يقهره الأنداد, لا يخاف ولا يتردد من المواجهة مهما كان خصمه قويا ومتسلطا.  له باع طويل في الميادين الشعرية, بيد أن مشكلته تكمن في صراحته وصدقه ووضوحه, فهو صريح إلى أبعد الحدود, وربما سببت له هذه الخصلة الكثير من المشاكل, وجلبت له العداوات.  (بن الذيب) شاعر تربى على الفطرة في ربوع البادية, فاستمد منها فصاحته الشعرية, وردوده العنيفة على من هم دون مستواه الوطني, تتحدث قصائده دائما عن العزة والكرامة والكبرياء, وتتميز بعزيمة قوية وإرادة صلبة لا تقبل الخنوع ولا الخضوع, يعمر قلبه دائما بحب الله وهدايته, فيمضي حياته مقداما شجاعاً, لا يتراجع ولا يجبن.  شاعر أصيل أنجبته المضارب النقية, لا يمكن أن ننساه رغم احتجازه خلف قضبان الزنزانات المقفلة, ولا تفارقنا صورته البهية كقامة باسقة حاملاً في قلبه الكبير كل المسرات والأحزان, كان يرسم بقوافيه ملامح الربيع القطري بانتظار انبلاج خيوط الفجر في الدوحة, فاشتكى من قتامة ليلها, وأبدى تذمره من أضراس أرانبها الخبيثة, وعبر عن استنكاره لطغيان النماذج المستنسخة من شيوخ الرموتكونترول, الذين طغوا طغيانا عظيما, وعاثوا في الأرض فسادا.  ختاما نقول: هذه هي حقيقة النظام الذي تظاهر بدعم مبادئ العدل والحرية, وتظاهر بالدفاع عن حقوق الإنسان, وفجر خارج أرضه وقود ما يسمى بالربيع العربي, لكنه هو نفسه الذي يطارد الشعراء ويضطهد الأدباء, فيضيق صدره من سماع بضعة أبيات من شاعر صادق, كتبها ضد أرنب من الأرانب الضالة.  فالكلام يفترض أن يجابه بالكلام, والفكر بالفكر, والقصيدة بالقصيدة, وليس بأقبية السجون والمعتقلات والقيود والأغلال, ثم إن الذي يناشد الناس ويدعوهم لرفع راية الحرية والعدالة في طرابلس وتونس والقاهرة ودمشق ينبغي أن لا ينكسها ويدوس عليها خلف أسوار الدوحة. .

القصيدة النبطية التي حبست الشاعر محمد بن الذيب مدى الحياة

آه عقبال البلاد اللي جهل حاكمها

يحسب إن العز في القوات الأمريكية

وآه عقبال البلاد اللي شعبها جايع

والحكومة تفتخر في طفرةٍ مالية

وآه عقبال البلاد التي تنام مواطن

معك جنسية وتصبح ما معك جنسية

وآه عقبال النظام القمعي المتوارث

لا متى أنتو عبيد النزعة الذاتية

ولا متى والشعب ما يدري بقيمة نفسه

ذا ينصب ذا وآراءه كلها منسية

ليه ما يختار حاكم في البلد يحكم له

ويخلص من نظام السلطة الجبرية

علِّم اللي مرضي نفسه ومزعل شعبه

بكره يجلس بداله واحد بكرسيه

دامها تستورد من الغرب كل أشيائها

ليه ما تستورد القانووون والحرية ؟؟

ليه ما تستورد القانووون والحرية ؟؟