الفرجة: من التفرج, وهو إشباع النظر بما يرى استلطافا أو استخفافا وفي حالنا كلاهما حاصل.والهرجة: من الهرج والمرج, وهو الصخب والغوغاء الذي تجمعه الفوضى.
أصبحنا فرجة لا ننتج إلا الهرجة من اليوم الذي ضيعنا فيه بوصلة السماء, فبقينا نحتفظ بالذكرى التي لا نمتلك من فحواها إلا الدعوى, فاصطلاحاتنا مشوشة, لأننا هجرنا الصحيح وتعايشنا مع القبيح واختلط لدينا الأعجمي مع الفصيح, وبقينا نصرخ ونصيح: ” نحن خير امة أخرجت للناس” والناس لا ترى منا إلا المشين وغير المريح, ونحن نكابر, ونكابر, ونكابر, حتى أصبحنا لا نزرع ما نأكل , ولا نلبس ما ننسج, ولا نستعمل ما ننتج, ثم نريد أن نكون ساسة, ولنا قيادة استجمعت كل البلادة , وأخذت من السلوك أسوا عادة, فمنهم من يدعي لو ثنيت له الوسادة لصارت بلادنا جنة عدن, ومنهم من يقول: ” أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ” وهو لا يعرف ما وراء بابه وما جنب شباكه, وما بين يديه وما خلفه من الحواشي الرعاع الذين يبيعون كل شيء بالرقاع, ويطففون الوزن وينقصون الصاع, وهم مفسدة الاجتماع ونفاقهم حتى النخاع, لا ينتخبون النظيف الشجاع, ولا صاحب النخوة طويل الباع, لأنهم مردوا على التسكع وحب النزاع وفيهم وبهم يبدأ الصراع الذي لا يعرف مبدأ ولا حقا مضاعا, قلوبهم قاسية فهي كالحجارة أو اشد قسوة .
تبدأ أحداثنا من العراق, فالعراق يمتلك مقومات صناعة الحدث, ولكن على طريقة الهرج والمرج الذي هو صخب الغوغاء الموصوف بالفوضى.
فالعراق هو البلد الأول في النمو، ولكن بالقوة وليس بالفعل . أتدرون لماذا ؟ لأنه الأكثر ثروة في النفط, وسيكون الأكثر إنتاجا في المستقبل حيث تقول التوقعات العلمية النفطية، انه سيصل إنتاج العراق إلى مابين ” 12-15″ مليون برميل .
ولكن أهله لا يزالون يتصارعون حول تراخيص الشركات النفطية الأجنبية التي وجدت في العراق مناخا استثماريا فريدا .
ولازال أهله غير متفقين حول توزيع الثروة النفطية, بل وصل صراعهم واختلافهم إلى الحد الذي لا يجعلهم غير قادرين على توزيع الفائض من واردات النفط الذي يقدر بثلاثين مليارا من الدولارات خلال ستة أشهر الأخيرة .
والذي اتخذه البعض مطلبا انتخابيا, وتعامل معه البعض الآخر بصيغة مبهمة ادخل فيها المحكمة الاتحادية العليا والتي يقال أنها رفضت توزيع الفائض من المدخرات المالية النفطية على الشعب الذي نص دستوره على أن النفط والغاز ثروة الشعب العراقي, وهذه واحدة من التي تجعل من حالنا فرجة وتكثر في أوساطنا الهرجة.
ولم تكن هذه لوحدها مما يثير الصخب وتنثر الغوغاء في صفوفنا حتى الضجر, فهناك رزمة بل رزم من المشكلات المضحكة حتى القرف, ومنها :
1- المناطق المتنازع عليها التي كتبوها لنا في الدستور لتبقى داء إلى يوم الحشر والنشور.
2- الإقليم المؤسس برعاية من يريد لنا الفوضى في مرحلة رفضها الشعب العراقي وكان المفروض بعد التغيير لا يبقى دولة داخل دولة كما بقيت ديون الكويت الافتراضية علينا سببا لبقائنا تحت الفصل السابع بكل سيئاته.
3- ممثل إقليم كردستان في بغداد, وهي حالة اقرب للمزحة في دولة رئيس جمهوريتها من الأخوة الأكراد ونائب رئيس الوزراء ونائب رئيس مجلس النواب ووزير الخارجية ووزراء آخرون وستون نائبا من الأكراد .
4- 17|0 من الميزانية للإقليم الذي يستحق 5و12 |0 وهو تعسف واستئثار لا مبرر له .
5- اختلاف وتنازع على حق التعاقد مع الشركات النفطية الأجنبية.
6- فتح قنصليات للإقليم في الخارج دون علم المركز, وفتح قنصليات أجنبية في الإقليم دون موافقة المركز.
7- إصدار جواز سفر بلغتين وهو خلاف العرف الدبلوماسي الدولي
8- الإصرار على فتح مكاتب في السفارات العراقية مما جعلها تعج بالفوضى
9- إصرار الإقليم على فرض الكفالة وتحديد مدة الإقامة للعراقيين الذين يرغبون بزيارة الإقليم وهم من سكان المحافظات الأخرى .
10- الإصرار على تبني نظام القائمة في الانتخابات مما يحرم المواطن العراقي من اختيار من يريد بحرية.
11- عدم التفكير الجدي في إعادة كتابة الدستور الذي يتضمن ثغرات معيقة لأي تقدم وتطور في الحياة السياسية في العراق.
12- عدم مراجعة القوانين التي تكبل عمل الحكومة وتنعكس بالضرر المباشر على المواطن .
13- عدم انجاز قانون الأحزاب, مما يجعل الفوضى والتجاوز على السيادة الوطنية أمرا واقعا .
14- عدم مراجعة قانون الإعلام وطريقة تطبيقه مما جعل الفوضى الإعلامية سمة من سمات التخبط.
15- عدم الوضوح في مشروع المصالحة الوطنية الذي ترك للاجتهادات الشخصية والأمزجة الفردية والحزبية, مما جعل المراوحة في هذا المشروع شأنها شأن بقية المشاريع التي تنتظر رحمة أصحاب القرار من الذين ضاعوا في خضم المشاكل وغرقوا في بحر المعضلات دون أن يعترفوا بعجزهم وحاجتهم للنجدة .
16- ركود مشاريع الاستثمار بسبب خطوات خجولة غير مدروسة كمشروع بسماية السكني الذي حاصرته الدعاية المضادة التي لا يعرف مقدار صدقها فأحدثت فتورا عند المواطنين.
17- توقف مشروع وقانون البنى التحتية بسبب عدم الثقة بين أحزاب السلطة والكتل القريبة منها.
18- مراوحة عقود التسليح بين التأخير والتشهير, ويقف وراء ذلك تركة داخلية غير منسجمة, وارث خارجي معبأ بالمصالح المضادة .
19- بقاء عدد من الوزارات تتخذ موقف الانتظار المصاب بالشلل دون التوجه لورشات العمل والانجاز, والأعذار كثيرة وجاهزة, وبعضها خطيرة. مثل وزارة الصناعة والزراعة باستثناء بعض النشاطات المحدودة ووزارة حقوق الإنسان والبيئة ووزارة التجارة التي لم تستطع تنظيم البطاقة التموينية كما يجب.
20- تزايد ظاهرة انكشاف فساد العقود, يبعث خوفا في نفوس الموظفين المخلصين, مثلما يبعث اليأس والقنوط في نفوس المقاولين ورجال الأعمال الشرفاء.
21- تدهور سمعة البنك المركزي العراقي بسبب ما أصابه من مسائلات طالت عددا من كبار مسؤوليه, وصدور قرار إلقاء القبض على محافظ البنك المركزي مما يزيد من تعرض حالنا للفرجة, ومضاعفة أجواء الصخب والفوضى وهي خطر لا يحتمل على الوضع المالي.
وإذا اجتمعت مع أوضاعنا هذه أوضاع ما حولنا, حيث سورية التي يستمر مخطط تدميرها, وإيران التي يتم محاصرتها, وتركيا التي زجت في اشتباك هي في غنى عنه مما جعلت سكان المحافظات الجنوبية ينتقدون حكومة اوردغان التي حرمتهم من نشاط سياحي وتجاري يدر عليهم رزقا وفيرا, والأردن الذي يتظاهر أهله من قساوة الأسعار, ومصر التي تموج بالاضطراب وليبيا التي تتصارع فيها القبائل والأحزاب وتونس التي لم تنعم بهدوء البال منذ حادثة محمد بوعزيز وما تلاه من انقسام واحتراب, وغزة التي يحاصرها الإسرائيليون , واليمن الذي أتعبته انقساماته وأدمته جروحه والبحرين التي لم تحترم مظاهراتها السلمية والكويت التي تخاف من السلفية والسعودية المهددة بانقضاء أيام أولاد الدرعية, والسودان الحائر بين جنوبه وشماله والمهدد بالوعود الانتقامية, والصومال الجائع من جراء فوضى البلطجية.هذه هي حالنا التي أصبحت فرجة للآخرين, وهذه هي أمورنا التي أصبحت هرجا ومرجا ينتظر فرجا لأنه لا يعرف لأزمته مخرجا.